ذهب أهل السنة والجماعة إلى: أن الله متصف بالكلام، وأن نوع كلامه قديم، وهو يتكلم بما شاء متى شاء، وأن كلامه سبحانه بصوت يسمع، فقد كلَّم من أراد من رسله وملائكته، وسمعوا كلامه حقيقة، ولا يزال سبحانه يتكلم بقضائه وتسمعه ملائكته، وسيتكلم مع أهل الجنة ومع أهل النار يوم القيامة بما يناسبهم، فكلام الله سبحانه شامل للفظ والمعنى (^٢).
وحقيقة الكلام عندهم هي: أنه إذا أطلق شمل اللفظ والمعنى، وإذا أريد به اللفظ فقط أو المعنى فقط ذكرت معه قرينة تدل عليه كما في قول الرسول ﷺ: (إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به) (^٣)، فلم يسم حديث النفس كلامًا بإطلاق، وجعله معفوًا عنه حتى يتكلم به باللسان أو يُعمل به.
_________________
(١) انظر أقوال الناس في صفة الكلام في منهاج السنة النبوية (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٣)، ونقلها عن شيخ الإسلام: ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية (١٧٩ - ١٨٠)، وابن النجار في شرح الكوكب المنير (٢/ ١٠٠ - ١٠٣).
(٢) انظر على سبيل المثال - لا الحصر -: التوحيد لابن خزيمة (١/ ٣٤٦، ٣٥٩، ٣٦٥، ٣٦٨، ٣٨٦، ٣٩٩)، والتوحيد لابن منده (٣/ ١٢٩، ١٣٩، ١٤١، ١٤٦، ١٤٨، ١٥٠)، ومنهاج السنة النبوية (٢/ ٣٦٢)، وشرح الكوكب المنير (٢/ ٢٤، ١٠٣، ١٠٦).
(٣) متفق عليه أخرجه البخاري في مواضع منها: كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيًا، برقم (٦٦٦٤) ومسلم في كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب ما لم تستقر، برقم (١٢٧).
[ ٨١ ]
والأدلة على إثبات الكلام صفة لله تعالى كثيرة جدًا، منها:
قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. فنصَّ الله على خصوصية موسى ﵇ بتكليمه، وأكد ذلك بالمصدر ﴿تَكْلِيمًا﴾ وذلك ينفي احتمال المجاز كالإشارة والكتاب والإرسال، ولذلك قال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وجاء في السنة قول آدم ﵇ لموسى ﵇ في محاجتهما: (يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده …) (^١).
ويزيد ذلك توكيدًا لا يبقى للشك فيه مجال ما أخبر الله به من تكليمه لموسى ﵇ بقوله: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٣ - ١٤] فهذا كلام لا يجوز أن يقوله مخلوق لنفسه (^٢).
ودلت الآية على أن كلامه يسمع، والسمع للأصوات التي هي حروف فدل على أن كلام الله بحرف يسمع (^٣).
وكلامه ﷾ صفة له ليس بمخلوق، ومن أدلة أهل السنة والجماعة في الدلالة على ذلك على ذلك تفريقه ﷾ في كتابه العزيز بين الخلق والأمر كما قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فميز الله الأمر من الخلق (^٤).
ووردت الاستعاذة بكلمات الله، كما في قول الرسول ﷺ وهو يعوِّذ الحسن
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب القدر، باب تحاج آدم وموسى، برقم (٦٦١٤)، ومسلم في كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى ﵉، برقم (٢٦٥٢).
(٢) انظر: التوحيد لابن خزيمة (١/ ٣٣٢ - ٣٣٥)، ومنهاج السنة (٥/ ٤٢٤ - ٤٢٥).
(٣) انظر الحجة في بيان المحجة (١/ ٣٩٨)، والرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١٦١)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٥٣١).
(٤) انظر: خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٣٨)، والسنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٠٣، ١٣٩، ١٦٩).
[ ٨٢ ]
والحسين ﵄: (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة) (^١)، وقوله لرجل لدغته العقرب: (أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، لم تضرك) (^٢) إلى غير ذلك من الأدلة، ومعلوم أنه لا تجوز الاستعاذة بمخلوق مما لا تصلح إلا بالله، فدل ذلك على أن كلمات الله غير مخلوقة (^٣).
