بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْقُطْبُ الْأَوَّلُ: فِي الثَّمَرَةِ وَهِيَ الْحُكْمُ وَالْكَلَامُ فِيهِ يَنْقَسِمُ إلَى فُنُونٍ أَرْبَعَةٍ الْفَنّ الْأَوَّل: فِي حَقِيقَتِهِ فَنٌّ فِي حَقِيقَةِ الْحُكْمِ، وَفَنٌّ فِي أَقْسَامِهِ، وَفَنٌّ فِي أَرْكَانِهِ وَفَنٌّ فِيمَا يُظْهِرُهُ الْفَنُّ الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَتِهِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى تَمْهِيدٍ وَثَلَاثِ مَسَائِلَ. أَمَّا التَّمْهِيدُ فَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَنَا عِبَارَةٌ عَنْ خِطَابِ الشَّرْعِ إذَا تَعَلَّقَ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، فَالْحَرَامُ هُوَ الْمَقُولُ فِيهِ " اُتْرُكُوهُ وَلَا تَفْعَلُوهُ "، وَالْوَاجِبُ هُوَ الْمَقُولُ فِيهِ " افْعَلُوهُ وَلَا تَتْرُكُوهُ "، وَالْمُبَاحُ هُوَ الْمَقُولُ فِيهِ " إنْ شِئْتُمْ فَافْعَلُوهُ وَإِنْ شِئْتُمْ فَاتْرُكُوهُ "؛ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ هَذَا الْخِطَابُ مِنْ الشَّارِعِ فَلَا حُكْمَ، فَلِهَذَا قُلْنَا الْعَقْلُ لَا يُحَسِّنُ وَلَا يُقَبِّحُ وَلَا يُوجِبُ شُكْرَ الْمُنْعِمِ، وَلَا حُكْمَ لِلْأَفْعَالِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ. فَلْنَرْسُمْ كُلَّ مَسْأَلَةٍ بِرَأْسِهَا. مَسْأَلَةٌ: ذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ تَنْقَسِمُ إلَى حَسَنَةٍ وَقَبِيحَةٍ.
، فَمِنْهَا مَا يُدْرَكُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ كَحُسْنِ إنْقَاذِ الْغَرْقَى وَالْهَلْكَى وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ وَمَعْرِفَةِ حُسْنِ الصِّدْقِ وَكَقُبْحِ الْكُفْرَانِ وَإِيلَامِ الْبَرِيءِ وَالْكَذِبِ الَّذِي لَا غَرَضَ فِيهِ، وَمِنْهَا مَا يُدْرَكُ بِنَظَرِ الْعَقْلِ كَحُسْنِ الصِّدْقِ الَّذِي فِيهِ ضَرَرٌ وَقُبْحُ الْكَذِبِ الَّذِي فِيهِ نَفْعٌ، وَمِنْهَا مَا يُدْرَكُ بِالسَّمْعِ كَحُسْنِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ؛ وَزَعَمُوا أَنَّهَا مُتَمَيِّزَةٌ بِصِفَةِ ذَاتِهَا عَنْ غَيْرِهَا بِمَا فِيهَا مِنْ اللُّطْفِ الْمَانِعِ مِنْ الْفَحْشَاءِ الدَّاعِي إلَى الطَّاعَةِ لَكِنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَقِلُّ بِدَرَكِهِ، فَنَقُولُ: قَوْلُ الْقَائِلِ هَذَا حَسَنٌ وَهَذَا قَبِيحٌ لَا يُحَسُّ بِفَهْمِ مَعْنَاه مَا لَمْ يُفْهَمْ مَعْنَى الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، فَإِنَّ الِاصْطِلَاحَاتِ فِي إطْلَاقِ لَفْظِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ مُخْتَلِفَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَلْخِيصِهَا.
