ٍ الْوَاجِبُ يَنْقَسِمُ إلَى مُعَيَّنٍ وَإِلَى مُبْهَمٍ بَيْنَ أَقْسَامٍ مَحْصُورَةٍ
وَيُسَمَّى وَاجِبًا مُخَيَّرًا كَخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ مِنْ جُمْلَتِهَا وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ. وَأَنْكَرَتْ الْمُعْتَزِلَةُ ذَلِكَ وَقَالُوا: لَا مَعْنَى لِلْإِيجَابِ مَعَ التَّخْيِيرِ فَإِنَّهُمَا مُتَنَاقِضَانِ، وَنَحْنُ نَدَّعِي أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عَقْلًا، وَوَاقِعٌ شَرْعًا أَمَّا دَلِيلُ جَوَازِهِ عَقْلًا فَهُوَ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ خِيَاطَةَ هَذَا الْقَمِيصِ أَوْ بِنَاءَ هَذَا الْحَائِطِ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَيُّهُمَا فَعَلْتَ اكْتَفَيْتُ بِهِ وَأَثَبْتُك عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكْتَ الْجَمِيعَ عَاقَبْتُكَ وَلَسْتُ أُوجِبُ الْجَمِيعَ وَإِنَّمَا أُوجِبُ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ أَيَّ وَاحِدٍ أَرَدْتَ، فَهَذَا كَلَامٌ مَعْقُولٌ.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَهُ لِلْعِقَابِ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ فَلَا يَنْفَكُّ عَنْ الْوُجُوبِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَوْجَبَ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ. وَأَمَّا دَلِيلُ وُقُوعِهِ شَرْعًا فَخِصَالُ الْكَفَّارَةِ، بَلْ إيجَابُ إعْتَاقِ الرَّقَبَةِ فَإِنَّهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى أَعْيَانِ الْعَبِيدِ مُخَيَّرٌ، وَكَذَلِكَ تَزْوِيجُ الْبِكْرِ الطَّالِبَةِ لِلنِّكَاحِ مِنْ أَحَدِ الْكُفُؤَيْنِ الْخَاطِبَيْنِ وَاجِبٌ وَلَا سَبِيل إلَى إيجَابِ الْجَمْعِ، وَكَذَلِكَ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لِأَحَدِ الْإِمَامَيْنِ الصَّالِحَيْنِ لِلْإِمَامَةِ وَاجِبٌ وَالْجَمْعُ مُحَالٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الْوَاجِبُ جَمِيعُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فَلَوْ تَرَكَهَا عُوقِبَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَوْ أَتَى بِجَمِيعِهَا وَقَعَ الْجَمِيعُ وَاجِبًا، وَلَوْ أَتَى بِوَاحِدٍ سَقَطَ عَنْهُ الْآخَرُ وَقَدْ يَسْقُطُ الْوَاجِبُ بِأَسْبَابٍ دُونَ الْأَدَاءِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُحَالٍ.
