ُ مِنْ الْأَخْبَارِ مَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ:
الْأَوَّلُ: مَا يُعْلَمُ خِلَافُهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَوْ نَظَرِهِ أَوْ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ أَوْ أَخْبَارِ التَّوَاتُرِ، وَبِالْجُمْلَةِ مَا خَالَفَ الْمَعْلُومَ بِالْمَدَارِكِ السِّتَّةِ الْمَذْكُورَةِ، كَمَنْ أَخْبَرَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى فِي الْحَالِ وَأَنَّا عَلَى جَنَاحِ نَسْرٍ أَوْ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ وَمَا يُحَسُّ خِلَافُهُ.
الثَّانِي: مَا يُخَالِفُ النَّصَّ الْقَاطِعَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّهُ وَرَدَ مُكَذِّبًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ - ﷺ - وَلِلْأُمَّةِ.
الثَّالِثُ: مَا صَرَّحَ بِتَكْذِيبِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ يَسْتَحِيلُ فِي الْعَادَةِ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، إذَا
[ ١١٣ ]
قَالُوا: حَضَرْنَا مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلَمْ نَجِدْ مَا حَكَاهُ مِنْ الْوَاقِعَةِ أَصْلًا.
الرَّابِعُ: مَا سَكَتَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ عَنْ نَقْلِهِ وَالتَّحَدُّثِ بِهِ مَعَ جَرَيَانِ الْوَاقِعَةِ بِمَشْهَدٍ مِنْهُمْ وَمَعَ إحَالَةِ الْعَادَةِ السُّكُوتَ عَنْ ذِكْرِهِ لِتَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، كَمَا لَوْ أَخْبَرَ مُخْبِرٌ بِأَنَّ أَمِيرَ الْبَلْدَةِ قُتِلَ فِي السُّوقِ عَلَى مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ وَلَمْ يَتَحَدَّثْ أَهْلُ السُّوقِ بِهِ فَيُقْطَعُ بِكَذِبِهِ، إذْ لَوْ صَدَقَ لَتَوَفَّرَتْ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَلَأَحَالَتْ الْعَادَةُ اخْتِصَاصَهُ بِحِكَايَتِهِ، وَبِمِثْلِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَرَفْنَا كَذِبَ مَنْ ادَّعَى مُعَارَضَةَ الْقُرْآنِ وَنَصَّ الرَّسُولِ عَلَى نَبِيٍّ آخَرَ بَعْدَهُ، وَأَنَّهُ أَعْقَبَ جَمَاعَةً مِنْ الْأَوْلَادِ الذُّكُورِ، وَنَصَّهُ عَلَى إمَامٍ بِعَيْنِهِ عَلَى مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ، وَفَرْضَهُ صَوْمَ شَوَّالٍ وَصَلَاةَ الضُّحَى وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِمَّا إذَا كَانَ أَحَالَتْ الْعَادَةُ كِتْمَانَهُ.
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ تَفَرَّدَ الْآحَادُ بِنَقْلِ مَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَيْهِ حَتَّى وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ، كَإِفْرَادِهِ - ﷺ - الْحَجَّ أَوْ قِرَانِهِ، وَكَدُخُولِهِ الْكَعْبَةَ وَصَلَاتِهِ فِيهَا، وَإِنَّهُ - ﵇ - نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ عَنْوَةً، وَقَبُولِهِ شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ وَحْدَهُ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَانْفِرَادِ الْأَعْرَابِيِّ بِالرُّؤْيَةِ حَتَّى لَمْ يُشَارِكْهُ أَحَدٌ فِيهِ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَلَمْ يَنْقُلْهُ إلَّا ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ - وَعَدَدٌ يَسِيرٌ مَعَهُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَرَاهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَبَادٍ وَحَاضِرٍ، وَنَقَلَ النَّصَارَى مُعْجِزَاتِ عِيسَى - ﵇ - وَلَمْ يَنْقُلُوا كَلَامَهُ فِي الْمَهْدِ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْعَلَامَاتِ، وَنَقَلَتْ الْأُمَّةُ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَنْقُلُوا بَقِيَّةَ مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ - ﵇ - كَنَقْلِ الْقُرْآنِ فِي الشُّيُوعِ، وَنَقَلَ النَّاسُ أَعْلَامَ الرُّسُلِ وَلَمْ يَنْقُلُوا أَعْلَامَ شُعَيْبٍ - ﵇ -، وَنَقَلَتْ الْأُمَّةُ سُوَرَ الْقُرْآنِ وَلَمْ تَنْقُلْ الْمُعَوِّذَتَيْنِ نَقْلَ غَيْرِهِمَا حَتَّى خَالَفَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ - فِي كَوْنِهِمَا مِنْ الْقُرْآنِ وَمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مِنْ اللَّمْسِ وَالْمَسِّ أَيْضًا.
