ِ أَرْكَانِ النَّسْخِ وَشُرُوطِهِ
وَيَشْتَمِلُ عَلَى تَمْهِيدٍ لِمَجَامِعِ الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ وَعَلَى مَسَائِلَ تَتَشَعَّبُ مِنْ أَحْكَامِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ. أَمَّا التَّمْهِيدُ، فَاعْلَمْ أَنَّ أَرْكَانَ النَّسْخِ أَرْبَعَةٌ: النَّسْخُ، وَالنَّاسِخُ، وَالْمَنْسُوخُ، وَالْمَنْسُوخَ عَنْهُ. فَإِذَا كَانَ النَّسْخُ حَقِيقَتُهُ رَفْعَ الْحُكْمِ، فَالنَّاسِخُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ الرَّافِعُ لِلْحُكْمِ، وَالْمَنْسُوخُ هُوَ الْحُكْمُ الْمَرْفُوعُ، وَالْمَنْسُوخُ عَنْهُ هُوَ الْمُتَعَبِّدُ الْمُكَلَّفُ، وَالنَّسْخُ قَوْلُهُ الدَّالُّ عَلَى رَفْعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ.
وَقَدْ يُسَمَّى الدَّلِيلُ نَاسِخًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ الْآيَةُ نَاسِخَةٌ لِتِلْكَ. وَقَدْ يُسَمَّى الْحُكْمُ نَاسِخًا مَجَازًا، فَيُقَالُ: صَوْمُ رَمَضَانَ نَاسِخٌ لِصَوْمِ عَاشُورَاءَ. وَالْحَقِيقَةُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ هُوَ الرَّفْعُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الرَّافِعُ بِنَصْبِ الدَّلِيلِ عَلَى الِارْتِفَاعِ وَبِقَوْلِهِ الدَّالِّ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَجَامِعُ شُرُوطِهِ فَالشُّرُوطُ أَرْبَعَةٌ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَنْسُوخُ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَا عَقْلِيًّا أَصْلِيًّا، كَالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي ارْتَفَعَتْ بِإِيجَابِ الْعِبَادَاتِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ بِخِطَابٍ، فَارْتِفَاعُ الْحُكْمِ بِمَوْتِ الْمُكَلَّفِ لَيْسَ نَسْخًا إذْ لَيْسَ الْمُزِيلُ خِطَابًا رَافِعًا لِحُكْمِ خِطَابٍ سَابِقٍ، وَلَكِنَّهُ قَدْ قِيلَ أَوَّلًا الْحُكْمُ عَلَيْكَ مَا دُمْتَ حَيًّا. فَوَضْعُ الْحُكْمِ قَاصِرٌ عَلَى الْحَيَاةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الرَّفْعِ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْخِطَابُ الْمَرْفُوعُ حُكْمُهُ مُقَيَّدًا بِوَقْتٍ.
[ ٩٧ ]
يَقْتَضِي دُخُولُهُ زَوَالَ الْحُكْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ النَّاسِخُ مُتَرَاخِيًا، لَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
وَلَيْسَ يُشْتَرَطُ فِيهِ تِسْعَةُ أُمُورٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ رَافِعًا لِلْمِثْلِ بِالْمِثْلِ بَلْ أَنْ يَكُونَ رَافِعًا فَقَطْ.
الثَّانِي: أَنْ لَا يُشْتَرَطَ وُرُودَ النَّسْخِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْمَنْسُوخِ بَلْ يَجُوزُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسُوخُ مِمَّا يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ وَالتَّخْصِيصُ بَلْ يَجُوزُ وُرُودُ النَّسْخِ عَلَى الْأَمْرِ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
الرَّابِعُ: أَنْ لَا يُشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ فَلَا تُشْرَطُ الْجِنْسِيَّةُ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَصِحُّ النَّسْخُ بِهِ.
الْخَامِسُ: أَنْ لَا يُشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَا نَصَّيْنِ قَاطِعَيْنِ إذْ يَجُوزُ نَسْخُ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَبِالْمُتَوَاتِرِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
السَّادِسُ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مَنْقُولًا بِمِثْلِ لَفْظِ الْمَنْسُوخِ بَلْ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ، فَإِنَّ التَّوَجُّهَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا بِلَفْظِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَنَاسِخُهُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ نَسْخُ الْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ بِاجْتِهَادِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَقِيَاسِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بِلَفْظٍ ذِي صِيغَةٍ وَصُورَةٍ وَيَجِبُ نَقْلُهَا.
السَّابِعُ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مُقَابِلًا لِلْمَنْسُوخِ حَتَّى لَا يُنْسَخَ الْأَمْرُ إلَّا بِالنَّهْيِ وَلَا النَّهْيُ إلَّا بِالْأَمْرِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ كِلَاهُمَا بِالْإِبَاحَةِ وَأَنْ يُنْسَخَ الْوَاجِبُ الْمُضَيَّقُ بِالْمُوَسَّعِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ رَافِعًا حُكْمًا مِنْ الْمَنْسُوخِ كَيْفَ كَانَ.
الثَّامِنُ: لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا ثَابِتَيْنِ بِالنَّصِّ بَلْ لَوْ كَانَ بِلَحْنِ الْقَوْلِ وَفَحْوَاهُ وَظَاهِرِهِ وَكَيْفَ كَانَ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - بَيَّنَ أَنَّ آيَةَ وَصِيَّةِ الْأَقَارِبِ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» مَعَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ مُمْكِنٌ فَلَيْسَا مُتَنَافِيَيْنِ تَنَافِيًا قَاطِعًا.
التَّاسِعُ: لَا يُشْتَرَطُ نَسْخُ الْحُكْمِ بِبَدَلٍ أَوْ بِمَا هُوَ أَخَفُّ بَلْ يَجُوزُ بِالْمِثْلِ وَالْأَثْقَلِ وَبِغَيْرِ بَدَلٍ كَمَا سَبَقَ.