مسألة: ما يتم الواجب إلا به
ويدخل في قدرة المكلف فهو واجب وبه قالت الشافعية ذكره ابن الخطيب١ خلافا لمن منع من ذلك وقال ليس بواجب وهم أكثر المعتزلة وفرق ابن برهان بين ما كان شرطا شرعيا كالطهارة للصلاة والستارة ونحوهما فجعله مأمورا به وبين ما يقع ضرورة الإتيان بالمأمور كغسل جزء من الرأس وإمساك جزء من الليل فلم يجعله واجبا ولا مأمورا به وكذلك ذكر الجويني نحو ذلك وأشار إلى أنه في معنى كون الأمر بالشيء هل يكون نهيا عن ضده [ح] وحقق ابن عقيل ذلك تحقيقا حسنا.
فصل:
مالا يتم الواجب إلا به للناس في ضبطه طريقان:
أحدهما: وهو طريق الغزالي وأبي محمد وغيرهما أنه ينقسم إلى غير مقدور للعبد كالقدرة والأعضاء وفعل غيره كالإمام والعدد في الجمعة فلا يكون واجبا والى ما يكون مقدورا له كالطهارة وقطع المسافة إلى الجمعة والمشاعر فيكون واجبا وهذا ضعيف في القسم الأول إذ لا واجب هناك وفي الثاني باكتساب المال في الحج والكفارات ونحو ذلك
_________________
(١) ١ في ب "ابن الخطاب" وربما كان محرفا عن "أبو الخطاب".
[ ٦٠ ]
الطريق الثاني: أن مالا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب كالقسم الأول وكالمال في الحج والكفارات ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب مطلقا وهذه طريقة الأكثرين من أصحابنا وغيرهم وهي الأصح.
وهذه الأمور الملازمة للواجب أقسام لأنه إما أن يجب وجودها قبله كالمشي إلى الجمعة أو بعده كإمساك جزء من الليل في الصوم أو مقارنا له كالاستقبال والطهارة أو يمكن في الثلاثة كغسل بعض الرأس في الوجه أو يكون مبهما كصلاة أربع صلوات إذا نسى صلاة من يوم لا يعلم عينها.
ثم الذي يجب أن يقال في هذه المسألة أن الواجب له معنيان أحدهما الطلب الجازم والثاني المعاقبة والذم على الترك والوجوب عند الجمهور من أصحابنا وغيرهم يتصور بمجرد القسم الأول فيكون وجوب هذه اللوازم من باب الأول لا الثاني إذ لا يعاقب المكلف على ترك هذه اللوازم بدليل أن من بعدت داره عن المسجد أو مكة لا تزيد عقوبته على عقوبة من قربت داره وإن كان ثوابه على الفعل أكثر١ إلا أن يقال قد تكون عقوبة من كثرت واجباته أقل من عقوبة من قلت: وعلى هذا فقول من قال: "يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب" صحيح ليس كما أنكره أبو محمد متابعة للغزالي وغيره وكذلك [مسألة] ٢ ما لا يتم اجتناب المحرم إلا باجتنابه سواء وقد يقال أيضا هذه اللوازم٣ تجب وجوبا عقليا لا وجوبا طلبيا ولا عقابيا فإن هذا نوع ثالث كما يجب لمن أراد الأكل تحريك٤ فمه أو لمن أراد الكلام تحريك آلاته فهذا وجوب عادى لا شرعي وهذا الوجوب لا ينكره عاقل كما أن الوجوب العقابي لا بقوله
_________________
(١) ١ في ب "وإن كان ثوابه أكثر على الفعل". ٢ هذه الكلمة ساقطة من ا. ٣ في ا "وقد يقال أيضا لهذه اللوازم". ٤ في ب "لمن أراد تحريك الأكل فمه" سهو.
[ ٦١ ]
فقيه يبقى الوجوب الطلبى وهو محل النزاع وفيه نظر ويشبه أن يقول هو مطلوب بالقصد الثاني لا الأول.
ومما يوضح١ الفرق بين الوجوب الطلبي والعقابي أن من قال: يجب بالعقل توحيد الله وشكره ويحرم به الكفر والزنا والظلم والكذب لا يلزمه أن يقول يعاقب عليه في الآخرة للنصوص السمعية وإن كان تاركا للواجب وفاعلا للمحرم والخلاف في المسألة مشهور مع الجويني وغيره٢.
فصل:
فأما إذا كان الافتقار إلى التمام للجهل٣ كما لو أشتبه الواجب بغيره كالناسي لصلاة لا يعلم عينها أو المحرم بغيره كمن اشتبهت عليه أخته بأجنبية فعلى قول أبي محمد وغيره الجميع محرم وواجب وعلى القول الآخر أحدهما هو الواجب في الحقيقة والآخر يثبت فيه أحد نوعى الوجوب وهو الوجوب ظاهرا لا باطنا وهذا هو التحقيق فبتقسيم أنواع الوجوب والحرمة يظهر الحكم في هذه المسائل وكذلك بتقسيم الوجوب يظهر الحكم في مسألة المخير والموسع والزيادة المحدودة والمطلقة ومن أخذ الوجوب نوعا واحدا اضطربت عليه هذه المسائل.
_________________
(١) ١ في ب "ومما يصح الفرق" تحريف. ٢ في هامش اهنا "بلغ مقابلة على الأصل". ٣ في ب "للجميل" وهو تحريف.
[ ٦٢ ]