ومن الأدلة الدالة على تعلق كلام الله بمشيئته: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فقوله: ﴿كُنْ﴾ هو بعد إرادته لتكوين ذلك الشيء.
وذهبت الأشاعرة والماتريدية إلى أن كلام الله ﷿ نفسي، وهو صفة له أزلية، ولا يكون بحرف وصوت، ولا يتعلق بمشيئته، ويرى جمهورهم أنه معنى واحد، لا يتعدد، وأن الأمر والنهي والخبر صفات لذلك الكلام، وإنما يصير أمرًا ونهيًا وخبرًا عند حدوث التعلق.
ومنهم من قال: كله في الأزل خبر، ويرى قليل من هؤلاء أن الكلام منقسم في الأزل إلى أمر ونهي وخبر، وهو مع ذلك نفسي وواحد (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأنبياء، باب (١٠)، برقم (٣٣٧١).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب في التعوذ من سوء القضاء، برقم (٢٧٠٩).
(٣) انظر: جامع البيان للطبري (١١/ ٢٠/ ٢ - ٥)، وأضواء البيان (٧/ ٦١٨ - ٦٢١).
(٤) انظر: التمهيد للباقلاني (ص ٢٨٤)، والإنصاف له (ص ١٠٩)، والإرشاد للجويني (ص ١١)، وقواعد العقائد للغزالي (ص ٨٣). وانظر في كتب الأصول التقريب للباقلاني (١/ ٣١٧)، والبرهان للجويني (١/ ١٤٩)، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٠٠)، ١٠٣)، وشرح تنقيح الفصول (٤٠، ٦٩). وهذا الذي ذهب إليه هؤلاء لم يسبقوا إليه قط، وقد خرقوا الإجماع، فالناس قبلهم كانوا على قولين، قول السلف الذي تقدم بيانه، ثم قول المعتزلة المبتدع وهو أن كلام الله بحرف وصوت يسمع ولكنه مخلوق.
[ ٨٣ ]
وقد التزم الأشاعرة والماتريدية لأجل هذا القول لوازم سيئة، وأتوا بما لم يعقل، وتناقضوا كثيرًا، وآل قولهم إلى موافقة المعتزلة في خلق القرآن.
ولهم في حقيقة الكلام ثلاثة أقوال هي:
الأول: أن متعلق الكلام: المعنى فقط دون اللفظ، فهو حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ (^١).
الثاني: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى، فهو حقيقة فيهما (^٢).
الثالث: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى في كلام الآدميين، فكلاهما حقيقة فيه، ولكنه في كلام الباري حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ (^٣).
أما المعتزلة فقد تكلموا في القرآن خاصة، وهو نوع من أنواع كلام الله تعالى، وصرحوا بأنه مخلوق، فقال القاضي عبد الجبار: «وأما مذهبنا فهو أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه، وهو مخلوق محدث» (^٤).
ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:
المسألة الأولى: تعريف الحكم الشرعي بأنّه (خطاب الله) عند القائل بأن كلام الله يسمع؛ لأنّ ما يسمع يصح أن يُسمى خطابًا.
ونسب إلى الأشعري (^٥)، بأن المعنى القائم بالنفس يسمع، وقاله بعض
_________________
(١) انظر: المستصفى (١/ ٤١٣)، والوصول إلى الأصول (١/ ٦٥) وعزاه لبعض الأشاعرة مع أنه أليق بمذهبهم كلهم، وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٢/ ٤٥٦)، وشرح الكوكب المنير (١/ ١٢٢).
(٢) انظر: المصادر السابقة.
(٣) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية (١٢/ ٤٥٧)، واستظهرت أنه يقول به هؤلاء.
(٤) شرح الأصول الخمسة (ص ٥٢٨).
(٥) نسبه الزركشي له في سلاسل الذهب (ص ٩٤).
