ٌ تَكْلِيفُ النَّاسِي وَالْغَافِلِ عَمَّا يُكَلَّفُ مُحَالٌ، إذْ مَنْ لَا يَفْهَمُ، كَيْفَ يُقَالُ لَهُ افْهَمْ
[ ٦٧ ]
أَمَّا ثُبُوتُ الْأَحْكَامِ بِأَفْعَالِهِ فِي النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ فَلَا يُنْكَرُ كَلُزُومِ الْغَرَامَاتِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ تَكْلِيفُ السَّكْرَانِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ مُحَالٌ كَتَكْلِيفِ السَّاهِي وَالْمَجْنُونِ وَاَلَّذِي يَسْمَعُ وَلَا يَفْهَمُ، بَلْ السَّكْرَانُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ النَّائِمِ الَّذِي يُمْكِنُ تَنْبِيهُهُ وَمِنْ الْمَجْنُونِ الَّذِي يَفْهَمُ كَثِيرًا مِنْ الْكَلَامِ.
وَأَمَّا نُفُوذُ طَلَاقِهِ وَلُزُومُ الْغُرْمِ فَذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُنْكَرُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] وَهَذَا خِطَابٌ لِلسَّكْرَانِ. قُلْنَا: إذَا ثَبَتَ بِالْبُرْهَانِ اسْتِحَالَةُ خِطَابِهِ وَجَبَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ، وَلَهَا تَأْوِيلَانِ
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خِطَابٌ مَعَ الْمُنْتَشِي الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ مَبَادِئُ النَّشَاطِ وَالطَّرَبِ وَلَمْ يَزُلْ عَقْلُهُ، فَإِنَّهُ قَدْ يَسْتَحْسِنُ مِنْ اللَّعِبِ وَالِانْبِسَاطِ مَا لَا يَسْتَحْسِنُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ عَاقِلٌ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] مَعْنَاهُ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا وَيَتَكَامَلَ فِيكُمْ ثَبَاتُكُمْ، كَمَا يُقَالُ لِلْغَضْبَانِ: اصْبِرْ حَتَّى تَعْلَمَ مَا تَقُولَ، أَيْ حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَيَكْمُلَ عِلْمُكَ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ عَقْلِهِ بَاقِيًا؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ بِالصَّلَاةِ مِثْلُ هَذَا السَّكْرَانِ وَقَدْ يَعْسُرُ عَلَيْهِ تَصْحِيحُ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَتَمَامُ الْخُشُوعِ
الثَّانِي أَنَّهُ وَرَدَ الْخِطَابُ بِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ بَلْ الْمَنْعُ مِنْ إفْرَاطِ الشُّرْبِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ، كَمَا يُقَالُ: لَا تَقْرَبْ التَّهَجُّدَ وَأَنْتَ شَبْعَانُ، وَمَعْنَاهُ لَا تَشْبَعْ فَيَثْقُلَ عَلَيْكَ التَّهَجُّدُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ قَائِلٌ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْأَمْرِ عِنْدَكُمْ كَوْنُ الْمَأْمُورِ مَوْجُودًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْأَمْرِ عِنْدَكُمْ كَوْنُ الْمَأْمُورِ مَوْجُودًا.
إذْ قَضَيْتُمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى آمِرٌ فِي الْأَزَلِ لِعِبَادِهِ قَبْلَ خَلْقِهِمْ، فَكَيْفَ شَرَطْتُمْ كَوْنَ الْمُكَلَّفِ سَمِيعًا عَاقِلًا وَالسَّكْرَانُ وَالنَّاسِي وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ أَقْرَبُ إلَى التَّكْلِيفِ مِنْ الْمَعْدُومِ؟ قُلْنَا: يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى آمِرٌ وَإِنَّ الْمَعْدُومَ مَأْمُورٌ، فَإِنَّا نَعْنِي بِهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ عَلَى تَقْدِير الْوُجُودِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ فِي حَالَةِ الْعَدَمِ، إذْ ذَلِكَ مُحَالٌ؛ لَكِنْ أَثْبَتَ الذَّاهِبُونَ إلَى إثْبَاتِ كَلَامِ النَّفْسِ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَقُومَ بِذَاتِ الْأَبِ طَلَبُ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ مِنْ الْوَلَدِ الَّذِي سَيُوجَدُ، وَإِنَّهُ لَوْ قَدَّرَ بَقَاءَ ذَلِكَ الطَّلَبِ حَتَّى وُجِدَ الْوَلَدُ صَارَ الْوَلَدُ مُطَالَبًا بِذَلِكَ الطَّلَبِ وَمَأْمُورًا بِهِ، فَكَذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ اقْتِضَاءُ الطَّاعَةِ مِنْ الْعِبَادِ قَدِيمٌ تَعَلَّقَ بِعِبَادِهِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِمْ، فَإِذَا وُجِدُوا صَارُوا مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ الِاقْتِضَاءِ.