وَالِاصْطِلَاحَاتُ فِيهِ ثَلَاثَةٌ:
الْأَوَّلُ: الِاصْطِلَاحُ الْمَشْهُورُ الْعَامِّيُّ. وَهُوَ أَنَّ الْأَفْعَالَ تَنْقَسِمُ إلَى مَا يُوَافِقُ غَرَضَ الْفَاعِلِ، وَإِلَى مَا يُخَالِفُهُ وَمَا لَا يُوَافِقُ وَلَا يُخَالِفُ. فَالْمُوَافِقُ يُسَمَّى حَسَنًا، وَالْمُخَالِفُ يُسَمَّى قَبِيحًا، وَالثَّالِثُ يُسَمَّى عَبَثًا وَعَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ إذَا كَانَ الْفِعْلُ مُوَافِقًا لِشَخْصٍ مُخَالِفًا لِآخَرَ فَهُوَ حَسَنٌ فِي حَقِّ مَنْ وَافَقَهُ، قَبِيحٌ فِي حَقِّ مَنْ خَالَفَهُ، حَتَّى إنَّ قَتْلَ الْمَلِكِ الْكَبِيرِ يَكُونُ حَسَنًا فِي حَقِّ أَعْدَائِهِ قَبِيحًا فِي حَقِّ أَوْلِيَائِهِ؛ وَهَؤُلَاءِ لَا يَتَحَاشَوْنَ عَنْ تَقْبِيحِ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا خَالَفَ غَرَضَهُمْ، وَلِذَلِكَ يَسُبُّونَ الدَّهْر وَالْفَلَكَ وَيَقُولُونَ خَرِبَ الْفَلَكُ وَتَعِسَ الدَّهْرُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْفَلَكَ مُسَخَّرٌ لَيْسَ إلَيْهِ شَيْءٌ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ - ﷺ -: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» فَإِطْلَاقُ اسْمِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عَلَى الْأَفْعَالِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ كَإِطْلَاقِهِ عَلَى الصُّوَرِ، فَمَنْ مَالَ طَبْعُهُ إلَى صُورَةٍ أَوْ صَوْتِ شَخْصٍ قَضَى بِحُسْنِهِ، وَمَنْ نَفَرَ طَبْعُهُ عَنْ
[ ٤٥ ]
شَخْصٍ اسْتَقْبَحَهُ.
وَرُبَّ شَخْصٍ يَنْفِرُ عَنْهُ طَبْعٌ وَيَمِيلُ إلَيْهِ طَبْعٌ فَيَكُونُ حَسَنًا فِي حَقِّ هَذَا قَبِيحًا فِي حَقِّ ذَاكَ، حَتَّى يَسْتَحْسِنَ سُمْرَةَ اللَّوْنِ جَمَاعَةٌ وَيَسْتَقْبِحَهَا جَمَاعَةٌ، فَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُنَافَرَةِ وَهُمَا أَمْرَانِ إضَافِيَّانِ لَا كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ أَسْوَدَ فِي حَقِّ زَيْدٍ أَبْيَضَ فِي حَقِّ عَمْرٍو.
الِاصْطِلَاحُ الثَّانِي: التَّعْبِيرُ بِالْحُسْنِ عَمَّا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ، فَيَكُونُ فِعْلُ اللَّه تَعَالَى حَسَنًا فِي كُلِّ حَالٍ خَالَفَ الْغَرَضَ أَوْ وَافَقَهُ، وَيَكُونُ الْمَأْمُورُ بِهِ شَرْعًا - نَدْبًا كَانَ أَوْ إيجَابًا - حَسَنًا وَالْمُبَاحُ لَا يَكُونُ حَسَنًا.
