تترجم هذه بآثاره، أو حِكمته، أو فائدته، وهي:
١- أَن الاختلاف بهذا الاعتبار من كمال الشريعة وشمولها، وسعتها، والتوسعة على العباد والرحمة بهم.
وكونه رحمة للخلق وتوسعة عليهم، هو من جهة مَنح الشرع المطهر للمجتهد: الاجتهاد في استنباط أَحكام النوازل من الأَدلة الشرعية، لا أَن يقول الِإنسان بقول أَحدهم من غير أَن يكون الصواب لجانب ذلك القول كما حرره ابن عبد البر في: " جامعه ": (٢/ ٨٢- ٨٣) . أَما الأَخذ على التخيير، فَهوَ فيما ورد في الشرع من مسائل فيها: " اختلاف تنوع " لا تضاد.
وقد جاءت الشريعة باختلاف التنوع بخاصة في العبادات كما في صيغ: الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتحيات، والصلاة الإبراهيمية، والدعاء بين السجدتين، والسلام، وغيرها كثير مع ما فيها
[ ١ / ٩٨ ]
من تفضيل بعضها على بعض.
وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول: ما يسرني أَن أَصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا، لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا وإذا اختلفوا فأَخذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا، كان في الأمر سعة. " الفتاوى: (٣٠/ ٨٠) ".
ورحم الله الإمام أَحمد فإِن تلميذه إِسحاق بن بهلول الأَنباري سمى كتابه: " كتاب الاختلاف " فقال له أَحمد: سَمَهِ " كتاب السعة " كما في ترجمته من: " الطبقات ".
وفي ترجمة: طلحة بن مصرف- رحمه الله تعالى- من " الحلية: (٥/١١٩) " قال عنه موسى الجهني: " كان طلحة إِذا ذكر عنده الاختلاف، قال: لا تقولوا: الاختلاف، ولكن قولوا: السعة " انتهى. وقال ابن قدامة- رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه: " المغني ": " أَما بعد: فإِن الله برحمته وطوله وقوته وحوله، ضمن بقاء طائفة من هذه الأمة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك، وجعلَ السبب في بقائهم بقاءَ علمائهم، واقتداءهم بأئمتهم وفقهائهم، وجعلَ هذه الأُمة مع علمائها كالأمم الخالية مع أنبيائها، وأَظهرَ في كل طبقة من فقهائها أَئمة يُقتدى بها، ويُنتهى إلى رأيها، وجعل في سلف هذه الأمَّة أئمة من الأعلام، مَهَّدَ بِهم قواعد الإسلام، وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجة
[ ١ / ٩٩ ]
قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة " انتهى
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في: " الفتاوى: ١٤/١٥٩ ": " والنزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر عظيم من خفاء الحكم، ولهذا صنَّف رجل كتاباَ سمّاه: كتاب الاختلاف، فقال أحمد: سمه كتاب السعة، وأن الحق في نفس الأمر واحد، وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه؛ لما في ظهوره من الشدة عليه، ويكون من باب قوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) " انتهى.
وقال أيضًا: " ٣٠/ ٨٠ " في جواب له على منع الإلزام بالمختلف فيه: ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وكان عمر بن عبد العزيز وذكره " انتهى.
وقال الشيخ مرعي الحنبلي كما في: " عمدة التحقيق " لسعيد الباني: (ص ٣٧): " إن اختلاف المذاهب في هذه الملة رحمة كبيرة، وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون، فاختلافها خصيصة لهذه الأمَّة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة انتهى.
ويتحصَّل من هذا التقرير أن هذا النوع من الخلاف ضرورة تمليه: الشريعة، واللغة، واختلاف أحوال البشر وتغيُّر أنماط الحياة
[ ١ / ١٠٠ ]
وأَن من يدعو إلى جمع الناس على رأي واحد، أو مذهب واحد في كل ما جاز فيه الخلاف، فقد رام الشطط، ونفخ في غير ضرم، وتحجر رحمة الله وهي أَوسع.
وهُنا يورد بعض طلبة العلم: قول الله تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) وهذا من الخطأ في فهم كتاب الله تعالى.
