١ - التقييد بفعل الرسول ﷺ وتقريره:
لقد ذكر الأصوليون أن أفعال الرسول ﷺ وتقريراته من مخصصات العام، كما ذكر بعض شراح الكتب المتأخرون أن ذلك من مقيدات المطلق١.
ولكن يبدو لي أن فعل الرسول وتقريره لا يصلحان لتقييد المطلق لعدم تصور التقييد بهما، ذلك أن الرسول ﷺ لو أعتق رقبة مؤمنة في ظهار لم يكن ذلك دليلًا على تقييد الرقبة المطلقة في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾، لأنه ﷺ بفعله هذا يكون ممتثلًا للأمر المطلق؛ إذ إن الرقبة المؤمنة إحدى الرقاب المدلول عليها بقوله - تعالى -: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ فلا يكون ذلك تقييدًا.
وكذا لو أعتق أحد رقبة مؤمنة في كفارة الظهار، وأقره الرسول ﷺ على ذلك لا يكون التقرير دليلًا على تقييد الرقبة المطلقة في آية الظهار، وهذا بخلاف التخصيص بفعله ﷺ، فإنه متصور؛ لأن الرسول ﷺ إما أن يفعل فعلًا مما نهى عنه بلفظ عام أو يترك فعلًا قد وجب بأمر عام، فيكون ذلك تخصيصًا لما تناوله النهي أو الأمر من أفراد العام.
_________________
(١) ١ غاية الوصول ص: ٨٢، وشرح المحلى على جمع الجوامع مع حاشية البناني ٢/٤٩، وشرح الكوكب المنير للفتوحي الحنبلي ص: ٢١٤.
[ ٤٨٣ ]
وليس التقييد كذلك، لما سبق أن بينا من الفرق بين العموم الشمولي والعموم البدلي التناوبي، الذي يتناول كل فرد فرد على سبيل البدل، ويتحقق مدلوله بواحد غير معين.
وما ذكره بعض شراح الكتب المتأخرين من أن أفعال الرسول وتقريراته تكون مقيدة للمطلق، إنما كان ذلك منهم إجراء للتقييد مجرى التخصيص، ولا يسلم لهم ذلك بإطلاق؛ لأن الفرق قائم بين ما يجري فيه التخصيص وما يجري فيه التقييد، كما ذكرنا ذلك في الفروق بين المطلق والعام.
نعم، قد يقال: إن لنا في رسول الله أسوة حسنة، فيلزمنا أن نقتدي به، فيما فعل، والجواب أن ذلك مسلم، ولكن غاية ما يدل عليه الأمر حينئذ أن يكون فعل ذلك هو الأولى والأفضل، ولكن لا يوجب تقييد المطلق والله أعلم.
[ ٤٨٤ ]
٢ - تقييد مطلق الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة بخبر الآحاد:
سلف أنه لا خلاف في تقييد الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة كل منها بالآخر، كما لا خلاف في تقييد مطلق الكتاب والسنة بالإجماع، وكذلك تقييدهما بخبر الواحد المحفوف بالقرائن المقوية له.
ولكن محل النزاع بين الأصوليين في تقييد مطلق الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة بخبر الواحد المجرد عن القرائن.
حيث اختلفت وجهات النظر في حكم التقييد به لمطلق الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة إلى عدة أقوال أهمها ما يلي:
القول الأول:
ذهب الحنفية جريًا على قاعدتهم في أن دلالة المطلق قطعية إلى أن خبر الآحاد لا يقيد المطلق من الكتاب والسنة المتواترة أو المشهورة ما لم يقيد المطلق فيها قبله بدليل مقطوع به، وحكي هذا القول عن أبي حنيفة نفسه١.
_________________
(١) ١ التعارض والترجيح للبرزنجي ص: ٥٧٣، وأصول السرخسي ١/١٤٢، وكشف الأسرار ١/٢٩٤، وتيسير التحرير ٣/١٢/١٣، وفواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ١/٣٤٩. وهذا هو السبب في منع الحنفية التقييد بخبر الواحد في هذه المسألة، لا لأن الزيادة على النص نسخ، ونسخ نص من الكتاب والسنة والمتواترة لا يجوز بخبر الواحد، وذلك لأن من شرط المقيد عندهم أن يكون مقارنًا للنص المطلق، كما اشترطوا ذلك في المخصص والنسخ لا يكون إلا بمتراخ عن النص المنسوخ، والمسألة هنا مفروضة على الإطلاق، فكان هذا التوجيه هو المناسب.
[ ٤٨٥ ]
واستدلوا على ذلك:
بأن المطلق من الكتاب والسنة المتواترة قطعي الدلالة والثبوت؛ لأن المعنى الموضوع له اللفظ يفيده قطعًا عندهم، وخبر الواحد، وإن كان قطعي الدلالة إلا أنه ظني الثبوت، أي: أن خبر الواحد دون مطلق الكتاب والسنة المتواترة في قوة الثبوت؛ فلا يقوى على معارضة ما هو مقطوع به، وذلك أن التقييد عند الأحناف بطريق المعارضة، والظني لا يعارض القطعي؛ لأن من شرط التعارض تساوي الدليلين في الرتبة، وحيث لم يستو خبر الآحاد مع مطلق الكتاب والسنة المتواترة فلا معارضة بينهما، بل يقدم العمل بالأقوى، وهو الدليل المقطوع به١.
ويجاب عن هذا الدليل، بأن المقطوع به في المطلق من الكتاب والسنة المتواترة، إنما هو أصل الحكم، كإعتاق الرقبة في نحو: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ولسنا نرفع بالتقييد هذا الأصل، وإنما نقيد شيوعه المحتمل، فهو ظني بهذا الاعتبار وإن كان قطعي الثبوت.
وخبر الواحد وإن كان ظني الثبوت إلا أنه قد يكون قطعي الدلالة،
_________________
(١) ١ المراجع المتقدمة.
[ ٤٨٦ ]
وبهذا تحصل المساواة بينهما؛ لأن كلا منهما فيه جهة قوة وجهة ضعف، فيتعارضان في الظاهر، ولدفع هذا التعارض يحمل المطلق على المقيد؛ لأن فيه جمعًا بين الدليلين، وأيضًا فإن في العمل بالمقيد خروجًا عن العهدة بيقين، وليس كذلك العمل بالمطلق كما سبق بيان ذلك١، أضف إلى ذلك أن دلالة المطلق على جميع محاله ليست محل اتفاق، بل هي ظنية على رأي الجمهور، فالدليل غير مسلم به.
٢ - القول الثاني:
المنع مطلقًا، أي سواء قيد مطلق الكتاب والسنة المتواترة، قبل خبر الواحد أم لم يقيدا، وإليه ذهب بعض الحنابلة والمتكلمين وبعض الفقهاء٢.
واستدل هذا الفريق بأدلة منها:
١ - قالوا: أجمع الصحابة - ﵃ - على عدم التخصيص بخير الواحد لعام القرآن والسنة المتواترة، بدليل أن عمر٣ ﵁
_________________
(١) ١ راجع العقد المنظوم في الخصوص والعموم لوحة ٢٣٦، ومباحث التخصيص للدكتور عمر ص: ٣٠٥-٣١٠، ٣١٦، وفواتح الرحموت ١/٣٤٩-٣٥٠، والمسودة لآل تيمية ص: ١١٩، وإرشاد الفحول ص: ١٥٨، والعدة لأبي يعلى ٢/٥٦٨، والواضح لابن عقيل ١/١٠٢ مخطوط، والتعارض والترجيح للبرزنجي ص: ٥٧٢-٥٧٣. ٢ التعارض والترجيح للبرزنجي ص: ٥٧٣. ٣ هو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عبد بن كعب القرشي العدوي أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين مشهور، وجم المناقب اشتهر بعدله في رعيته، استشهد في الحجة سنة ثلاث وعشرين ودامت خلافته ﵁ عشر سنوات ونصف. تقريب التهذيب ص: ٢٥٣، وكانت ولادته سنة ٤٠ قبل الهجرة. انظر: الأعلام ٥/٢٠٣-٢٠٤، وأسد الغابة ٤/٥٢-٧٨.
