الإطلاق والتقييد وصفان للفظ باعتبار المعنى، ومن هنا يقول بعض الأصوليين إنهما اسمان للفظ دون المعنى١، ولا شك أن الألفاظ المفردة يجري فيها الإطلاق والتقييد، وتوصف بهما فيقال: لفظ مطلق ولفظ مقيد، وقد مثل الأصوليون للمطلق بالنكرة في سياق الإثبات نحو قولك: أكرم رجلًا: وللمقيد بقولهم: "أعتق رقبة مؤمنة"، واكتب بقلم أزرق، وطائر أبيض على الشجرة٢ لكن هل الإطلاق والتقييد خاصان بالألفاظ المفردة كما يظهر من كلام الأصوليين، أو أن الأفعال والأسماء الشخصية يصح أن توصف بالإطلاق والتقييد.
الظاهر أن الإطلاق والتقييد يصح أن يوصف بهما الأفعال والأسماء الشخصية، كما توصف بهما الألفاظ المفردة، يقول ابن قدامة٣ المقدسي:
_________________
(١) ١ تنقيح الفصول للقرافي ص: ٢٦٩. أي: أن الذي يوصف بالإطلاق والتقييد حقيقة هو اللفظ، كما مرت الأقوال في وصف العموم ص: ٣٣، ٣٤. ٢ أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ص: ١٩٢. ٣ هو: موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، ثم الدمشقي ولد سنة ٥٤١هـ وهو فقية من أكابر الحنابلة، له عدة مؤلفات منها كتابة القيم المغني في الفقه، وروضة الناظر وجنة المناظر في الأصول، والبرهان في مسائل القرآن، توفي سنة ٦٢٠هـ. راجع: البداية والنهاية ١٣/٩٩، وذيل طبقات الحنابلة ص: ١٣٣.
[ ١٤٦ ]
"يسمى الفعل مطلقًا نظرًا إلى ما هو من ضرورته من الزمان والمكان والمصدر والمفعول له، والآلة فيما يفتقر إلى الآلة والمحل للأفعال المتعدية وقد يقيد بأحد دون بقيتها"١.
وقد زاد هذا المبحث إيضاحًا المظفر في أصوله:٢
حيث يقول: "الإطلاق لا يختص بالمفردات كما يظهر من كلام الأصوليين، بل يكون في الجمل أيضًا، فإن إطلاق صيغة "افعل" الذي يقتضي استفادة الوجوب إنما هو من قبيل إطلاق الجملة، وكذلك إطلاق الجملة الشرطية في استفادة الانحصار في الشرط، من قبيل إطلاق الجمل ولكن محل بحث الأصوليين في هذا الباب إنما هو خصوص الألفاظ، ولعل عدم شمول البحث عندهم للجمل باعتبار أنه ليس هناك ضابط كلي لمطلقاتها، وإن كان الأصح أن بحث شروط إمكان الإطلاق يشملها"٣، كذلك عندما نعرف العلم الشخصي والمعرف بلام العهد لا يسميان مطلقين باعتبار معناهما، لأنه لا شيوع ولا إرسال في شخص معين.
_________________
(١) ١ روضة الناظر لابن قدامة ص: ١٣٦. ٢ هو: محمد رضا المظفر من علماء الشيعة، (في القرن الرابع عشر) . ٣ أصول الفقه للشيخ المظفر ص: ١٧٢.