وبيانه: أَن أهل الاجتهاد من علماء أمة محمد ﷺ ليس الخلاف ملازمًا لهم في كل أمور دينهم، فهم غير داخلين في قوله تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) وإنَّما هم داخلون فيمن تداركهم الله برحمته في قوله- سبحانه-: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) فهم مرحومون بإجماعهم على أصول الدين وفروعه المجمع عليها ومشمولون بالرحمة باختلافهم؛ لاختلاف الفهوم في الفروع غير المتفق عليها، توسعة من الله عليهم ورحمة بهم؛ لاختلاف أَحوالهم، وتعدد نوازلهم، فآل اختلافهم فيها كاتفاقهم فيما سواها، الكل رحمة من الله لهم. وللعلاَّمة الشاطبي- رحمه الله تعالى- فضل التنبيه المفصَّل
على ذلك في: " الاعتصام: ٢/١٦٨-١٧٣ " فلينظر والله أعلم.
٢- وبه تعرف عُمق فقه السلف حين نهوا عن: " الأغلوطات " (١)
وهي السؤال عما لم يقع، وعن التعمق في ذلك، وهو ما عرف بعد
_________________
(١) وانظر شرح الحديث التاسع من: " جامع العلوم والحكم لابن رجب.
[ ١ / ١٠١ ]
باسم: " الفقه التقديري "، لأنه حكم على الصورة المنقدحة في الذهن دون معرفة مَا يَحف بِها، فَتُرِكَ ذلك واجتهاد الناس لما فيه من أمور مستقبلية تؤثر على النتيجة الحكمية، حسب اختلاف الأَزمان، وحسب اختلاف الأَشخاص، وحسب اختلاف الأَحوال والأَماكن، وحسب اختلاف الأَعراف والعوائد، وحسب تقدير المصالح العامة والخاصة.
قال الزمخشري عند قول الله تعالى. (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ): " الشرائع مصالح تختلف باختلاف الأَحوال والأَوقات فلكل وقت حكم يكتب على العباد، أَي: يفرض عليهم على ما يقتضيه استصلاحهم " انتهى
وهذا يوقفك بانبساط على معنى قول الله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: ٨٩] فهو تبيان لكل شيء بأصوله وقواعده الكبيرة الكلية الشاملة، كل واحدة منها كَالجِذْع تتفرع منه الأَغصان.
وكم وراء هذا المنهج الاستنباطي من حِكَمٍ ومصالح، منها: ترويض النفوس على إِجالة النظر، والصبر والدأب، وتحريك الثروة الفقهية طلباَ لمزيد الربح من استنباط الأَحكام، وعمارة الحواس باستخراجها، وهذا من فضائل هذا الدّين، وسعته وشموله، وأَنه دين رحمة وسعة ورأفة بالخلق من الخالق، ولهذا رأينا جهود العلماء
[ ١ / ١٠٢ ]
تتبارى، وصريف أَقلامهم يتجاوب على امتداد الزمن لِمَدَ حركة الفقه، وبسط أَحكامه لقاء تسلسل القضايا، وتتابع الأَحداث، واختلاف المفاهيم؟ ليبقى ظِلُ الفقه ممدودًا لا قالصًا، والأَجر على الاشتغال به كاملًا موفورًا لا ناقصًا، وهذا من المزيد في فضائل أمة محمد.
وانظر إلى حكمة الله سبحانه في إِخفاء ليلة القدر ليجتهد المسلمون في الطلب فيزداد التهجد والتعبُّد في جميع ليالي العشر، وهذا من رحمة الله بعباده، وتقوية النفوس على التعبُّد، وكذلك هنا تشحذ الهمم على التفقُه، وتجول الأَفكار، وتتحرك الأَنظار، وينمى رأس المال بما يتفق ومصالح العباد في الحال والمآل.
وقد أَلف السيوطي رحمه الله تعالى في فتح باب الاجتهاد وبيان نعمة الله بهذه المنح الِإلهية لعلماء أُمة محمد ﷺ وانتصر لمذهب الإمام أَحمد في ذلك، وَرَدَّ على المخالفين من أهل مذهبه الشافعية وغيرهم في كتابين: " الرد على من أَخلد إلى الأَرض وجهل أَن الاجتهاد في كل عصر فرض " و" تيسير الاجتهاد ".