فَكُلُّ هَذَا نَقْضٌ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ إفْرَادَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَقِرَانَهُ لَيْسَ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يَنْكَشِفَ وَأَنْ يُنَادِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْكَافَّةِ، بَلْ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا مَنْ أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى نِيَّتِهِ بِإِخْبَارِهِ إيَّاهُ. نَعَمْ ظَهَرَ عَلَى الِاسْتِفَاضَةِ تَعْلِيمُهُ النَّاسَ الْإِفْرَادَ وَالْقِرَانَ جَمِيعًا. وَأَمَّا دُخُولُ الْكَعْبَةِ وَصَلَاتُهُ فِيهَا فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مَعَ نَفَرٍ يَسِيرٍ وَمَعَ وَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ وَلَا يَقَعُ شَائِعًا، كَيْفَ وَلَوْ وَقَعَ شَائِعًا لَمْ تَتَوَفَّرْ الدَّوَاعِي عَلَى دَوَامِ نَقْلِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَلَا مِنْ فَرَائِضِهِ وَمُهِمَّاتِهِ؟ وَأَمَّا دُخُولُهُ مَكَّةَ عَنْوَةً فَقَدْ صَحَّ عَلَى الِاسْتِفَاضَةِ دُخُولُهُ مُتَسَلِّحًا مَعَ الْأَلْوِيَةِ وَالْأَعْلَامِ وَتَمَامِ التَّمَكُّنِ وَالِاسْتِيلَاءِ وَبَذْلِهِ الْأَمَانَ لِمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ وَلِمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ وَاعْتَصَمَ بِالْكَعْبَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَلَكِنْ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ - ﷺ - أَنَّهُ وَدَى قَوْمًا قَتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - ﵁ - عَلَى أَنَّهُ كَانَ صُلْحًا.
وَوُقُوعُ مِثْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ لِلْآحَادِ مُمْكِنٌ إلَى أَنْ تُزَالَ بِالنَّظَرِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِنَهْيٍ خَاصٍّ عَنْ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ وَلِسَبَبٍ مَخْصُوصٍ. وَأَمَّا انْفِرَادُ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَمُمْكِنٌ، وَقَدْ يَقَعُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى لِخَفَاءِ الْهِلَالِ وَدِقَّتِهِ، فَيَنْفَرِدُ بِهِ مَنْ يَحْتَدُّ بَصَرُهُ وَتَصْدُقُ فِي الطَّلَبِ رَغْبَتُهُ وَيَقَعُ عَلَى مَوْضِعِ الْهِلَالِ بَصَرُهُ عَنْ مَعْرِفَةٍ أَوْ اتِّفَاقٍ. وَأَمَّا انْشِقَاقُ الْقَمَرِ فَهِيَ آيَةٌ لَيْلِيَّةٌ وَقَعَتْ وَالنَّاسُ نِيَامٌ غَافِلُونَ، وَإِنَّمَا كَانَ فِي لَحْظَةٍ فَرَآهُ مَنْ نَاظَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ قُرَيْشٍ وَنَبَّهَهُ عَلَى النَّظَرِ لَهُ وَمَا انْشَقَّ مِنْهُ إلَّا شُعْبَةٌ، ثُمَّ عَادَ صَحِيحًا فِي لَحْظَةٍ، فَكَمْ مِنْ انْقِضَاضِ كَوْكَبٍ وَزَلْزَلَةٍ وَأُمُورٍ هَائِلَةٍ مِنْ رِيحٍ
[ ١١٤ ]
وَصَاعِقَةٍ بِاللَّيْلِ لَا يَتَنَبَّهُ لَهُ إلَّا الْآحَادُ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا إنَّمَا يَعْلَمُهُ مَنْ قِيلَ لَهُ اُنْظُرْ إلَيْهِ فَانْشَقَّ عَقِيبَ الْقَوْلِ وَالتَّحَدِّي، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ وَوَقَعَ عَلَيْهِ بَصَرُهُ رُبَّمَا تَوَهَّمَ أَنَّهُ خَيَالٌ انْقَشَعَ أَوْ كَوْكَبٌ كَانَ تَحْتَ الْقَمَرِ فَانْجَلَى الْقَمَرُ عَنْهُ أَوْ قِطْعَةُ سَحَابٍ سَتَرَتْ قِطْعَةً مِنْ الْقَمَرِ، فَلِهَذَا لَمْ يَتَوَاتَرْ نَقْلُهُ.
