المبحث الأول: في الفرق بين المطلق والنكرة.
سلف أن بعض١ أصحاب الأصول يعرف المطلق بالنكرة في سياق الإثبات، وهذا الاتجاه يتفق وما ذهب إليه عامة النحاة من تقسيم الاسم إلى نكرة ومعرفة.
ويصنفون المطلق من قسم النكرة؛ لأنهم لا يرون فرقًا بينهما، بل يذهب فريق من النحاة إلى إعطاء الأفعال والظروف حكم النكرة؛ لوقوعهما صفة لها، والصفة تابعة للموصوف، ولدلالة كل من الفعل والظرف في الغالب على غير معين، والنكرة كذلك، لكنهم لا يقصدون من النكرة المساوية للمطلق كل نكرة، بل النكرة المساوية للمطلق عندهم هي النكرة في سياق الإثبات، وهي المعروفة بالنكرة المحضة المتوغلة في الإبهام؛ حيث لم يقترن بها ما يخرجها عن الإبهام بوجه من الوجوه.
يقول القرافي: "كل شيء يقول فيه الأصوليون: إنه مطلق يقول النحاة: إنه نكرة، وكل شيء يقول النحاة: إنه نكرة يقول الأصوليون: إنه مطلق، وأن الأمر به يتأدى بفرد منه؛ فكل نكرة في سياق الإثبات مطلق عند الأصوليين، فما أعلم موضعًا ولا لفظًا من ألفاظ النكرات يختلف فيه النحاة والأصوليون، بل أسماء الأجناس كلها في سياق الثبوت هي نكرات
_________________
(١) ١ الأحكام للآمدي ٢/١٦٢، وابن الحاجب ٢/١٥٥.
[ ١٢٩ ]
عند النحاة ومطلقات عند الأصوليين"١.
ثم يقول: "والتعرض للفرق بين الاصطلاحين عسر باعتبار الواقع، أما باعتبار الفرض والتصوير فممكن، غير أن البحث إنما وقع في هذا المكان عن الواقع من الاصطلاحين ما هو؟ وقريب من ذلك ما ذكره صاحب٢ النحو الوافي حيث يقول: "ذهب جمهرة كبيرة من النحاة إلى أنه لا يوجد فرق بين النكرة واسم الجنس "المطلق"؛ فإن كان لمعين فهو النكرة المقصودة٣، وإن كان لغير معين فهو: النكرة غير المقصودة٤، وفي هذا الرأي يعني "اتحاد المطلق
_________________
(١) ١ العقد المنظوم في الخصوص والعموم للقرافي مخطوط ص: ١٨، توجد له صورة بالمكتبة العامة بالجامعة الإسلامية. ٢ هو: الأستاذ عباس حسن رئيس قسم النحو والصرف والعروض بكلية دار العلوم وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ٣ النكرة المقصودة: وتسمى اسم الجنس المعين، هي: النكرة التي يزول إبهامها وشيوعها بسبب ندائها، فتصير معرفة بعد أن كانت تدل على واحد غير معين، مثل قولك: (يا رجل ساعدني على احتمال المشقة)، وهي تشبه المفرد العلم مثل: زيد إلا أن تعريفها طارئ بسبب ندائها فيصح أن توصف بالمعرفة نظرًا لهذا التعريف الطارئ ويصح أن توصف بالنكرة مراعاة لحالتها السابقة، فيقال: يا رجل المهذب أو مهذبًا ساعدني على احتمال المشقة، إلا أن الأول أولى. النحو الوافي ٤/٣٠. ٤ النكرة غير المقصودة: وتسمى اسم الجنس غير المعين، هي الباقية على إبهامها وشيوعها كما كانت قبل النداء ولا تدل معه على فرد معين بالمناداة، ولهذا لا تستفيد منه التعريف، مثل قولك: يا غافلًا تذكر الآخرة وأحسن كما أحسن الله إليك. النحو الوافي ٤/٣٠ ط ثالثة دار المعارف بمصر.