ومن هنا جاءت في كل مذهب هذه الثروة الفقهية العظيمة، وبدا فيها من عجائب الفقه والتفقه، وتعليل الأَحكام، وبيان مداركها، وتحقيق مناطها، وآثار اختلاف الأَفهام، وفائدة الخلاف؛ ما بهر العقول، وبلغ الألوف، ومنه في هذا المذهب المبارك إذ جاوزت كتبه الألف
[ ١ / ١٠٣ ]
في الفقه وأصوله وقواعده، فلله الحمد وله النعمة والفضل.
٣- إِلقاء حكمة الابتلاء والاختبار، لمن يطلب الحكم بدافع معرفة الحق، ومن يطلبه بدافع الهوى والتشهي، والترخُّص بتتبع الآراء الشاذة، والأقوال الغثة.
٤- وبهذا التقرير يعرف السِرَّ في إقرار كل فريق على العمل باجتهاده، والسر في عدم جواز حمل السلطان الناس على أَحد القولين أو الأقوال وإِلزامهم به، أو على مذهب فلان وفلان، كما قال مالك وغيره من الأَئمة: ليس للفقيه أَن يحمل الناس على مذهبه، وفي عدم جواز الِإنكار باليد في المسائل الاجتهادية، لكن يُبين الفقيه بسلطان الحجة العلمية ما يعتقده، ولا يلزم أَحد باتباعه، ولا ينكر عليه باليد إذا خالفه، كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى-: " الفتاوى " ٣٠/ ٧٩- ٨١ "، " ١٩/ ١٢٥- ١٢٦ " فالسلطان هنا للحجة والعلم لا المقدرة وبسط اليد.
٥- تكثير أجور أُمة محمد ﷺ إِذْ جعلَ أَجرين لمن اجتهد وأَصاب، وأَجرا واحدا لمن اجتهد فأَخطأ.
٦- ثم " الخلاف " سنة من سنن الله كَوْنا وَقَدَراَ، ودينا وشرعًا، ولهذا تراه في القرآن الكريم عن " ملائكة الرحمن ": (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ) [ص/٦٩]، وبين أنبياء الله ورسله كما في قصة موسى وهارون، وقصة موسى والخضر، وقصة داود وابنه
[ ١ / ١٠٤ ]
سليمان، وهكذا. وفي السنة المشرفة: محاجة آدم وموسى، وقصة داود وسليمان في شأن المرأتين المختصمتين في طفل، واختصام الملائكة في مصير الرجل الذي قتل مائة نفس إلى آخر ما بسطه ابن الوزير في: " إِيثار الحق "، ثم قال:
فدلَ على اتساع الأمر فيما الـ كرام فيه خالفت الكراما
وما سبب الخلاف سوى اتساع الـ علوم هناك نقصا أَو تماما
ولم يفلح أَبدًا من تصدَّى للاجتهاد كُلاّ أو جزءًا وهو غير متأهل دينًا، وعلمًا، وفقهًا، يدفعه حب الظهور، والولع بالشذوذ، وضغط الإسلام للواقع، وضغط النصوص للوقائع، وتحميل النصوص ما لا تحتمله، وممالأة الولاة، وتصيد الرغبات، وتسويغ تصرفاتهم باسم الشرع المطهَّر، والجرأة على الفتيا، والمسارعة إليها: " ها أنذا فاعرفوني " فيصدر من الفتاوى بما يصح أَن نُلقبه باسم: " الفتاوى المغتصبة "،
ومنها إصدار " الفتاوى الطائرة " في المجالس، والجلسات العارضة، في كبريات المسائل والنوازل، مِمَّا لو حصل في الصدر الأول لَجَمَع له أَبو بكر﵁-: عمر، ومن معه من وجوه الصحابة﵃-.
وهكذا في موجة نكدة يأباها الله ورسوله والمؤمنون.
