قال الجويني: هي معدودة من الشرع على تأويل أن الخبر ورد بها وذكر [عن] المعتزلة أن الإباحة ليست من الشرع وفصل الرازي ذلك وذكر صاحب المغنى فيما لم يرد فيه دليل سمعي احتمالين أحدهما أنه١ لا حكم له بل نفي الحرج فيه على ما كان قبل السمع والثاني أن الإباحة فيه حكم شرعي بناء على دعوى أنه قد دلت عمومات [سمعية] على أن ما لم يرد فيه حظر٢ ولا إلزام فهو مباح [ر] والتحقيق أن الإباحة "تفسر بشيئين" أحدهما الإذن بالفعل٣ فهي شرعية محضة إلا عند من يقول العقل يبيح فقد
_________________
(١) ١ في ا "أحدهما أن لا حكم له". ٢ في ا "على أنه لم يرد – إلخ" وما أثبتناه موافقا لما في ب أوضح وأدق. ٣ في ب "أحدهما الإدراك في الفعل" وهو خطأ ظاهر.
[ ٣٦ ]
تكون عقلية أيضا والثاني عدم العقوبة فهذا العفو يكون عقليا وقد يسمى شرعيا بمعنى التقرير وقد بين النبي ﷺ القسمين بقوله: "الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه".
فصل:
النائم والناسي غير مكلفين وذكر الآية: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ١ وأجاب عنه وكذلك ذكره ابن عقيل وهو قول أكثر المتكلمين [قال شيخنا] ٢ وكذلك المغمى عليه والذي عليه أكثر الفقهاء أنهم مكلفون وهو ظاهر كلام أحمد قال: وقد سئل عن المجنون يفيق يقضى ما فاته من الصوم فقال المجنون غير المغمى عليه فقيل له لأن المجنون رفع عنه القلم قال: نعم قال القاضي: فأسقط القضاء عن المجنون وجعل العلة فيه رفع القلم فاقتضى أنه غير مرفوع عن المغمى عليه وهذا أشبه بأصلنا حيث أوجبنا الصوم على الحائض مع استحالة الفعل منها [بمعنى ثبوت] الوجوب في الذمة.
فصل:
فأما السكران فقد نص أحمد أن القلم يجرى عليه وكذلك الشافعي وهو قلم الإثم ليس مثل المغمى عليه والنائم فإن قلم الإثم مرفوع عنهما إجماعا وقال ابن عقيل وأكثر المتكلمين هو غير مكلف وينبغي أن يخرج في لحوق المآثم٣ له روايتان٤.
_________________
(١) ١ من الآية "٤٣" من سورة النساء. ٢ ساقطة من ب. ٣ في ب "التأثيم". ٤ في ب "له بأفعاله روايتان".
[ ٣٧ ]
فصل:
إذا كان المأمور به بعضه واجبا وبعضه مستحبا كقوله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ ١ وقوله: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ونحو ذلك وهو كثير في الكتاب والسنة فقد قال بعضهم: إن حمل الأمر على الوجوب خرجت منه المستحبات وإن حمل على الندب خرجت منه الواجبات مع أنه تحكم وإن حمل عليهما لزم حمل اللفظ على حقيقته [ومجازه أو على حقيقتيه٢] قال ابن عبد السلام في قواعده: والحمل على الوجوب مع التزام التخصيص أولى لأن الغالب على صيغة الأمر الإيجاب والغالب على العموم التخصيص فإن حمله على الغالب أولى.
[قلت٣] الصواب أن يقال الأمر عام في كل ما تناوله لقيام المقتضى للعموم ثم لك مسلكان:
أحدهما: أن تقول هو دال على القدر المشترك بين الوجوب والاستحباب وما امتاز به بعضها من الإذن في الترك والمنع منه مستفاد من دليل منفصل وهذا وإن كان فيه تجوز عند من يقول مطلق الأمر إيجاب فالمحافظة عليه أولى من تخصيصه بالأمور الواجبة فقط لأن ذلك يسقط فائدة هذا الخطاب فانا لا نحمله إلا على ما علمنا [وجوده من غيره وما علمنا وجوده من غيره غنينا فيه] عن هذا الخطاب ولا يبقى للمخاطبة بمثل هذا فائدة ولان معه قرينة [تنفي] عنه الوجوب وهو دخول ما علمنا عدم وجوبه وليس معه قرينه تنفي عنه العموم وحمل كلام الله وكلام رسوله على ما يحصل بيانه بنفسه أولى من حمله على ما لا يعلم بيانه إلا بأدلة
_________________
(١) ١ من الآية "٧٧" من سورة الحج. ٢ إن قلنا إن الأمر حقيقة في الوجوب مجاز في الندب كان حمله عليهما في هذه الصورة حملا للفظ على حقيقته ومجازه وإن قلنا إن الأمر حقيقة في الوجوب وفي الندب جميعا كان حملا للفظ المشترك على حقيقتيه. ٣ ساقطة من ب.