[ ٤٨٧ ]
قد رد خبر فاطمة بنت قيس١ الذي روته عن النبي ﷺ: " من أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة" ٢، حين طلقها زوجها فبت طلاقها المخصص لعموم قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ ٣ وقال في رده لخبرها: كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة لا ندري أحفظت أن نسيت؟ ولم ينكر ذلك عليه أحد فكان إجماعًا٤، والتقييد
_________________
(١) ١ هي: فاطمة بنت قيس بن خالد الفهري أخت الضحاك، صحابية مشهورة وكانت من المهاجرات الأوائل، روى عنها الجماعة ﵂. تقريب التهذيب ص: ٤٧١. ٢ رواه الجماعة إلا البخاري بدون قصة عمر -﵁-، ومع القصة رواه النسائي وأحمد. راجع التلخيص الحبير ٢/٣٣٣، ومنتقى الأخبار مع نيل الأوطار ٦/٣٣٨. ٣ العقد المنظوم ص: ٢٣٧، ومسلم الثبوت ١/٣٥٠-٣٥١، والتعارض والترجيح ص: ٥٧٤. ٤ مباحث التخصيص ص: ٣٠٧، ٣٠٨، ٣١٢، وشرح مختصر ابن الحاجب٢/١٥٠.
[ ٤٨٨ ]
يجري مجرى التخصيص.
وأجيب عن هذا الدليل بأوجه منها:
أولًا: قالوا: إن انعقاد الإجماع غير مسلم لعدم توفر النقل له.
ثانيًا: على فرض التسليم بسكوت الصحابة عليه، فليس فيه ما يفيد إثبات المدعى؛ لأن الكلام في خبر الآحاد الصحيح المتحققة فيه شروط القبول، ورد عمر - ﵁ - لخبر فاطمة بنت قيس ليس من هذا القبيل؛ لأن عدم فبول عمر لخبرها يدل على اتهامه لها بالغفلة وعدم الضبط، بدليل قوله "أحفظت أم نسيت"، بل ظاهر الحديث يدل على عدم مدعاهم؛ لأن ظاهره عدم الرد لو لم تكن متهمة في حفظها.
واستدلوا ثانيًا:
بأن المتواتر مقطوع به وخبر الآحاد مظنون، والمظنون يترك بالمقطوع لعدم مقاومة المظنون للمقطوع والمتروك لا يخص به فلا يجوز تخصيص المتواتر بخبر الواحد١.
ويناقش هذا الاستدلال:
أولًا: بعدم التسليم بالتفاوت بين خبر الواحد والمتواتر من الكتاب والسنة وذلك أن كلا منهما مقطوع به من جهة ومظنون به من جهة
_________________
(١) ١ العقد المنظوم في الخصوص والعموم للقرافي لوحة ٢٣٧، والمستصفى ٢/ ١١٥، ومباحث التخصيص ص: ٣٠٨، والتعارض والترجيح بين الأدلة للبرزنجي ١/٥٧٥.
[ ٤٨٩ ]
أخرى.. فمطلق الكتاب والسنة المتواترة مقطوع به متنًا ومظنون دلالة وخبر الواحد بالعكس فتساويا، كما أنهما متساويان في وجوب العمل بكل منهما، أما المتواتر فبالاتفاق، وأما خبر الواحد فللأدلة القاطعة على وجوب العمل به، فمتى صدق القلب بصدق الراوي وجب العمل بخبره سواء كان متن الحديث متواترًا أم غير متواتر، فلا فرق بين المتواتر والآحاد في وجوب العمل.
وثانيًا:
أن ترك المظنون بالمقطوع غير مسلم به على الإطلاق، بل قد يترك أحيانًا المقطوع بالمظنون أيضًا، فالبراءة الأصلية متيقنة ومع ذلك فيجوز تركها بخبر الواحد بالاتفاق.
وثالثًا:
أن تقييد خبر الواحد لمطلق الكتاب والسنة ليس فيه ترك لهما بالكلية بل ذلك من قبيل الجمع بين الأدلة المتعارضة وبيان المحتمل بالدليل الظني جائز.
ومن أدلة هذا الفريق أيضًا:
قياس عدم التقييد بخبر الواحد على عدم النسخ به، حيث قالوا: لو جاز تقييد الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد، لجاز النسخ به لهما، لأن النسخ تخصيص في الأزمان، والتقييد تخصيص في الأعيان، لكن النسخ به باطل فكذلك التقييد.
[ ٤٩٠ ]
ويجاب عن ذلك:
بالفرق بين النسخ والتقييد، فالنسخ رفع، والتقييد بيان، والرفع أصعب من البيان، فيحتاط في رفع الحكم ما لا يحتاط في بيانه؛ فلا يلزم من عدم جواز النسخ بخبر الواحد عدم جواز التقييد به، ولا من جواز التقييد جواز النسخ١، والله أعلم.
القول الثالث:
ذهب القاضي أبو بكر من الشافعية إلى التوقف.
واستدل على ذلك: بأن كلا من مطلق الكتاب والسنة المتواترة وخبر الآحاد قد ثبت حجيته قطعًا، وهما متساويان أيضًا في الدلالة، لأن المطلق من الكتاب والسنة المتواترة قطعي الثبوت وظني الدلالة أحيانًا، وخبر الواحد ظني الثبوت وقطعي الدلالة أحيانًا، فيمكن أن يقع التعارض بينهما، وعند تعارض المتساويين يجب التوقف لعدم جواز الترجيح بدون مرجح.
ويجاب عن ذلك:
بمنع الترجيح بدون مرجح؛ لأن الأصل في الأدلة الإعمال، وما دام الإعمال ممكنًا، فلا يصار إلى الإهمال، وهنا الإعمال ممكن؛ لأن حمل
_________________
(١) ١ المراجع السابقة، والتعارض والترجيح للبرزنجي ص: ٥٧٦.
[ ٤٩١ ]
المطلق على المقيد فيه جمع بين الدليلين، فكان أولى١ للأدلة التي ذكرنا فيها تقديم حمل المطلق على المقيد.
القول الرابع:
جواز التقييد بخبر الآحاد مطلقًا، أي: سواء قيد المطلق قبل تقييده بخبر الواحد بدليل مقطوع به أو لم يقيد، وإليه ذهب جمهور الأصوليين، من مالكية وشافعية وحنابلة وظاهرية وكذلك المحدثون٢.
واستدلوا على ذلك بأدلة أهمها ما يلي:
١ - قالوا: إن كلا من مطلق الكتاب والسنة المتواترة أو خبر الآحاد الصحيح دليل واجب الأتباع باتفاق أطراف النزاع في هذا الموضوع، فيجب اتباعه، ويجب أيضًا دفع ما يتصور من التعارض بينهما، لأن مطلق الكتاب والسنة يجوزان الإتيان بأي فرد كان من الأفراد الصالحة لتناول المطلق والمقيد يوجب الإتيان بالفرد الذي وجد فيه القيد، ولا يمكن العمل بكل منهما، لعدم جواز اجتماع النفي والإثبات في حكم واحد، ولا ترك كل منهما؛ لأنه يؤدي إلى خلو المسألة من الحكم، ولا
_________________
(١) ١ مسلم الثبوت ١/٣٥١، ومباحث التخصيص ٣٠٥-٣١٦، والمدخل إلى علم أصول الفقه لمعروف الدواليبي ص: ٢٣٣، والتعارض والترجيح للبرزنجي ص: ٥٧٦. ٢ شرح المحلى على جمع الجوامع ٢/٢٧-٢٨، وغاية الوصول ص: ٧٩، ومباحث التخصيص ص: ٣٠٥، والأحكام للآمدي ٢/٣٠١، وشرح الأسنوي على المنهاج ٢/١٢٠-١٢٣.