ولم يُفْلح من جعل من هذا النوع من الخلاف محنة وشعارا
[ ١ / ١٠٥ ]
يعقد الولاء على الموافقة له، والبراءة على المخالفة له فيتخذه منفذًا للفرقة، وَبَثِّ الفتنة والتعادي بجعل المخالف خصما لدودًا، وخلافه مشؤومًا، والنفخ في الانتصار لمدرسة على أخرى لا للدليل وداعي الطواعية لله ولرسوله ﷺ، لكن للعصبية والهوى، حتى تطور هذا العداء إلى مواجهات من التنازع والاختلاف، والخصام والتدابر ثم جرَّت هذه إلى مواجهات عسكرية، ومن نظر في: " معجم البلدان " والبحر الرائق لابن نجيم الحنفي: (٣/ ١١٥) وغيرهما رأى من نماذج هذه المواجهات ما يأباه الله ورسوله والمؤمنون.
ومن هنا وجد المندسُّون في الصف الإسلامي فرصة لتشييد هذه المواجهات، تبديدًا لوحدة المسلمين، وتفريقا لجماعتهم، فليحذر المسلم الولوج في هذه المضايق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- في " الفتاوى ٣٢/١٣٧ " في معرض بحثه بعض المسائل الخلافية الفقهية:
(وبمثل ذلك صار وزير التتر يلقي الفتنة بين مذاهب أهل السنة، حتى يدعوهم إلى الخروج عن السنة والجماعة، ويوقعهم في مذاهب الرافضة، وأَهل الِإلحاد ) انتهى.
ونحوه لدى ابن الوزير في: " الإيثار ٣٧٥ ".
وقد وصلَ إلى بعض الكتب المعتمدة لأئمة كبار يُشار إليهم بالبنان في العلم والإيمان، نَفْثَةٌ بعبارات كان الأجمل: التحامي عنها،
[ ١ / ١٠٦ ]
منها: " قال الخصم " كما في: " التحقيق " لابن الجوزي، و" أَحاديث الخصوم " كما في: " نصب الراية " للزيلعي، و" وأَمَا حديثهم " كما في: " المغني " لابن قدامة، فيا ليتها لم تحصل، كما تركوا نظيرتها من العبارات. " آيات الخصوم " و" وأَمَّا آيتهم " - غفر الله للجميع بمنه وكرمه-.
ولم يفلح من جعلَ هذا النوع من الخلاف سبيلًا إلى تسويغ ما لا يجوز فيه الخلاف من أمور الاعتقاد، وغيرها، فهذا تفريط في جنب الله، وتعدٍ لحدوده، ولا يقول بهذا إلَّا أهل الأَهواء؛ لنشرها، وإفشاء البدع والجهالات، وإنكار هذا هو موضوع رسالة: " إِتمام المنة والنعمة في ذم اختلاف الأمة " للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ت سنة (١٢٩٢هـ) - رحمه الله تعالى- واليوم نُصَوِّبهُ ردًا عل فاتحة كتاب: " صفحات في أدب الرأي "
ولم يفلح من جعل هذا النوع من الخلاف سبيلًا إلى النيل من هذا الدِّين وإلى علمائه المجتهدين، لما تقدم.
ولم يفلح من جعل من هذا الخلاف سبيلًا إلى تتبع رخص المذاهب، ونادر الخلاف، وندرة المخالف، والتقاط الشواذ، وتبني الآراء المهجورة، والغلط على الأَئمة ونصبها للناس دينًا وشرعا وقده بينت ذلك مبسوطًا في: " التعالم ".
ومنها إصدار الفتاوى الشاذة الفاسدة، مثل: الفتوى بجواز الفوائد الربوية، وشهادات الاستثمار وسندات الخزينة، وفتوى إباحة
[ ١ / ١٠٧ ]
التأمين، وفتوى إِباحة السفور، وفتوى إِباحة الاختلاط. وكلها فتاوى شاذة فاسدة تُمالئ الرغبات، وبعض التوجهات، وقد رفضها المسلمون، وبقيت في دفاتر مصدريها يحملون مسؤليتها، نسأل الله السلامة والعافية، وهي حقيقة أَن تُلقب باسم: " الفتاوى المغتصبة "، وللشاطبي- رحمه الله تعالى- في: " الموافقات: ٤/ ٢٥٩- ٢٦٠ " كلام نفيس في أَن تتبع الخلاف، والقول الشاذ؛ من اتباع الهوى. والله أعلم.