وَمِثْلُ هَذَا جَارٍ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّ انْتِظَارَ الْعَقْلِ لَا يَزِيدُ عَلَى انْتِظَارِ الْوُجُودِ. وَلَا يُسَمَّى هَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَزَلِ خِطَابًا إنَّمَا يَصِيرُ خِطَابًا إذَا وُجِدَ الْمَأْمُورُ وَأُسْمِعَ. وَهَلْ يُسَمَّى أَمْرًا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسَمَّى بِهِ إذْ يَحْسُنُ أَنْ يُقَال فِيمَنْ أَوْصَى أَوْلَادَهُ بِالتَّصَدُّقِ بِمَالِهِ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ أَمَرَ أَوْلَادَهُ بِكَذَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَوْلَادِهِ مُجْتَنًّا فِي الْبَطْنِ أَوْ مَعْدُومًا، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ خَاطَبَ أَوْلَادَهُ إلَّا إذَا حَضَرُوا وَسَمِعُوا، ثُمَّ إذَا أَوْصَى فَنَفَّذُوا وَصِيَّتَهُ يُقَالُ: قَدْ أَطَاعُوهُ وَامْتَثَلُوا أَمْرَهُ؛ مَعَ أَنَّ الْآمِرَ الْآنَ مَعْدُومٌ وَالْمَأْمُورُ كَانَ وَقْتَ وُجُودِ الْآمِرِ مَعْدُومًا.
وَكَذَلِكَ نَحْنُ الْآنَ بِطَاعَتِنَا مُمْتَثِلُونَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ مَعْدُومٌ عَنْ عَالَمِنَا هَذَا وَإِنْ كَانَ حَيًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وُجُودُ الْأَمْرِ شَرْطًا لِكَوْنِ الْمَأْمُورِ مُطِيعًا مُمْتَثِلًا، فَلَمْ يُشْتَرَطْ وُجُودُ الْمَأْمُورِ لِكَوْنِ الْأَمْرِ أَمْرًا فَإِنْ قِيلَ: أَفَتَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ آمِرٌ لِلْمَعْدُومِ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ، قُلْنَا: نَعَم، نَحْنُ نَقُولُ هُوَ آمِرٌ لَكِنْ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُجُودِ كَمَا يُقَالُ الْوَالِدُ مُوجِبٌ وَمُلْزِمٌ عَلَى أَوْلَادِهِ التَّصَدُّقَ إذَا عَقَلُوا وَبَلَغُوا،
[ ٦٨ ]
فَيَكُونُ الْإِلْزَامُ وَالْإِيجَابُ حَاصِلًا وَلَكِنْ بِشَرْطِ الْوُجُودِ وَالْقُدْرَةِ وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: صُمْ غَدًا فَقَدْ أَوْجَبَ وَأَلْزَم فِي الْحَالِ صَوْمَ الْغَدِ، وَلَا يُمْكِنُ صَوْمُ الْغَد فِي الْوَقْتِ بَلْ فِي الْغَدِ وَهُوَ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ مُلْزِمٌ وَمُوجِبٌ فِي الْحَالِ.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْمَحْكُومُ فِيهِ: وَهُوَ الْفِعْلُ، إذْ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ إلَّا الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ. وَلِلدَّاخِلِ تَحْتَ التَّكْلِيفِ شُرُوطٌ
الْأَوَّلُ: صِحَّةُ حُدُوثِهِ لِاسْتِحَالَةِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِالْقَدِيمِ وَالْبَاقِي وَقَلْبِ الْأَجْنَاسِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَسَائِرِ الْمُحَالَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهَا عِنْدَ مَنْ يُحِيلُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ، فَلَا أَمْرَ إلَّا بِمَعْدُومٍ يُمْكِنُ حُدُوثُهُ.
