قال ابن خلدون. ت سنة (٨٠٨ هـ) في: " الفصل الثالث عشر " من: " الباب السادس " في: " المقدمة: ٢/ ١٢٨ ":
" ثم إِن الصحابة كلهم لم يكونوا أَهل فتيا، ولا كان الدِّين يؤخذ من جميعهم، وإنما كان ذلك مختصًّا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه، ومتشابهه، ومحكمه، وسائر دلالته، بما تلقوه من النبي ﷺ أَو ممن سمعه منهم من عِلْيتهم، وكانوا يسمون لذلك: " القرَّاء " أَي: الذين يقرؤون الكتاب؛ لأَن العرب كانوا أمة أُميّة، فاختص من كان منهم قارئًا للكتاب بهذا الاسم؛ لغرابته يومئذٍ، وبقي الأَمر كذلك صدر الملة " انتهى.
فهذا من ابن خلدون، يفيد تلقيب العلماء بالقراء، وواضح من سياقه أَمران:
الأَول: أَنه يطلق على الذين يقرؤون القرآن، ويفقهون معانيه، ويعرفون أَحكامه، ودلالاته، حتى تأهلوا للفتيا.
الثاني: أنه لقب شريف يطلق عليهم، لا أنهم لا يُعْرَفُوْنَ إلا بهذا اللقب
[ ١ / ٤٢ ]
وقد تُعُقِّب (١) في جعله: " اسم القُرَّاء مقابلًا لاسم الفقهاء؛ محتجًا عليه بأَثر ابن مسعود﵁-: " إنَّك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه إلى أَن قال: وسيأتي على الناس زمان: قليل فقهاؤه، كثير قراؤه " رواه مالك في " الموطأ " برقم/ ٩١ ص/ ١٢٤.
وهذا مِمَّا لا يوافق عليه، للأمرين المذكورين؛ ولأَن القرَّاء في الِإطلاق المذكور هم الذين جمعوا بين قراءة القرآن وفقهه، وسيأتي زمان يكثر فيه: " القراء " الذين لا فقه لهم، فيكون اسم: " القراء " من المشترك اللفظي، وهذا كثير في اللغة والاصطلاح.
والأَصل: أن الكلام إذا قاله صاحب الاستقراء، فإنَّه يُسلم له بدليله، وإِن أَطلقه بلا دليل صار في دائرة الإمكان ولا نبادره بالإنكار، كيف وحمل كلامه على الصحة ظاهر كما رأيَت؟ والله أَعلم.