[ ٣٨ ]
كثيرة سبق حصرها [ولأنا لا نسلم] أن التخصيص في الأوامر١ أكثر من صرفها عن الوجوب وفي هذا المنع نظر ولان في مثل هذا يكون الخارج اللفظ العام أقل من الداخل فيه لكثرة مسمى الخير وكثرة الريب٢ وحمل العام على مثل هذا ممتنع أو بعيد
المسلك الثاني وهو الأظهر [إن] شاء الله أن تقول هذا الأمر [إن] أريد به الوجوب في الواجبات والاستحباب: "في المستحبات" لأن المقتضى لعمومه مطلقا ووجوبه في الواجبات قائم ولا مانع من هذا المقتضى فيعمل عمله وإخراج بعض المأمورات منه أو إخراجه عن الوجوب مع ثبوت الوجوب إخراج للمقتضى عن عمله.
وما ذكره من كونه جمعا بين حقيقة ومجاز أو حقيقتين فعنه جوابان:
أحدهما أن هذا لا يضر فإن هذا جائز وغايته أنه نوع من المجاز والمصير إليه أولى لأن التخصيص والندب مجازان أيضا لكن لا دليل على ثبوتهما لأن الدليل المنفصل إنما أوجب إخراج بعض المأمور به أن يكون واجبا فيجب العمل به هنا وما زاد [على ذلك] لا وجه لصرف الكلام [فيه] عن ظاهره فالمجاز الذي تبقى معه٣ دلالة اللفظ أوفر يكون الحمل عليه أولى.
ولا بد من تحرير هذا المقام أذلة أن يقول هذا مشترك.
الجواب الثاني وهو أجود إن شاء الله أن هذا ليس من باب استعمال اللفظ في مفهوميه٤ بل هو من باب تخصيص العام وذلك أن الأمر المتناول أفعالا هو عام بالنسبة إلى تلك الأفعال فإخراج بعضها عن أن يكون واجبا
_________________
(١) ١ في ا "الأمر" وضمير "صرفها" يدل على أن أصل العبارة كما أثبتنا موافقا لما في ب. ٢ في ا "وكثرة المراتب" خطأ وهو يشير إلى الحديث الذي أثره في مطلع المسألة وهو "دع ما يريبك". ٣ في ا "مع دلالة اللفظ". ٤ في ب "في مفهومه" بالإفراد وخطؤه ظاهر.
[ ٣٩ ]
تخصيص لدلالة الوجوب بل هو أقوى من تخصيص العام لأن التخصيص إخراج بعض الأفراد عن دخولها في اللفظ مطلقا وهذا إخراج للبعض من دخوله في دلالة اللفظ فإن الأمر يدل على الطلب وعلى المنع من الترك ويدل على شمول هذين المعنيين لجميع الأفعال المأمور بها فثبوت المعنيين في جميع الأفعال وثبوت أحدهما في الباقي إخراج لبعض الأفعال من أحد معني اللفظ وهذا أجود من إخراجه من جميع المعنى
وقد يقال إن الأمر المتناول لأفعال بمنزلة أمور متعددة فيجوز أن يراد ببعضها ما لا يراد بالآخر والأول أجود فإن هذا مبنى على أن اللفظ المجموع ليس كاللفظ المفرد في [إرادة] مجموع [موارده و] معانيه والأول يجعل اللفظ قد أريد به معنى واحد في جميع موارده وأريد به في البعض قدر زائد على المعنى المشترك وذلك القدر الزائد هو من مدلول اللفظ وهذا نوع تخصيص وحاصله يرجع إلى أن صرف الأمر عن الإيجاب إلى الاستحباب نوع تخصيص وإذا كان لا بد من تخصيص صيغة الأمر أو تخصيص صيغة المأمور به [بأن يحمل لفظ الأمر على بعض معناه في جميع المأمور أو يحمل] على جميع معناه في بعض المأمور فالقسم الثالث وهو إخراج بعض معناه عن بعض المأمور أولى من هذين الوجهين لما فيه من قلة التخصيص ولما في ذينك من كثرته ويشبه هذا قول من يقول إن اللفظ العام حقيقة باعتبار ما دخل فيه مجاز باعتبار ما خرج منه والذي أبوه في حمل اللفظ١ على معنييه أن يحمله على جميع مفهوميه الحقيقي والمجازى أو الحقيقيين وليس الأمر هنا كذلك فإنه يحمل على حقيقته في بعض المواضع وعلى مجازه في بعضها وهذا أقل محذورا من إخراج ذلك البعض المجازى بالكلية والله أعلم بالصواب
_________________
(١) ١ في ا "من حمل اللفظ – إلخ".
[ ٤٠ ]
فصل:
في الأقسام التي وردت بصيغة الأمر وليس المراد بها الأمر.
وهي خمسة عشر قسما ذكرها الرازي في الأوامر:
[ ٤١ ]