الِاصْطِلَاحُ الثَّالِثُ: التَّعْبِيرُ بِالْحَسَنِ عَنْ كُلِّ مَا لِفَاعِلِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ، فَيَكُونُ الْمُبَاحُ حَسَنًا مَعَ الْمَأْمُورَاتِ وَفِعْلُ اللَّهِ يَكُونُ حَسَنًا بِكُلِّ حَالٍ. وَهَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ كُلُّهَا أَوْصَافٌ إضَافِيَّةٌ وَهِيَ مَعْقُولَةٌ، وَلَا حَجْرَ عَلَى مَنْ يَجْعَلُ لَفْظَ الْحَسَنِ عِبَارَةً عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا، فَلَا مُشَاحَّةَ فِي الْأَلْفَاظِ. فَعَلَى هَذَا إذَا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ لَا يَتَمَيَّزُ فِعْلٌ عَنْ غَيْرِهِ إلَّا بِالْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالْإِضَافَاتِ وَلَا يَكُونُ صِفَةً لِلذَّاتِ. فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ لَا نُنَازِعُكُمْ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ وَلَا فِي هَذِهِ الِاصْطِلَاحَاتِ الَّتِي تَوَاضَعْتُمْ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ نَدَّعِي الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ وَصْفًا ذَاتِيًّا لِلْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ مُدْرَكًا بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ كَالظُّلْمِ وَالْكَذِبِ وَالْكُفْرَانِ وَالْجَهْلِ؛ وَلِذَلِكَ لَا نُجَوِّزُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِقُبْحِهِ وَنُحَرِّمُهُ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ قَبِيحٌ لِذَاتِهِ، وَكَيْفَ يُنْكَرُ ذَلِكَ وَالْعُقَلَاءُ بِأَجْمَعِهِمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْقَضَاءِ بِهِ مِنْ غَيْرِ إضَافَةٍ إلَى حَالٍ دُونُ حَالٍ؟ قُلْنَا: أَنْتُمْ مُنَازَعُونَ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا فِي كَوْنِ الْقُبْحِ وَصْفًا ذَاتِيًّا.
وَالثَّانِي فِي قَوْلِكُمْ إنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُهُ الْعُقَلَاءُ بِالضَّرُورَةِ.
وَالثَّالِثُ: فِي ظَنِّكُمْ أَنَّ الْعُقَلَاءَ لَوْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ حُجَّةً مَقْطُوعًا بِهَا وَدَلِيلًا عَلَى كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا. أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ دَعْوَى كَوْنِهِ وَصْفًا ذَاتِيًّا فَهُوَ تَحَكُّمٌ بِمَا لَا يُعْقَلُ، فَإِنَّ الْقَتْلَ عِنْدَهُمْ قَبِيحٌ لِذَاتِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَسْبِقَهُ جِنَايَةٌ وَلَا يَعْقُبَهُ عِوَضٌ حَتَّى جَازَ إيلَامُ الْبَهَائِمِ وَذَبْحُهَا وَلَمْ يَقْبُحْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُثِيبُهَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ.
وَالْقَتْلُ فِي ذَاتِهِ لَهُ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَخْتَلِفُ بِأَنْ تَتَقَدَّمهُ جِنَايَةٌ أَوْ تَتَعَقَّبَهُ لَذَّةٌ إلَّا مِنْ حَيْثُ الْإِضَافَةُ إلَى الْفَوَائِدِ وَالْأَغْرَاضِ، وَكَذَلِكَ الْكَذِبُ كَيْفَ يَكُونُ قُبْحُهُ ذَاتِيًّا وَلَوْ كَانَ فِيهِ عِصْمَةُ دَمِ نَبِيٍّ بِإِخْفَاءِ مَكَانِهِ عَنْ ظَالِمٍ يَقْصِدُ قَتْلَهُ لَكَانَ حَسَنًا بَلْ وَاجِبًا يُعْصَى بِتَرْكِهِ؟ وَالْوَصْفُ الذَّاتِيُّ كَيْفَ يَتَبَدَّلُ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْأَحْوَالِ؟ وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ كَوْنُهُ مُدْرَكًا بِالضَّرُورَةِ، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ وَنَحْنُ نُنَازِعكُمْ فِيهِ وَالضَّرُورِيُّ لَا يُنَازِعُ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ وَقَوْلُكُمْ إنَّكُمْ مُضْطَرُّونَ إلَى الْمَعْرِفَةِ وَمُوَافِقُونَ عَلَيْهِ وَلَكِنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ مُسْتَنَدَ مَعْرِفَتِكُمْ السَّمْعُ كَمَا ظَنَّ الْكَعْبِيُّ أَنَّ مُسْتَنَدَ عِلْمِهِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ النَّظَرُ، وَلَا يَبْعُدُ الْتِبَاسُ مُدْرَكِ الْعِلْمِ وَإِنَّمَا يَبْعُدُ الْخِلَافُ فِي نَفْسِ الْمَعْرِفَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهَا؛ قُلْنَا: هَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يَحْسُنُ مِنْ اللَّه تَعَالَى إيلَامُ الْبَهَائِمِ وَلَا نَعْتَقِدُ لَهَا جَرِيمَةً وَلَا ثَوَابًا فَدَلَّ أَنَّا نُنَازِعُكُمْ فِي نَفْسِ الْعِلْمِ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَهُوَ أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا اتِّفَاقَ الْعُقَلَاءِ عَلَى هَذَا أَيْضًا لَمْ تَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ، إذْ لَمْ يَسْلَمْ كَوْنُهُمْ مُضْطَرِّينَ إلَيْهِ بَلْ
[ ٤٦ ]
يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الِاتِّفَاقُ مِنْهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ فَقَدْ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ وَجَوَازِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ وَلَمْ يُخَالِفْ إلَّا الشَّوَاذُّ، فَلَوْ اتَّفَقَ أَنْ سَاعَدَهُمْ الشَّوَاذُّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ضَرُورِيًّا، فَكَذَلِكَ اتِّفَاقُ النَّاسِ عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ عَنْ دَلِيلِ السَّمْعِ الدَّالِّ عَلَى قُبْحِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَبَعْضُهُ عَنْ تَقْلِيدِ مَفْهُومٍ مِنْ الْآخِذِينَ عَنْ السَّمْعِ وَبَعْضُهُ عَنْ الشُّبْهَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِأَهْلِ الضَّلَالِ، فَالْتِئَامُ الِاتِّفَاقِ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا فَلَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً لَوْلَا مَنْعُ السَّمْعِ عَنْ تَجْوِيزِ الْخَطَأِ عَلَى كَافَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَاصَّةً إذْ لَا يَبْعُدُ اجْتِمَاعُ الْكَافَّةِ عَلَى الْخَطَأِ عَنْ تَقْلِيدٍ وَعَنْ شُبْهَةٍ، وَكَيْفَ وَفِي الْمُلْحِدَةِ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ قُبْحَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَلَا حُسْنَ نَقَائِضِهَا، فَكَيْفَ يُدَّعَى اتِّفَاقُ الْعُقَلَاءِ؟ احْتَجُّوا بِأَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ مَنْ اسْتَوَى عِنْدَهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ آثَرَ الصِّدْقَ وَمَالَ إلَيْهِ إنْ كَانَ عَاقِلًا وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِحُسْنِهِ، وَإِنَّ الْمَلِكَ الْعَظِيمَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى الْأَقَالِيمِ إذَا رَأَى ضَعِيفًا مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ يَمِيلُ إلَى إنْقَاذِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْتَقِدُ أَصْلَ الدِّينِ لِيَنْتَظِرَ ثَوَابًا وَلَا يَنْتَظِرُ مِنْهُ أَيْضًا مُجَازَاةً وَشُكْرًا، وَلَا يُوَافِقُ ذَلِكَ أَيْضًا غَرَضَهُ بَلْ رُبَّمَا يَتْعَبُ بِهِ بَلْ يَحْكُمُ الْعُقَلَاءُ بِحُسْنِ الصَّبْرِ عَلَى السَّيْفِ إذَا أُكْرِه عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ أَوْ عَلَى إفْشَاءِ السِّرِّ وَنَقْضِ الْعَهْدِ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ غَرَضِ الْمُكْرَهِ وَعَلَى الْجُمْلَةِ اسْتِحْسَانُ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَإِفَاضَةُ النِّعَمِ مِمَّا لَا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ إلَّا عَنْ عِنَادٍ.
وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُنْكِرُ اشْتِهَارَ هَذِهِ الْقَضَايَا بَيْنَ الْخَلْقِ وَكَوْنَهَا مَحْمُودَةً مَشْهُورَةً، وَلَكِنَّ مُسْتَنَدَهَا إمَّا التَّدَيُّنُ بِالشَّرَائِعِ وَإِمَّا الْأَغْرَاضُ؛ وَنَحْنُ إنَّمَا نُنْكِرُ هَذَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِانْتِفَاءِ الْأَغْرَاضِ عَنْهُ، فَأَمَّا إطْلَاقُ النَّاسِ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِيمَا يَدُورُ بَيْنَهُمْ فَيَسْتَمِرُّ مِنْ الْأَغْرَاضِ وَلَكِنْ قَدْ تَدِقُّ الْأَغْرَاضُ وَتَخْفَى فَلَا يَنْتَبِهُ لَهَا إلَّا الْمُحَقِّقُونَ؛ وَنَحْنُ نُنَبِّهُ عَلَى مُثَارَاتِ الْغَلَطِ فِيهِ وَهِيَ ثَلَاثُ مُثَارَاتٍ يَغْلَطُ الْوَهْمُ فِيهَا
الْأُولَى: أَنَّ الْإِنْسَانَ يُطْلِقُ اسْمَ الْقُبْحِ عَلَى مَنْ يُخَالِفُ غَرَضَهُ وَإِنْ كَانَ يُوَافِقُ غَرَضَ غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى الْغَيْرِ، فَإِنَّ كُلَّ طَبْعٍ مَشْغُوفٌ بِنَفْسِهِ وَمُسْتَحْقِرٌ لِغَيْرِهِ فَيَقْضِي بِالْقُبْحِ مُطْلَقًا.
وَرُبَّمَا يُضِيفُ الْقُبْحَ إلَى ذَاتِ الشَّيْءِ وَيَقُولُ: هُوَ بِنَفْسِهِ قَبِيحٌ، فَيَكُونُ قَدْ قَضَى بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ هُوَ مُصِيبٌ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا وَهُوَ أَصْلُ الِاسْتِقْبَاحِ وَمُخْطِئٌ فِي أَمْرَيْنِ
أَحَدُهُمَا إضَافَةُ الْقُبْحِ إلَى ذَاتِهِ، إذْ غَفَلَ. عَنْ كَوْنِهِ قَبِيحًا لِمُخَالَفَةِ غَرَضِهِ.
وَالثَّانِي حُكْمُهُ بِالْقُبْحِ مُطْلَقًا، وَمُنْشَؤُهُ عَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَى غَيْرِهِ بَلْ عَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَى بَعْضِ أَحْوَالِ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَسْتَحْسِنُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ عَيْنَ مَا يَسْتَقْبِحُهُ إذَا اخْتَلَفَ الْغَرَضُ.
الْغَلْطَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِلْغَرَضِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ نَادِرَةٍ قَدْ لَا يَلْتَفِتُ الْوَهْمُ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ النَّادِرَةِ بَلْ لَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ فَيَرَاهُ مُخَالِفًا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، فَيَقْضِي بِالْقُبْحِ مُطْلَقًا لِاسْتِيلَاءِ أَحْوَالِ قُبْحِهِ عَلَى قَلْبِهِ وَذَهَابِ الْحَالَةِ النَّادِرَةِ عَنْ ذِكْرِهِ، كَحُكْمِهِ عَلَى الْكَذِبِ بِأَنَّهُ قَبِيحٌ مُطْلَقًا وَغَفْلَتُهُ عَنْ الْكَذِبِ الَّذِي تُسْتَفَادُ بِهِ عِصْمَةُ دَمِ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ.
وَإِذَا قَضَى بِالْقُبْحِ مُطْلَقًا وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ مُدَّةً وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ عَلَى سَمْعِهِ وَلِسَانِهِ انْغَرَسَ فِي نَفْسِهِ اسْتِقْبَاحٌ مُنَفِّرٌ، فَلَوْ وَقَعَتْ تِلْكَ الْحَالَةُ النَّادِرَةُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ نُفْرَةً عَنْهُ لِطُولِ نُشُوِّهِ عَلَى الِاسْتِقْبَاحِ فَإِنَّهُ أُلْقِيَ إلَيْهِ مُنْذُ الصِّبَا عَلَى سَبِيلِ التَّأْدِيبِ وَالْإِرْشَادِ أَنَّ الْكَذِبَ قَبِيحٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ
[ ٤٧ ]
أَحَدٌ، وَلَا يُنَبَّهُ عَلَى حُسْنِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ خِيفَةً مِنْ أَنْ لَا تَسْتَحْكِمَ نُفْرَتُهُ عَنْ الْكَذِبِ فَيُقْدِمُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَبِيحٌ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ، وَالسَّمَاعُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ، فَيَنْغَرِسُ فِي النَّفْسِ وَيَحِنُّ إلَى التَّصْدِيقِ بِهِ مُطْلَقًا وَهُوَ صِدْقٌ لَكِنْ لَا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ؛ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِهِ إلَّا أَكْثَرُ الْأَحْوَالِ فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ كُلُّ الْأَحْوَالِ فَلِذَلِكَ يَعْتَقِدُهُ مُطْلَقًا.