[ ٨٤ ]
الأشعرية (^١)، إلا أنهم نفوا أن يقال: (خطاب الله)؛ لأن الخطاب يستلزم مخاطِبًا ومخاطَبًا، وهذا يستلزم وجود مخاطَب قديم مع الله؛ لذا قالوا: (كلام الله)، أو مدلول أو مقتضى خطاب الله؛ لما سبق أن الكلام النفسي لا يخاطب به (^٢).
الثانية: لا يمنع أن تكون العلل والأسباب مؤثرة -بإذن الله-؛ لأنّ أحاد كلامه ﷾ حادث، ولا يمنع تعليل الحادث بالحادث. فكلامه صفة فعلية إرادية قائمة بذاته العلية، يتكلَّم متى شاء، وأفعاله سبحانه معلَّلة.
أما القائل بإثبات الكلام النفسي، فإن العلل الشرعية ليست مؤثرة، بل هي أمارات لا غير؛ لأنّها حادثة، والحكم قديم، ويستحيل عقلًا أن يؤثر الحادث في القديم، لكن لا يمنع أن يكون الحادث معرِّفًا للقديم (^٣).
والقول بأنها موجبة يلزم منه تعليل القديم؛ لأن معناه أن الحكم وجب بتلك العلة، أو يلزم منه القول بأن كلام الله محدث.
الثالثة: منع تفاضل كلام الله تعالى بعضه على بعض (^٤)، بناء على مأخذين يتعلقان بصفة الكلام: «أحدهما: أن صفات الرَّب لا يكون بعضها أفضل من بعض، وقد يعبِّرون عن ذلك بأن القديم لا يتفاضل، والثاني: أنه واحد، والواحد لا يتصور فيه تفاضل ولا تماثل، وهذا على قول من يقول إنه واحد بالعين» (^٥).
_________________
(١) كالقاضي في التقريب والإرشاد (١/ ٣٣٦)، والغزالي في الاقتصاد في الاعتقاد (ص ٣٧)، والسبكي في الابهاج (١/ ٤٣).
(٢) عبر الأشعرية (بخطاب الله)، ولهم توجيهات يرجع إليها في تخريج الأصول على الأصول (ص ٥٨).
(٣) انظر: المحصول (٥/ ١٢٧)، نفائس الأصول (١/ ٢٢٠)، البحر المحيط (٥/ ١١٢)، وشرح مختصر الروضة (١/ ٢٥٦)، والإبهاج (١/ ٤٧)، وتخريج الأصول على الأصول (ص ٧١٣).
(٤) الواضح (١/ ٢٥٤)، وانظر الفروع (٢/ ١٧٤) سلاسل الذهب (١٥٩ - ١٦٠)، وانظر: البرهان في علوم القرآن (١/ ٥٢٢).
(٥) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٦٢ - ١٦٣)، وانظر منه: (١٧/ ٥٢ - ٥٣).
[ ٨٥ ]
وذكر الزركشي أصل الخلاف في الكلام هل هو حقيقة في اللفظ أو في المعنى القائم بالنفس أو مشترك؟ وبيَّن عوده إلى أن الكلام صفة ذاتية أو فعلية، ثم قال: «ولعله أيضًا منشأ الخلاف في تفضيل بعض القرآن على بعض» (^١).
وعليه فإن قيل إن كلام الله صفة ذاتية فيكون الكلام واحدًا، فلا يعقل فيه تبعض، فضلًا عن أن يعقل فيه فاضل ومفضول، وإذا كان الكلام كذلك، فالقرآن كذلك؛ لأنه كلام الله (^٢).
وإن قيل إن الكلام صفة فعلية، فمعنى ذلك جواز تبعضه، وإذا جاز تبعضه، جاز كون بعضه أفضل من بعض، وإذا جاز فيه ذلك، جاز في القرآن؛ لأنه كلام الله.
وهذه المسألة من المسائل التي ذكرها بعض الأصوليين (^٣) وليست هي من صميم أصول الفقه، ولهذا لم يعقد لها كثير من الأصوليين بحثًا مستقلًا، وإنما أشار إليها بعضهم عند حديثهم عن مسائل أخرى، خاصة في باب النسخ.
