خلافا للمعتزلة [ر] بل يجوز أن يأمر بما لا مصلحة للمأمور فيه ولكن التكليف منه إنما وقع على وجه المصلحة بناء على أنه قد يأمر بما لا يريد كونه وأنه لا يجب عليه رعاية الصلاح ولا الأصلح وأنه سبحانه لا يقبح منه شيء بل يفعل ما شاء هذا كلام القاضي.
ولهذه المسألة مأخذان أحدهما أن فائدة الأمر قد [تنشأ] من نفس التكليف لا من الفعل المكلف به وهذا أصل ممهد لأصحابنا في غاية الحسن وأصول المعتزلة تقتضى خلافه والثاني أنه لا يجب عليه شيء عندنا لكن لم يقع من الشرائع إلا ما تضمن المصلحة وهم يقولون بالوجوب عليه.
قال ابن عقيل الأمر من جهة الله تعالى لا يقف على مصلحة المأمور [ويجوز أن] يأمره بما يعلم أنه لا يعود بصلاح حاله [عندنا] هذا ينبني على أصول لنا في أصول الديانات وبهذا قال الفقهاء أجمع خلافا للمعتزلة ومن وافقهم في تلك الأصول في قولهم: لا يأمر إلا بما فيه المصلحة والأمر عندهم يقتضي الإرادة ولا يريد الله عندهم بعباده إلا ما فيه١ الأصلح لهم دينا ودنيا٢ واحتج ابن عقيل بأمر إبليس وفرعون ونحوهما.
قلت ما أمر الله إبليس إلا بما فيه المصلحة لكن لم يكن نفس أمره له مصلحة فهنا ثلاثة أشياء٣ أحدها أن يكون نفس الأمر [فيه] ٤ مصلحة للمأمور المعين أو لجملة٥ المأمورين الثاني أن يكون نفس امتثال المأمور به مصلحة للمأمور أو لجميع المأمورين وكلام ابن عقيل يعم القسمين تسوية بين القول والفعل إذ مصدرهما محض المشيئة وتفطن ابن العماد للفرق فقال التحقيق أن الأمر يتناول
_________________
(١) ١ في ب "إلا بما فيه الأصلح – إلخ". ٢ في ا "دينا وأخرى ودنيا". ٣ في ب "ثلاثة أسباب". ٤ كلمة "فيه" ساقطة من ب. ٥ في ب "أم الجملة المأمورين".
[ ٦٣ ]
المصالح والأصلح [في نفسها نعم يقف حصول المصلحة على امتثال المكلف فعدم الامتثال لا يدل على أن الأمر لم يتناول الأصلح] ١ قال: ولا يحتاج أن نرتكب [الأشنع] ٢ ونقول إن أمر الله تعالى لا يطلب له فائدة بل لا يخلو عن فائدة وهنا أقسام أحدها أن يأمر بما هو فساد في الدنيا ويعاقبه على الترك ولا يثيبه على الفعل فهذا لم يقع الثاني أن يثيبه عل الامتثال فهذا ممكن الثالث أن يأمره بما فيه صلاح في الدنيا ويثيب في الآخرة أو لا يثيب الرابع أن يأمره بما عرى عن المصلحة والمفسدة الخامس أن تكون مصلحته في الدنيا لغير المأمور به والحق أن نفس الأمر لا بد أن يكون مصلحة للعموم كالفعل وأما المأمور به فيكون مصلحة للعموم وقد يكون مصلحة للخصوص هذه المسألة أعنى مسألة وقوف الأمر على المصلحة لها أقسام وهي ذات شعب وذلك أن عندنا للأمر بالشيء لمصلحة ثلاث جهات أحدها نفس الأمر بقيد الاعتقاد والعزم وثانيهما الفعل من حيث هو مأمور به تعبدا وابتلاء وامتحانا وثالثها نفس الفعل بما اشتمل عليه من المصلحة والمعتزلة تنكر القسمين الأولين فعلى هذا يجوز أن يأمر بفعل لا مصلحة فيه بل في الأمر والتكليف به الثاني أنه يجوز أن يأمر العبد بما لا مصلحة فيه على تقدير المخالفة فتكون المصلحة في الفعل لو وقع لا مصلحة للعبد في نفس تكليفه كأمر الكفار بالإيمان وهذا مما لا يختلف أهل الشرائع فيه الثالث أنه يجوز أن يأمر بما لا مصلحة فيه على تقدير الموافقة بمعنى أن العبد لو فعل المأمور به لم تكن له فيه مصلحة فهذا جائز لله لأنه يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد خلافا للمعتزلة هو غير جائز له لكن هل يجوز أن يقع منه الصحيح أنه لا يقع منه كتعذيب الطائع وإفناء الجنة بل قد اشتملت الأفعال الصحيحة المشروعة على مصالح فضلا منه وإحسانا وهذا قول عامة السلف وعليه انبنت مذاهب الفقهاء وحملة الشريعة والذي عليه
_________________
(١) ١ ما بين هذين المعقوفين ساقطة من ا. ٢ في ب "يرتكب" "ويقول" وكلمة "الأشنع" ساقطة منها.
[ ٦٤ ]
أكثر الأشعرية أو كثير منهم جواز خلو المشروعات عن المصالح وربما صغى إلى ذلك جماعة من متأخري أصحابنا والتزموه في محاجاتهم كما أن هؤلاء قد لا يجعلون في نفس الفعل من حيث هو مصلحة ولا مفسدة إلا من حيث تعلق الأمر به وهؤلاء ناقضوا المعتزلة مناقضة بعيدة ودين الله بين الغالي فيه وآلجافي عنه فافهم الفرق بين هذه المقالات وأصولها وفروعها تتبين الصواب من الخطأ والله الهادي والقاضي أقصد من ابن عقيل فإن لفظه ليشير إليه كما كتبته عنه وكذلك قال في المسألة النسخ: الناس في التكليف على قولين منهم من قال: لله أن يكلف عباده ما شاء أن يكلفهم لمصلحة ولغير مصلحة ثم الحق١ ولكن لا يختلف أن التكليف إنما وقع منه على وجه المصلحة كما أن ما يفعله فينا إنما يفعله للمصلحة ومنهم من قال: حسن التكليف لما فيه من مصالحهم.
_________________
(١) ١ لم يأت بالخبر عن "الحق" وليس في النسختين علامة سقط.
[ ٦٥ ]