[ ٤٩٢ ]
يمكن العمل بأحدهما بدون مرجح، فلم يبق إلا الجمع بينهما بقدر الإمكان، ثم إن عملت بالمطلق يلزم إلغاء القيد في المقيد وهذا لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون القيد عبثًا وبدون فائدة.
وإن حملنا المطلق على المقيد نكون قد عملنا بالدليلين معًا، وهذا هو معنى التقييد فيتعين المصير إليه١.
٢ - واستدلوا أيضًا:
فقالوا: إن كلا من مطلق الكتاب والسنة المتواترة وخبر الآحاد قطعي من جهة، وظني من جهة ثانية، فالمطلق المتواتر قطعي من جهة السند وظني من جهة الدلالة، ومقيد خبر الآحاد الخاص، ظني من جهة السند وقطعي من جهة الدلالة فيتعادلان ويتعارضان، ثم يجمع بينهما بالتقييد٢ لتعيين المصير إليه كما سبق في الدليل الأول.
ومن أدلتهم أيضًا على هذه المسألة:
٣ - قالوا: إن إجماع الصحابة قائم على جواز تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد.
_________________
(١) ١ شرح الأسنوي ٢/١٢٠-١٢٣، والعقد المنظوم لوحة ٢٣٦، ومباحث التخصيص ٣٠٥-٣٠٦. ٢ المرجع الأخير وشرح الأسنوي ٢/١٢٢، ومسلم الثبوت ١/٣٥٠، والتعارض والترجيح ص: ٥٧٧.
[ ٤٩٣ ]
والدليل على ذلك تخصيص الصحابة - ﵃ - عموم قوله - تعالى -: ﴿اقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ بحديث عبد الرحمن بن عوف١ عن النبي ﷺ "سنوا بهم أي المجوس - سنة أهل الكتاب"٢ حيث تقتضي الآية الكريمة قتل جميع المشركين، ويقتضي هذا الحديث جواز الإبقاء على المجوس وأخذ الجزية منهم فيتعارضان، وقد جمع الصحابة - ﵃ - بتخصيص عموم الآية الكريمة بالخبر، وقالوا: إن الآية يراد بها قتال الكفار من غير المجوس٣، ونقل هذا التخصيص عنهم ولم ينكره أحد فكان إجماعًا منهم على جواز تخصيص العموم بخبر الواحد، والتقييد له حكم التخصيص، كما سلف ذلك.
_________________
(١) ١ هو: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف الزهري القرشي يتصل في كلاب بشجرة نسب النبي ﷺ، ولد بمكة سنة ٤٤ هـ، وهو أحد المبشرين بالجنة، وأحد الستة من أصحاب الشورى ومن السابقين إلى الإسلام، والمهاجرين إلى الحبشة والمدينة، كان تاجرًا كثير المال، سخيًا تصدق لأجل راية من رايات الإسلام بأكثر من ١٠٠ ألف درهم، وصح عن النبي ﷺ (عبد الرحمن بن عوف أمين في السماء، أمين في الأرض)، توفي سنة ٣٢هـ بالمدينة. راجع: الإصابة ٢/٤١٦-٤١٧، والإعلام ٤/٩٥، وطبقات الأصوليين ١/٦٦-٦٨. ٢ رواه البخاري انظر صحيح البخاري مع القسطلاني ٥/٢٣٣، ومنتقى الأخبار مع نيل الأوطار ٨/٥٨، ومفتاح كنوز السنة ١١١. ٣ العقد المنظوم لوحة ٢٣٤.
[ ٤٩٤ ]
وقد اعترض الحنفية على هذا الدليل:
فقالوا: إن التخصيص بخبر الواحد في المثال المذكور في حيز المنع؛ لأن المخصص فيه هو الإجماع، وعلى فرض أن المخصص هو الخبر المذكور لا نسلم كونه خبر آحاد، بل هو مشهور بدليل اتفاقهم على العمل به، ومن ثم يكون نسخًا لا تخصيصًا، والنسخ بالخبر المشهور جائز عندنا.
ودفع هذا الاعتراض:
بأنه لا فرق بين المشهور وخبر الآحاد عند أكثر العلماء، فكل منهما من قبيل الآحاد، وعلى فرض أن المثال من قبيل النسخ، فإذا جاز النسخ بخبر الآحاد، وهو أقوى في الاحتياط من التخصيص والتقييد فمن باب أولى أن يجوز التقييد به ويكون حينئذ بيانًا لا تبديلًا١.
الترجيح:
بعد عرض أقوال العلماء حول التقييد بخبر الواحد، ومناقشة أدلتهم السابقة، يبدو أن ما ذهب إليه الجمهور من جواز تقييد مطلق الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة بمقيد أخبار الآحاد هو الأرجح، وذلك لقوة أدلتهم وعدم وجود ما يصلح معارضًا لها.
_________________
(١) ١ الأحكام للآمدي ٢/٣١٠، ومباحث التخصيص للدكتور عمر ص: ٣١٠-١١٣، والتعارض والترجيح للبرزنجي ص: ٥٧٩.
[ ٤٩٥ ]
٣ - تقييد الكتاب والسنة المتواترة بالقياس:
إن تقييد الكتاب والسنة المتواترة بالقياس، وبخبر الواحد كما تقدم من المباحث الهامة التي اختلفت فيها المذاهب وتجلي فيها مقدار الرأي في الفقه الإسلامي.
وحيث إن القياس وخبر الواحد يستويان في أن كلا منهما دليل ظني فالحكم في تقييد مطلق الكتاب والسنة المتواترة بالقياس، كالحكم في تقييدهما بخبر الآحاد المتقدم، والأقوال هي الأقوال والأدلة هي الأدلة، إلا أننا نذكر هنا المذاهب إجمالًا ومن قال بها، ثم نتبع ذلك بما نراه راجحًا حسب المناقشة التي سبقت بخبر الواحد.
فالمذهب الأول:
جواز التقييد بالقياس لمطلق الكتاب والسنة المتواترة وبه قال الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد١.
_________________
(١) ١ الأحكام للآمدي ٢/١٠٩، ومسلم الثبوت ١/٣٥٧-٣٦٠، والمستصفى ٢/١٢٨، وشرح الكوكب المنير ص: ٢٠٩، والمسودة لآل تيمية ص: ١١٩، وهذه الرواية لأحمد قال بها أكثر أصحابه. وهنا نشير إلى أن جواز التقييد لمطلق الكتاب والسنة المتواترة بالقياس قد حكاه الآمدي والغزالي والقرافي وصاحب مسلم الثبوت مذهبًا للأئمة الأربعة بما فيها أبو حنيفة، وكذلك ذكر السرخسي في أصوله ١/١٣٣، جواز التخصيص بالقياس عن أكثر الحنفية، العدة لأبي يعلى ٢/٥٦٣، ولكن الشيخ بخيت المطيعي في حاشيته على سلم الوصول ٢/٤٦٣ ذكر أن القول عن أبي حنيفة مقيد بما إذا خصص بما يجعله محتملًا قبل القياس. يراجع في تحيقيق مذهب الحنفية تيسير التحرير ١/٣٢١-٣٢٦، وأصول السرخسي ١/١٣٣-١٣٤، وفواتح الرحموت ١/٣٥٧-٣٦٠.
[ ٤٩٦ ]
والمذهب الثاني:
منع التقييد بالقياس مطلقًا، وبه قال طائفة من المعتزلة كالجبائي١ وبعض الفقهاء٢.
لأن القياس فرع النصوص، ولا يقدم الفرع على الأصل عند التعارض٣.
ويجاب عن هذا بأن النص الذي يقيد بالقياس غير النص الذي هو أصل للقياس فلا منافاة٤.
