المطلق والعام يشتركان في ثبوت الحكم، لكل فرد من الأفراد الداخلة تحت مدلولهما، ولذلك يسمي بعض العلماء المطلق عامًا٢ فهل العموم في المطلق والعام بمعنى واحدٍ أو بينهما فرق؟ وإن كان هناك فرق فما السبب في تسمية المطلق عامًا؟
والذي عليه المحققون أن العموم في المطلق يراد به معنى غير المصطلح عليه في لفظ العام الذي سبق تعريفه بأنه: "اللفظ المستغرق لما يصلح له بلا حصر"، يقول العلائي٣ في كتابه تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم:
_________________
(١) ١ ينظر للفرق بينهما كل من (شرح تنقيح الفصول للقرافي ص: ٢٢٠، والعقد المنظوم في الخصوص والعموم للقرافي، فيلم من المكتبة العامة بالجامعة الصفحات ٣، ٤، ٩، إرشاد الفحول ص: ١١٤، والفروق للقرافي ١/١٧٢، وأصول الفقه للأستاذ عبد الوهاب خلاف ص: ١٨٢، ط الثانية عشرة ١٣٩٨ دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع الكويت. ٢ شرح المنار للنسفي مع حواشيه ص: ٣٢٥. ٣ هو: خليل بن كيكدي بن عبد الله العلائي الدمشقي الشافعي، صلاح الدين، أبو سعيد، محدث فقيه، أصولي، ولد بدمشق. وله جامع الأصول من أحاديث الرسول، واشتهر بتهذيب الأصول، والأشباه والنظائر في فروع الفقه الشافهي، وتفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال في الأصول. معجم المؤلفين ٤/١٢٦ لعمر رضا كحالة مكتبة المثنى بيروت ودار إحياء التراث العربي، طبقات الشافعية للسبكي ٦/١٠٤ - ١٠٥، ط الأولى م الحسينية ملتزم الطبع أحمد عبد الكريم القادري، شذرات الذهب لابن العماد ٦/١٩٠ - ١٩١، ط المكتب التجاري للطباعة والنشر.
[ ١٣٦ ]
"العموم يقع على قسمين: عموم الشمول، وعموم الصلاحية، وإن كان العموم في الأول أقوى منه في الثاني، وعموم الصلاحية هو: المطلق، وتسميته عامًا بسبب أن موارده غير منحصرة، لا أنه في نفسه عام، فإن قوله - تعالى -: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مطلق، والمقصود بها القدر المشترك في أي مورد شاء من أنواع الرقاب، غير أن المكلف لما كان له أن يعين هذا المفهوم المشترك في أي مورد شاء من أنواع الرقاب كان "لفظ"١ الرقبة عامًا بهذا الاعتبار، ويقال له: عموم البدل أيضًا، فلا يجب على المكلف أن يعتق كل ما يسمى رقبة، بخلاف عموم الشمول، فإنه يلزمه تتبع الأفراد الداخلة تحت اللفظ العام٢، فمثل قوله - تعالى -: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا يمكن للمكلف أن يقصر حكمه على فرد واحد من أفراد المشركين، بل يلزمه تتبع الأفراد حيث وجدها، فلو قتل مشركًا ثم وجد آخر وجب
_________________
(١) ١ في المخطوط كان (لفظة الرقبة) . ٢ تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم ١/٢، مخطوط له صورة في المكتبة العامة بالجامعة الإسلامية.
[ ١٣٧ ]
عليه قتله امتثالًاُ للأمر الأول، بينما نجد أن المكلف بالمطلق له أن يختار أي فرد شاء مما يصدق عليه اللفظ المطلق وبفعله ذلك يخرج عن عهدة التكليف، فمثلًا: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يجوز للمكلف أن يعتق أي رقبة شاء سواء أكانت طويلة أم قصيرة وسواء أكانت سوداء أم بيضاء، أو كانت على غير ذلك من الصفات والهيئات"، ومن هنا أخذ الأصوليون القول بأن شمول المطلق من حيث الصفات وشمول العام من حيث الأفراد، وحتى يتضح الفرق أكثر نعقد المقارنة التالية بين المطلق والعام وهي من ناحيتين:
الأولى: في أوجه الشبه بين العام والمطلق.