الرابعة: ترجمة القرآن ليست قرآنًا؛ لأن القرآن هو هذا النظم المعجز، وبالترجمة يزول الإعجاز فلم يجز (^٤)، إذ القرآن هو اللفظ والمعنى (^٥) «فإذا غُيِّر خرج عن نظمه، فلم يكن قرآنًا ولا مثله، وإنما يكون تفسيرًا له» (^٦).
_________________
(١) سلاسل الذهب (١٥٩ - ١٦٠)، وانظر: البرهان في علوم القرآن (١/ ٥٢٢).
(٢) انظر: إكمال المعلم (٣/ ١٧٨)، الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٠٩)، مجموع الفتاوى (١٧/ ٥٢ - ٥٣).
(٣) انظر: شرح الكوكب (٢/ ١١٨).
(٤) المجموع (٣/ ٣٤١).
(٥) وردت هذه المسألة عند الأصوليين استطرادًا وجوابًا على ما نقل عن أبي حنيفة في التعليل بجواز الصلاة بالقراءة بغير العربية. انظر: كشف الأسرار (١/ ٧٤)، التقرير والتحبير (٢/ ٢١٣ - ٢١٤)، شرح منار الأنوار لابن ملك (٩)، فواتح الرحموت (٢/ ٨).
(٦) المغني (٢/ ١٥٨).
[ ٨٦ ]
وعليه من قال: إن القرآن يطلق على اللفظ، أو اللفظ والمعنى، فإن اللفظ حينئذ يكون مقصودًا لكونه معجزًا، أو لكونه من حقيقة الكلام، فعلى هذا لا تجوز الترجمة؛ لأنها نقل للفظ، وتغيير له.
ومن قال: إن القرآن يطلق على المعنى فقط - وهو الصفة القائمة بالله تعالى- فإنه بأي لفظ تأدى به ذلك المعنى صح ذلك، فالعربية إنما أصبحت قرآنًا لكونها ألفاظًا أدت معنى الكلام النفسي، فكذلك كل لغة أدت المراد تكون قرآنًا (^١).
الخامسة: تعريف النسخ بأنه بيان وليس رفعًا لكون خطاب الله قديمًا (^٢)، والقديم لا يصح رفعه (^٣).
ونوقش: بأن القائلين بالرفع لا يرون أن الحكم وهو الخطاب نفسه هو المرفوع، وإنما المرفوع هو مقتضى الخطاب، أو تعلق الخطاب بالمكلف لا الخطاب نفسه، والحكم يزول تعلقه بالخطاب لطريان العجز والجنون، ويعود بعود القدرة والعقل، والخطاب في نفسه لا يتغير (^٤).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع (١/ ١١٣).
(٢) ومرادهم بكونه قديمًا أنه قديم بعينه، وأن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يريدون بالقديم أنه متقدم على غيره، فإن هذا لا ينازعهم فيه المعتزلة، ولا غيرهم ممن يقول بأن كلام الله يحدثه في غيره. انظر: مقالات الإسلاميين (٢/ ٢٠١)، مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧١)، المواقف (٢٩٤).
(٣) انظر: المحصول (٣/ ٢٩٠)، البحر المحيط (٤/ ٦٥)، وانظر: تشنيف المسامع (٢/ ٨٥٩) روضة الناظر (١/ ٢٨٦)، شرح مختصر الروضة (٢٠/ ٢٦١ - ٢٦٢)، شرح العضد (٢/ ١٨٧)، التحبير (٦/ ٢٨٧٩) حاشية البناني (٢/ ١١٣ - ١١٤).
(٤) انظر: المستصفى (١/ ١٠٩)، روضة الناظر (٢/ ٢٨٨)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٦٣)، شرح العضد (٢/ ١٨٧)، رفع الحاجب (٤/ ٣٣)، التحبير (٦/ ٢٩٧٩).
[ ٨٧ ]
السادسة: عدم نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل؛ لأن كلام الله قديم، والقديم لا يتجزأ ولا يتبعَّض.
وبيانه: أن حقيقة النسخ قبل التمكن أمر ونهي في وقت واحد، وإذا كان الكلام لا يتجزأ فكيف يكون أمرًا ونهيًا لشيء واحد معًا (^١).