_________________
(١) ١ الجبائي هو: محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي المعتزلي، ولد سنة ٢٣٥هـ ويعتبر رئيس علماء الكلام في عصره، توفي سنة ٣٠٣هـ. الإعلام ٧/١٣٦. ٢ المستصفى ٢/١٢٢، والآمدي ٢/١٠٩، والمعتمد ٢/١٥٣، والتحرير ١/٣٢٢، والعدة لأبي يعلى ٢/٥٦٨، والمسودة لآل تيمية ص: ١١٩، وهذا الوجه الآخر في مذهب أحمد روضة الناظر: ١٣٠. ٣ أصول الآحكام للآمدي ٢/٣٣٧، والمدخل إلى علم أصول الفقه المعروف الدواليبي ص: ٢٢٧. ٤ العدة لأبي يعلى ٢/٥٦٨.
[ ٤٩٧ ]
المذهب الثالث:
التوقف في تقييد المطلق من الكتاب والسنة المتواترة بالقياس، وبه قال القاضي أبو بكر والجويني من الشافعية١ قياسًا على عدم جواز تخصيص العام به عندهما.
القول الرابع:
التفصيل على النحو الآتي:
أ - ذهب الحنفية إلى أن القياس لا يقيد مطلق الكتاب والسنة المتواترة ما لم يسبق تقييدهما بدليل قاطع، فإذا سبق تقييدهما بدليل قاطع فإن القياس حينئذ يصلح أن يكون مقيدًا لهما٢.
وحجتهم في ذلك أن مطلق الكتاب والسنة المتواترة مقطوع به ثبوتًا ودلالة، لأن الحنفية يرون أن كل لفظ وضع لمعنى فهو دليل قاطع عليه قبل صرفه عن ذلك، والقياس ظني فلا يعارض القطعي، فإذا قيد مطلق الكتاب والسنة المتواترة بدليل قاطع أصبحا محتملين، فيجوز تقييدهما عندئذ بالقياس٣.
ب - وذهب جماعة من الأصوليين منهم الآمدي وابن الحاجب إلى
_________________
(١) ١ الآمدي ٢/٣٣٧، ومختصر ابن الحاجب ٢/١٥٣، وتنقيح الفصول ص: ٢٠٣. ٢ العدة لأبي يعلى ٢/٥٦٤، والأحكام للآمدي ٢/٣١٣، وجمع الجوامع مع حاشية البناني ٢/٣٠، ومسلم الثبوت ١/٣٥٧. ٣ المرجع السابق الأخير ١/٣٥٧، والأحكام للآمدي ٢/١٠٩، أو ٢/٣٣٧.
[ ٤٩٨ ]
تقييد مطلق الكتاب والسنة المتواترة بالقياس إذا كانت علته منصوصة كما قالوا بذلك في تخصيص العام١.
جـ - وذهب جماعة أخرى ومنهم ابن سريج من الشافعية وبعض الحنابلة كالطوفي إلى جواز التقييد بالقياس الجلي دون الخفي٢.
وهذا المذهب الأخير يلتقي في النتيجة مع المذهب الذي قبله؛ لأن القياس المنصوص على علته والقياس الجلي، ومفهوم الموافقة كما سبق شيء واحد.
وإنما الاختلاف في التعبير والاصطلاح، وهذا لا تأثير له على التحقيق.
_________________
(١) ١ المرجع الأخير ٢/٣٣٧، ومسلم الثبوت ١/٣٥٧، والمستصفى ٢/١٣٢، والبلبل للطوفي ص: ١٠٩، والمدخل إلى علم أصول الفقه لمعروف ص: ٢٢٨. ٢ إرشاد الفحول ص: ١٥٩.
[ ٤٩٩ ]
٤ - التقييد بالعرف:
العرف لغة: المعروف وسمي بذلك لأن النفوس تسكن إليه١.
واصطلاحًا: ما استقرت عليه نفوس الناس، وتلقته طباعهم السليمة بالقبول وصار عندهم شائعًا، في جميع البلاد أو بعضها قولًا كان أو فعلًا٢.
وينقسم إلى:
عُرْفٌ عام: وهو ما تعارفه الناس جميعًا، كدخول الحمَّام دون تحديد كمية المياه المستهلكة، ودون تقدير مدة المكث فيه.
وإلى عُرْفٍ خاص: وهو ما تعارف عليه جماعةٌ من الناس، كالعرف التِّجاري أو الزراعي، وهذا القسم ليس له قوة النوع الأول، ولكنه مما تختلف فيه الفتوى والأحكام في المجال التطبيقي.
وعلى كل حال فالعرف إما صحيح وهو ما لا يتصادم مع
_________________
(١) ١ مقاييس اللغة لابن فارس ٤/٢٨١، ولسان العرب لابن منظور ١١/١٤١ مادة عرف. ٢ التعريفات للجرجاني ١٣٠، والعرف والعادة في رأي الفقهاء للأستاذ أحمد أبو سنة ص: ٨، ومجموعة رسائل ابن عابدين ٢/١١٤، وأصول مذهب الإمام أحمد للدكتور عبد الله التركي ٥٥١، ومصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه للشيخ عبد الوهاب خلاف ص: ١٤٥.
[ ٥٠٠ ]
الأصول الثابتة في الشريعة الإسلامية، وإما فاسد وهو ما يتعارض مع تلك الأصول.
والعرف الذي هو مجال بحثنا إنما هو العرف الصحيح المنقسم إلى قولي وفعلي، وأما العرف الفاسد فهو ساقط لا اعتداد به.
فالعُرْف القولي:
أن تجري عادة قوم على استعمال لفظٍ أو جملة استعمالًا شائعًا مطردًا أو غالبًا في معنى غير المعنى الذي وضع له اللفظ أصلًا، بحيث يتبادر ذلك المعنى المتعارف عليه عند سماعه، دون قرينة١، مثل تعارف الناس إطلاق لفظ (الولد) على الذكر دون الأنثى مع أنه موضوع لكليهما وتعارفهم إطلاق لفظ (الدابة) على ذوات الأربع مع أنه في أصل الوضع اسم لكل ما يدب على الأرض.
ومعنى تقييد المطلق بهذا النوع من العرف أنه إذا ورد لفظ الدابة مثلًا: في نص شرعي فهل يحمل على المعنى اللغوي، وهو كل ما يدب على الأرض، أو على ذوات الأربع التي جرت العادة بإطلاقه عليها؟
اتفق الأصوليون على أن العرف القولي يقضى به على النص العام فيخصصه، وعلى النص الشرعي المطلق، فيقيده بشرط أن يكون ذلك
_________________
(١) ١ التقرير والتحبير ١/٢٨٢، والفروق للقرافي ١/١٧١، وأصول مذهب الإمام أحمد ص: ٥٢٥.
[ ٥٠١ ]
العرف مقارنًا لنزول النص أو سابقًا عليه واستمر حتى نزوله١ حتى ادعى المالكية الإجماع على ذلك٢.
يقول القرافي: "القاعدة أن من له عرف وعادة في لفظ، إنما يحمل لفظه على عرفه، فإذا كان المتكلم هو المشرع حملنا لفظه على عرفه وخصصنا لفظه في ذلك العرف إن اقتضى العرف تخصيصًا وبالجملة دلالة العرف مقدمة على دلالة اللغة؛ لأن العرف ناسخ للغة والناسخ مقدم على المنسوخ"٣.
وأما العُرْفُ العَمَلي:
فهو ما تعارف عليه الناس في أفعالهم دون أقوالهم، مثل: تعارف الناس البيع بالمعاطاة من غير صيغة، وتعارفهم على أن الزوجة لا تزف إلى زوجها إلا بعد أن تقبض جزءًا من مهرها٤.
وهذا النوع من العرف اختلف العلماء في تقييد المطلق به
_________________
(١) ١ المناهج الأصولية ص: ٥٩١. ٢ مسلم الثبوت ١/٣٤٥، ومالك لأبي زهرة ص: ٢٤٩. ٣ تنقيح الفصول لقرافي ص: ٢١١، والمدخل إلى علم أصول الفقه لمعروف ص:٢٣٤. والواقع: أن المخصص أو المقيد في هذه الأمثلة ليس مستنده العرف وحده، بل إقرار الصحابة وقولهم في المسألة أي الإجماع عليها، أو جريان العرف في عهد الرسول ﷺ وإقراره له، كل ذلك دليل يعتمد عليه في المسألة لا مطلق العرف. ٤ الفروق للقرافي ١/١٨٨، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص: ٩٣.
