٦- تنازع التطرف المصلحة فالبعض قال بتقديمها على النصوص، والبعض قال برفضها.. ولكل وجهة هو موليها وتشير إلى الطرفين وحججها.
[ ٣٨ ]
٧- أما الإفراط فيحمل لواءه نجم الدين الطوفي –الذي قيل إنه حنبلي لكن التحقيق أنه يميل إلى التشيع١- وقد عرض لرأيه في معرض شرحه لما روى عن رسول الله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار"٢، وقال إنه يرى الأدلة الشرعية تسعة عشر دليلا جعل في مقدمتها النص والإجماع واعتبرها أقواها، ولكنه عاد فقال إن المصلحة تتقدم النص والإجماع إذا تعارضت معه٣.
ولم يشأ نجم الدين الطوفي خلال عرضه الطويل أن يقدم مثلا واحدا لتعارض النص مع مصلحة حقيقية!
وبغض النظر عما ثار حول عقيدته، فإن رأيه يناقض بعضه بعضا، ويتهاتر أوله مع آخره حتى يسقط عن مستوى الاستدلال.. فإنه بعد أن صرح بتقدم النص والإجماع عاد فصرح بتقدم المصلحة على النص والإجماع، وهو وإن أجعل التعارض شرطا.. فإنه لم يستطع أن يقدم مثلا واحدا للتعارض!
فضلا عن أنه إذا تعارضت المصلحة مع النص.. فإنه يسقط الاستدلال بها إذ تغدو مصلحة ملغاة.. لا مرسلة ولا معتبرة!
٨- وقد نسب إلى الإمام مالك أنه قال إن المصلحة تخصص عام القرآن وتقيد مطلقه٤، وليس في أصول الإمام مالك ولا فقهه ما يؤيد ذلك.
كذلك نقل عن الإمام مالك أنه قال بتعذيب المتهم لإجباره على الإقرار –استنادا للمصلحة المرسلة- وقد ثبت بالتحقيق أنه ليس رأيا للإمام مالك، وأن هناك رأيا لسحنون في هذا الموضوع لكنه حرف ونقل على هذا النحو، ثم حرف ونسب إلى الإمام مالك٥.
هذا بعض عن جانب الإفراط.
٩- أما جانب التفريط: فقد ذهب
_________________
(١) ١ انفرد نجم الدين الطوفي دون سائر الحنابلة بهذا الرأي، وقد نقل ابن رجب في طبقاته (ج ٢ ص ٣٦٦، ٣٦٧) وابن عماد في شذرات الذهب (ج ٦ ص ٢٣٩) أن نجم الدين الطوفي انحرف إلى التشيع ثم الرفض، وقد حاول الدكتور مصطفى زيد في رسالته الدفاع عنه، وعلق على ذلك الإمام محمد أبو زهرة.. فإن النصوص التي نقلها مستشهدا بها لنفي التشيع تطوي في ثناياها دليل إثباته، وكل نص ساقه دليل للنفي هو في مغزاه ومرماه وباعثه دليل الإثبات (المصلحة ونجم الدين الطوفي ص ٩) وينقل الدكتور معروف الدواليبي أن الشيعة نفسهم يتبرأون من نجم الدين الطوفي فقد قال عنه الشيخ عبد الحسين شرف الدين شيخ علماء جبل عامل وإمامهم: «وسليمان الطوفي من الغلاة الذين مازالت خصومنا تحملنا أوزارهم» (علم أصول الفقه للدواليبي ٢١٥، ٢١٦) ولا يفوتنا بعد ذلك الإشارة إلى ما ذكره بعض المؤرخين من أنه تاب عن الرفض والتشيع (البوطي ص ١٤٣، ومع ذلك فإنه يتحمل أمام الله والتاريخ مسؤولية تلك الفتنة التي أثارها والتي مازال صداها يجلجل به أعداء الإسلام. ٢،٣ الدكتور مصطفى زيد، ومن رأي الطوفي بعض المحدثين الذين سنشير إليهم فيما بعد إن شاء الله. ٤ محمد أبو زهرة، أصول الفقه ص ٢٧٤، المرحوم عبد الوهاب خلاف في علم أصول الفقه ص ٢٣٣، ٢٣٤، الدواليبي ص ٢١٥. ٥ البوطي ص ١٣٣، ١٣٤، ٢٤٧.
[ ٣٩ ]
إليه أولئك الذين رفضوا المصلحة نهائيا١ ولأهمية هذا الحكم، ولسقوط كثير من حكام المسلمين في هذا الإثم نذكر شيئا من التفصيل، فنقول بعون الله:
إن الرجوع إلى كتب المذهب تكشف خطأ نسبة هذا الرأي إلى مالك، بل تثبت عكس ذلك تماما فهو يقول «لا أقيم الحد إلا أن يقر بذلك آمنا لا يخاف شيئا» (المدونة –ج ٦. ص ٩٣ طبعة السعادة) .