[ ١٣٠ ]
والنكرة" تخفيف وتيسير فيحسن الأخذ به"١، وما ذهب إليه هذان العالمان من اتحاد النكرة والمطلق أيده كثير من الأصوليين منهم صاحب التحرير إلا أنه قصر مساواة المطلق للنكرة في سياق الإثبات والمعرف لفظًا٢، حيث يقول بعد أن ذكر الأدلة على أن المطلق موضوع ليدل على الأفراد الخارجية: "فلا دليل على وضع اللفظ للماهية من حيث هي إلا علم الجنس٣، إن قلنا: بالفرق بينه وبين اسم الجنس النكرة، وهو الأوجه أي: الفرق بينهما، هو الأوجه المختار؛ لأن اختلاف أحكام اللفظين يؤذن بفرق في المعنى، وإلا فقد ساوى المطلق النكرة ما لم يدخلها عموم والمعرف لفظًا"٤.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ١/٢٨٩. ٢ المعرف لفظًا: هو المعهود الذهني وسيأتي الكلام عليه في مبحث مستقل. ٣ علم الجنس: يعرف بأنه اللفظ الموضوع للماهية المتحدة في الذهن المشار إليها من حيث معلوميتها للمخاطب، تيسير التحرير ٢/٣٥، نحو: قولك: أسامة أجرأ من ثعالة، أي حقيقة الأسد أجرأ من حقيقة الثعلب، وقيل: هو اللفظ الموضوع للماهية المستحضرة في الذهن. (اتحاف الإنس في العلمين واسم الجنس)، مخطوط بمكتبة عارف حكمت. ٤ يراد باللفظين اسم الجنس النكرة، وهو المسمى (بالمطلق)، وعلم الجنس الذي سبق تعريفه، والأحكام التي يشير إليها هي أحكام المعارف؛ فإنها تجري على علم الجنس دون اسمه، مثل: منع علم الجنس من الصرف، إذا انضمت إليه علة أخرى - كالتأنيث مثلًا - ومجيء الحال منه نحو: (أسامة مقبلًا أحسن منه مدبرًا)، وجواز الابتداء به بدون مسوغ مثل: أسامة جميل، ومنع دخول (ال) المعرفة عليه حيث كان بذاته يفيد التعيين فهو غني عنها بخلاف اسم الجنس، فإنها إذا دخلت عليه أفادته التعريف.
[ ١٣١ ]
وفسر الشارح ذلك فقال: "والمراد بمساواته لهما أن ما صدق عليه أحدهما يصدق عليه الآخر؛ فبين المطلق والنكرة عموم من وجه"، لصدقهما في نحو: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وانفراد النكرة عنه إذا كانت عامة كما لو وقعت في سياق النفي، وانفراد المطلق عنها في نحو: "اشتر اللحم"، ثم يقول الكمال بن الهمام: "ولو سلم عدم الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس فقد استقل تبادر الأفراد من اللفظ المطلق بنفي وضعه للماهية من حيث هي: فالحق الأول - يعني أن لا وضع للماهية من حيث هي إلا علم الجنس إن قلنا: بالفرق بينه وبين اسم الجنس"١.
٢ - وذهب فريق آخر:
إلى أن المطلق مغاير للنكرة؛ فالمطلق عند أصحاب هذا الاتجاه ما وضع للمعنى الذهني المجرد، وهو المسمى "بالماهية من حيث هي"، مثل:
_________________
(١) ١ تيسير التحرير ٢/٣٥.
[ ١٣٢ ]
قولك: "الرجل خير من المرأة" أي: حقيقة الرجل خير من حقيقة المرأة، بقطع النظر عن أفرادهما.