[ ٥٠٢ ]
كاختلافهم في تخصيص العام بذلك.
فذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا فرق بين العرف القولي والعملي فكلاهما يخصص العام ويقيد المطلق١، وخالفهم في ذلك الشافعية والحنابلة فقالوا: إن العرف العملي لا يقوى على تقييد المطلق قياسًا على عدم التخصيص به للعام٢ عندهما.
واحتج من قال بجواز التقييد بالعرف العملي، فقال: إذا أطلق لفظ طعام وكان عادة الناس تناول طعام معين كالبر مثلًا، فإن الذي يتبادر إلى الذهن انصراف ذلك اللفظ المطلق إلى ما تعارفه الناس وهو البر، فيتقيد به اللفظ المطلق كما في العرف القولي٣.
وأجيب عن ذلك:
بأن العادة الفعلية إنما هي مطردة في تناول طعام مخصوص لا في تقييد اسم الطعام، وبذلك الطعام المخصوص، فلا يكون التناول الفعلي قاضيًا على ما اقتضاه اللفظ في أصل وضعه، بخلاف العادة القولية،٤ لكن
_________________
(١) ١ كشف الأسرار على أصول البزدوي ٢/٧٠، وتيسير التحرير ١/٣١٧، ومسلم الثبوت ١:٣٤٥، والمناهج الأصولية لفتحي الدريني ص: ٥٩١. ٢ المناهج الأصولية لفتحي الدريني ص: ٥٩١. ٣ المعتمد لأبي الحسين ١/٣٠١، والأحكام للآمدي ٢/٣٣٤، وإرشاد الفحول ص: ١٦١. ٤ تيسير التحرير ١/٣١٧.
[ ٥٠٣ ]
مع هذا قد تابع الحنفية بعض الشافعية والحنابلة فأجازوا تقييد المطلق بالعرف العملي، وإن لم يخصصوا العام به، فلو قيل اشتر لحمًا، والعادة تناول لحم الضأن لم يفهم سواه، لأن لحمًا مطلقًا في هذا القول، وقد حمل على المقيد بقرينة ميلهم إلى المعتاد، وليس في ذلك ترك للمطلق١، بل حكي الاتفاق على التقييد بالعرف العملي بعض الباحثين في الأصول حديثًا٢، وقصر الخلاف على التخصيص وحده لهذا المعنى وهو عدم الإخلال بالمطلق.
_________________
(١) ١ الأحكام للآمدي ٢/٣٣٤. ٢ المناهج الأصولية ص: ٥١٩.
[ ٥٠٤ ]
٥ - التقييد بمذهب الصحابي ١:
اختلف الأصوليون في سياق هذه المسألة، فبعضهم جعلها خاصة بمذهب الراوي وحده، وبعضهم جعلها شاملة للراوي وغيره من الصحابة، كما ألحق بعضهم تفسيرهما بما يقيد النص المطلق٢.
وصورة ذلك:
أن يرد لفظ مطلق في دليل شرعي كأمره ﷺ: من وطئ في رمضان أن يعتق رقبة٣، ثم يقول أحد الصحابة - ﵃ - سواء كان الراوي أو غيره: يلزم من وطئ في نهار رمضان أن يعتق رقبة مؤمنة، فهل تقيد الرقبة المطلقة في قول الرسول ﷺ مثلًا بالقيد الوارد في قول الصحابي؟
وقبل أن نذكر أقوال العلماء في هذه المسألة نشير إلى أن الخلاف فيهما مبني على الخلاف في حجية قول الصحابي، فمن يرى أنه حجة قيد به، ومن لا يرى حجيته لم يقيد به، ومن يشترط في ذلك انتشار قوله بين الصحابة وأن لا يعرف له مخالف قيد به بهذا الشرط، وأيضًا فإن محل
_________________
(١) ١ الصحابي من رأى النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، ويضاف هنا إمكان روايته عن النبي ﷺ. ٢ تيسير التحرير ١/٣٢٦، ومسلم الثبوت ١/٣٥٥. ٣ إرشاد الفحول ص: ١٦٢، وتنقيح الفصول ٢١٩.
[ ٥٠٥ ]
الخلاف في قول الصحابي الذي يحتمل الاجتهاد أما إذا كان قوله مما ليس للرأي فيه مجال فهو في حكم المرفوع فيقيد به، إذا عرفنا ذلك فنقول:
اختلف الأصوليون في حكم التقييد بمذهب الصحابي على قولين:
الأول:
لا يجوز التقييد بمذهب الصحابي وهو قول الجمهور١.
وحجتهم في ذلك أن الحجة إنما هي في قول الرسول ﷺ الذي ورد فيه اللفظ مطلقًا، وأما مذهب الصحابي فليس بحجة؛ لأن مذهبه قد يكون مجرد اجتهاد منه، يحتمل الخطأ والصواب، فلا يقضى به على النص المطلق، بل يبقى المطلق على إطلاقه حتى يرد ما يقيده٢.
أما قول الصحابي فلا يصح مقيدًا.
القول الثاني:
جواز التقييد بمذهب الصحابي نص عليه أحمد٣ وهو مذهب الحنفية٤.
_________________
(١) ١ إرشاد الفحول ص: ١٦١. ٢ تنقيح الفصول للقرافي ص: ٢١٩، والمرجع الأول ص: ١٦١، ومسلم الثبوت ١/ ٣٥٥، والمدخل إلى علم أصول الفقه ص: ٢٣٤، والمستصفى ٢/١١٢، وغاية الوصول للأنصاري ص: ٨٠، والأحكام للآمدي ٢/١٠٩. ٣ روضة الناظر ص: ١٢٩، وشرح الكوكب المنير ص: ٢٠٨. ٤ تيسير التحرير ١/٣٢٦، ومسلم الثبوت ١/٣٥٥.
[ ٥٠٦ ]
واستدلوا على ذلك فقالوا: إن عمل الصحابي أو فتواه بما يخالف اللفظ المطلق دليل على اطلاعه على ما يقيد ذلك المطلق، لأن الصحابي العدل العالم لا يترك العمل بالمطلق إلا وقد اطلع على دليل يمكن التقييد به١.
وإذا كان هو الراوي، وخالف ما رواه دل ذلك على أنه اطلع على قرائن حالية أو مقالية توجب تقييد ذلك المطلق٢.
وقد اشترط بعض٣ الأصوليين لجواز التقييد بمذهب الصحابي أن يكون ما ذهب إليه منتشرًا وأن لا يعرف له مخالف٤، وإن كان غير الراوي للحديث اشترط فيه أن يكون عالمًا بالنص المطلق٥، وهذا الشرط الأخير وجيه، أما الأول فخارج عن محل النزاع؛ لأنه يرجع إلى إجماع سكوتي حينئذ.
_________________
(١) ١ إرشاد الفحول ص: ١٦٢، وتنقيح الفصول ص: ٢١٩. ٢ تنقيح الفصول ص: ٢١٩. ٣ الشيرازي وانظر اللمع ص: ٢١. ٤ المرجع السابق وإرشاد الفحول ص: ١٦١. ٥ المسودة لآل تيمية ص: ١٢٧.
[ ٥٠٧ ]
٦ - حكم التقييد بذكر بعض جزئيات المطلق:
وصورته: أن يرد اللفظ مطلقًا في نص شرعي نحو: إذا حلفت (فأعتق رقبة) ثم يذكر في نص آخر جزئيًا من جزئيات المطلق نحو: "إذا حلفت فأعتق رقبة مؤمنة أو أعتق زيدًا".
