الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي مَسَائِلَ تَتَشَعَّبُ عَنْ النَّظَرِ فِي حَقِيقَةِ النَّسْخِ وَهِيَ سِتُّ مَسَائِلَ. مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ عِنْدَنَا نَسْخُ الْأَمْرِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِامْتِثَالِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.
وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ فِي رَمَضَانَ حُجُّوا فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثُمَّ يَقُولَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ لَا تَحُجُّوا فَقَدْ نَسَخْتُ عَنْكُمْ الْأَمْرَ. أَوْ يَقُولَ: اذْبَحْ وَلَدَكَ: فَيُبَادِرَ إلَى إحْضَارِ أَسْبَابِهِ، فَيَقُولَ قَبْلَ ذَبْحِهِ: لَا تَذْبَحْ فَقَدْ نَسَخْتُ عَنْكَ الْأَمْرَ، لِأَنَّ النَّسْخَ عِنْدَنَا رَفْعٌ لِلْأَمْرِ أَيْ لِحُكْمِ الْأَمْرِ وَمَدْلُولِهِ وَلَيْسَ بَيَانًا لِخُرُوجِ الْمَنْسُوخِ عَنْ لَفْظِ الْأَمْرِ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ، فَلَوْ قَالَ: صَلُّوا أَبَدًا، فَيَجُوزُ أَنْ يَنْسَخَ بَعْدَ سَنَةٍ وُجُوبَ الصَّلَاةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ الدَّلَالَةَ عَلَى جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، وَلَكِنْ بِمَعْنَى قَطْعِ حُكْمِ اللَّفْظِ بَعْدَ دَوَامِهِ، إذْ كَانَ دَوَامُهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ النَّسْخِ، فَكُلُّ أَمْرٍ مُضَمَّنٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُنْسَخَ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: صَلُّوا أَبَدًا مَا لَمْ أَنْهَكُمْ وَلَمْ أَنْسَخْ عَنْكُمْ أَمْرِي.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ عُقِلَ نَسْخُ الْحَجِّ قَبْلَ عَرَفَةَ وَنَسْخُ الذَّبْحِ قَبْلَ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ حَاصِلٌ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا بِشَرْطِ التَّمَكُّنِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّرْطِ ثَابِتٌ، وَلِذَلِكَ يَعْلَمُ الْمَأْمُورُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِامْتِثَالِ. وَلَمَّا لَمْ تَفْهَمْ الْمُعْتَزِلَةُ هَذَا أَنْكَرُوا ثُبُوتَ الْأَمْرِ بِالشَّرْطِ كَمَا سَيَأْتِي فَسَادُ مَذْهَبِهِمْ فِي كِتَابِ الْأَوَامِرِ. وَأَقْرَبُ دَلِيلٍ عَلَى فَسَادِهِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَنْوِي الْفَرْضَ وَامْتِثَالَ الْأَمْرِ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ، وَرُبَّمَا يَمُوتُ فِي أَثْنَائِهَا وَقَبْلَ تَمَامِ التَّمَكُّنِ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلُ لَمْ يُتَبَيَّنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بَلْ نَقُولُ كَانَ مَأْمُورًا بِأَمْرٍ مُقَيَّدٍ بِشَرْطٍ وَالْأَمْرُ الْمُقَيَّدُ بِالشَّرْطِ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ وُجِدَ الشَّرْطُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ وَهُمْ يَقُولُونَ: إذَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ عَلِمْنَا انْتِفَاءَ الْأَمْرِ مِنْ أَصْلِهِ وَأَنَّا كُنَّا نَتَوَهَّمُ وُجُوبَهُ.
فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ. فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعٌ لِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَلِذَلِكَ أَحَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ النَّسْخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ وَقَالُوا أَيْضًا: إنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ مَأْمُورًا مَنْهِيًّا حَسَنًا قَبِيحًا مَكْرُوهًا مُرَادًا مَصْلَحَةً مَفْسَدَةً، وَجَمِيعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَالصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ قَدْ أَبْطَلْنَاهُ.
وَلَكِنْ يَبْقَى لَهُمْ مَسْلَكَانِ.
الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَيْفَ يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَمَأْمُورًا بِهِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ؟ وَفِي الْجَوَابِ عَنْهُ طَرِيقَتَانِ
الْأُولَى: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ
[ ٩٠ ]
عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ بَلْ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَمَا يُنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ وَيُؤْمَرُ بِهَا مَعَ الطَّهَارَةِ، وَيُنْهَى عَنْ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ وَيُؤْمَرُ بِالسُّجُودِ لِلَّهِ ﷿، لِاخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مَأْمُورٌ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْأَمْرِ، مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ زَوَالِ الْأَمْرِ، فَهُمَا حَالَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْدَلَ لَفْظَ بَقَاءِ الْأَمْرِ بِانْتِفَاءِ النَّهْيِ أَوْ بِعَدَمِ الْمَنْعِ، وَالْأَلْفَاظُ مُتَقَارِبَةٌ وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مَأْمُورٌ بِالْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ بِشَرْطِ أَنْ يَخْتَارَ الْفِعْلَ أَوْ الْعَزْمَ، وَإِنَّمَا يُنْهَى عَنْهُ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْتَارُهُ. وَجَعَلُوا حُصُولَ ذَلِكَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِشَرْطِ هَذَا النَّسْخِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: يَأْمُرُ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مَصْلَحَةً، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَصْلَحَةً مَعَ دَوَامِ الْأَمْرِ، أَمَّا بَعْدَ النَّهْيِ فَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَصْلَحَةً. وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّمَا يَأْمُرُ فِي وَقْتٍ يَكُونُ الْأَمْرُ مَصْلَحَةً ثُمَّ يَتَغَيَّرُ الْحَالُ فَيَصِيرُ النَّهْيُ مَصْلَحَةً، وَإِنَّمَا يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ إيجَابَهُ مَصْلَحَةٌ مَعَ دَوَامِ الْأَمْرِ، أَمَّا بَعْدَ النَّهْيِ فَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَصْلَحَةً وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّمَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْحَالَ سَتَتَغَيَّرُ لِيَعْزِمَ الْمُكَلَّفُ عَلَى فِعْلِهِ إنْ بَقِيَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي الْفِعْلِ وَكُلُّ هَذَا مُتَقَارِبٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُوجَدَ وَأَنْ لَا يُوجَدَ، فَأَمَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَلَا مَعْنَى لِشَرْطِيَّتِهِ، وَالْمَأْمُورُ لَا يَقَعُ مَأْمُورًا إلَّا عِنْدَ دَوَامِ الْأَمْرِ وَعَدَمِ النَّهْيِ فَكَيْفَ يَقُولُ آمُرُكَ بِشَرْطِ أَنْ لَا أَنْهَاكَ؟ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: آمُرُكَ بِشَرْطِ أَنْ آمُرَكَ، وَبِشَرْطِ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْأَمْرُ بِالْمَأْمُورِ، وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ حَادِثًا أَوْ عَرَضًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ لِلشَّرْطِيَّةِ، وَلَيْسَ هَذَا كَالصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ وَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ، فَإِنَّ الِانْقِسَامَ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ.
وَمَنْ رَغِبَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَأَقْرَبُ الْعِبَارَاتِ أَنْ يَقُولَ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وَقْتِهِ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى حُكْمُهُ عَلَى الْمَأْمُورِ إلَى وَقْتِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُزَالَ حُكْمُهُ قَبْلَ وَقْتِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ بَقَاءُ حُكْمِهِ شَرْطًا فِي الْأَمْرِ فَيُقَالُ: افْعَلْ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ إنْ لَمْ يَزُلْ حُكْمُ أَمْرِي عَنْكَ بِالنَّهْيِ عَنْهُ، فَإِذَا نُهِيَ عَنْهُ كَانَ قَدْ زَالَ حُكْمُ الْأَمْرِ فَلَيْسَ مَنْهِيًّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ.
الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّا لَا نَلْتَزِمُ إظْهَارَ اخْتِلَافِ الْوَجْهِ، لَكِنْ نَقُولُ: مَا أَمَرْنَاكَ أَنْ تَفْعَلَهُ عَلَى وَجْهٍ فَقَدْ نَهَيْنَاكَ عَنْ فِعْلِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ. وَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ، إذْ لَيْسَ الْمَأْمُورُ حَسَنًا فِي عَيْنِهِ أَوْ لِوَصْفٍ هُوَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِهِ حَتَّى يَتَنَاقَضَ ذَلِكَ، وَلَا الْمَأْمُورُ مُرَادًا حَتَّى يَتَنَاقَضَ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مَكْرُوهًا، بَلْ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَدْ أَبْطَلْنَاهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ سَيَنْهَى عَنْهُ فَمَا مَعْنَى أَمْرِهِ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَعْلَمُ انْتِفَاءَهُ قَطْعًا لِعِلْمِهِ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ؟ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ إنْ كَانَتْ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ مَعْلُومَةً لِلْمَأْمُورِ أَمَّا إذَا كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَ الْمَأْمُورِ مَعْلُومًا عِنْدَ الْآمِرِ أَمْكَنَ الْأَمْرُ لِامْتِحَانِهِ بِالْعَزْمِ وَالِاشْتِغَالِ بِالِاسْتِعْدَادِ الْمَانِعِ لَهُ مِنْ أَنْوَاعِ اللَّهْوِ وَالْفَسَادِ حَتَّى يَتَعَرَّضَ بِالْعَزْمِ لِلثَّوَابِ وَبِتَرْكِهِ لِلْعِقَابِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ فِيهِ لُطْفٌ وَاسْتِصْلَاحٌ كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي كِتَابِ الْأَوَامِرِ.
وَالْعَجَبُ مِنْ إنْكَارِ الْمُعْتَزِلَةِ ثُبُوتُ الْأَمْرِ بِالشَّرْطِ مَعَ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا الْوَعْدَ مِنْ الْعَالِمِ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ بِالشَّرْطِ، وَقَالُوا وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الطَّاعَةِ ثَوَابًا بِشَرْطِ عَدَمِ مَا يُحْبِطُهَا مِنْ الْفِسْقِ وَالرِّدَّةِ وَعَلَى الْمَعْصِيَةِ عِقَابًا بِشَرْطِ خُلُوِّهَا عَمَّا يُكَفِّرُهَا مِنْ التَّوْبَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِعَاقِبَةِ أَمْرِ مَنْ يَمُوتُ عَلَى الرِّدَّةِ وَالتَّوْبَةِ، ثُمَّ شَرَطَ ذَلِكَ فِي وَعْدِهِ فَلَمْ يَسْتَحِلْ أَنْ يَشْرُطَ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.
وَتَكُونُ شَرْطِيَّتُهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْعَبْدِ الْجَاهِلِ بِعَاقِبَةِ الْأَمْرِ فَيَقُولُ: أُثِيبُكَ عَلَى
[ ٩١ ]
طَاعَتِكَ مَا لَمْ تُحْبِطْهَا بِالرِّدَّةِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّهُ يُحْبِطُ أَمْ لَا يُحْبِطُ، وَكَذَلِكَ يَقُولُ: أَمَرْتُكَ بِشَرْطِ الْبَقَاءِ وَالْقُدْرَةِ وَبِشَرْطِ أَنْ لَا أَنْسَخَ عَنْكَ.
الْمَسْلَكُ الثَّانِي: فِي إحَالَةِ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ. قَوْلُهُمْ: الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ عِنْدَكُمْ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى الْقَدِيمُ، وَكَيْفَ يَكُونُ الْكَلَامُ الْوَاحِدُ أَمْرًا بِالشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَنَهْيًا عَنْهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؟ بَلْ كَيْفَ يَكُونُ الرَّافِعُ وَالْمَرْفُوعُ وَاحِدًا وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى؟ قُلْنَا: هَذَا إشَارَةٌ إلَى إشْكَالَيْنِ
أَحَدِهِمَا: كَيْفِيَّةُ اتِّحَادِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَلْ ذَلِكَ عِنْدَنَا كَقَوْلِهِمْ: الْعَالَمِيَّةُ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ يَنْطَوِي فِيهَا الْعِلْمُ بِمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ مِنْ التَّفَاصِيلِ، وَإِنَّمَا يَحِلُّ إشْكَالُهُ فِي الْكَلَامِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ أَنَّ كَلَامَهُ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَمْرٌ بِالشَّيْءِ وَنَهْيٌ عَنْهُ، وَلَوْ عَلِمَ الْمُكَلَّفُ ذَلِكَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَمَا تُصَوِّرَ مِنْهُ اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْأَدَاءِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ بِأَوْلَى مِنْ اعْتِقَادِ التَّحْرِيمِ وَالْعَزْمِ عَلَى التَّرْكِ، فَنَقُولُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى فِي نَفْسِهِ وَاحِدٌ، وَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَى شَيْءٍ أَمْرٌ وَبِالْإِضَافَةِ إلَى شَيْءٍ خَبَرٌ، وَلَكِنَّهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ الِامْتِحَانُ بِهِ إذَا سَمِعَ الْمُكَلَّفُ كِلَيْهِمَا فِي وَقْتَيْنِ وَلِذَلِكَ شَرَطْنَا التَّرَاخِيَ فِي النَّسْخِ وَلَوْ سَمِعَ كِلَيْهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَمْ يَجُزْ.