الْغَلْطَةُ الثَّالِثَةُ: سَبَبُهَا سَبْقُ الْوَهْمِ إلَى الْعَكْسِ، فَإِنَّ مَا يُرَى مَقْرُونًا بِالشَّيْءِ يُظَنُّ أَنَّ الشَّيْءَ أَيْضًا - لَا مَحَالَةَ - مَقْرُونٌ بِهِ مُطْلَقًا وَلَا يَدْرِي أَنَّ الْأَخَصَّ أَبَدًا مَقْرُونُ بِالْأَعَمِّ وَالْأَعَمُّ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالْأَخَصِّ وَمِثَالُهُ نُفْرَةُ نَفْسِ السَّلِيمِ وَهُوَ الَّذِي نَهَشَتْهُ الْحَيَّةُ عَنْ الْحَبْلِ الْمُبَرْقَشِ اللَّوْنِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ الْأَذَى مَقْرُونًا بِهَذِهِ الصُّورَةِ فَتَوَهَّمَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ مَقْرُونَةٌ بِالْأَذَى، وَكَذَلِكَ تَنْفِرُ النَّفْسُ عَنْ الْعَسَلِ إذَا شُبِّهَ بِالْعَذِرَةِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ الْأَذَى وَالِاسْتِقْذَارَ مَقْرُونًا بِالرَّطْبِ الْأَصْفَرِ فَتَوَهَّمَ أَنَّ الرَّطْبَ الْأَصْفَرَ مَقْرُونٌ بِهِ الِاسْتِقْذَارُ، وَيَغْلِبُ الْوَهْمُ حَتَّى يَتَعَذَّرَ الْأَكْلُ وَإِنَّ حُكْمَ الْعَقْلِ يُكَذِّبُ الْوَهْمَ؛ لَكِنْ خُلِقَتْ قُوَى النَّفْسِ مُطِيعَةً لِلْأَوْهَامِ وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً حَتَّى إنَّ الطَّبْعَ لَيَنْفِرُ عَنْ حَسْنَاءَ سُمِّيَتْ بِاسْمِ الْيَهُودِ، إذْ وُجِدَ الِاسْمُ مَقْرُونًا بِالْقُبْحِ فَظَنَّ أَنَّ الْقُبْحَ أَيْضًا مُلَازِمٌ لِلِاسْمِ؛ وَلِذَا تُورَدُ عَلَى بَعْضِ الْعَوَامّ مَسْأَلَةٌ عَقْلِيَّةٌ جَلِيلَةٌ فَيَقْبَلُهَا، فَإِذَا قُلْتَ هَذَا مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ أَوْ الْحَنْبَلِيِّ أَوْ الْمُعْتَزِلِيِّ نَفَرَ عَنْهُ إنْ كَانَ يُسِيءُ الِاعْتِقَادَ فِيمَنْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ.
