أثر الخلاف على المذاهب الفقهية:
في أثناء كلامنا على نوع دلالة الخاص، ذكرنا أنه لا يحتمل البيان عند الحنفية، كما أشرنا إلى أنه تفرع على ذلك الخلاف في مسائل فرعية كثيرة ذكرها بعض أصولي الحنفية عقب الحديث عن دلالة الخاص، وذكرها صدر الشريعة في باب البيان بالزيادة على النص.
وهنا نقول: لقد كان لاختلاف العلماء في أن الخاص يحتمل البيان أو لا يحتمله، ولاختلافهم في كون الزيادة على النص نسخًا أو بيانًا، ولاختلافهم في الأحوال التي يحمل فيها المطلق على المقيد أثر كبير في الاختلاف في الفروع حيث ترتب على تلك الأسباب منفردة ومجتمعة اختلاف الفقهاء في مسائل فرعية كثيرة١، نذكر فيما يلي بعضًا منها على سبيل المثال لا الحصر، وذلك في ثلاثة مباحث:
المبحث الأول في مسائل متعلقة بالصلاة والطهارة والطواف:
١ - حكم الطمأنينة في الصلاة.
٢ - اشتراط الطهارة في الطواف.
_________________
(١) ١ الأحكام للآمدي ٣/١٥٥ - ١٦٤، فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ٢/٩١ - ٩٥، كشف الأسرار على أصول البزدوي ٣/١٩١، شرح المحلى على جمع الجوامع ٢/٩١ - ٩٣، أصول السرخسي ٢/٨٢ - ٨٥، وروضة الناظر ص: ٤١ - ٤٧، التعارض والترجيح للرزنجي ص: ٥٢٨، شرح التوضيح مع التلويح ٢/٣١ - ٣٩.
[ ٤٠١ ]
٣ - الخلاف في فرضية قراءة الفاتحة في الصلاة.
٤ - الخلاف في فرضية الترتيب في أعضاء الوضوء.
٥ - الخلاف في فرضية أو شرطية الترتيب في الطواف.
المبحث الثاني: في مسائل متعلقة بالحدود والكفارات:
١ - ضم التغريب إلى الجلد في حكم الزاني.
٢ - اشتراط الإيمان في كفارة الظهار.
٣ - قطع يد السارق من المفصل.
المبحث الثالث: في مسائل متفرقة:
١ - آيتا المشيئة.
٢ - آيتا الردة.
٣ - حكم مدافعة المار بين يدي المصلي، وأنه مقيد بوجود السترة.
٤ - حكم طاعة الأمير وأنه مقيد بما لم يكن معصية.
[ ٤٠٢ ]
المبحث الأول في مسائل متعلقة بالصلاة والطهارة والطواف:
١ - حكم الطمأنينة في الصلاة:
أ - ذهب أبو حنيفة ومحمد١ رحمهما الله إلى أن الطمأنينة ليست من فرائض الصلاة، بل هي واجبة على رواية، وسنة على رواية أخرى٢، والفرض إنما هو الركوع والسجود٣.
ب - وذهب الجمهور وأبو يوسف من الحنفية إلى أن الطمأنينة فرض من فروض الصلاة تبطل الصلاة بتركها٤.
وكان من الأسباب التي أدت إلى هذا الخلاف ذكر الركوع والسجود مطلقًا في قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا
_________________
(١) ١ هو: محمد بن الحسن الشيباني، فقيه أصولي، ويكنى بأبي عبد الله، ولد سنة ١٣١ هـ بالعراق ونشأ بالكوفة وتبحر في علوم الفقة واللغة والأصول، وهو أحد صاحبي أبي حنيفة من مؤلفاته الجامع الكبير والصغير، توفي رحمه سنة ١٨٦هـ. طبقات الأصوليين ١/٨٦ - ٨٧. ٢ الأولى على تخريج الكرخي، والثانية على تخريج الجرجاني، إلا أن الأولى هي الراجحة في المذهب. انظر: بدائع الصنائع للكاساني ١/١٦٢. ٣ أصول البزدوي ١/٨٠. ٤ المغني لابن قدامة ١/٥٠٠.
[ ٤٠٣ ]
وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١ وجاء في حديث شريف اشتهر بحديث الأعرابي المسيء صلاته، ما يفيد أن الرجوع والسجود لا بد فيهما من الاطمئنان، حيث قال له الرسول ﷺ في الحديث: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" ٢.
فالحنفية بناء على قاعدتهم في أن الخاص لا يحتمل البيان، وأن الزيادة على النص نسخ له، ونسخ القطعي بالظني غير جائز، قالوا بعدم فرضية الطمأنينة في الصلاة.
واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
أولًا: ما ذكره البزدوي في أصوله حيث يقول: (ومن الخاص الذي لا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان قوله - تعالى -: ﴿وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ٣ والركوع اسم معلوم، وهو الميلان عن الاستواء بما يقطع اسم الاستواء، فلا يكون إلحاق التعديل به على سبيل الفرض حتى تفسد الصلاة بتركه بيانًا صحيحًا؛ لأنه بَيّنٌ في نفسه، بل يكون إلحاق التعديل
_________________
(١) ١ سورة الحج آية: ٧٧. ٢ الحديث متفق عليه. وانظر البخاري ١/١٩٢، وسبل السلام ص: ١٦٠. ٣ سورة البقرة آية: ٤٣.
[ ٤٠٤ ]
على سبيل الفرض رفعًا لحكم الكتاب بخبر الواحد"١.
وذلك لا يجوز، ويزيد ذلك توضيحًا كلام شارح البزدوي؛ إذ يقول: (لا يكون إلحاق التعديل على وجه الفرض؛ لأن من شرط التحاق خبر الواحد بيانًا للكتاب أن يكون فيما التحق به إجمال؛ لأنه لو لم يكن كذلك يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد، وقد عدم هنا؛ لأنه بين بنفسه فلم يصد لعدم شرطه"٢.
واستدلوا أيضًا:
بحديث المسيء صلاته الذي هو عمدة الجمهور في الفرضية، حيث قالوا قد جاء في بعض روايات الحديث: "فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصته من هذا فإنما انتقصته من صلاتك"٣.
ووجه الاستدلال بهذه الرواية من ناحيتين:
الأولى: أن الرسول ﷺ سمى ما صنعه الأعرابي صلاة حيث قال: "وما انتقصته من هذا شيئًا فإنما انتقصته من صلاتك".
_________________
(١) ١ أصول البزدوي مع شرحه للبخاري ١/ ٨٠، وقال بعد ذلك: "لكنه يلحق به إلحاق الفرع بالأصل ليصير واجبًا ملحقًا كما هو منزلة خبر الواحد مع الكتاب"، وأسباب اختلاف الفقهاء للزلمي ص: ٦٨. ٢ كشف الأسرار على أصول البزدوي ١/٨٠. ٣ رواه أبو داود في باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود ١/٢٢٦، رقم الحديث ٨٥٥ - ٨٥٦.
[ ٤٠٥ ]
والثانية: ترك الرسول ﷺ المسيء صلاته بعد أول ركعة حتى أتم، ولو كان عدم الطمأنينة مفسدًا للصلاة لفسدت الصلاة بأول ركعة، وبعد الفساد لا يحل المضي في الصلاة، فتقرير الرسول له دليل على عدم بطلان صلاته.
ثم أجاب الحنفية عن قول الرسول ﷺ: "ارجع فصل فإنك لم تصل على الصلاة الخالية من الإثم أو على الصلاة المسنونة" ١.
وأما الجمهور: فلأن الزيادة عندهم ليست بنسخ، والخاص يحتمل البيان كما يحتمل التأويل بالمجاز قالوا: إن الآية التي ذكر فيها الركوع والسجود مطلقة وحديث الأعرابي مبين لهذا الإطلاق، ولا مانع من بيان القطعي بأخبار الآحاد؛ لأن البيان لا يشترط فيه المساواة.
وأيضًا فإن المقصود بالركوع والسجود المعنى الشرعي لهما، ولا شك أن الحقائق الشرعية لا تعرف إلا بطريق الشرع، وحيث إن الرسول ﷺ قد بين المراد بالركوع والسجود بقوله وفعله، يجب الرجوع إلى بيانه صلى الله عليه وسلم٢.