والنكرة هي: مدلول اللفظ الخارجي الذي ينطبق عليه فعلًا، قال صاحب النحو الوافي بعد أن ذكر التعريفين السابقين: "وهذا حاصل الفرق بينهما عند من يراه وهو فرق فلسفي متعِبٌ في تصوره، وليس وراءه فائدة عملية"١، إذ لا يوجد له في خارج الذهن، بل المطلق والنكرة في الخارج متحدان في المدلول، وهو الفرد الشائع، وحيث علمنا عدم فائدة الفرق، وأنه يرجع إلى أمور اعتبارية فقط، يكون الخلاف في ذلك خلافًا في الاصطلاح، اللهم إلا أن يقال: الفرق بين المطلق والنكرة يبدو في حال الإخبار عن الماضي، إذ قال بعض الأصوليين٢: إن الإطلاق لا يتصور في غير الأمر وخبر الثبوت، فنحو قولك: رأيت رجلًا مثلًا،
_________________
(١) ١ النحو الوافي ١/٢٨٩، وهذا ما دعا بعض العلماء إلى أن يقولوا: لا فرق بين علم الجنس واسم الجنس في المعنى، بل الفرق بينهما في مجرد اللفظ، حيث نقل الثقات إجراء أحكام المعارف اللفظية على علم الجنس دون اسمه، وإلى ذلك يشير ابن مالك في ألفيته فيقول: (ووضعوا لبعض الأجناس علم *** كعلم الأشخاص لفظًا وهو عم) وقوله: وهو (عمَّ) بصيغة الماضي - يعني - أن مدلوله (عمَّ) الأفراد، بحيث يصدق على كل فرد بذاته، فهو عام شائع من جهة المدلول، وهذا هو حكم النكرة. ٢ الآمدي ٢/١٦٢، والفروق للقرافي ١/١٩٠.
[ ١٣٣ ]
متعين بإسناد الرؤية إليك ومع التعيين يبعد الإطلاق، لكن هذا المثال لا يسلم من الاعتراض؛ لأنه يمكن أن يقال: إن رجلًا في قولك: "رأيت رجلًا" مطلق؛ لأنه لا يعرف هل هو مسلم أو غير مسلم، طويل أو قصير؟ فعلى فرض صحة المثال يكون المطلق مفارقًا للنكرة في حال الإخبار عن الماضي وسيأتي لهذا مزيد من الإيضاح في مبحث دخول الإطلاق على الأفعال.
ورغم ما سبق من عدم فائدة الفرق بين المطلق والنكرة إلا أن أكثر الأصوليين والفقهاء ذكروا لذلك فائدة تظهر في قول الرجل لزوجته: "إن كان حملك ذكرًا فأنت طالق"، ولم ينو عددًا معينًا ثم ولدت ذكرين، فعلى القول بأن المطلق يفارق النكرة، وأنه يفيد ماهية الشيء تطلق للجنس، وإلى هذا الفرق يشير صاحب١ مراقي السعود، فيقول:
_________________
(١) ١ هو: سيدي عبد الله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي، ولد بعد منتصف القرن الثاني عشر الهجري، بقصر تحكجة، وهي القاعدة العامة لأمارة شنقيط، درس بادئ ذي بدء على والده الذي كان من رجالات العلم، ثم تلقى العلوم على عدد من كبار علماء الصحراء منهم سيدي المختار الكنتي، والحاج أحمد خليفة العلوي، فذاع صيته حتى اعتبروه أعلم رجل في الصحراء المغربية، ومما قيل في حقه: إنه (فريد دهره، وعالم عصره، أو كما نعته بعضهم بكونه مجدد العلم بقطر شنقيط، تتلمذ علي يده جم غفير من العلماء لا من بلاد شنقيط فحسب، ولكن من جميع البلاد المجاورة كالسنغال، والسودان، وبلاد أفريقيا، توفي ﵀ برباطه العلمي القريب من (تحكجكه) عن عمر يناهز الثمانين، وذلك في حدود سنة ١٢٣٣هـ، له عدة مؤلفات منها: النظم المسمى مراقي السعود ونشره نشر البنود في الأصول على مذهب المالكية. انظر: مقدمة الكتابين المذكورين لترجمة المؤلف، طبع صندوق إحياء التراث الإسلامي المشترك بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة.
[ ١٣٤ ]
عليه طالق إذا كان ذكرا فولدت لاثنين عند ذي نظر
وذكروا في الفروع أيضًا أن من دفع إلى وكيل له ثوبًا ليخيطه ولم يعين الموكل أحد الخياطين ثم تلف الثوب، فإن الوكيل يضمن لتفريطه بخلاف ما لو عين الموكل أحد الخياطين، فإن الوكيل لا يضمن حينئذ لعدم تفريطه١.
_________________
(١) ١ ووجه تخريجه على هذا الخلاف، أنه عند عدم التعيين لا يكون الوكيل مفرطًا، فلا يضمن، وعند التعيين يضمن لتفريطه، وذلك هو مقتضى المطلق والمقيد.
[ ١٣٥ ]