والذي يبدوا أن الرأي حرف عن سحنون! إذ قال: «إن إقرار المتهم في حبس سلطان عادل إقرار صحيح» لكن تفحص العبارة يفيد عكس التحريف الذي فهمت به، فهو يقيد صحة الإقرار بعدالة السلطان إن كان المتهم محبوسا.. مما يفاد منه أنه إذا كان ثمة إقرار لسجين في سجن سلطان غير عادل فلا قيمة له.. لأن السجن في مثل هذه الحالة يمثل لونا من الإكراه يشوب الإقرار ومن ثم يغدو مرفوضا، وإذا كان السجن يشكل وحده لونا من الإكراه. أفلا يشكله التعذيب؟!
ويشير الإمام الشاطبي في الاعتصام (ج ٢ ص ٢٩٣، ٢٩٤- مطبعة المنار بمصر) إلى نفس الرأي السابق وينسبه إلى الإمام مالك ويشير إلى أن العذاب المقصود هو السجن، ونحسب أن الشاطبي بذلك نقل رأي سحنون على أنه رأي مالك فهو الذي رأى أن إقرار المتهم في حبس سلطان عادل يعتد به، وهو ما أشرنا إلى أنه يفيد عكس ما يقررون، ومع ذلك فقد أضاف الشاطبي إلى أن أصحاب مالك مضوا على الضرب لإمكان استخلاص الأموال من أيدي السراق والغصاب وأشار نقلا عن الغزالي إلى أن الإمام الشافعي لا يقول بذلك. (ص ٢٩٥ نفس المرجع) .
ولقد نعلم أن البعض قد يحاجج بما كان من رسول الله ﷺ يوم خيبر إذ أمر الزبير أن يمس عم حيي بن أخطب بعذاب ليعترف على ما خبأه ابن أخيه، وبيان ذلك أن رسول الله ﷺ قاتل في غزوة خيبر فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء،
_________________
(١) ١ وهم القاضي أبو بكر الباقلاني والأمدي من الشافعية وبعض الظاهرية، وليس صحيح أن الغزالي منهم (البوطي ٢٩٥، ٢٠٣، الاعتصام للشاطبي ج ٢، ص ٢٨٢) .
[ ٤٠ ]
واشترط عليهم أن لا يكتموا شيئا ولا يغيبوا شيئا فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد: ومع ذلك فقد غيبوا مسكا فيه مال، وحلي لحيي بن أخطب كان قد حمله إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله ﷺ لعم حيي بن أخطب: "ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير"، فقال أذهبته النفقات والحروب، فقال: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك"، فدفعه رسول الله ﷺ إلىالزبير فمسه بعذاب، وقد كان قبل ذلك دخل قرية، فقال قد رأيت حييا يطوف في خربة ها هنا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله ﷺ ابني أخ الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أبي أخطب، وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا (عن زاد المعاد لابن القيم الطبعة الأولى ١٣٥٣هـ ج ٢) .
ونحن نلاحظ على هذه الرواية التي قد يحاجج بها البعض ليجعل للتعذيب شرعية:
١- أن الأمر كان في حالة حرب بين مسلمين وغير مسلمين.
٢- أن العذاب لم يقع على أحد من المسلمين، وإنما وقع على يهودي محارب.
٣- أن النصوص كثيرة متواترة على حفظ دم المسلم وعرضه وماله، بل إن بعضها يجعل حرمة المسلم أعظم عند الله من حرمة بيته المحرم.
٤- أنه قد بدر من الفريق الآخر بعد الصلح نكث للعهد ولذا أمر الرسول ﷺ بالقتل والسبي.
٥- أنه ليس هناك ما يفيد في هذه الرواية أن ما وقع على عم حيي بن الأخطب كان لحملة على الاعتراف، بل الأرجح أنه كان عقابا على كذبه على رسول الله ﷺ حين سأله، وعلى نكثه العهد حين اشترط عليهم الرسول ألا يكتموا وألا يغيبوا! وإذا كان الرسول ﷺ قد أمر بالقتل والسبي جزاء على ذلك فإن الضرب جزاء دون ذلك الجزاء!
[ ٤١ ]
وقد يكون هذا التفريط رد فعل لذلك الإفراط، لكنهم يبررون ذلك بما يلي:
١- أن الله سبحانه إذا قرر ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ قد كفل له من الأحكام ما يكفل له تنظيم حياته دون حاجة إلى جديد ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾ .
٢- أن المصالح الحقيقية هي التي وردت بها الأحكام، وما لم يرد به حكم فليس بمصلحة ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .
٣- أنها مظنة الحكم بالهوى ما دامت ليست معتبرة من الشارع، بل هي مترددة بين الاعتبار والإلغاء وفي هذا يقولون إنها ما دامت مترددة بين الاعتبار والإلغاء فإن انحيازها إلى جانب الاعتبار ليس أولى من انحيازها إلى جانب الإلغاء١.
[ ٤٢ ]