وكل هذه أذايا يُحَارِبُ بها المسلمون أَنفسهم، ويَصْدَعُوْنَ بها صَفَّهم، ويَسْتَعْدُوْنَ بها الكافرين عليهم!!
ولإحساس العلماء بالخطر من إِثارة النقع في هذه القضية، أَصدر المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي قراره رقم ٩ في ٢٤/ ٢/ ١٤٠٨هـ وهذا نصه:
" الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم
أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ٢٤ صفر ١٤٥٨هـ الموافق ١٧ أكتوبر ١٩٨٧م إلى يوم الأَربعاء ٢٨ صفر ١٤٠٨ هـ. الموافق ٢١ أكتوبر ١٩٨٧م قد نظرَ في موضوع الخلاف الفقهي بين
[ ١ / ١٠٨ ]
المذاهب المتبعة، وفي التعصب الممقوت من بعض أَتباع المذاهب لمذهبهم تعصبا يخرج عن حدود الاعتدال، ويصل بأصحابه إلى الطعن في المذاهب الأخرى وعلمائها.
واستعرض المجلس المشكلات التي تقع في عقول الناشئة العصرية وتصوراتهم حول اختلاف المذاهب الذي لا يعرفون مبناه ومعناه، فيوحي إليهم المضللون بأَنه مادام الشرع الإسلامي واحدًا وأصوله من القرآن العظيم والسُّنة النبوية الثابتة متحدة أيضا، فلماذا اختلاف المذاهب؟ ولمَ لا تُوحَّد حتى يصبح المسلمون أمام مَذهب واحد، وفهم واحد لأحكام الشريعة؟ كما استعرض المجلس أيضا أمر العصبية المذهبية والمشكلات التي تنشأ عنها، ولاسيما بين أتباع بعض الاتجاهات الحديثة اليوم في عصرنا هذا، حيث يدعو أَصحابها إلى خط اجتهادي جديد، ويطعنون في المذاهب القائمة التي تلقتها الأمَّة بالقبول من أقدم العصور الإسلامية، ويطعنون في أَئمتها أو بعضهم ضلالا، ويوقعون الفتنة بين الناس.
وبعد المداولة في هذا الموضوع ووقائعه وملابساته ونتائجه في التضليل والفتنة، قرر المجمع الفقهي توجيه البيان التالي إلى كلا الفريقين: المضللين والمتعصبين؛ تنبيهًا وتبصيرا:
أولا: حول اختلاف المذاهب:
إن اختلاف المذاهب الفكرية القائم في البلاد الإسلامية نوعان:
[ ١ / ١٠٩ ]
(أ) اختلاف في المذاهب الاعتقادية
(ب) واختلاف في المذاهب الفقهية
فأَما الأول: وهو الاختلاف الاعتقادي، فهو في الواقع مصيبة جرَّت إلى كوارث في البلاد الإسلامية، وشقّت صفوف المسلمين وفرقت كلمتهم، وهي مما يؤسف له ويجب أَن لا يكون وأَن تجتمع الأُمة على مذهب أَهل السنة والجماعة الذي يمثل الفكر الإسلامي السليم في عهد رسول الله ﷺ وعهد الخلافة الراشدة التي أَعلن الرسول أًنها امتداد لسنته بقوله: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ "
وأَما الثاني: وهو اختلاف المذاهب الفقهية في بعض المسائل فله أَسباب علمية اقتضته، ولله سبحانه في ذلك حكمة بالغة ومنها الرحمة بعباده وتوسيع مجال استنباط الأَحكام من النصوص، ثم هي بعد ذلك نعمة وثروة فقهية تشريعية تجعل الأمة الإسلامية في سعة من أَمر دينها وشريعتها، فلا تنحصر في تطبيق شرعي واحد حصرًا لا مناص لها منه إلى غيره، بل إذا ضاق بالأمة مذهب أَحد الأَئمة الفقهاء في وقت ما أو في أَمر ما وجدت في المذهب الآخر سعة ورفقًا ويسرًا، سواء أَكان ذلك في شؤون العبادة أَم في المعاملات وشؤون الأسرة والقضاء والجنايات على ضوء الأدلَّة الشرعية
فهذا النوع الثاني من اختلاف المذاهب، وهو الاختلاف
[ ١ / ١١٠ ]
الفقهي، ليس نقيصة ولا تناقضًا في ديننا، ولا يمكن أَن لايكون، فلا يوجد أُمة فيها نظام تشريعي كامل بفقهه واجتهاده ليس فيها هذا الاختلاف الفقهي الاجتهادي.