وذكرنا هذين المثالين لأن الجزئيَّ إما أن يكون صفة كما في المثال الأول، أو لقبًا كما في المثال الثاني.
فهل يقيد النص المطلق في المثال السابق بجزئيه في المثال الثاني أو لا يقيد؟
إذا كان جزئيُّ المطلق لقبًا؛ فإنه لا يتقيد به؛ لأن اللقب لا مفهوم له، وإذا كان الجزئي صفة، نحو أعتق رقبة مؤمنة، بعد قوله: "أعتق رقبة" فإن المطلق يتقيد به؛ لأن الجزئي هنا صفة ومفهوم الوصف حجة يقيد بها على الصحيح كما تقدم.
وقد وهم من أطلق القول بعدم جواز تقييد المطلق بذكر بعض جزئياته بناء منه على أن ذكر فرد من أفراد العام لا يخصصه١.
لأن الصحيح في ذلك التفصيل، فإذا كان جزئيُّ المطلق لقبًا لم يتقيد به المطلق؛ لأنه عندئذ يكون بدلًا والبدل لا يقيد المطلق كما تقدم.
_________________
(١) ١ حاشية البناني على جمع الجوامع ٢/٥٠.
[ ٥٠٨ ]
أما إذا كان جزئيُّ المطلق صفةً، وكان لها مفهوم، فإن المطلق يقيد به بالشروط السابقة في حجية مفهوم المخالفة.
وهنا نشير إلى أن إطلاق القول بأن ذكر فرد من أفراد العام لا يخصصه محمول على الغالب، وإلا فإن فرد العام قد يكون صفة فيخصص العام عند القائلين بحجية المفهوم المخالف، كما لو قيل: إذا حلفت فلا تُكَفِّر بالعبد ثم قيل: إذا حلفت فكفر بالعبد المؤمن؛ فإنه يخصص العام السابق عند من يرى حجية المفهوم المخالف١.
_________________
(١) ١ غاية الوصول ص: ٨٢، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/٨٥.
[ ٥٠٩ ]
الخاتمة
خاتمة المطاف
بعد هذه الرحلة الشاقة في أثناء العمل فيها الممتعة بما تحقق منها: التي طوفت من خلالها على مباحث المطلق والمقيد وحرصت فيها على استكمال جوانب الموضوع واستقصاء مسائله بقدر الطاقة.
فإني أحمد الله على أن وفقني لإكمال الموضوع واجتياز مباحثه، فإن كان الصواب حليفي فأشكر الله على ذلك، وإن كان غير ذلك فالكمال لله وحده، وحسبي أن بذلت جهدي ولكل مجتهد نصيب.
ولقد رأيت أنه من المناسب وأنا أختتم هذا الموضوع أن أشير إلى أهم القواعد والنتائج التي توصلت إليها من خلال معايشتي الطويلة لهذا البحث، آملًا أن يكون الاطلاع على تلك النتائج سبيلًا سهلًا لمن أراد الوقوف على مضمون هذا البحث المتواضع، ومن أهم تلك النتائج ما يلي:
١ - إن معرفة اللغة العربية وتنوع أساليبها، واختلاف دلالة اللفظ الواحد فيها ضرورية لكل باحث في علوم الشريعة، وخاصة الباحثين عن استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة.
٢ - إن كل ميزة تمتاز بها اللغة العربية فالقرآن أولى بها لنزوله بلسان عربي مبين، وكذا كل ما صدر عن الرسول ﷺ من قول فهو عربي مبين؛ لأنه أفصح من نطق بالضاد.
[ ٥١٣ ]
٣ - إن اللفظ من حيث دلالته على المعنى الموضوع له ينقسم إلى عام وخاص، ذلك أن اللفظ إذا وضع وضعًا واحدًا ليدل على استغراق الأفراد الداخلة تحته دفعة واحدة بلا حصر فهو العام.
وإذا كان موضوعًا ليدل على معنى واحد على الانفراد سواء كان بالشخص أو النوع أو الجنس، أو كان موضوعًا لكثير محصور فهو الخاص، وهذا التقسيم هو الأولى بالاتباع لسهولته وتبادره وعدم الاعتراض عليه.
٤ - الأصل أن يفسر القرآن والسنة باللغة التي وردا بها، ما لم يكن هناك عرف خاص لصاحب الشرع؛ فإن كان للشرع عرف خاص فتفسير اللفظ على مقتضاه أولى.
٥ - إن الخلاف في تحديد ماهية اللفظ أو تصنيفه في دائرة العموم أو الخصوص يؤدي إلى الاختلاف في الأحكام الثابتة لكل من العام والخاص. ومن هنا كانت عناية علماء الأصول بوضع المناهج والخطط التي بواسطتها يمكن التوصل إلى تصنيف اللفظ إلى عام وخاص، ومن ثم أجراء أحكام العموم والخصوص عليه ضرورة حتمية لما يترتب على ذلك من استخراج الأحكام من أدلتها ورد الفروع إلى أصولها.
٦ - إن العموم من المعاني التي تدعو إليها حاجة التخاطب، ولهذا
[ ٥١٤ ]
كان من المتفق عليه أن للعموم صيغًا في اللغة وإن كان تحديد تلك الصيغ محل خلاف.
٧ - أولى تعريف للعام عند جمهور الأصوليين أنه (كلمة تستغرق الصالح لها بلا حصر)، وعند الحنفية (لفظ ينتظم جمعًا من المسميات لفظًا أو معنى.
٨ - إن الاختلاف في تحديد ماهية العموم أدى إلا الاختلاف في تحديد صيغ العام، فمن يشترط في تحقيق ماهية العام الاستغراق، لا بد في الألفاظ الدالة عليه أن تكو مستغرقة بوضعها اللغوي أو العرف الشرعي ومن لا يرى ذلك شرطًا يكفي عنده للحكم على عموم اللفظ أن ينتظم جمعًا من المسميات لفظًا أو معنى، ومن هنا اختلفت الأحكام المترتبة على عموم اللفظ تبعًا للاختلاف في تحديد ماهيته.
٩ - إن الاختلاف في اشتراط الاستغراق وعدمه في مفهوم العام أدى إلى الاختلاف في العام الذي خص منه البعض، هل يصح التمسك به على سبيل الحقيقة أو لا؟ فمن يرى الاستغراق شرطًا لتحقيق ماهية العام يرى أن العام الذي خص منه البعض مجاز، لأن اللفظ موضوع للاستغراق وبعد التخصيص لم يبق اللفظ مستغرقًا ومن يكتفي بانتظام اللفظ جمعًا من المسميات لفظًا أو معنى يصح عنده التمسك بالعام
[ ٥١٥ ]
المخصوص ما دام الباقي من الأفراد يصح إطلاق اسم الجمع عليها.
١٠ - اللفظ المشترك، وهو الموضوع لمعنيين فأكثر بأوضاع متعددة لا يخرج عن تقسيم اللفظ إلى العام والخاص؛ لأن المشترك مبني على حسب الصيغة التي يرد بها، فهو عام إذا ورد بصيغة عامة، وخاص إذا كانت صيغته صيغة الخصوص. وكذا الجمع المنكر لا يخرج عن ذلك التقسيم سواء اشترط في العام الاستغراق أو لم يشترط، لكن الذي يترجح عندي أن الجمع المنكر غير عام لعدم قبوله أحكام العام الاستغراقي.
١١ - إن الجمعَ المنكر من المطلق، لأنه لا فرق بين رجل ورجال إلا في كون ما صدق عليه رجل كل فرد فرد، وما صدق عليه رجال كل جماعة جماعة، وذلك لا أثر له في الإطلاق والتقييد، والمطلق مندرج تحت الخاص على القول الراجح، فيكون الجمع المنكر من الخاص، (وليس بعام) .
١٢ - يتكرر لفظ الوضع في مباحث الأصول، والمراد به جعل اللفظ دليلًا على المعنى، بحيث إذا سمع العالم بالوضع ذلك اللفظ، فهم منه المعنى بدون واسطة، وهذا هو المقصود بالتبادر لغة.