ونوقش: بأن كلام الله واحد قديم، وهو متعدد باعتبار الإضافات، ولذا يتصور الامتحان به إذا سمعه المكلف في وقتين، وقد اشترطنا التراخي في النسخ، ولم يجز سمعهما في وقت واحد، فأما جبريل فيجوز أن يسمعهما في وقت واحد، ويؤمر بتبليغ الأمة في وقتين لكونه غير داخل تحت التكليف (^٢).
السابعة: من قال: إن كلام الله حقيقة في اللفظ والمعنى، ذهب إلى أن للأمر صيغة تدلّ عليه بمجردها.
ومن قال: إنّ كلام الله حقيقة في المعنى، قال: بأنّه ليس للأمر صيغة تدل عليه بمجردها، وأن المراد لا يتبين إلا بالقرائن الدالة على المقصود منه.
وما قيل: في الأمر يقال في صيغة النهي والعموم (^٣).
قال الجويني في البرهان: «اختلف الأصوليون في صيغة العموم، اختلافهم في صيغة الأمر والنّهي» (^٤).
_________________
(١) انظر: المستصفى (١/ ١١٤)، الإحكام (٣/ ١٣٢)، التنقيحات (١٧٠)، روضة الناظر (١/ ٣٠٤).
(٢) انظر: التلخيص (٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩).
(٣) انظر: روضة الناظر (٢/ ٥٩٥)،، سلاسل الذهب (٢٠١)، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي (ص ٣٣٨)، المسائل المشتركة (ص ١١٣)، أسباب الخلاف للسهلي (ص ٣٧٩ - ٣٨٠) و(ص ٤٩٠ - ٤٩١).
(٤) البرهان (١/ ٢٢١).
[ ٨٨ ]
الثامنة: مقتضى صيغة الأمر المطلق عن القرائن الوجوب أو الندب، عند من قال: إن الأمر حقيقة في اللفظ والمعنى (^١).
ومن ذهب إلى أنّه حقيقة في المعنى فقط، قال: بالتوقف حتى يرد ما يدل على المراد. ومثله: اقتضاء النهي المجرد عن القرائن التحريم (^٢).
التاسعة: الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده، لكن يستلزمه عند من يقول بأن الكلام صفة ذاتية فعلية، يتكلم متى شاء بصوت وحرف، يسمع قديم النوع، متجدد الأحاد.
وأمّا القائل بأن كلام نفسي، لا يتعدد، ولا يتجدد، وليس بحرف ولا صوت، وغير مسموع، وهو من صفاته الذاتية، فعنده الأمر بالشيء، هو عين النهي عن ضده.
ومن اعتقد أنّ كلامه سبحانه ليس من صفاته، بل هو من مخلوقاته، مسموع بصوت، فقد ذهب إلى أنّ الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، لا من حيث الصفة أو المعنى (^٣).
ومثله النهي عن الشيء هل هو أمر بضده أو لا؟ (^٤).
العاشرة: حمل المطلق على المقيد على الخلاف في أن كلام الله تعالى المنزل على رسوله ﷺ متحد أو غير متحد؟
_________________
(١) انظر: إيضاح المحصول (٢٠٠)، أسباب الخلاف للسهلي (ص ٣٨٩).
(٢) انظر: أسباب الخلاف للسهلي (ص ٥١١).
(٣) المستصفى (١/ ٢٧٠)، شرح تنقيح الفصول (ص ١٢٨) البحر المحيط (٢/ ٤١٦) أسباب الخلاف للسهلي (ص ٤٧٣ - ٤٧٤).
(٤) أسباب الخلاف للسهلي (ص ٥٥٤).
[ ٨٩ ]
وبيانه كما يقول الزركشي في سلاسل الذهب (^١): «والخلاف يلتفت على أن كلام الله المنزل على رسوله ﷺ أي: اللفظي عندنا ليس بمتحد، وهو عندهم متحد، وأنّ القرآن كالكلمة المتحدة، فالمذكور بقيدٍ في موضع، مقيد بذلك القيد فيما لا ذكر لذلك القيد منه» (^٢).
_________________
(١) سلاسل الذهب (ص ٢٨١).
(٢) أسباب الخلاف للسهلي (ص ١٠٠٥) والوصول لابن برهان (١/ ٢٨٨).
[ ٩٠ ]