تقدَّم بيان حقيقته لغة، والنقل إلى: الحقيقة العرفية وتاريخ انتقالها في التمذهب الفقهي الفروعي، فما هو الحد لها في الاصطلاح؟
دارت كلمة الأَصحاب في بيان حقيقة مذهب الإنسان، على أَمرين:
على: " الاعتقاد " أَو على " القول " وما في حكمه.
أَما اعتماد حقيقة مذهب الِإنسان على الاعتقاد (٢)، فقال القاضي نجم الدِّين أَبو عبد الله أَحمد بن حمدان الحنبلي. المتوفى سنة (٦٩٥ هـ): " وقيل: مذهب كل أَحد- عرفاَ وعادة- ما اعتقده جزماَ أَو ظناَ " انتهى.
ومن القائلين به: أَبو الحسين البصري: محمد بن علي بن الطيب الشافعي المعتزلي، المتوفى سنة (٤٣٦ هـ) قال (٣):
_________________
(١) محاضرات في تاريخ المذهب المالكي. لعمر الجيدي: ص/ ٧- ٨
(٢) المسودة: ص: ٥٢٤، ٥٣٣، الإنصاف: ١٢/ ٢٤١، المدخل ص/ ٤٨، ٥٢
(٣) المعتمد في أصول الفقه: ٢/ ٣١٣
[ ١ / ٣٤ ]
" مذهب الإنسان هو اعتقاده، فمتى ظننا اعتقاد الإنسان أَو عرفناه ضرورة، أَو بدليل مجمل أَو مفصل، قلنا: إنَّه مذهبه " انتهى.
وأَما اعتماده على " القول ولوازمه " فقال أَبو الخطَّاب الكلوذاني الحنبلي. ت سنة (٥١٠ هـ)، وابن حمدان الحنبلي، المتوفى سنة (٦٩٥ هـ)، والشمس ابن مفلح الحنبلي، المتوفى سنة (٧٦٣ هـ) - بعبارات متقاربة- واللفظ لأَبي الخطاب (١):
" مذهب الِإنسان: ما قاله، أَوْ دَلَّ عليه بما يجري مجرى القول من تنبيه أَو غيره، فإِن عدم ذلك لم تجز إضافته إِليه " انتهى.
وقال أَبو الخطاب أَيضا (١): " مذهبه ما نص عليه، أَوْ نبَه عليه، أَو شملته علته التي عَلَّل بها " انتهى.
وقال ابن حمدان (٢): " مذهبه: ما قاله بدليل ومات قائلًا به " انتهى.
وقال ابن مفلح (٣): " مذهب الِإنسان ما قاله، أَو جرى مجراه من تنبيه أَو غيره " انتهى.
وَلاَ تبَاعُدَ- بحمد الله- فالخلاف الحاصل في العِبَارات لا في الاعْتِبَارَات فالاعتقاد هو الباعث على القول، والقول وما في معناه هو
_________________
(١) المسودة: ص/ ٥٢٤
(٢) المسودة: ص/ ٥٣٣، ولم يعزه له. الإنصاف: ١٢/٢٤١
(٣) الإنصاف: ١٢/ ٢٤١
[ ١ / ٣٥ ]
المنبعث عنه، فيمكن أن يُقال: حقيقة مذهب الإنسان: " ما قاله معتقدًا له بدليله ومات عليه، أوما جرى مجرى قوله أو شملته علته " والله أعلم.
فقولنا: " ما قاله معتقدا له بدليله ومات عليه ".
هذا هو القدر المتفق عليه فيما تصح نسبته للمجتهد وهو " المذهب حقيقة "، وما بقي فهو " المذهب اصطلاحًا " وهو من ناحية إضافة المذهب إليه من جهة القياس، ولازم المذهب، وفعله، وما إلى ذلك مما نراه في طرق معرفة المذهب ومما صار للأًصحاب من مسالك وطرق في فهم كلامه، وتنزيل رواياته، والتخريج عليها، فهي محل خلاف في نسبتها لمذهب إمام المذهب، ثم إن الأصحاب- أحسن الله إليهم- رسموا لكلا الوجهين معالم، وأثبتوا لها أصولًا، ورسموا لها طرقًا، يتفرع منها اجتهادهم في الاختيار والترجيح، والتحقيق، والتنقيح للمعتمد من المذهب، ثم التخريج من محققي المذهب؛ فآلت الكيفية التي يُعْرَفُ بها المذهب المعتمد في طريقين: الطريق الأول: أخذ المذهب ومعرفته من كتب الإمام، وكتب الرواية عنه.
الطريق الثاني: أخذ المذهب ومعرفته من طريقة الأصحاب في كتبهم المعتمدة في المذهب والحديث عنها بتفصيل في الفصلين الآتيين في " المدخل السابع " فصار- مثلًا- مذهب الإمام أحمد، هو:
[ ١ / ٣٦ ]
" ما ذهب إِليه في كتبه، أَو المروي عنه " هذا بالِإجماع، " أَو المخرج على قوله في المسائل الاجتهادية " على الخلاف وهذه حقيقة: " المذهب الحنبلي "، وهي لكل واحد من المذاهب الثلاثة المتبوعة.
[ ١ / ٣٧ ]