وَلَيْسَ هَذَا طَبْعُ الْعَامِّيِّ خَاصَّةً بَلْ طَبْعُ أَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ الْمُتَسَمِّينَ بِالْعُلُومِ إلَّا الْعُلَمَاءَ الرَّاسِخِينَ الَّذِينَ أَرَاهُمْ اللَّهُ الْحَقَّ حَقًّا وَقَوَّاهُمْ عَلَى اتِّبَاعِهِ. وَأَكْثَرُ الْخَلْقِ قُوَى نُفُوسِهِمْ مُطِيعَةٌ لِلْأَوْهَامِ الْكَاذِبَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِكَذِبِهَا، وَأَكْثَرُ إقْدَامِ الْخَلْقِ وَإِحْجَامِهِمْ بِسَبَبِ هَذِهِ الْأَوْهَامِ، فَإِنَّ الْوَهْمَ عَظِيمُ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى النَّفْسِ؛ وَلِذَلِكَ يَنْفِرُ طَبْعُ الْإِنْسَانِ عَنْ الْمَبِيتِ فِي بَيْتٍ فِيهِ مَيِّتٌ مَعَ قَطْعِهِ بِأَنَّهُ لَا يَتَحَرَّكُ وَلَكِنَّهُ كَأَنَّهُ يَتَوَهَّمُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ حَرَكَتَهُ وَنُطْقَهُ فَإِذَا تَنَبَّهْتَ لِهَذِهِ الْمُثَارَاتِ فَنَرْجِعُ وَنَقُولُ: إنَّمَا يَتَرَجَّحُ الْإِنْقَاذُ عَلَى الْإِهْمَالِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ الشَّرَائِعَ لِدَفْعِ الْأَذَى الَّذِي يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنْ رِقَّةِ الْجِنْسِيَّةِ وَهُوَ طَبْعٌ يَسْتَحِيلُ الِانْفِكَاكُ عَنْهُ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُقَدِّرُ نَفْسَهُ فِي تِلْكَ الْبَلِيَّةِ وَيُقَدِّرُ غَيْرَهُ مُعْرِضًا عَنْهُ وَعَنْ إنْقَاذِهِ فَيَسْتَقْبِحُهُ مِنْهُ بِمُخَالَفَةِ غَرَضِهِ، فَيَعُودُ وَيُقَدِّرُ ذَلِكَ الِاسْتِقْبَاحَ مِنْ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَيَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ الْقُبْحَ الْمُتَوَهَّمَ.
فَإِنْ فَرَضَ فِي بَهِيمَةٍ أَوْ فِي شَخْصٍ لَا رِقَّةَ فِيهِ فَهُوَ بَعِيدٌ تَصَوُّرُهُ، وَلَوْ تُصُوِّرَ فَيَبْقَى أَمْرٌ آخَرُ وَهُوَ طَلَبُ الثَّنَاءِ عَلَى إحْسَانِهِ، فَإِنْ فُرِضَ حَيْثُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ الْمُنْقِذُ فَيُتَوَقَّعُ أَنْ يُعْلَمَ فَيَكُونُ ذَلِكَ التَّوَقُّعُ بَاعِثًا، فَإِنْ فَرَضَ فِي مَوْضِعٍ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُعْلَمَ فَيَبْقَى مَيْلُ النَّفْسِ وَتَرَجُّحٌ يُضَاهِي نُفْرَةَ طَبْعِ السَّلِيمِ عَنْ الْحَبْلِ الْمُبَرْقَشِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى هَذِهِ الصُّورَةَ مَقْرُونَةً بِالثَّنَاءِ فَظَنَّ أَنَّ الثَّنَاءَ مَقْرُونٌ بِهَا بِكُلِّ حَالٍ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا رَأَى الْأَذَى مَقْرُونًا بِصُورَةِ الْحَبْلِ وَطَبْعُهُ يَنْفِرُ عَنْ الْأَذَى فَنَفَرَ عَنْ الْمَقْرُونِ بِالْأَذَى فَالْمَقْرُونُ بِاللَّذِيذِ لَذِيذٌ وَالْمَقْرُونُ بِالْمَكْرُوهِ مَكْرُوهٌ، بَلْ الْإِنْسَانُ إذَا جَالَسَ مَنْ عَشِقَهُ فِي مَكَان فَإِذَا انْتَهَى إلَيْهِ أَحَسَّ فِي نَفْسه تَفْرِقَةً بَيْنَ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَغَيْرِهِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارِ لَيْلَى أُقَبِّلُ ذَا الْجِدَارَ وَذَا الْجِدَارَا
وَمَا تِلْكَ الدِّيَارُ شَغَفْنَ قَلْبِي وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا
[ ٤٨ ]
وَقَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ مُنَبِّهًا عَلَى سَبَبِ حُبِّ الْأَوْطَانِ:
وَحَبَّبَ أَوْطَانَ الرِّجَال إلَيْهِمْ مَآرِبُ قَضَّاهَا الشَّبَابُ هُنَالِكَا
إذَا ذَكَرُوا أَوْطَانَهُمْ ذَكَرَتْهُمْ عُهُودُ الصِّبَا فِيهَا فَحَنُّوا لِذَلِكَا
وَشَوَاهِدُ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ.
وَأَمَّا الصَّبْرُ عَلَى السَّيْفِ فِي تَرْكِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ مَعَ طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ فَلَا يَسْتَحْسِنُهُ جَمِيعُ الْعُقَلَاءِ لَوْلَا الشَّرْعُ، بَلْ رُبَّمَا اسْتَقْبَحُوهُ؛ وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنَهُ مَنْ يَنْتَظِرُ الثَّوَابَ عَلَى الصَّبْرِ أَوْ مَنْ يَنْتَظِرُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ بِالشَّجَاعَةِ وَالصَّلَابَةِ فِي الدِّينِ، وَكَمْ مِنْ شُجَاعٍ يَرْكَبُ مَتْنَ الْخَطَرِ وَيَتَهَجَّمُ عَلَى عَدَدٍ هُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُطِيقُهُمْ وَيَسْتَحْقِرُ مَا يَنَالُهُ مِنْ الْأَلَمِ لِمَا يَعْتَاضُهُ مِنْ تَوَهُّمِ الثَّنَاءِ وَالْحَمْدِ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَكَذَلِكَ إخْفَاءُ السِّرِّ وَحِفْظُ الْعَهْدِ إنَّمَا تَوَاصَى النَّاسُ بِهِمَا لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْمَصَالِحِ وَأَكْثَرُوا الثَّنَاءَ عَلَيْهِمَا، فَمَنْ يَحْتَمِلُ الضَّرَرَ فِيهِ فَإِنَّمَا يَحْتَمِلُهُ لِأَجْلِ الثَّنَاءِ، فَإِنْ فَرَضَ حَيْثُ لَا ثَنَاءَ فَقَدْ وُجِدَ مَقْرُونًا بِالثَّنَاءِ فَيَبْقَى مَيْلُ الْوَهْمِ إلَى الْمَقْرُونِ بِاللَّذِيذِ وَإِنْ كَانَ خَالِيًا عَنْهُ فَإِنْ فُرِضَ مَنْ لَا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ هَذَا الْوَهْمُ وَلَا يَنْتَظِرُ الثَّوَابَ وَالثَّنَاءَ فَهُوَ مُسْتَقْبَحٌ لِلسَّعْيِ فِي هَلَاكِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ وَيُسْتَحْمَقُ مَنْ يَفْعَلُ ذَاكَ قَطْعًا، فَمَنْ يُسَلِّمُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا يُؤْثِرُ الْهَلَاكَ عَلَى الْحَيَاةِ وَعَلَى هَذَا يَجْرِي الْجَوَابُ عَنْ الْكَذِبِ وَعَنْ جَمِيعِ مَا يَفْرِضُونَهُ.
ثُمَّ نَقُولُ: نَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ أَهْلَ الْعَادَةِ يَسْتَقْبِحُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ الظُّلْمَ وَالْكَذِبَ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْقُبْحِ وَالْحُسْنِ بِالْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ قَضَى بِهِ فَمُسْتَنَدُهُ قِيَاسُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ وَكَيْفَ يَقِيسُ وَالسَّيِّدُ لَوْ تَرَكَ عَبِيدَهُ وَإِمَاءَهُ وَبَعْضُهُمْ يَمُوج فِي بَعْضٍ وَيَرْتَكِبُونَ الْفَوَاحِشَ وَهُوَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ وَقَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِمْ لَقَبُحَ مِنْهُ، وَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِعِبَادِهِ وَلَمْ يَقْبُحْ مِنْهُ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ تَرَكَهُمْ لِيَنْزَجِرُوا بِأَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَحِقُّوا الثَّوَابَ هَوَسٌ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَنْزَجِرُونَ فَلْيَمْنَعْهُمْ قَهْرًا، فَكَمْ مِنْ مَمْنُوعٍ عَنْ الْفَوَاحِشِ بِعُنَّةٍ أَوْ عَجْزٍ، وَذَلِكَ أَحْسَنُ مِنْ تَمْكِينِهِمْ مَعَ الْعِلْمِ لِأَنَّهُمْ لَا يَنْزَجِرُونَ.