ِ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ النَّسْخِ إثْبَاتُ بَدَلِ غَيْرِ الْمَنْسُوخِ
وَقَالَ قَوْمٌ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ. فَنَقُولُ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَقْلًا أَوْ سَمْعًا؟ وَلَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا. جَوَازُهُ إذْ لَوْ امْتَنَعَ لَكَانَ الِامْتِنَاعُ لِصُورَتِهِ أَوْ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَصْلَحَةَ وَالْحِكْمَةَ، وَلَا يَمْتَنِعُ لِصُورَتِهِ إذْ يَقُولُ قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ الْقِتَالَ وَنَسَخْتُهُ عَنْكَ وَرَدَدْتُكَ إلَى مَا كَانَ قَبْلُ مِنْ الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ، وَلَا يَمْتَنِعُ لِلْمَصْلَحَةِ فَإِنَّ الشَّرْعَ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا وَإِنْ ابْتَنَى فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ فِي رَفْعِهِ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِ بَدَلٍ. وَإِنْ مَنَعُوا جَوَازَهُ سَمْعًا فَهُوَ تَحَكُّمٌ، بَلْ نُسِخَ النَّهْيُ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ وَتَقْدِمَةِ الصَّدَقَةِ أَمَامَ الْمُنَاجَاةِ وَلَا بَدَلَ لَهَا وَإِنْ نُسِخَتْ الْقِبْلَةُ إلَى بَدَلٍ وَوَصِيَّةُ الْأَقْرَبِينَ إلَى بَدَلٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَحَقِيقَةُ النَّسْخِ هُوَ الرَّفْعُ فَقَطْ، أَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] إنْ تَمَسَّكُوا بِهِ فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ، الْأَوَّلِ: أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ وَإِنْ مَنَعَ الْوُقُوعَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ، وَمَنْ لَا يَقُولُ، بِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ أَصْلًا، وَمَنْ قَالَ بِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ إلَّا بِبَدَلٍ بَلْ يَتَطَرَّقُ التَّخْصِيصُ إلَيْهِ بِدَلِيلِ الْأَضَاحِيّ وَالصَّدَقَةِ أَمَامَ الْمُنَاجَاةِ، ثُمَّ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ نَسْخَ آيَةٍ بِآيَةٍ أُخْرَى مِثْلِهَا لَا يَتَضَمَّنُ النَّاسِخُ إلَّا رَفْعَ الْمَنْسُوخِ أَوْ يَتَضَمَّنُ مَعَ ذَلِكَ، فَكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ.