أدخلت هذه المسألة في علم أصول الفقه استطرادًا، وذلك عند بحثهم في اللغات في الكلام عن العام (^١)، وعن نسبة الأسماء إلى المسميات (^٢).
فالبزدوي لما عرف العام بقوله: «كل لفظ ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنىً) قال: «ومعنى قولنا من الأسماء: المسميات هنا) (^٣) علق عبد العزيز البخاري بقوله: «تفسيرُ الأسماء بالمسميات مع أن الاسم والمسمى واحد عندنا، احترازٌ عن التسميات؛ لأن الاسم يذكر ويراد به التسمية كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] أي: التسميات، وقوله ﵇: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) (^٤).
والذي عليه جمهور أهل السنة أن الاسم للمسمى، ويفصلون إذا قيل لهم: أهو المسمى أم غيره؟، فيقولون: ليس هو نفس المسمى، ولكن يراد به المسمى (^٥)، فهو
_________________
(١) انظر: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (١/ ٩٥ - ٩٦).
(٢) انظر: البحر المحيط للزركشي (٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨).
(٣) أصول البزدوي -مع شرحه كشف الأسرار- (١/ ٩٥).
(٤) متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد، باب إن لله مائة اسم إلا واحدة رقم (٧٣٩٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الذكر والدعاء، باب في أسماء الله تعالى، برقم (٢٦٧٧).
(٥) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
[ ٦٩ ]
موضوع لإظهار المسمى (^١).
واستدلوا على قولهم: الاسم للمسمى، بأدلة منها: قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقوله: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وبقول النبي ﷺ: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) (^٢) وقول النبي ﷺ: (إن لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب) (^٣).
فكل تلك النصوص دالة على أن الاسم للمسمى، أي أنه موضوع له ليظهره ويدل عليه ويبينه.
ومن أهل السنة من قال: الاسم هو المسمى نفسه، وهؤلاء قالوه ردًا على المعتزلة القائلين بأن الاسم غير المسمى، وما كان غيره فهو مخلوق! ولا شك أنهم لا يريدون أن اللفظ المؤلف من الحرف هو نفس الشخص المسمى (^٤).
ولذا كان أهل العلم بعد ذلك إذا سألوا هل الاسم غير المسمى؟ فصَّلوا فقالوا: إذا أريد أن الأسماء -التي هي أقوال- ليست هي المسميات نفسها: فهذا حق لا ينازع فيه أحد (^٥)، (وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماءً، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى) (^٦) اه
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
(٢) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه.
(٣) متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ، برقم (٣٥٣٢)، وأخرجه مسلم (٤/ ١٨٢٨) -، كتاب الفضائل، باب في أسمائه ﷺ، برقم (٢٣٥٤).
(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ١٨٨)، البحر المحيط للزركشي (٢/ ٣٠٧).
(٥) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٢٠٣).
(٦) قاله ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية (ص ١٣١)، وانظر: ما سيأتي إن شاء الله (ص ١٥٤).
[ ٧٠ ]
وأما التسمية: فهي وضع الاسم للمُسمَّى (^١)، والله هو المسمي لنفسه كما قال الرسول ﷺ: (أسألك بكل اسم هو لك سمَّيْت به نفسك) (^٢).
وذهبت إلى أن أسماء الله غير الله، وما كان غيره فهو مخلوق (^٣)، لذا انكروا صفات الله ﷿ (^٤) ..
وللأشاعرة أقوال ثلاثة في المسألة:
الأول: أن الاسم هو المسمى نفسه (^٥).
والثاني: أن الأسماء ثلاثة أقسام: ما دل على الذات كالموجود، فالاسم هنا هو المسمى نفسه، والقسم الثاني: ما اشتق من صفات المعاني كالسميع والعليم، فالاسم هنا لا هو المسمى ولا هو غير المسمى، والقسم الثالث: ما اشتق من الأفعال كالخالق والرازق، فالاسم هنا غير المسمى (^٦)، وأصحاب هذين القولين
_________________
(١) انظر: القاموس المحيط (ص ١٦٧٢)، والمعجم الوسيط (١/ ٤٥٢) مادة [سمو].
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٣٩١)، (٥/ ٢٦٧)، (٦/ ١٥٣)، والحاكم في مستدركه (١/ ٦٩٠)، برقم (١٨٧٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٣٧): "رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن حبان"اه وقد حسنه الحافظ ابن حجر في تخريج الأذكار للنووي. انظر: ملخصه المطبوع مع الأذكار (١٦٦).
(٣) انظر: الرد على بشر المريسي للدارمي (١٠).
(٤) تنازع الناس في هذه المسألة بعد زمن الإمام أحمد ﵀ وقد كان الأئمة قبل ذلك يصرحون بالإنكار على الجهمية القائلين بأن أسماء الله مخلوقة ويقولون: الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره وما كان غيره فهو مخلوق!. انظر: الرد على بشر المريسي للدارمي (ص ١٠)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ١٨٥ - ١٨٦). وانظر: ما نقل عن الإمام الشافعي في أدب الشافعي ومناقبه (ص ٩٣)، والحلية (٩/ ١١٣)، والسنن الكبرى (١٠/ ٢٨)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/ ٢١١).
(٥) وهو المحكي عن أبي الحسن الأشعري: انظر شرح أسماء الله الحسنى للرازي (ص ٢١).
(٦) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ١١٨)، والمواقف للإيجي (ص ٣٤٣).
[ ٧١ ]
يزعمون أن الاسم يرد بمعنى التسمية كثيرًا (^١).
والقول الثالث: وهو للغزالي: واختاره الرازي: التفريق بين الاسم والمسمى والتسمية (^٢).
وأصحاب الأقوال الثلاثة متفقون على أن الأسماء -التي هي الأقوال- مخلوقة، لأنها من جملة الكلام - ولكن أصحاب القولين الأولين قالوا: إن الأسماء ترد بمعنى التسمية، حتى يتأتى لهم القول بخلقها، ولا يناقضوا أقوال أئمة السنة الصريحة في أن الأسماء غير مخلوقة. فهؤلاء إذا قالوا: الأسماء غير مخلوقة أرادوا المسمى، أي أن الله غير مخلوق! أما الأسماء - التي هي الأقوال- فيقولون إنها تسميات!
_________________
(١) انظر: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (ص ٨٧).
(٢) انظر المقصد الأسنى شرح الأسماء الحسنى للغزالي (ص ٢٩)، وشرح أسماء الله الحسنى للرازي (ص ٢١).
[ ٧٢ ]