تحقق لحوق الوعيد وحكم الخلف فيه
هذه المسألة تكلم الأصوليون عنها في ضمن بحثهم عن العموم، فحكوا عن الأشعري القول بالوقف في صيغ العموم.
قال الزركشي: «ومأخذ قول الوقف من أصله أن الأشعري لما تكلم مع المعتزلة في عمومات الوعيد الواردة في الكتاب والسنة، كقوله: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ونحوه، ومع المرجئة في عموم الوعد، نفى أن تكون هذه الصيغ موضوعة للعموم، وتوقف فيها، وتبعه جمهور أصحابه» (^١).
وقد نسب الوقف في عموم الأخبار للإمام أبي حنيفة، ولكن نفى الجصاص أن يكون مذهبه (^٢).
ونسب الوقف كذلك للإمام الشافعي، وليس بصحيح، قال أبو الحسين بن القطان: «شذت طائفة من أصحابنا فنسبت هذا القول للشافعي، لأشياء يتعلق بها كلامه، لأنه قال في مواضع من الآي: يحتمل الخصوص، ويحتمل العموم، ولم يرد الشافعي ما ذهبوا إليه، إنما احتمل عنده أن ترد دلالة تنقله عن ظاهره من العموم إلى الخصوص، لا أنه حقه الاحتمال» (^٣).
_________________
(١) البحر المحيط للزركشي (٤/ ٣٢)، وانظر: اللمع للأشعري ص (١٢٧ - ١٣١).
(٢) البحر المحيط للزركشي (٤/ ٢٩).
(٣) البحر المحيط للزركشي (٤/ ٢٩).
[ ٢٠ ]
والذي عليه سلف الأمة وجمهور المتأخرين العمل بالعموم، وأن التوقف فيه مذهب متأخر نشأ في القرن الرابع الهجري، ولم يأخذ به إلا قليل من أهل العلم (^١).
وسر المسألة أن الوعيدية احتجوا بآيات الوعيد المتعلقة بعصاة الموحدين، فأوجبوا لهم دخول النار قطعًا إن لم يتوبوا، وقد يبالغون أكثر من هذا فيحملون النصوص الواردة في شأن الكفار على العصاة الموحدين بدعوى العموم، كقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].
وقابل هؤلاء المرجئة، فحملوا كل ما ورد من بشارات لأهل الإيمان والتوحيد على كل من آمن ولو كان فاسقًا معه من السيئات ما يستوجب دخول النار، كقول الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩].
والتحقيق هو الجمع بين النصوص الواردة في الوعد والوعيد، وبيان ذلك:
(١) ما ذهب إليه المعتزلة من أن آيات الوعيد في العصاة على عمومها، قلنا: هي كذلك، لكن لا يقطع بها في حق الشخص المعين، لأن لحوق الوعيد مشروط بانتفاء موانع.
(٢) وأما القول بالتوقف في نصوص الوعد، بناء على احتجاج المرجئة بها على دخول أصحاب الكبائر الجنة بلا عذاب، فلا وجه له، لأنه قد ثبت بالأدلة المتواترة دخول بعض أهل الإيمان من أهل الذنوب النار وخروجهم منها، إما بالشفاعة، وإما بعد أن يكمل نقاؤهم بالعذاب، فيصيرون حممًا، فيخرجون إلى الجنة، وعندئذ فما ورد من الأدلة في دخول أهل الإيمان الجنة بلا عذاب، إنما هو في حق من كمل إيمانه، أو من شاء الله إدخاله الجنة بلا عذاب وإن كان
_________________
(١) الفصول في الأصول للجصاص (١/ ١٠٣ - ١٠٤)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٤٤١).
[ ٢١ ]
فعل ما يستوجب دخول النار، رحمةً منه وفضلًا وعفوًا.
ومن ههنا يعلم خطأ ما خاض فيه كثير من أهل العلم، من أن خلف الوعيد لا يعد كذبًا، وإنما هو كرم. لأنه لا يوجد خلف أصلًا، وإنما نصوص الوعيد وردت مقيدة، فوجب حمل المطلق على المقيد، فلا خلف ولا كذب.
[ ٢٢ ]