وَهَلْ يَكُونُ الْحَادِثُ فِي أَوَّلِ حَالِ حُدُوثِهِ مَأْمُورًا بِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْحُدُوثِ أَوْ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَأْمُورًا كَمَا فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْوُجُودِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَفِيهِ بَحْثٌ كَلَامِيٌّ لَا يَلِيقُ بِمَقَاصِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ ذِكْرُهُ
الثَّانِي: جَوَازُ كَوْنِهِ مُكْتَسِبًا لِلْعَبْدِ حَاصِلًا بِاخْتِيَارِهِ، إذْ لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُ زَيْدٍ كِتَابَةَ عَمْرٍو وَخِيَاطَتَهُ وَإِنْ كَانَ حُدُوثُهُ مُمْكِنًا، فَلْيَكُنْ مَعَ كَوْنِهِ مُمْكِنًا مَقْدُورًا لِلْمُخَاطَبِ
الثَّالِثُ: كَوْنُهُ مَعْلُومًا لِلْمَأْمُورِ مَعْلُومَ التَّمْيِيزِ عَنْ غَيْرِهِ حَتَّى يُتَصَوَّر قَصْدُهُ إلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَوْنُهُ مَأْمُورًا بِهِ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يُتَصَوَّرَ مِنْهُ قَصْدُ الِامْتِثَالِ، وَهَذَا يَخْتَصُّ بِمَا يَجِبُ فِيهِ قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالتَّقَرُّبِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْكَافِرُ مَأْمُورٌ بِالْإِيمَانِ بِالرَّسُولِ - ﵇ - وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ. قُلْنَا: الشَّرْطُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا أَوْ فِي حُكْمِ الْمَعْلُومِ، بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ مُمْكِنًا بِأَنْ تَكُونَ الْأَدِلَّةُ مَنْصُوبَةً وَالْعَقْلُ وَالتَّمَكُّنُ مِنْ النَّظَرِ حَاصِلًا، حَتَّى إنَّ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَوْ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ مِثْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّهِ
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَصِحُّ إرَادَةُ إيقَاعِهِ طَاعَةً وَهُوَ أَكْثَرُ الْعِبَادَاتِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا: الْوَاجِبُ الْأَوَّلُ وَهُوَ النَّظَرُ الْمُعَرِّفُ لِلْوُجُوبِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَصْدُ إيقَاعِهِ طَاعَةً وَهُوَ لَا يَعْرِفُ وُجُوبَهُ إلَّا بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِهِ.
الثَّانِي: أَصْلُ إرَادَةِ الطَّاعَةِ وَالْإِخْلَاصِ، فَإِنَّهُ لَوْ افْتَقَرَتْ إلَى إرَادَةٍ لَافْتَقَرَتْ الْإِرَادَةُ إلَى إرَادَةٍ وَتَسَلْسُلٍ.
وَيَتَشَعَّبُ عَنْ شُرُوطِ الْفِعْلِ خَمْسُ مَسَائِلَ.
مَسْأَلَةٌ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ كَوْنَ الْمُكَلَّفِ بِهِ مُمْكِنَ الْحُدُوثِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
بَلْ يَجُوزُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ وَالْأَمْرُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَقَلْبُ الْأَجْنَاسِ وَإِعْدَامُ الْقَدِيمِ وَإِيجَادُ الْمَوْجُودِ، وَهُوَ الْمَنْسُوبُ إلَى الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ - ﵀ -. وَهُوَ لَازِمٌ عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا: أَنَّ الْقَاعِدَةَ عِنْدَهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ عِنْدَهُ مَعَ الْفِعْلِ لَا قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَأْمُورًا قَبْلَهُ.