وَأَمَّا نَقْلُهُمْ الْقُرْآنَ دُونَ سَائِرِ الْأَعْلَامِ فَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدَّوَاعِيَ لَا تَتَوَفَّرُ بَعْدَ ثُبُوتِ النُّبُوَّةِ بِالْقُرْآنِ وَاسْتِقْلَالِهَا بِهِ عَلَى نَقْلِ مَا يَقَعُ بَعْدَهُ بِحَيْثُ تَقَعُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ اكْتِفَاءً بِثُبُوتِهَا بِالْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْآيَاتِ؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْقُرْآنِ إنَّمَا ظَهَرَ فِي عُمْرِ كُلِّ وَاحِدٍ مَرَّةً وَاحِدَةً وَرُبَّمَا ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ نَفَرٍ يَسِيرٍ، وَالْقُرْآنُ كَانَ يُرَدِّدُهُ طُولَ عُمُرِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَيُلْقِيهِ عَلَى كَافَّتِهِمْ قَصْدًا وَيَأْمُرُهُمْ بِحِفْظِهِ وَالتِّلَاوَةِ لَهُ وَالْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ.
وَأَمَّا الْمُعَوِّذَتَانِ فَقَدْ ثَبَتَ نَقْلُهُمَا شَائِعًا مِنْ الْقُرْآنِ كَسَائِرِ السُّوَرِ وَابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ - لَمْ يُنْكِرْ كَوْنَهُمَا مِنْ الْقُرْآنِ لَكِنْ أَنْكَرَ إثْبَاتَهُمَا فِي الْمُصْحَفِ وَإِثْبَاتَ الْحَمْدِ أَيْضًا لِأَنَّهُ كَانَتْ السُّنَّةُ عِنْدَهُ أَنْ لَا يُثْبَتَ إلَّا مَا أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِإِثْبَاتِهِ وَكِتْبَتِهِ، وَلَمَّا لَمْ يَجِدْهُ كَتَبَ ذَلِكَ وَلَا سَمِعَ أَمْرَهُ بِهِ أَنْكَرَهُ. وَهَذَا تَأْوِيلٌ وَلَيْسَ جَحْدًا لِكَوْنِهِ قُرْآنًا، وَلَوْ جَحَدَ ذَلِكَ لَكَانَ فِسْقًا عَظِيمًا لَا يُضَافُ إلَى مِثْلِهِ وَلَا إلَى أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا تَرْكُ النَّصَارَى نَقْلَ كَلَامِ عِيسَى - ﵇ - فِي الْمَهْدِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ إلَّا بِحَضْرَةِ نَفَرٍ يَسِيرٍ وَمَرَّةً وَاحِدَةً لِتَبْرِئَةِ مَرْيَمَ - ﵍ - عَمَّا نَسَبُوهَا إلَيْهِ، فَلَمْ يَنْتَشِرْ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ بِقَوْلِ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَانْدَرَسَ فِيمَا بَيْنَهُمْ. وَأَمَّا شُعَيْبٌ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُ مِنْ الرُّسُلِ - ﵈ - فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَرِيعَةٌ يَنْفَرِدُونَ بِهَا، بَلْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إلَى شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُمْ، فَلَمْ تَتَوَفَّرْ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ مُعْجِزَاتِهِمْ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُعْجِزَاتٌ ظَاهِرَةٌ، لَكِنْ ثَبَتَ صِدْقُهُمْ بِالنَّصِّ وَالتَّوْقِيفِ مِنْ نَبِيٍّ ذِي مُعْجِزَةٍ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ عَنْ اللَّمْسِ وَالْمَسِّ لِلذَّكَرِ وَمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، فَيَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ الرَّسُولُ - ﵇ - عَدَدًا يَسِيرًا ثُمَّ يَنْقُلُونَهُ آحَادًا وَلَا يَسْتَفِيضُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَعْظُمُ فِي الصُّدُورِ وَتَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى التَّحَدُّثِ بِهِ دَائِمًا.