فالواقع أَن هذا الاختلاف لا يمكن أَن لا يكون؛ لأن النصوص الأَصلية كثيرًا ما تحتمل أَكثر من معنى واحد، كما أَنَّ النص لا يمكن أَن يستوعب جميع الوقائع المحتملة؛ لأن النصوص محدودة، والوقائع غير محدودة، كما قال جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى، فلابد من اللجوء إلى القياس، والنظر إلى علل الأَحكام، وغرض الشارع، والمقاصد العامة للشريعة، وتحكيمها في الواقع والنوازل المستجدة، وفي هذا تختلف فهوم العلماء وترجيحاتهم بين الاحتمالات، فتختلف أَحكامهم في الموضوع الواحد، وكل منهم يقصد الحق ويبحث عنه، فمن أَصاب فله أَجران، ومن أَخطأ فله أَجر واحد، ومن هنا تنشأ السعة ويزول الحرج.
فأَين النقيصه في وجود هذا الاختلاف المذهبي الذي أَوضحنا ما فيه من الخير والرحمة؟ وأَنه في الواقع نعمة ورحمة من الله بعباده المؤمنين، وهو في الوقت ذاته ثروة تشريعية عظمى، ومزية جديرة بأَن تتباهى بها الأمَّة الإسلامية، ولكن المضللين من الأَجانب الذين يستغلون ضعف الثقافة الإسلامية لدى بعض الشباب المسلم ولاسيما الذين يدرسون لديهم في الخارج، فيصورون لهم اختلاف المذاهب الفقهية هذا كما لو كان اختلافًا اعتقاديًا؛ ليوحوا إليهم
[ ١ / ١١١ ]
- ظلمًا وزوراَ- بأَنَّه يدل على تناقض الشريعة، دون أَن ينتبهوا إلى الفرق بين النوعين، وشتَّان ما بينهما.
ثانيا: وأما تلك الفئة الأخرى التي تدعو إلى نبذ المذاهب، وتريد أَن تحمل الناس على خط اجتهادي جديد لها، وتطعن في المذاهب الفقهية ومزايا وجودها وأَئمتها أو بعضهم، ففي بياننا الآنف عن المذاهب الفقهية ومزايا وجودها وأَئمتها ما يوجب عليهم أَن يكفوا عن هذا الأسلوب البغيض الذي ينتهجونه، ويضللون به الناس ويشقون صفوفهم، ويفرقون كلمتهم، في وقت نحن أَحوج ما نكون إلى جمع الكلمة في مواجهة التحديات الخطيرة من أَعداء الإسلام، بدلًا من هذه الدعوة المفرقة التي لا حاجة إليها.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما كثيرًا والحمد لله رب العالمين " انتهى.
والآن قد علمت الجواب ممَّا تقدَّم مبسوطا، وخلاصته: أَنَّه لايوجد اختلاف تضاد أَصلاَ من جهه التنزيل والوحي في أَي أَمر من أمور الشرع المستمرة الحكم، وأَن هذا أيضا مستمر الحكم في الأصول الملية، والقواعد الكلية، وكثير من الفروع الشرعية، وأَن الخلاف الحاصل في شيء منها اختلاف باطل مذموم لا يأتي به الشرع أصلًا، وأَما الخلاف الحاصل في فروع تشريعية سوى المجمع عليها إنما جاء من قبل اختلاف فهوم المجتهدين لا غير على
[ ١ / ١١٢ ]
ما مضى تفصيله وتوجيهه، وأَنه لا عيب على الدِّين ولا على المجتهدين، وأَن في هذا من الحِكَمِ والأَسرار التشريعية، الخيرَ الكثير والفضلَ النمير
* وبعد: فلينعقد قلب المسلم على أَصل الدِّين وقاعدته: كمال الدّين وشموله، كما قال الله تعالى في محكم تنزيله. (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [الماندة: ٣]
وأنَّ اختلاف الفهوم في تقدير الواقعات وتطبيق الحكم الشرعي عليها، واختلافها في مقاييس التصحيح والتضعيف: من كمال الدِّين وتمام النعمة وسعة الشريعة، ولا يمس شيء من ذلك البتة كمال دين الله وتمام شرعه، بل هو من كماله وتمامه على الوجه المشروع.