وَأَمَّا جِبْرِيلُ - ﵇ - فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ إذْ لَمْ يَكُنْ هُوَ مُكَلَّفًا ثُمَّ يُبَلِّغُ الرَّسُولَ - ﷺ - فِي وَقْتَيْنِ إنْ كَانَ ذَلِكَ الرَّسُولُ دَاخِلًا تَحْتَ التَّكْلِيفِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَيُبَلِّغُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَكِنْ يُؤْمَرُ بِتَبْلِيغِ الْأُمَّةِ فِي وَقْتَيْنِ، فَيَأْمُرُهُمْ مُطْلَقًا بِالْمُسَالَمَةِ وَتَرْكِ قِتَالِ الْكُفَّارِ وَمُطْلَقًا بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، ثُمَّ يَنْهَاهُمْ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقْطَعُ عَنْهُمْ حُكْمَ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ كَمَا يَقْطَعُ حُكْمَ الْعَقْدِ بِالْفَسْخِ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: الْأَمْرُ لَا يَكُونُ أَمْرًا قَبْلَ بُلُوغِ الْمَأْمُورِ، فَلَا يَكُونُ أَمْرًا وَنَهْيًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ فِي حَالَتَيْنِ. فَهَذَا أَيْضًا يَقْطَعُ التَّنَاقُضَ وَيَدْفَعُهُ. ثُمَّ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ عَلَى جَوَازِهِ قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ - ﵇ - وَنَسْخُ ذَبْحِ وَلَدِهِ عَنْهُ قَبْلَ الْفِعْلِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فَقَدْ أُمِرَ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي الْبِدَارِ وَالِامْتِثَالِ ثُمَّ نُسِخَ عَنْهُ.
وَقَدْ اعْتَاصَ هَذَا عَلَى الْقَدَرِيَّةِ حَتَّى تَعَسَّفُوا فِي تَأْوِيلِهِ وَتَحَزَّبُوا فِرَقًا وَطَلَبُوا الْخَلَاصَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدِهَا: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَنَامًا لَا أَمْرًا.
الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ أَمْرًا لَكِنْ قُصِدَ بِهِ تَكْلِيفُهُ الْعَزْمَ عَلَى الْفِعْلِ لِامْتِحَانِ سِرِّهِ فِي صَبْرِهِ عَلَى الْعَزْمِ، فَالذَّبْحُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ.
الثَّالِثِ: أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ الْأَمْرُ لَكِنْ قَلَبَ اللَّهُ تَعَالَى عُنُقَهُ نُحَاسًا أَوْ حَدِيدًا فَلَمْ يَنْقَطِعْ، فَانْقَطَعَ التَّكْلِيفُ لِتَعَذُّرِهِ.
الرَّابِعِ: الْمُنَازَعَةُ فِي الْمَأْمُورِ وَأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ كَانَ هُوَ الْإِضْجَاعُ وَالتَّلُّ لِلْجَبِينِ وَإِمْرَارَ السِّكِّينِ دُونَ حَقِيقَةِ الذَّبْحِ.
