١ - آيتا المشيئة، وسميتا بذلك لذكر المشيئة فيهما مرة مطلقة ومرة مقيدة:
روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ﴾ ١، ناسخ لقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا﴾ ٢، وهذا على التحقيق من باب تقييد المطلق؛ لأن قوله: ﴿نُؤتِهِ مِنْهَا﴾ مطلق ومعناه مقيد بالمشيئة وإلا فهو إخبار، والأخبار لا يدخلها النسخ، والسبب الذي دعا ابن عباس إلى تسمية ذلك نسخًا هو: أن السَّلَف كانوا يسمون التخصيص والتقييد والبيان نسخًا، لأن المعنى اللغوي متحقق في ذلك، وهو مطلق التغيير المتبادر من اللفظ الأول بعد مجيء اللفظ الثاني.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية: ١٨، وتمام الآية: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ . ٢ سورة الشورى آية: ٢٠، وتمام الآية: ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نصِيبٍ﴾ .
[ ٤٢٤ ]
٢ - اختلاف الإمامين مالك والشافعي - رحمهما الله - فيمن ارتد والعياذ بالله:
ذهب مالك - ﵀ - إلى أن عمل المرتد يبطل بمجرد ردته لقول تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١.
وقال الشافعي -﵀لا يبطل عمله إلا بالوفاة على الكفر، لأن المطلق هنا محمول على المقيد في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٢.
واعترض مالك دليل الشافعي هذا وقال: إن الآية الثانية ليست مقيدة للآية الأولى؛ لأنه قد ترتب فيها مشروطان، وهما الحبوط والخلود على شرطين، هما الردة والوفاة على الكفر، وإذا رتب مشروطان على شرطين أمكن التوزيع، فيكون الحبوط لمطلق الردة، والخلود لأجل الوفاة على الكفر، وحينئذ يبقى المطلق على إطلاقه لعدم التعارض، فتكون الآيتان خارجتين عن باب حمل المطلق على المقيد.
ودفع هذا الاعتراض بأن قوله: إذا رتب مشروطان على شرطين
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية: ٦٥. ٢ سورة البقرة آية: ٢١٧.
[ ٤٢٥ ]
وأمكن التوزيع عمل به صحيح، ولكنه مشروط بأن يصح استقلال كل من المشروطين عن الآخر، أما إذا لم يصح الاستقلال فلا، والمشروطان في هذه المسألة من النوع الثاني الذي لا يصح فيه الاستقلال؛ لأنهما سبب ومسبب، والسبب لا يستغني عن مسببه، وكذلك المسبب لا يستغني عن سببه، فمال قاله الشافعي أوجه١.
_________________
(١) ١ الفروق للقرافي ١/١٩١ - ١٩٧.
[ ٤٢٦ ]
٣ - حكم مدافعة المار بين يدي المصلي، وأنه مقيد بوجود السترة:
ورد في شأن هذه المسألة حديثان صحيحان:
الأول: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يدي المصلي".
وهذا حديث مطلق؛ حيث لم يذكر فيه أن المصلي له سترة أو لا.
والثاني: حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبي فليقاتله، فإنما هو شيطان".
وهذا الحديث مقيد بما إذا صلى إلى شيء يستره.
ولهذا قال في تيسير العلام شرح عمدة الأحكام: "ما ورد من دفع المار ومقاتلته، وعدم الضمان في ذلك، لمن جعل أمامه سترة. فأما من لم يجعل سترة، فليس له حرمة؛ لأنه المفرط في ذلك، كما هو مفهوم الحديث".١
_________________
(١) ١ تيسير العلام ١/٢٣٣ - ٢٣٧.
[ ٤٢٧ ]
٤ - حكم طاعة الأمير، وأنه مقيد بما لم يكن معصية:
قال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ ١، والمراد بأولي الأمر كل من له ولاية شرعية، سواء كان الأمير العام، أو العالم الشرعي، أو الأمير أو الرئيس الخاص بالإنسان، وهذه الآية الكريمة قد أوجبت طاعة أولي الأمر، وهذا الأمر في الآية قد جاء مطلقًا، لكن هذا الإطلاق قد جاء تقييده في نصوص أخرى، منها حديث: "إنما الطاعة في المعروف"٢، وحديث: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"٣، وغير ذلك من النصوص التي تدل على اشتراط أن تكون الطاعة في غير معصية الله تعالى.٤
_________________
(١) ١ الآية (٥٩) من سورة النساء. ٢ رواه البخاري برقم (٤٣٤٠، ٧١٤٥، ٧٢٥٧)، ومسلم ١٢/٢٢٦ مع شرح النووي. ٣ أخرجه القضاعي في مسنده برقم (٨٧٣)، وعبد الرزاق في مصنفه برقم (٢٠٧٠٠) . ٤ وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة ١/٣٥٨ - ٣٥٩ رقم (٢٩٨٦، ٣٥٥٢) .
[ ٤٢٨ ]