وهو- لعمر الله- مشروط بصدوره من متأهل نابذٍ لأَمراض الشهوة والشبهة من الهوى، والتعصب المذهبي، فهو كناشد الضالة؛ هَمُّهُ الحصول عليها على يده أو على يد غيره، وهذا هو هدي الصحابة ﵃- ومن قفا أثرهم إلى يومنا هذا، ثم كان مسعاهم هذا ليشغلوا أَنفسهم بالعمل به لا للمراء والجدل، فهم أَرباب علم وعمل- وفقنا الله لسلوك سبيلهم-.
وبهذا تعلم أَن انقداح خلاف ذلك في النفس: من أَمراض الشبهات، وقد تساقط في مجاهلها أَفراد لم تتجاوز كلماتهم شفاههم، بدءًا بالحسين بن علي الكرابيسي، المتوفى سنة (٢٤٨ هـ)
[ ١ / ١١٣ ]
قال أَبو طالب أَحمد بن حميد المشكاني كما في ترجمته من: " الطبقات ": " أخبروني عن الكرابيسي أَنه ذكر قول الله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ..) الآية. قال: لو أَكمل لنا ديننا ماكان هذا الاختلاف، فقال- يعني أحمد بن حنبل-: هذا الكفر صراحا ". انتهى
والكرابيسي كان مُسَاءًا، مَرْمِيًّا بالتجهم.
ونهاية بصاحب كتاب: " كشف الأَستار " إِذ قال- قبَّحه الله- بعد سياق آية المائدة المذكورة: " وأوضِّح بأَن النبي لو كان قد بلغ بأَمر الإمامة طبقًا لما أَمر به الله، وبذل المساعي في هذا المجال؛ لما نشبت في البلدان الإسلامية كل هذه الاختلافات والمشاحنات والمعارك، ولما ظهرت ثمة خلافات في أصول الدِّين وفروعه " انتهى.
وقوله هذا أَكفر من كلام الكرابيسي، وكلاهما يستسق من عين واحدة: مرض الشبهة، وتبني الخلاف الباطل المذموم شرعًا وهكذا مَنْ سَلَّمَ نفسه لداعى الهوى؛ رمته الأَهواء في معاطب لا مخلص له منها، ويبقى فيها فريدًا، وإن ضلَّ به أَقوام، ويبقى الحق ماكثًا في الأَرض ينفع الخلق، ويتمحص به الحق من الباطل.
ولهذا فليجعل المسلم كلمات السلف وسيرتهم مرآة له ينظر من خلالها في القدوة والاقتداء بالشرع المطهَّر وليحذر الانضواء تحت أذيال أهل الأَهواء والالتفات إليها، لما فيه من فساد الانتماء إلى الإسلام فاحذروا.
[ ١ / ١١٤ ]
ولا تستطل هذا الفصل، فإن إطالته أقعد للفهم، وهذا فَضْل وطَوْل، ودعوة إلى جعل الخلاف الجائز سبيلًا للوفاق والوئام ونبذ التعصب والتنابذ
وسترى- إِن شاء الله تعالى- البيان عن الثروة الفقهية في فقه مذهب الإمام أَحمد، المتوفى سنة (٢٤١ هـ) - رحمه الله تعالى- والمَجْدِ الفِقْهِيِّ الذي خَلفه لنا عُلَمَاءُ المذهب خِلاَلَ اثني عشر قرنًا، في: المدخل الثامن ".
[ ١ / ١١٥ ]