وَالْآخَرِ: أَنَّ قُدْرَةَ الْحَادِثَةِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي إيجَادِ الْمَقْدُورِ بَلْ أَفْعَالنَا حَادِثَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاخْتِرَاعِهِ، فَكُلُّ عَبْدٍ هُوَ عِنْدَهُ مَأْمُورٌ بِفِعْلِ الْغَيْرِ. وَاسْتُدِلَّ عَلَى هَذَا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وَالْمُحَالُ لَا يُسْأَلُ دَفْعُهُ فَإِنَّهُ مُنْدَفِعٌ بِذَاتِهِ. وَهُوَ ضَعِيفٌ،؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَشُقُّ وَيَثْقُلُ عَلَيْنَا إذْ مَنْ أُتْعِب بِالتَّكْلِيفِ بِأَعْمَالٍ تَكَادُ تُفْضِي إلَى هَلَاكِهِ لِشِدَّتِهَا كَقَوْلِهِ: ﴿اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوْ اُخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] فَقَدْ يُقَالُ حُمِّلَ مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ؛ فَالظَّاهِرُ الْمُؤَوَّلُ ضَعِيفُ الدَّلَالَةِ فِي الْقَطْعِيَّاتِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُمْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ لَا يُصَدِّقُ وَقَدْ كَلَّفَهُ الْإِيمَانَ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يُصَدِّقَ مُحَمَّدًا فِيمَا جَاءَ بِهِ وَمِمَّا جَاءَ بِهِ أَنَّهُ لَا يُصَدِّقُهُ؛ فَكَأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِي أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ وَهُوَ
[ ٦٩ ]
مُحَالٌ. وَهَذَا ضَعِيفٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ أَبَا جَهْلٍ أُمِرَ بِالْإِيمَانِ بِالتَّوْحِيدِ وَالرَّسَالَةِ وَالْأَدِلَّةُ مَنْصُوبَةٌ وَالْعَقْلُ حَاضِرٌ، إذْ لَمْ يَكُنْ هُوَ مَجْنُونًا فَكَانَ الْإِمْكَانُ حَاصِلًا، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُ يَتْرُكُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ حَسَدًا وَعِنَادًا.
فَالْعِلْمُ يَتْبَعُ الْمَعْلُومَ وَلَا يُغَيِّرُهُ، فَإِذَا عُلِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَقْدُورًا لِشَخْصٍ وَمُمَكَّنًا مِنْهُ وَمَتْرُوكًا مِنْ جِهَتِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَلَوْ انْقَلَبَ مُحَالًا لَانْقَلَبَ الْعِلْمُ جَهْلًا وَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُمْكِنًا مَقْدُورًا. وَكَذَلِكَ نَقُولُ الْقِيَامَةُ مَقْدُورٌ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي وَقْتِنَا هَذَا وَإِنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُقِيمُهَا وَيَتْرُكُهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَخِلَافُ خَبَرِهِ مُحَالٌ إذْ يَصِيرُ وَعِيدُهُ كَذِبًا؛ وَلَكِنَّ هَذِهِ اسْتِحَالَةٌ لَا تَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الشَّيْءِ فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُمْ: لَوْ اسْتَحَالَ تَكْلِيفُ الْمُحَالِ لَاسْتَحَالَ إمَّا لِصِيغَتِهِ أَوْ لِمَعْنَاهُ أَوْ لِمَفْسَدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ الْحِكْمَةَ، وَلَا يَسْتَحِيلُ لِصِيغَتِهِ إذْ لَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَقُولَ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، وَأَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ الْأَعْمَى: أَبْصِرْ، وَلِلزَّمِنِ امْشِ. وَأَمَّا قِيَامُ مَعْنَاهُ بِنَفْسِهِ فَلَا يَسْتَحِيلُ أَيْضًا، إذْ يُمْكِنُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ عَبْدِهِ كَوْنَهُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَكَانَيْنِ لِيَحْفَظَ مَالَهُ فِي بَلَدَيْنِ. وَمُحَالٌ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مُمْتَنِعٌ لِلْمَفْسَدَةِ أَوْ مُنَاقَضَةِ الْحِكْمَةِ، فَإِنَّ بِنَاءَ الْأُمُورِ عَلَى ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ.