ويتلخص ذلك في النقاط التالية:
١ - فمن حيث العمل: يجب على المكلف أن يعمل بما يتبادر له من اللفظ العام، أو المطلق حتى يرد الدليل الذي يصرف اللفظ عما يتبادر منه١.
_________________
(١) ١ يراجع في حكم العمل بالعام والمطلق: الآمدي ٣/٧٣ - ٧٤، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد ٣/٣٠٣، والمستصفى للغزالي ١/٣٧٨، وتفسير النصوص د. أديب صالح ١/٣٦٨، ط الثانية، الناشر المكتب الإسلامي بيروت، والتلويح مع التوضيح ١/١٢٥، وأصول البزدوي ١/٤٦، وروضة الناظر ٢/٢٩ - ٣٠.
[ ١٣٨ ]
٢ - ومن جهة جواز تأويل اللفظ وصرفه على ظاهره١.
يجوز في كل من العام والمطلق أن يصرف اللفظ عن ظاهره إذا قام الدليل على ذلك.
٣ - من جهة اتصاف كل منهما بالشمول:
يوجد في كل من العام والمطلق عموم، لكنه يختلف تسمية ومضمونًا، وهذا هو جوهر الفرق الآتي:
الناحية الثانية: أوجه الفرق بين المطلق والعام.
يشترك المطلق والعام في الأمور الثلاثة السابقة ويفترقان فيما يلي:
١ - في متعلق العموم في كل منهما:
حيث يتعلق العموم الموجود في المطلق بالصفات وفي العام يتعلق بالأفراد.
٢ - فيما يخرج به المكلف عن عهدة التكليف:
فبينما المكلف بالمطلق يخرج عن عهدة التكليف بفعله أي فرد شاء من الأفراد التي ينطبق عليها مدلول اللفظ المطلق، نجد أنه لا يكون ممتثلًا
_________________
(١) ١ يراجع في معنى الظاهر والمؤول كل من الكتب التالية: الآمدي ٣/٧٣ - ٧٤، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد ٣/٣٠٣، والمستصفى للغزالي ١/٣٧٨، وتفسير النصوص د. أديب صالح ١/٣٦٨، ط الثانية، الناشر المكتب الإسلامي بيروت، والتلويح مع التوضيح ١/١٢٥، وأصول البزدوي ١/٤٦، وروضة الناظر ٢/٢٩ - ٣٠.
[ ١٣٩ ]
في العام إلا إذا فعل جميع الأفراد التي يشملها اللفظ العام.
٣ - في تسمية العموم في كل منها:
حيث يسمى في المطلق عموم الصلاحية أو عموم البدل، ويسمى في العام عموم الشمول، والفرق بينهما كما يقول الشوكاني: "إن عموم الشمول كلي يحكم على كل فرد فرد، وعموم البدل كلي من حيث لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، لكن لا يحكم فيه على كل فرد فرد بل على فرد شائع في أفراده يتناولها على سبيل البدل، ولا يتناول أكثر من واحد دفعة"١.
ومعنى ذلك: أنهما يشتركان في ثبوت الحكم لكل فرد من الأفراد، ويفترقان في أن العموم الشمولي يدل على ذلك في حال اجتماع كل فرد مع الآخر وحال انفراده، والبدلي إنما يدل على ثبوت الحكم لواحد غير معين أما المجموع من حيث هو فلا يتعرض له٢.
_________________
(١) ١ إرشاد الفحول ص: ١١٤، ١١٥. ٢ تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم للقرافي، وكتاب الطراز في أسرار البلاغة وعلم الإعجاز ليحيى حمزة العلوي اليمني ٢/١٦٠.
[ ١٤٠ ]