واستدل الجمهور أيضًا:
فقالوا: قد ذكر في حديث الأعرابي الأفعال والأقوال التي يجب
_________________
(١) ١ فتح القدير ١/٢١١ ونيل الأوطار للشوكاني ٢/٢٢٢. ٢ المغني لابن قدامة ١/٥٠٠، والمجموع للنووي ٣/٤١٠ - ٤١١، والدسوقي على الشرح الكبير ١/٢٤١، وأثر القواعد الأصولية لمصطفى الخن ص: ٢٨٠.
[ ٤٠٦ ]
الإتيان بها في كل ركعة لقوله ﷺ: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها".
وسكت الحديث عن السنن والمستحبات التي تركها لا تبطل به الصلاة، وحيث إن الطمأنينة قد ذكرت بجانب الواجبات فهي واجبة وليست سنة.
٣ - ومن أدلتهم على فرضية الطمأنينة قول الرسول ﷺ: "لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود" ١، وهذا نص في محل النزاع كما ترى.
والذي يظهر أن الطمأنينة من فروض الصلاة؛ لأن الركوع والسجود وغيرها من أبعاض الصلاة حقائق شرعية، وهي محمولة على عرف الشارع، لا على عرف غيره؛ لأن الرسول بعث لتعريف الشرعيات لا لتعريف الموضوعات اللغوية، فينبغي الوقوف والاقتصار على ما جاء به الشارع من بيان لهذه الحقائق"٢.
_________________
(١) ١ رواه أبو دواد ١/٢٢٦ الحديث رقم ٨٥٥، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ٢ فتح الباري بصحيح البخاري ٢/١٦٤، ومسلم الثبوت ٢/٩٤، وشرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد ٢/١٠ - ١١.
[ ٤٠٧ ]
٢ - اشتراط الطهارة في الطواف:
أ - ذهب الحنفية وابن حزم١ إلى أن الطَّهَارةَ ليست بشرط في صحة الطواف، بل هي واجبة على أصح الروايات عند الحنفية، وقيل: سنة، فمن طاف طواف القدوم محدثًا فعليه صدقة؛ ولو طاف طواف الإفاضة محدثًا فعليه شاة، ومن كان جنبًا فعليه بدنة، ويؤمر بإعادة الطواف ما دام بمكة استحبابًا في الحدث، ووجوبًا في الجنابة ولا شيء عليه إذا أعاد.
ب - وذهب الشافعية والمالكية وأحمد في المشهور إلى أن الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر شرط من شروط الطواف لا يصح إلا بها.
واستدل الحنفية: بأن الله ﷾ أمر بالطواف في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، والطواف هو الدوران حول الكعبة من غير قيد الطهارة، فيكون اشتراط قيد الطهارة زيادة على النص القرآني
_________________
(١) ١ المحلى لابن حزم ٧/١٧٩ رقم المسألة ٨٣٩ ط مقابلة على النسخة التي حققها الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر، دار الفكر. وابن حزم هو: علي بن أحمد بن حزم الظاهري، أبو محمد، عالم الأندلس في عصره، وأحد أئمة الإسلام، ولد سنة ٣٨٤، من مؤلفاته الملل والنحل، والمحلى، والأحكام في أصول الأحكام، توفي سنة ٤٥٦هـ. الأعلام ٥/٥٩، وطبقات الأصوليين ١/٢٤٣، ٢٤٤.
[ ٤٠٨ ]
بخبر الواحد وهو لا يصح ناسخًا١.
قال في المبسوط: "وحجتنا في ذلك أن المأمور به بالنص هو الطواف: قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر، واشتراط الطهارة فيه زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بالنص، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل ولا يوجب اليقين٢.
واستدل الجمهور: على اشتراط الطهارة في الطواف، بأمور منها:
١ - أن الرسول ﷺ قال: "خذوا عني مناسككم" ٣، وقد ورد في الصحيحين عن عائشة - ﵂ - أن أول شيء بدأ به الرسول حين قدم مكة، أنه توضأ ثم طاف بالبيت، فكان هذا الفعل بيانًا لقوله - تعالى -: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ .
_________________
(١) ١ شرح العناية مع الهداية ٤/٢٣٤. ٢ المبسوط ٤/٤٨، والبحر الزخار ٣/٣٤٦. ٣ رواه مسلم في باب استحباب رمي جمرة العقبة راكبًا بلفظ: "لتأخذوا عني مناسككم". وأبو داود في كتاب المناسك ٢/٢٥٩، ونيل الأوطار ٥/١٢٢.