قُلْنَا: هَذَا لَا يَطَّرِدُ فِي الْإِمَامَيْنِ وَالْكُفُؤَيْنِ فَإِنَّ الْجَمْعَ فِيهِ حَرَامٌ فَكَيْفَ يَكُونُ الْكُلُّ وَاجِبًا؟ ثُمَّ هُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ إذْ الْأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْخِصَالَ الثَّلَاثَةَ إنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةَ الصِّفَاتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِضَافَةِ إلَى صَلَاحِ الْعَبْدِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْجَمِيعُ تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَاتِ وَأَنْ تُمَيِّزَ بَعْضَهَا بِوَصْفٍ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الْوَاجِبُ وَلَا يُجْعَلَ مُبْهَمًا بِغَيْرِهِ كَيْ لَا يَلْتَبِسَ بِغَيْرِهِ قُلْنَا: وَمَنْ سَلَّمَ لَكُمْ أَنَّ لِلْأَفْعَالِ أَوْصَافًا فِي ذَوَاتِهَا لِأَجْلِهَا يُوجِبُهَا اللَّهُ تَعَالَى؟ بَلْ الْإِيجَابُ إلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ وَاحِدَةً مِنْ الثَّلَاثِ الْمُتَسَاوِيَاتِ فَيُخَصِّصَهَا بِالْإِيجَابِ دُونَ غَيْرِهَا وَلَهُ أَنْ يُوجِبَ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ وَيَجْعَلَ مَنَاطَ التَّعْيِينِ اخْتِيَارَ الْمُكَلَّفِ لِفِعْلِهِ حَتَّى لَا يَتَعَذَّر عَلَيْهِ الِامْتِثَال احْتَجُّوا بِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِيجَابُ، وَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا مِنْ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْإِيجَابُ فَيَتَمَيَّزُ ذَلِكَ فِي عِلْمِهِ فَكَانَ هُوَ الْوَاجِبَ قُلْنَا: إذَا أَوْجَبَ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ
[ ٥٤ ]
فَإِنَّا نَعْلَمُهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَلَوْ خَاطَبَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ بِأَنِّي أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ الْخِيَاطَةَ أَوْ الْبِنَاءَ فَكَيْفَ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَعْلَمُهُ إلَّا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ نَعْتِهِ، وَنَعْتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَيَعْلَمُهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَمَا هُوَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا التَّحْقِيقُ وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ لَيْسَ لَهُ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ مِنْ تَعَلُّقِ الْإِيجَابِ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ إضَافَةٌ إلَى الْخِطَابِ وَالْخِطَابُ بِحَسَبِ النُّطْقِ وَالذِّكْرِ وَخَلْقِ السَّوَادِ فِي أَحَدِ الْجِسْمَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ وَخَلْقِ الْعِلْمِ فِي أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ فَأَمَّا ذِكْرُ وَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ لَا عَلَى التَّعْيِينِ فَمُمْكِنٌ، كَمَنْ يَقُولُ لِزَوْجَتَيْهِ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ، فَالْإِيجَابُ قَوْلٌ يَتْبَعُ النُّطْقَ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُوجِبُ طَالِبٌ وَمَطْلُوبُهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَمَيَّزَ عِنْدَهُ.
قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ طَلَبُهُ مُتَعَلِّقًا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ، كَمَا تَقُولُ الْمَرْأَةُ: زَوِّجْنِي مِنْ أَحَدِ الْخَاطِبَيْنِ أَيُّهُمَا كَانَ وَأَعْتِقْ رَقَبَةً مِنْ هَذِهِ الرِّقَابِ أَيُّهَا كَانَتْ وَبَايِعْ أَحَدَ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ أَيُّهُمَا كَانَ؛ فَيَكُونُ الْمَطْلُوبُ أَحَدَهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَكُلُّ مَا تُصُوِّرَ طَلَبُهُ تُصُوِّرَ إيجَابُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ مَا سَيَأْتِي بِهِ الْمُكَلَّفُ وَيَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ فَيَكُونُ مُعَيَّنًا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى. قُلْنَا: يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى غَيْرَ مُعَيَّنٍ ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِفِعْلِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيَّنًا قَبْلَ فِعْلِهِ، ثُمَّ لَوْ أَتَى بِالْجَمِيعِ أَوْ لَمْ يَأْتِ بِالْجَمِيعِ فَكَيْفَ يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ فِي عِلْمِ اللَّه تَعَالَى؟ فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ عَلَى أَحَدِ شَخْصَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ؟ وَلِمَ قُلْتُمْ بِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ عَلَى الْجَمِيعِ مَعَ أَنَّ الْوُجُوبَ يَسْقُطُ بِفِعْلِ وَاحِدٍ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتَحَقَّقُ بِالْعِقَابِ، وَلَا يُمْكِنُ عِقَابُ أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى أَحَدِ الْفِعْلَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ.