وإذا وقفت على حقيقة هذه المادة في لسان العرب: " الفقه " فاعلم أَنه بمعناه الشرعي من الأَلفاظ الإسلامية التي لا يعرف إِطلاقها قبل الإسلام، بمعنى: " أَن لفظ فقيه، وعالم: لمن فقه وفهم في دين الإسلام وأَحكامه " ونظائره كثيرة من " تطور الدلالات " في: الأَسباب الإسلامية، والحقائق الشرعية، لأَلْفَاظٍ جَمَّةٍ، لم يعهد إِطلاقها على تلك المعاني قبل مجيء الإسلام، منها هذا اللفظ، ولفظ: " الأَدب، والمنافق، والفاسق، والعقيدة " ونحوها كثير وبخاصة في الألفاظ التي تطلق على الشعائر الدينية
_________________
(١) الفائق: ٣/ ١٣٤
(٢) النهاية في غريب الحديث
[ ١ / ٣٩ ]
ثم تطورت تلك الأَلفاظ، ونحوها منذ ظهور الإسلام، بل كان اللفظ الواحد يمر بعدة مراحل ودلالات، منها: لفظ: " التأويل " فهو في لسان المتقدمين بمعنى: " التفسير " وعند كثير من المتأخرين، يرادف معنى: " التحريف " (١)
ومنها لفظ الفقه مع استمرار ارتباطه بأصل معناه اللغوي واشتقاقه، وإليك البيان:
جاءت هذه الكلمة وما تصرف منها في عشرين آية من كتاب الله- تعالى-.
منها قول الله- تعالى-: " فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ " [التوبة/ ١٢٢] .
أَي ليكونوا علماء بالدِّين، وأَما في السنة النبوية، فقد كثرت النصوص التي تعني بالفقه: " الفقه في الدّين " كما في الحديث الصحيح في دعاء النبي ﷺ لابن عباس﵄-: " اللهم علِّمه التأويل وفقهه في الدين " وأصله في الصحيحين
أَي: علمه وفهمه تأويله، وقد صار﵁- كذلك؛ لذا لقب: " بِحَبْرِ الأمة " و" تُرْجُمَانِ القرآن "
_________________
(١) الفتاوى: ٣/١٦٥ - ١٦٦، ٤/ ٦٨ - ٧٥، وفي مواضع أخرى وانظر الصواعق المرسلة لابن القيم
[ ١ / ٤٠ ]
من هنا غلبَ هذا اللفظ: " الفقه " على: " عِلم الدِّين " ويُقال: " الفقه في الشريعة " ويُقال: " علم الشريعة " وذلك؛ لشرفه.
وهذا كما غَلَب اسم: " النجم " على: " الثُّرَيا ".
ولهذا فإِذا رأيت في كلام الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين هذه الكلمة: " فِقْه " و" فقيه " و" فقه في الدِّين " و" أَهل الفقه "، و" فقهاء المسلمين " و" فقهاء أَهل الأَرض " و" الشريعة " و" علماء الشريعة " و" الدين " و" علماء الدِّين " بمعنى " علماء الإسلام " فجميعها على هذا المعنى العام الشامل الذي ينتظم: العلم والفهم في دين الإسلام، في أيٍّ مِنْ أَحكامه: في الاعتقاد، والآداب، والأَحكام لأَفعال العبيد.
وهذه الحقيقة الشرعية لكلمة: " فِقْه " و" فقيه " مرتبطة بالحقيقة اللغوية لها بجامعِ: العلم والفهم.