[ ٤٠٩ ]
٢ - ومنها: ما رواه الترمذي أن النبي ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه" ١.
ومن شروط الصلاة الطهارة، فكذلك الطواف يشترط فيه الطهارة؛ لأنه صلاة بنص الحديث.
ورد هذا الاستدلال من قبل الحنفية بأن المشبه لا يلزم أن يكون مثل المشبه به من كل وجه، ومعلوم أن قوله ﷺ: "الطواف بالبيت صلاة" تشبيه الطواف بالصلاة، وقد نبه على الفرق بينهما بقوله ﷺ "إلا أن الله أحل فيه الكلام"، فالطواف يجوز فيه ما لا يجوز في الصلاة، فلا يشترط فيه كل ما يشترط في الصلاة، فلا تشترط فيها الطهارة٢.
ودفع هذا الاعتراض بالآتي:
أ - أن الأصل في الإطلاق الحقيقة، وقد أطلق الرسول ﷺ على الطواف اسم الصلاة فيكون صلاة حقيقة، وهي حقيقة شرعية، ويكون لفظ الصلاة مشتركًا لفظيًا بين الصلاة المعهودة وبين الطواف.
ب - وأما قولهم: إن النبي ﷺ نبه على الفرق بين الطواف والصلاة
_________________
(١) ١ رواه الترمذي ١/١١٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٥/٨٧، ونصب الراية ٣/٥٧ - ٥٨. ٢ مسلم الثبوت ٢/٩٣، ودراسات في التعارض والترجيح للسيد صلاح عوض ص: ٢٧٧.
[ ٤١٠ ]
بأن الكلام فيه مباح، فالجواب أن الرسول ﷺ ذكر أنه صلاة، فثبت له جميع أحكام الصلاة، إلا ما استثنى من هذه الأحكام كإباحة المشي في الطواف، والاستثناء معيار العموم١.
٣ - ومن أدلة الجمهور أيضًا:
ما روي عن عائشة - ﵂ - أن رسول الله ﷺ قال لها حينما طمثت في الحج: "افعلي كما يفعل الحاج، غير ألاّ تطوفي بالبيت حتى تطهري" ٢، فقد رتب منع الطواف على فقدان الطهارة، وهذا حكم وسبب، والظاهر أن الحكم يتعلق بالسبب، فيكون المنع لعدم الطهارة لا لعدم دخول الحائض المسجد٣.
وأجاب الحنفية بأنه ليس كل عبادة تمنع منها الحائض تشترط فيها الطهارة، فالصيام لا يشترط فيه الطهارة والحائض ممنوعة من فعله؛ فالعلة
_________________
(١) ١ يراجع طرح الترتيب في شرح التقريب للحافظ العراقي ٢/٢١٧، ٥/١٢٠، دراسات في التعارض والترجيح عند الأصوليين، د. السيد صالح عوض ص: ٢٧٧. ٢ متفق عليه حيث أخرجه البخاري في كتاب الحيض، الباب السابع وكتاب الحج والأضاحي ومسلم في الحج برقم (١٢١١)، وعند مسلم بدل حتى تطهري (حتى تغتسلي) . ٣ نهاية المحتاج ٣/٣٩٩، وفتح القدير ٢/٢٤٤، ودراسات في التعارض والترجيح د. سيد صالح عوض ص: ٢٧٦.
[ ٤١١ ]
غير مطردة١.
_________________
(١) ١ بداية المجتهد لابن رشد ١/٣٤٣. ونشير هنا إلى أن الخلاف في هذه المسألة مفروض في غير حال الضرورة، وأما في حال الضرورة فكثير من العلماء يجوز طواف الحائض، لأن اشتراط الطهارة لا يزيد عن أي شرط آخر من شروط الصلاة كستر العورة مثلًا، وعند عدم القدرة عليه فإنه يسقط ويصح طواف العريان. وللمزيد في ذلك تراجع الفتاوى لابن تيمية ٢١/٢٦٩ ط أولى ١٣٩٨ هـ، وإعلام الموقعين ٣/٨ فما بعدها.
