بدليل أو بمقتضاه عند من يراه إذا مات المأمور بعد تمكنه منه وقبل الفعل لم يكن عاصيا عند الأكثرين وقال قوم يموت عاصيا واختاره الجويني في مسألة الفور والتراخي وحكي أن الأول مذهب الشافعي والمحققين من أصحابه في الصلاة كقولنا وهو للمقدسي في أوائله وهذا إنما يصح إذا جوزنا أن يكون الواجب متراخيا وكلام أكثر أصحابنا يقتضى أن هذا لا يجوز بحال والقاضي في الكفاية قد جوزه
[ ٤١ ]
فصل:
قال القاضي إطلاق القواعد يقتضى الوجوب لفعل ما يوعد عليه فإن عدلنا عنه في موضع فلدليل وكلام ابن عقيل في العمدة يوافق ذلك أجاب بهذا لما استدل على وجوب [الإجابة إلى١] الوليمة بقوله: "من لم يجب فقد عصى الله ورسوله" قال: وهذا يدل على الوجوب لأنه توعد عليه بالمعصية فقيل له لا يمتنع أن يتوعد عليه على طريق الاستحباب كما قال: "من سمع النداء فخرج من المسجد قبل أن يصلى فقد عصى أبا القاسم" وقال: "ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا" فأجاب بما تقدم وقد ذكر مثل ذلك في قوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ٢.
قلت هذا ضعيف بل الوعيد نص في الوجوب لا يقبل التأويل فإن خاصة الواجب ما توعد بالعقاب على تركه ويمتنع وجود خاصة الشيء بدون ثبوته إلا في كلام مجاز.
فصل:
صيغة الوجوب ينبغي أن تكون نصا في معنى الوجوب وذهبت طائفة من أصحابنا وغيرهم إلى أنها تحتمل توكيد الاستحباب كما في قوله: "حقك على واجب" وذكر هذا التأويل في "غسل الجمعة واجب على كل محتلم".
فصل:
فأما لفظ الفرض فقد قيل انه يقبل التأويل بمعنى التقدير واختلفت الرواية عن أحمد في صدقة الفطر هل تسمى فرضا على الروايتين ومن قال: ليست بفرض تأول قول ابن عمر فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر
_________________
(١) ١ زيادة لا بد منها ليستقيم الكلام. ٢ من الآية "٧" من سورة الماعون.
[ ٤٢ ]
بمعنى قدر والأظهر أنها نص وقولهم فرض القاضي النفقة وفرض الصداق لا يخرج عن معنى الوجوب وإن انضم إليه التقدير وقال القاضي في اختلاف الروايتين في البحث مع الواقف وما قالوه من أن هذه اللفظة ترد مشتركة في الوجوب والندب وغيره فهذا لا يمنع من أن الصيغة كأسماء الحقائق كالأسد والحمار فإنها حقيقة في البهائم ويراد بها الرجل بقرينة ومع هذا فلا يمتنع أن يكون إطلاقها لحقيقة البهيمية ويبطل بقوله فرضت وأوجبت وألزمت فإن هذا يرد والمراد به الوجوب ويرد والمراد به الندب كقوله غسل الجمعة واجب على كل محتلم ومعناه وجوب اختيار وكذلك فرضت يحتمل الوجوب ويحتمل التقدير كذلك ألفاظ الوعيد ترد والمراد بها الوجوب والمندوب١ قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ وذلك مندوب إليه ومع هذا اطلاقة يقتضى الوجوب وكذلك ذكر في العمدة وزاد عليه قوله: وما حقها قال: اطراق فحلها ومنحه لبنها يوم وردها قال: فتوعد [على] ٢ هذا وهو مندوب إليه ومع هذا اطلاقة يقتضى الوجوب.
فصل:
قال القاضي العبادة كل ما كان طاعة لله أو قربة إليه أو امتثالا لأمره ولا فرق بين أن يكون فعلا أو تركا فالفعل كالوضوء والغسل والزكاة وقضاء الدين والترك كترك الزنا وترك أكل المحرم وشربه وترك الربا وزالت النجاسة فأما الترك فلا يفتقر إلى النية بمنزلة رد المغصوب وإطلاق المحرم الصيد وغسل الطيب عن بدنه وثوبه لأن ذلك كله طريقه الترك فيخالف الوضوء لأنه فعل مجرد ليس فيه ترك وقال أصحاب أبي حنيفة الوضوء ليس بعبادة من شرطها النية
_________________
(١) ١ دقة المقابلة تقتضي أي يقال "الوجوب والندب". ٢ زيادة لا بد منها ليستقيم الكلام.
[ ٤٣ ]
وأفسده وقال سقوط النية في صحة الفعل المأمور به لا يدل على أنه ليس بعبادة كما لا يدل على أنه ليس بطاعة [وقربة] .
فصل:
قال القاضي في الحدود وكذلك ذكر في مسألة المأمور به أمر [ندب] أن كل طاعة فهو مأمور به الطاعة موافقة الأمر والمعصية مخالفة الأمر وقال على ظهر المجرد١ حد الأمر ما كان المأمور بفعله ممتثلا وليس حده ما كان طاعة لأن الفعل يكون طاعة بالترغيب في الفعل [وان لم يأمر به] كقوله: "من صلى غفرت له ومن صام فقد أطاعني" ولا يكون ذلك أمرا.
_________________
(١) ١ في ب "على ظهر الجزء" تحريف وعادة الشيخ أي يقول "في مقدمة المجرد".
[ ٤٤ ]