إذْ لَا يَقْبُحُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَصْلَحُ ثُمَّ الْخِلَافُ فِيهِ وَفِي الْعِبَادِ وَاحِدٌ وَالْفَسَادُ وَالسَّفَهُ مِنْ الْمَخْلُوقِ مُمْكِنٌ فَلَمْ يَمْتَنِعْ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَالْمُخْتَارُ اسْتِحَالَةُ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ لَا لِقُبْحِهِ وَلَا لِمَفْسَدَةٍ تَنْشَأُ عَنْهُ وَلَا لِصِيغَتِهِ، إذْ يَجُوزُ أَنْ تَرِدَ صِيغَتُهُ وَلَكِنْ لِلتَّعْجِيزِ لَا لِلطَّلَبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠]، وَكَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] أَوْ لِإِظْهَارِ الْقُدْرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ طَلَبَ مِنْ الْمَعْدُومِ أَنْ يَكُونَ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ لِمَعْنَاهُ، إذْ مَعْنَى التَّكْلِيفِ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَالطَّلَبُ يَسْتَدْعِي مَطْلُوبًا وَذَلِكَ الْمَطْلُوبُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَفْهُومًا لِلْمُكَلَّفِ بِالِاتِّفَاقِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: تَحَرَّكْ، إذْ التَّحَرُّكُ مَفْهُومٌ، فَلَوْ قَالَ لَهُ: تَمَرَّكْ، فَلَيْسَ بِتَكْلِيفٍ إذْ مَعْنَاهُ لَيْسَ بِمَعْقُولٍ وَلَا مَفْهُومٍ وَلَا لَهُ مَعْنًى فِي نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَفْظٌ مُهْمَلٌ، فَلَوْ كَانَ لَهُ مَعْنًى فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ يَعْرِفُهُ الْآمِرُ دُونَ الْمَأْمُورِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَكْلِيفًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ هُوَ الْخِطَابُ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَا لَا يَفْهَمُهُ الْمُخَاطَبُ لَا يَكُونُ خِطَابًا مَعَهُ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَفْهُومًا لِيُتَصَوَّرَ مِنْهُ الطَّاعَةُ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ اقْتِضَاءُ طَاعَةٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْلِ طَاعَةٌ لَمْ يَكُنِ اقْتِضَاءُ الطَّاعَةِ مُتَصَوَّرًا مَعْقُولًا إذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَقُومَ بِذَاتِ الْعَاقِلِ طَلَبُ الْخِيَاطَةِ مِنْ الشَّجَرِ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ يَسْتَدْعِي مَطْلُوبًا مَعْقُولًا أَوَّلًا وَهَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ أَيْ: لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْعَقْلِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ فِي نَفْسِهِ فَلَهُ وُجُودٌ فِي الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الطَّلَبُ بَعْدَ حُصُولِهِ فِي الْعَقْلِ، وَإِحْدَاثُ الْقَدِيمِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْعَقْلِ فَكَيْفَ يَقُومُ بِذَاتِهِ طَلَبُ إحْدَاثِ الْقَدِيمِ؟ وَكَذَلِكَ سَوَادُ الْأَبْيَضِ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْعَقْلِ، وَكَذَلِكَ قِيَامُ الْقَاعِدِ، فَكَيْفَ يَقُولُ لَهُ: قُمْ وَأَنْتَ قَاعِدٌ؟ فَهَذَا الطَّلَبُ يَمْتَنِعُ قِيَامُهُ بِالْقَلْبِ لِعَدَمِ الْمَطْلُوبِ، فَإِنَّهُ كَمَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَطْلُوبِ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا فِي الْأَعْيَانِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الْأَذْهَانِ، أَيْ: فِي الْعَقْلِ، حَتَّى يَكُونَ إيجَادُهُ فِي الْأَعْيَانِ عَلَى وَفْقِهِ فِي الْأَذْهَانِ فَيَكُونُ طَاعَةً وَامْتِثَالًا أَيْ: احْتِذَاءً لِمِثَالِ مَا فِي نَفْسِ الطَّالِبِ، فَمَا
[ ٧٠ ]
لَا مِثَالَ لَهُ فِي النَّفْسِ لَا مِثَالَ لَهُ فِي الْوُجُودِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ عَجْزُ الْمَأْمُورِ عَنْ الْقِيَامِ تُصُوِّرَ أَنْ يَقُومَ بِذَاتِهِ طَلَبُ الْقِيَامِ؟ قُلْنَا: ذَلِكَ طَلَبٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْجَهْلِ، وَرُبَّمَا يَظُنُّ الْجَاهِلُ أَنَّ ذَلِكَ تَكْلِيفٌ فَإِذَا انْكَشَفَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ طَلَبًا، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا لَمْ تُؤَثِّرْ الْقُدْرَةُ الْحَادِثَةُ فِي الْإِيجَادِ وَكَانَتْ مَعَ الْفِعْلِ كَانَ كُلُّ تَكْلِيفٍ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ.