[ ٤١٢ ]
٣ - الخلاف في فرضية قراءة الفاتحة في الصلاة للقادر:
اختلف العلماء في القراءة الواجبة في الصلاة على قولين:
القول الأول: إن ركن القراءة الواجبة في الصلاة هي الفاتحة. وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة.١
القول الثاني: أن الفرض هو القراءة المطلقة، والفاتحة زيادة. وهو قول الحنفية،٢ وليست ركنًا من أركان الصلاة، بل هي واجب من واجباتها.٣
وتراجع أدلة الأقوال ومناقشتها في المراجع المذكورة في الحاشية.
_________________
(١) ١ المهذب ١/٧٩، ٨٠، وبداية المجتهد ١/١٢٨ - ١٢٩، والمغني لابن قدامة ١/٤٧٦ - ٤٩١، ٥٦٢ - ٥٦٨، ومفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول ص:١٠٨، ١٠٩، ومنزلة السنة من الكتاب وأثرها في الفروع الفقهية: ص٥٢٧ وما بعدها. ٢ بدائع الصنائع ١/٤٣٣ - ٤٣٤، وبداية المجتهد ١/١٢٩، وسبل السلام ١/١١٢. ٣ الهداية ١/٢٠٦، وأثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء. ص:٢٧٥ فما بعدها.
[ ٤١٣ ]
٤ - الخلاف في فرضية الترتيب في أعضاء الوضوء:
اختلف العلماء في ترتيب أعضاء الوضوء على قولين مشهورين:
القول الأول: أن الترتيب فرض من فروض الوضوء؛ أخذًا من قوله ﷺ: " ابدؤوا بما بدأ الله به" ١ الشامل للوضوء، وهو وإن ورد في الحج إلا أنه عام، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ومن فعله ﷺ فإنه لم يتوضأ إلا مرتبًا، ولو لم يجب لتركه في وقت، أو دلّ عليه بيانًا للجواز.٢
وهذا مذهب الجمهور ومنهم الإمام الشافعي والإمام أحمد.٣
القول الثاني: وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وهو أن الترتيب سنة من سنن الوضوء؛ جريًا على أصلهم من أن الزيادة على النص نسخ، فيشترط أن يكون الناسخ متساويًا مع المنسوخ؛ إذ القرآن لم يأمر إلا
_________________
(١) ١ رواه الدارقطني في سننه ٢/٢٥٤، والنسائي في كتاب مناسك الحج - باب الذكر والدعاء على الصفا: ٥/٢٤٠ - ٢٤١. انظر: أثر القواعد الأصولية للخن ص:٢٧٢. ٢ أثر القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء ص٢٧٢، وفتح الغفار بشرح المنار ص:٢٥ فما بعدها. ٣ الأم ١/٣٥، ونهاية المحتاج ١/١٦٠، والمغني ١/١٣٦ - ١٣٧.
[ ٤١٤ ]
بتطهير أربعة أعضاء. وتطهيرها حاصل بدون الترتيب.١
_________________
(١) ١ المبسوط ١/٥٦، وشرح العناية ١/٢٣، والاصطلام ١/٧٢، وأثر القواعد الأصولية ص:٢٧٢ - ٢٧٥، ومنزلة السنة من الكتاب وأثرها في الفروع الفقهية ص: ٥٢٣ فما بعدها.
[ ٤١٥ ]
٥ - الخلاف في فرضية أو شرطية الترتيب في الطواف:
وهذه المسألة مثل مسألة الترتيب في أعضاء الوضوء، والتعليل قريبًا من بعض، وهو أن الوارد في القرآن الأمر بالطواف، وهو يتحقق بما يُسمى طوافًا، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، إلا أن الزيادة على المرة الواحدة إلى أكثر الأشواط ثابت بدليل آخر وهو الإجماع، ولا إجماع في الزيادة على أكثر الأشواط، وإنما ثبت ذلك بالسنة الأحادية، وهي لا توجب أكثر من الوجوب، فيثبت بها الوجوب دون الفرض في الزائد على أكثر الأشواط والترتيب؛ لأنه لم يرد فيه نص قطعي.١
_________________
(١) ١ منزلة السنة من الكتاب وأثرها في الفروع الفقهية ص: ٥٣٤ - ٥٣٦.
[ ٤١٦ ]