[ ١٤٧ ]
لكن لا ينبغي أن نظن أنه لا يجوز أن يسمى العلم الشخصي مطلقًا، لأنه إذا قال الآمر: "اكرم محمدًا" وعلمنا أن لمحمد أحوالًا مختلفة ولم يقيد الحكم بحال منها نستطيع أن نقول: إن لفظ محمد أو هذا الكلام بمجموعه يصح أن يوصف بالإطلاق والتقييد، إذا لوحظت فيه الأحوال المختلفة، وإن لم يكن له شيوع باعتبار معناه الموضوع له، وبناء على ذلك فللأعلام الشخصية والأفعال إطلاق فلا يختص المطلق بما له معنى شائع في جنسه، كما هو اصطلاح أكثر الأصوليين١
٢ - ولكن يرى بعض الأصوليين أن الفعل لا يكون مطلقًا ولا مقيدًا، لأن المطلق لفظ مُنَكّرٌ٢، وليس الفعل كذلك، وهذا الفريق نظر إلى صيغة الفعل: ولا شك أن الفعل من جهة الصيغة لا يوصف بالإطلاق أو التقييد، لأن المطلق نكرة في سياق الإثبات، ولا يوصف الفعل من حيث صيغته بأنه نكرة، لكن يتأتى إمكان وصفه بالإطلاق أو التقييد باعتبار مصدره إذا كان في سياق الإثبات كقولك: "قم" فإنه يقتضي مصدرًا أي قم قيامًا، فيكون الثابت بمقتضى هذه الصيغة ما هو نكرة في سياق الإثبات، وهو: "قيامًا" وعندئذ يصح أن يوصف بالإطلاق بهذا
_________________
(١) ١ أصول الفقه للمظفر الشيعي ص: ١٧٢. ٢ حاشية البناني على جمع الجوامع ٢/٤٨.
[ ١٤٨ ]
الاعتبار١، أما إذا كان الفعل في سياق النفي فإن مصدره يكون عامًا، لأن النكرة المنفية من ألفاظ العموم، وفي شرح الروضة للطوفي٢:
"يقال: فعل مقيد أو مطلق باعتبار اختصاصه ببعض مفاعيله من ظرف أو مكان أو نحوهما من المفاعيل، فقولك: "اضرب" مثلًا مطلق بالنسبة إلى الزمان والمكان والآلة، لا دلالة له على شيء منها بعينه، وقد يقيد ببعض مفاعيله دون يعض فيكون مقيدًا بالإضافة، كقولك "صم يوم الاثنين" الصوم مقيد من جهة ظرف الزمان، ومطلق من جهة ظرف المكان، ولو قيل: "صم في مكة يومين" لكان على العكس من ذلك٣.
والذي يجمع بين هذه الآراء أن المطلق له معنيان عام وخاص،
_________________
(١) ١ أصول السرخسي ١/٢١. ٢ الطوفي هو: سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد الطوفي الصرصري، ثم البغدادي، فقيه أصولي حنبلي، له دراية بفنون العلوم وكنيته أبو الربيع، ولد سنة ٦٧٣هـ بقرية طوفى من أعمال صرصر ثم دخل بغداد وتلقى العلوم عن علمائها، ثم سافر إلى دمشق سنة ٧٠٤هـ ثم إلى مصر سنة ٧٠٥هـ ثم عرج على الحج سنة ٧١٤هـ، ثم نزل الشام وتوفي ببلدة الخليل في رجب سنة ٧١٦هـ له عدة مؤلفات منها: الروضة وشرحها في الأصول، وشرح الأربعين النووية، والأكسير في قواعد التفسير. انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/٣٦٦ - ٣٦٩، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، والأعلام ٣/١٨٩، والفتح ٢/١٢٠. ٣ شرح مختصر الروضة للطوفي ٢/٢٥٦، مخطوط بمكتبة الحرم المكي الشريف.
[ ١٤٩ ]
فالمطلق بمعناه الخاص: اللفظ الدال على شائع في جنسه، أو هو اللفظ الدال على الماهية بدون قيد من قيودها، وهذا اصطلاح الأصوليين.
والمطلق بالمعنى العام: اللفظ المجرد عن القيود سواء أكان له معنى شائع أم لم يكن له ذلك، وعلى هذا الاصطلاح ليس هناك واسطة بين المطلق والمقيد، بل اللفظ إما أن يكون مطلقًا أو مقيدًا١.
_________________
(١) ١ مختصر ابن الحاجب مع حاشية السعد ٢/١٥٥، ومسلم الثبوت ١/٣٦٢.
[ ١٥٠ ]