١٣ - إذا كانت دلالة اللفظ لا تحتمل غير المعنى الموضوع له تسمى
[ ٥١٦ ]
قطعية، وإن احتملت غيره فهي ظنية.
١٤ - إن الوقوف على نوع دلالة اللفظ يساعد على التنسيق بين أحكام الألفاظ عند التعارض.
١٥ - الاتفاق على وصف دلالة الخاص بالقطعية، وعلى احتماله للمجاز واقع لكن القطع له معنيان، خاص وعام.
فالقطع بالمعنى الخاص: أن لا يحتمل اللفظ غير المعنى الذي وضع له أصلًا سواء كان عدم الاحتمال ناشئًا من دليل آخر انضم إلى أصل وضع اللفظ كالتأبيد مثلًا، أم كان اللفظ في أصل وضعه لا يحتمل غير المعنى الموضوع له.
والقطع بالمعنى العام: هو عدم الاحتمال الناشئ عن دليل، وعلى هذا إذا كان الاحتمال ناشئًا عن دليل فهو لا يسلب عن دلالة اللفظ الوصف بالقطعية بمعناها الأعم، بدليل أن الاتفاق واقع على إطلاق قطعي لدلالة على الخاص مع احتماله المجاز، مع أن القطع بالمعنى الخاص ينافي احتمال اللفظ المجاز، فدل هذا على أن القطع في دلالة الخاص بالمعنى الأعم، وهو عدم الاحتمال الناشئ عن دليل.
١٦ - إن الخلاف في احتمال الخاص للبيان لفظي؛ لأن النفي والإثبات لم يتواردا على محل واحد، فالذي يرى احتمال الخاص للبيان ينظر إليه بعد الاستعمال وطريان الإجمال عليه
[ ٥١٧ ]
بسبب كثرة المعاني التي استعمل فيها أو بسبب قلة الاستعمال في المعنى الموضوع له اللفظ مما يجعله غير مألوف لدى أكثر أهل اللغة، والذي يرى أنه لا يحتمل البيان ينظر إليه باعتبار أصل المعنى، وحال الواضع عندما أراد أن يجعل اللفظ دليلًا على المعنى، ولا شك أن دلالة الخاص بالنسبة للواضع قطعية.
١٧ - إن دلالة العام المجرد عن القرائن على أصل المعنى قطعية، وعلى كل فرد من أفراد العام محل خلاف. فالجمهور يرون أن دلالة العام المطلق على كل فرد ظنية، لكثرة تخصيص العموم في الشرع حتى أصبح قولهم: (ما من عام لا وقد خص منه البعض) مثلًا. ويرى الحنفية أن دلالة العام المجرد عن القرائن كدلالة الخاص لاشتراكهما في الطريق الذي ثبتا به وهو الوضع.
١٨ - لما كانت دلالة العام على أفراده ظنية عند الجمهور قالوا: إن العام لا يعمل به قبل البحث عن المخصص.
١٩ - تخصيص العام عند الجمهور بيان أن المراد من اللفظ العام بعض أفراده، أو هو قصر العام على بعض أفراده بدليل. وعند الحنفية يراد به قصر العام على بعض أفراده بالدليل المستقل بالدلالة عن لفظ العام، والمقارن له في نزوله
[ ٥١٨ ]
والمساوي له في قوة الثبوت والدلالة.
٢٠ - الاتفاق على احتمال العام للتخصيص وعلى أن دلالته على الباقي بعد تخصيصه بالدليل المساوي له في القوة ظنية واقع، وذلك، لأن الدليل المخصص قد يكون معللًا بعلة، فيحتمل وجودها في بعض الأفراد الباقية بعد التخصيص، ومع الاحتمال لا يثبت القطع، أما إذا كان المخصص غير قابل للتعليل كدليل النسخ أو كان إخراج بعض أفراد العام بدليل متصل وغير مستقل بتمام الفائدة عن اللفظ العام، (كالاستثناء والصفة)، فإن الحنفية يرون أن إخراج بعض أفراد العام في مثل هذه الحال لا يسلب عن دلالة العام صفة القطعية، لعدم قبول دليل النسخ للتعليل، ولأن الاستثناء ونحوه هو والعام كلام واحد لا يستقل أحدهما عن الآخر بتمام الفائدة.
٢١ - إن الاختلاف في قطعية دلالة العام وفي مفهوم التخصيص عند الفريقين قد أدى إلى الخلاف في مخصصات العام، فمن يرى أن دلالة العام قطعية يشترط في الدليل المخصص للعام ابتداءً أن يكون مساويًا له في قوة الثبوت والدلالة، ومن يرى أن دلالة العام المجرد ظنية لا يشترط في الدليل المخصص مساواته للعام، لأن التخصيص من قبيل البيان والمبين لا
[ ٥١٩ ]
يشترط فيه مساواته للمبين، ومن ثم كان خبر الآحاد والقياس لا يخصصان عام القرآن والسنة المتواترة أو المشهورة عند الحنفية إلا إذا سبق تخصيص العموم فيهما بدليل مقطوع به.
٢٢ - اللفظ الخاص ينقسم باعتبار الصيغة التي يرد بها إلى الأمر والنهي وباعتبار الحالة التي تلابسه إلى المطلق والمقيد.
٢٣ - أولى تعريف للأمر اصطلاحًا: أنه القول الدال بالذات على طلب الفعل على جهة الاستعلاء.
٢٤ - صيغ الأمر: هي الألفاظ الموضوعة للدلالة على طلب الفعل على وجه الحتم واللزوم سواء كانت الدلالة مستفادة من قبل اللغة أو الشرع.
٢٥ - الأمر المجرد عن القرائن: يدل على وجوب الفعل، لتبادر الوجوب لغة، ولأدلة أخرى شرعية.
٢٦ - النهي في الاصطلاح: القول الدال بالذات على طلب الكف عن الفعل على جهة الاستعلاء.
٢٧ - صيغ النهي: هي الألفاظ الموضوعة للدلالة على طلب الكف عن الفعل على وجه الحتم واللزوم، سواء كانت الدلالة على ذلك من جهة اللغة أو الشرع.
٢٨ - النهي المجرد عن القرائن يدل على وجوب ترك المنهي عنه لغة
[ ٥٢٠ ]
وشرعًا.
٢٩ - إن الاختلاف في وجود الماهيات في خارج الذهن أدى إلى الخلاف في تعريف المطلق اصطلاحًا. فهو عند المناطقة وأكثر الأصوليين ما يدل على الماهية بلا قيد، وعند علماء اللغة ما دل على شائع في جنسه، أو هو النكرة في سياق الإثبات، فالنكرة أعم من المطلق، ويساويها ما لم تقيد أو يدخل عليها ما يفيد عمومها.
٣٠ -يوصف المطلق بالشيوع، لأن موارده غير منحصره فعمومه بدلي -تناوبي ويوصف العام بالاستغراق، فعمومه شمولي.
٣١ - أن العموم في المطلق من ناحية الصفات، وفي العام من ناحية الأفراد.
٣٢ - المقيد هو اللفظ الدال على وصف مدلوله المطلق بصفة زائدة عليه، أو اللفظ الدال على الماهية مع قيد من قيودها.
٣٣ - توصف الأفعال والأسماء الشخصية بالإطلاق والتقييد باعتبار الأحوال التي تعرض لها، وعلى ذلك فوصف الاطلاق والتقييد غير مختص بالألفاظ المفردة كما يوهم ذلك صنيع الأصوليين.
٣٤ - الإطلاق والتقييد لهما معنيان خاص وعام. فالمطلق بالمعنى الخاص: اللفظ الدال على شائع في جنسه أو هو ما يدل على
[ ٥٢١ ]
الماهية بدون قيد. والمطلق بالمعنى العام: اللفظ المجرد عن القيود سواء كان له معنى شائع أو لا، وعلى هذا الاصطلاح ليس هناك واسطة بين المطلق والمقيد، بل اللفظ الموضوع للدلالة على المعنى إما أن يكون مطلقًا أو مقيدًا.