الْخَامِسِ: جُحُودُ النَّسْخِ وَأَنَّهُ ذَبَحَ امْتِثَالًا فَالْتَأَمَ وَانْدَمَلَ. وَالذَّاهِبُونَ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ إسْمَاعِيلَ لَيْسَ بِمَذْبُوحٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ إبْرَاهِيمَ - ﵇ - ذَابِحًا، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ ذَابِحٌ لِلْقَطْعِ وَالْوَلَدُ غَيْرُ مَذْبُوحٍ لِحُصُولِ الِالْتِئَامِ وَقَالَ قَوْمٌ: ذَابِحٌ لَا مَذْبُوحَ لَهُ مُحَالٌ وَكُلُّ ذَلِكَ تَعَسُّفٌ وَتَكَلُّفٌ.
أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ كَوْنُهُ مَنَامًا، فَمَنَامُ الْأَنْبِيَاءِ جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ وَكَانُوا يَعْرِفُونَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، فَلَقَدْ كَانَتْ نُبُوَّةُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - بِمُجَرَّدِ الْمَنَامِ.
وَيَدُلُّ عَلَى فَهْمِهِ الْأَمْرَ قَوْلُ وَلَدِهِ: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ، وَلَوْ لَمْ يُؤْمَرْ لَكَانَ كَاذِبًا، وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ قَصْدُ الذَّبْحِ وَالتَّلِّ لِلْجَبِينِ بِمَنَامٍ لَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنَّهُ سَمَّاهُ الْبَلَاءَ الْمُبِينَ
[ ٩٢ ]
وَأَيُّ بَلَاءٍ فِي الْمَنَامِ وَأَيُّ مَعْنًى لِلْفِدَاءِ.
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِالْعَزْمِ اخْتِبَارًا، فَهُوَ مُحَالٌ، لِأَنَّ عَلَّامَ الْغُيُوبِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الِاخْتِبَارِ وَلِأَنَّ الِاخْتِبَارَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْإِيجَابِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إيجَابٌ لَمْ يَحْصُلْ اخْتِبَارٌ.
وَقَوْلُهُمْ الْعَزْمُ هُوَ الْوَاجِبُ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الْعَزْمَ عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَا يَجِبُ بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِلْمَعْزُومِ، وَلَا يَجِبُ الْعَزْمُ مَا لَمْ يَعْتَقِدْ وُجُوبَ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَعْزُومُ عَلَيْهِ وَاجِبًا لَكَانَ إبْرَاهِيمُ - ﵇ - أَحَقَّ بِمَعْرِفَتِهِ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَقَالَ لَهُ وَلَدُهُ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ يَعْنِي الذَّبْحَ؟ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] اسْتِسْلَامٌ لِفِعْلِ الذَّبْحِ لَا لِلْعَزْمِ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّ الْإِضْجَاعَ بِمُجَرَّدِهِ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ؛ فَهُوَ مُحَالٌ إذْ لَا يُسَمَّى ذَلِكَ ذَبْحًا وَلَا هُوَ بَلَاءً وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْفِدَاءِ بَعْدَ الِامْتِثَالِ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ، وَهُوَ إنْكَارُ النَّسْخِ وَأَنَّهُ امْتِثَالٌ لَكِنْ انْقَلَبَ عُنُقُهُ حَدِيدًا فَفَاتَ التَّمَكُّنُ فَانْقَطَعَ التَّكْلِيفُ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ عَلَى أُصُولِهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَشْرُوطِ لَا يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ، بَلْ إذَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُقْلَبُ عُنُقُهُ حَدِيدًا فَلَا يَكُونُ آمِرًا بِمَا يَعْلَمُ امْتِنَاعَهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْفِدَاءِ فَلَا يَكُونُ بَلَاءً فِي حَقِّهِ.
وَأَمَّا الْخَامِسُ، وَهُوَ أَنَّهُ فَعَلَ وَالْتَأَمَ، فَهُوَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ كَيْفَ يُحْتَاجُ إلَيْهِ بَعْدَ الِالْتِئَامِ؟ وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَاشْتَهَرَ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِهِ الظَّاهِرَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ قَطُّ وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِرَاعٌ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥] . قُلْنَا: مَعْنَاهُ أَنَّكَ عَمِلْتَ فِي مُقَدِّمَاتِهِ عَمَلَ مُصَدِّقٍ بِالرُّؤْيَا، وَالتَّصْدِيقُ غَيْرُ التَّحْقِيقِ وَالْعَمَلِ.