قُلْنَا: نَحْنُ نُدْرِكُ بِالضَّرُورَةِ تَفْرِقَةً بَيْنَ أَنْ يُقَالَ لِلْقَاعِدِ الَّذِي لَيْسَ بِزَمِنٍ اُدْخُلْ الْبَيْتَ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ: اطَّلَعَ السَّمَاءَ، أَوْ يُقَالَ لَهُ: قُمْ مَعَ اسْتِدَامَةِ الْقُعُودِ، أَوْ اقْلِبْ السَّوَادَ حَرَكَةً وَالشَّجَرَةَ فَرَسًا. إلَّا أَنَّ النَّظَرَ فِي أَنَّ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ إلَى مَاذَا تَرْجِعُ وَيَعْلَمُ أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى تَمَكُّنٍ وَقُدْرَةٍ بِالْإِضَافَةِ إلَى أَحَدِ هَذِهِ الْأَوَامِرِ دُونَ الْبَقِيَّةِ.
ثُمَّ النَّظَرُ فِي تَفْصِيلِ تَأْثِيرِ الْقُدْرَةِ وَقْتَ حُدُوثِ الْقُدْرَةِ كَيْفَ مَا اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ لَا يُشَكِّكُنَا فِي هَذَا؛ وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ نَقُولَ: لَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، فَإِنْ اسْتَوَتْ الْأُمُورُ كُلُّهَا فَأَيُّ مَعْنًى لِهَذَا الدُّعَاءِ وَأَيُّ مَعْنًى لِهَذِهِ التَّفْرِقَةِ الضَّرُورِيَّةِ؟ فَغَرَضُنَا مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ وَجْهِ تَأْثِيرِ الْقُدْرَةِ وَوَقْتِهَا وَعَلَى الْجُمْلَةِ سَبَبُ غُمُوضِ هَذَا أَنَّ التَّكْلِيفَ نَوْعٌ خَاصٌّ مِنْ كَلَامِ النَّفْسِ وَفِي فَهْمِ أَصْلِ كَلَامِ النَّفْسِ غُمُوضٌ، فَالتَّفْرِيعُ عَلَيْهِ وَتَفْصِيلُ أَقْسَامِهِ لَا مَحَالَةَ يَكُونُ أَغْمَضَ.
مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَا تَتَحَرَّكْ وَلَا تَسْكُنْ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: اجْمَعْ بَيْنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ.
لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا تَتَحَرَّكْ وَلَا تَسْكُنْ؛ لِأَنَّ الِانْتِهَاءَ عَنْهُمَا مُحَالٌ كَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ قِيلَ: فَمَنْ تَوَسَّطَ مَزْرَعَةً مَغْصُوبَةً فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمُكْثُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ، إذْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ إفْسَادُ زَرْعِ الْغَيْرِ فَهُوَ عَاصٍ بِهِمَا. قُلْنَا: حَظُّ الْأُصُولِيِّ مِنْ هَذَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ لَا تَمْكُثْ وَلَا تَخْرُجْ وَلَا يُنْهَى عَنْ الضِّدَّيْنِ فَإِنَّهُ مُحَالٌ؛ كَمَا لَا يُؤْمَرُ بِجَمْعِهِمَا. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا يُقَالُ لَهُ؟ قُلْنَا: يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ كَمَا يُؤْمَرُ الْمُولِجُ فِي الْفَرْجِ الْحَرَامِ بِالنَّزْعِ وَإِنْ كَانَ بِهِ مُمَاسًّا لِلْفَرْجِ الْحَرَامِ، وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُ: انْزِعْ عَلَى قَصْدِ التَّوْبَةِ لَا عَلَى قَصْدِ الِالْتِذَاذِ، فَكَذَلِكَ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْغَصْبِ تَقْلِيلُ الضَّرَرِ وَفِي الْمُكْثِ تَكْثِيرُهُ وَأَهْوَنُ الضَّرَرَيْنِ يَصِيرُ وَاجِبًا وَطَاعَةً بِالْإِضَافَةِ إلَى أَعْظَمِهِمَا، كَمَا يَصِيرُ شُرْبُ الْخَمْرِ وَاجِبًا فِي حَقِّ مَنْ غَصَّ بِلُقْمَةٍ، وَتَنَاوُلُ طَعَامِ الْغَيْرِ وَاجِبًا عَلَى الْمُضْطَّرِ فِي الْمَخْمَصَةِ وَإِفْسَادُ مَالِ الْغَيْرِ لَيْسَ حَرَامًا لِعَيْنِهِ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ وَجَبَ أَوْ جَازَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ يَجِبُ الضَّمَانُ بِمَا يُفْسِدُهُ فِي الْخُرُوجِ؟ قُلْنَا: الضَّمَانُ لَا يَسْتَدْعِي الْعُدْوَانَ، إذْ يَجِبُ عَلَى الْمُضْطَّرِ فِي الْمَخْمَصَةِ مَعَ وُجُوبِ الْإِتْلَافِ، وَيَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ وَعَلَى مَنْ رُمِيَ إلَى صَفِّ الْكُفَّارَ وَهُوَ مُطِيعٌ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْمُضِيُّ فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ إنْ كَانَ حَرَامًا لِلُزُومِ الْقَضَاءِ فَلِمَ يَجِبُ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا وَطَاعَةً فَلِمَ وَجَبَ الْقَضَاءُ وَلِمَ عَصَى بِهِ؟ قُلْنَا: عَصَى بِالْوَطْءِ الْمُفْسِدِ وَهُوَ مُطِيعٌ بِإِتْمَامِ الْفَاسِدِ، وَالْقَضَاءُ يَجِبُ بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ وَقَدْ يَجِبُ بِمَا هُوَ طَاعَةٌ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهِ خَلَلٌ، وَقَدْ يَسْقُطُ الْقَضَاءُ بِالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مَعَ أَنَّهُ عُدْوَانٌ، فَالْقَضَاءُ كَالضَّمَانِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَبِمَ تُنْكِرُونَ عَلَى أَبِي هَاشِمٍ حَيْثُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَوْ مَكَثَ عَصَى وَلَوْ خَرَجَ عَصَى وَأَنَّهُ أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ فَحُكْمُ الْعِصْيَان يَنْسَحِبُ عَلَى فِعْلِهِ؟ قُلْنَا: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُلْقِيَ بِنَفْسِهِ فِي حَالِ تَكَلُّفِ مَا لَا يُمْكِنُ، فَمَنْ أَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ سَطْحٍ فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ لَا يَعْصِي بِالصَّلَاةِ قَاعِدًا وَإِنَّمَا يَعْصِي بِكَسْرِ الرِّجْلِ لَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ قَائِمًا، وَقَوْلُ الْقَائِلِ يَنْسَحِبُ
[ ٧١ ]
عَلَيْهِ حُكْمُ الْعُدْوَانِ إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ إنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ مَعَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ فَهُوَ مُحَالٌ، وَالْعِصْيَانُ عِبَارَةٌ عَنْ ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ قَدْ نُهِيَ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَهْيٌ لَمْ يَكُنْ عِصْيَانٌ فَكَيْفَ يُفْرَضُ النَّهْيُ عَنْ شَيْءٍ وَعَنْ ضِدِّهِ أَيْضًا؟ وَمَنْ جَوَّزَ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ عَقْلًا فَإِنَّهُ يَمْنَعُهُ شَرْعًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ رَجَّحْتُمْ جَانِبَ الْخُرُوجِ لِتَقْلِيلِ الضَّرَرِ، فَمَا قَوْلُكُمْ فِيمَنْ سَقَطَ عَلَى صَدْرِ صَبِيٍّ مَحْفُوفٍ بِصِبْيَانٍ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ مَكَثَ قَتَلَ مَنْ تَحْتَهُ أَوْ انْتَقَلَ قَتَلَ مَنْ حَوَالَيْهِ وَلَا تَرْجِيحَ فَكَيْفَ السَّبِيلُ؟ قُلْنَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: اُمْكُثْ، فَإِنَّ الِانْتِقَالَ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ حَيٍّ قَادِرٍ، وَأَمَّا تَرْكُ الْحَرَكَةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِعْمَالِ قُدْرَةٍ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَتَخَيَّرُ، إذْ لَا تَرْجِيحَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا حُكْمَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ فَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ عَلَى مَنْصُوصٍ، وَلَا نَصَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا نَظِيرَ لَهَا فِي الْمَنْصُوصَاتِ حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهِ، فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَلَا يَبْعُدُ خُلُوُّ وَاقِعَةٍ عَنْ الْحُكْمِ فَكُلُّ هَذَا مُحْتَمَلٌ، وَأَمَّا تَكْلِيفُ الْمُحَالِ فَمُحَالٌ.