٣٥ - المطلق والمقيد من أقسام الخاص على القول الراجح، لكن لما كانت للمطلق موارد غير منحصرة يتحقق مفهومه في واحد منها على سبيل البدل، أشبه العام، ولهذا كانت دلالة المطلق عند جمهور الأصوليين ظنية، ويرى الحنفية أن دلالة المطلق قطعية كالعام عندهم.
٣٦ - يعمل بالمطلق على إطلاقه حتى يوجد الدليل الذي يقيده، ويعمل بالمقيد مع قيده حتى يدل الدليل على أن ما ذكر معه من قيد لا مفهوم له في تشريع الحكم.
٣٧ - كل ما قيل في معنى تخصيص العام ونوع دلالته وشروط مخصصه، فهو جار في تقييد المطلق عند الفريقين.
٣٨ - حمل المطلق على المقيد بيان عند الجمهور، وعند الحنفية يختلف بحسب ورود المقيد ومساواته للمطلق، فهو بيان عند محققي الحنفية كما يقول الجمهور إذا وردا معًا أو جهل التاريخ، ونسخ إذا علم تأخر أحدهما عن الآخر وكانا مستويين في القوة، وترجيح أو تقديم للعمل بالمقيد على
[ ٥٢٢ ]
العمل بالمطلق إذا كانت المسألة محل احتياط.
٣٩ - سبب حمل المطلق على المقيد عند الجمهور العرف اللغوي والشرعي بالإضافة إلى وجود مطلق التنافي الذي يزول بحمل المطلق على المقيد. وعند الأحناف دخول التنافي بين المطلق والمقيد في باب تعارض الأدلة.
٤٠ - الاختلاف في مفهوم التعارض وشروط تحققه ومحله من الأدلة وكيفية دفعه عنها من أعم الأسباب في الخلاف في حمل المطلق على المقيد في بعض الصور.
٤١ - لا يحمل المطلق على المقيد عند الفريقين إلا إذا توفرت فيه شروط خاصة من أهمها الاتحاد في الحكم المثبت وكونه من باب الواجب وأن يكون الإطلاق والتقييد من حيث الصفات مع ثبوت الذوات في الموضعين، وبالجملة فكل ما هو شرط في تعارض الأدلة، فهو شرط في حمل المطلق على المقيد، عند الحنفية.
٤٢ - إذا اتحد المطلق والمقيد في الحكم واختلفا في السبب، حمل المطلق على المقيد قياسًا عند الجمهور، ولا يحمل عند الحنفية، وكذلك الحكم إذا اتحدا في الحكم والحادثة وكان الإطلاق والتقييد واردين على السبب، لأن الأسباب لا تزاحم بينها في نظر الأحناف.
[ ٥٢٣ ]
٤٣ - إذا ورد مقيدان متنافيان على مطلق واحد حمل على الأقيس منهما، وإلا بقي المطلق على إطلاقه.
٤٤ - إذا تعارض المطلق والمقيد فإما أن يعلم تاريخ النزول بينهما أو يجهل، وفي حال العلم بذلك إما أن يعلما أنهم وردا معا أو يعلم تأخر المطلق وتقدم المقيد أو العكس، فهذه أربعة أحوال يحمل فيها المطلق على المقيد عن الجمهور بطريق البيان ما لم يستلزم ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن استلزم حملُ المطلق على المقيد تأخيرَ البيان عن وقت الحاجة كان المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم، وعند محققي الحنفية يحمل المطلق على المقيد بطريق البيان في حالتين فقط، وهما إذا وردا معًا أو جهل التاريخ بينهما وفيما عدا ذلك يكون المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم إذا تساوى معه في الثبوت والدلالة.
٤٥ - الاختلاف في نوع دلالة المطلق وفي معنى حمله على المقيد أدى إلى الاختلاف في الصور التي يحمل فيها المطلق على المقيد، وفي مقيدات المطلق فالذي يرى أن دلالته قطعية يحكم بالتعارض بينه وبين المقيد وينسخ المتقدم منهما بالمتأخر، ومن ثم لم ير الحنفية نسخ مطلق الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة بخبر الآحاد أو القياس؛ لأنهما من قبيل الظني والظني لا يعارض القطعي.
[ ٥٢٤ ]
٤٦ - الاختلاف في حجية مفهوم المخالفة من أهم الأسباب التي أدت إلى وجود التعارض وعدمه في بعض أحوال المطلق والمقيد.
٤٧ - الاتفاق على حجية مفهوم المخالفة في المصنفات العلمية وأقوال الناس ومصطلحات الفقهاء واقع، حتى شاع لدى الحنفية قولهم: (مفاهيم الكتب حجة) وفي خطابات الشرع خلاف.
٤٨ - يرى جمهور العلماء فيما عدا مفهوم اللقب - أن مفهوم المخالفة بجميع أنواعه حجة شرعية يعمل به فيما يثبت بطريق الظن، بشروط أهمها ألا يعارضه ما هو أقوى منه، وألا يكون للقيد فائدة أخرى غير تشريع الحكم، ويرى الحنفية أن مفهوم المخالفة بجميع أنواعه ليس حجة شرعية في خطابات الشرع، وحكم المحل المسكوت عنه باق على العدم الأصلي، وهو براءة الذمة من التكاليف حتى يرد ما يشغلها.
٤٩ - اشتهر بين الأصوليين الخلاف في الزيادة على النص هل هو نسخ أو بيان، وقد اتضح لي (بعد تحرير محل النزاع) أن الخلاف في هذه المسألة قليل الأثر على الفروع الفقهية، لأنه يعود إلى جواز النسخ قبل العمل، وهذا النوع من النسخ قليل الوقوع، وما كان من الأحكام قليل الوقوع لا يصح
[ ٥٢٥ ]
التفريع عليه، فكان لا بد للفروع المنسوب الاختلاف فيها إلى هذه القاعدة من سبب آخر غير الزيادة، وقد توصل الباحثون في هذه المسألة إلى أن الخلاف في تلك الفروع يعود إلى الاختلاف في شروط العمل بخبر الواحد عند الجمهور والحنفية، حيث يشترط الحنفية للعمل به شروطًا من أهمها ألا يعارضه ما هو أقوى منه.
٥٠ - إن مقيدات المطلق منها متصل وهو ما لا يستقل عن اللفظ المطلق بتمام الفائدة، ومنها منفصل، وهو ما يستقل عن اللفظ المطلق بتمام الفائدة.
٥١ - لا يجوز تقييد المطلق بالاستثناء؛ لأن الاستثناء معيار العموم.
٥٢ - لا يجوز تقييد المطلق ببدل البعض، ولا الحال إلا إذا كان صاحبها نكرة.
٥٣ - يجوز تقييد المطلق بالشرط والصفة والغاية، والظرف والجار والمجرور والتمييز والمفعول لأجله والمفعول معه وذلك إذا كان الإطلاق والتقييد في جانب الأفعال.
٥٤ - إن الصفة إذا وردت بعد جمل، وإن جاز رجوعها إلى جميع الجمل أو الأخيرة فقط، إلا أن الظاهر رجوعها إلى جميع الجمل وعدم اختصاصها بالأخيرة.
٥٥ - إن الشرط في تعقبه للجمل حكمه حكم الصفة وكذا الغاية
[ ٥٢٦ ]
تشترك معهما في هذا الحكم.
٥٦ - يجوز تقييد مطلق الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة، كل منهما بالآخر، كما يجوز تقييد ذلك بالإجماع والقياس وخير الواحد والعرف ومذهب الصحابي، وذكر بعض جزئيات المطلق الذي له مفهوم مخالف.
٥٧ - لا يتصور تقييد مطلق الكتاب والسنة بفعل الرسول وتقريره لعدم منافاة ذلك لمدلول المطلق.
[ ٥٢٧ ]