وردت مسألة أسماء الله توقيفية، وجواز الإخبار عنها في علم أصول الفقه (^١) في مواضع، ورودًا استطراديًا، وقد يحيلوها إلى كتب الكلام (^٢)، ومن تلك المواضع:
(١) الكلام عن حكم القياس في اللغة (^٣).
(٢) وفي المجاز، وهل يطلق على الله أنه متجوز؟ (^٤).
(٣) وفي تعريف العلم، فهل يطلق على علم الله أنه معرفة؟ (^٥).
(٤) وهل يطلق على الله أنه دليل (^٦)؟، وهل هو شيء (^٧)؟ وهل يطلق عليه أنه قديم (^٨) أو فرد أو فذ؟ (^٩).
_________________
(١) انظر: شرح الكوكب المنير (١/ ٢٨٧ - ٢٩٠) وأدخلها الزركشي معنونًا لها بفائدة: أسماء الله الحسنى توقيفية في البحر المحيط في أصول الفقه (٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩).
(٢) مثل الأسنوي في نهاية السول (١/ ٩) حيث أشار إلى أبكار الأفكار للآمدي.
(٣) انظر المحصول للرازي (١/ ٣٤٧)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٢٨٧).
(٤) انظر: المحصول للرازي (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤) وكشف الأسرار (٢/ ٨٢).
(٥) انظر: البحر المحيط للزركشي (١/ ٧٨)، ونهاية السول (١/ ٩) وشرح الكوكب المنير (١/ ٦٥ - ٦٦).
(٦) انظر: الفقيه والمتفقه (٢/ ٢٣) وشرح اللمع (١/ ٩٧) والمحصول للرازي (٦/ ١٨١ - ١٨٢) والبحر المحيط للزركشي (١/ ٥٠)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٥١).
(٧) انظر: البحر المحيط للزركشي (٤/ ٣٣٢).
(٨) انظر الإحكام للآمدي (٢/ ٣١٤).
(٩) انظر الإحكام لابن حزم (١/ ٥٢١ - ٥٢٢).
[ ٧٣ ]
والعلماء متفقون على جواز إطلاق ما ورد به الشرع من الأسماء على الله، كما اتفقوا على منع ما منع منه الشرع، وما دل على نقص أو عيب، وأما الذي وقع فيه الخلاف فهو فيما لم يرد به إذن من الشرع ولا منع ولا يتضمن نقصًا ولا عيبًا (^١).
والذي عليه أهل السنة والجماعة وأكثر المتكلمين أن التسمية متوقفة على إذن الشرع، فلا يجوز أن يُسمى الله باسم، إلا إذا ورد ذلك الاسم في الكتاب أو السنة (^٢).
واستدل أهل السنة بأن الله ﷿ أعلم بنفسه، ونحن لا يمكننا أن نراه في الدنيا، بل ولا نحيط به علمًا مطلقًا، فهذا يدل على أنه لا يمكننا إدراك كل ما يستحقه من الوصف دون خبر.
وجمهور أهل العلم القائلين بأن الأسماء الحسنى على التوقيف ذكروا أنها تثبت بالقرآن، والسنة الصحيحة -سواء كانت متواترة أو آحادًا- وبالإجماع، ومنعوا استعمال القياس لإثباتها (^٣).
وحكى بعض أهل العلم عن المعتزلة والكرامية (^٤) والقاضي أبي بكر الباقلاني (^٥) جواز إطلاق الأسماء على الله وإن لم يرد بها توقيف إن لم تتضمن
_________________
(١) انظر: المقصد الأسنى للغزالي (ص ١٧٣)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٢٨٩)، ولوامع الأنوار (١/ ١٢٤).
(٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ١٤١ - ١٤٣)، وتحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (٨٩).
(٣) انظر: البحر المحيط للزركشي (٦/ ١٣٣).
(٤) هم أتباع محمد بن كرام السجستاني (ت ٢٥٥ هـ)، يعدون من مثبتة الصفات مع شيء من المبالغة تصل إلى حد التشبيه، ووافقوا على إثبات الحكمة لله وتحسين العقل وتقبيحه، لكن إلى درجة القول بوجوب معرفة الله بالعقل! وعدادهم في المرجئة لقولهم بأن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب. انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٢٣)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٠٨).
(٥) ولكن ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٢٢٦) يرى أن مذهب الباقلاني كمذهب الغزالي.
[ ٧٤ ]
وصفًا ممنوعًا (^١).
وحكى بعض أهل العلم قولًا ثالثًا: وهو المنع من التسمية إلا بالشرع، والجواز في الوصف بما هو حق وصدق، وقد قال به الغزالي واختاره الرازي (^٢).
ولكن يبدو أن هذا القول يرجع إلى الأول، إذ الجميع قد اتفقوا على توقف التسمية على إذن الشرع، وأجازوا ما كان على سبيل الإخبار.
وقد توقف إمام الحرمين الجويني في هذه المسألة (^٣).
كما أن الإخبار عن الله بما لا يتضمن نقصًا جائز، ويظهر أنه محل اتفاق بين أهل العلم؛ أما الذين لا يشترطون التوقيف في الأسماء الحسنى، فظاهرٌ تجويزُهم للإخبار من باب أولى، والذين اشترطوا التوقيف، الملاحظ عنهم الإخبار عن الله بالموجود والقائم بنفسه وواجب الوجود والقديم … إلخ ولذلك فقد لا يوجد خلاف في هذه المسألة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ويُفرَّق بين دعائه والإخبار عنه، فلا يُدعى إلا بالأسماء الحسنى» (^٤).
فباب التسمية توقيفي، وأما الإخبار فلا يشترط فيه التوقيف، ولكن تشترط فيه أمور لا بد منها، منها:
_________________
(١) انظر: المقصد الأسنى (ص ١٧٣)، وشرح أسماء الله الحسنى للرازي (٤٠) وشرح المقاصد (٤/ ٣٤٤ - ٣٤٥).
(٢) انظر المقصد الأسنى (ص ١٧٣) وشرح أسما ء الله الحسنى للرازي (ص ٤٠).
(٣) انظر: الإرشاد للجويني (ص ١٣٦ - ١٣٧) وتوقف إمام الحرمين هذا قل من يشير إليه، إذ أكثرهم يحكي الأقوال المتقدمة فقط، ولكن هو نفسه صرح بتوقفه، وممن أشار إلى توقفه السفاريني في لوامع الأنوار (١/ ١٢٤).
(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ١٤٢).
[ ٧٥ ]
(١) أن يكون مدلول الاسم ثابتًا، -وهو المعنى- فيذكر ذلك الاسم لإثبات ذلك المعنى الحق الذي ينفيه من ينفيه، مثل: القديم، وواجب الوجود، والذات .. إلخ (^١).
(٢) أن يكون الاسم المخبر به، ذكر لنفي ما تنزه الله ﷿ عنه من العيوب والنقائص، مثل: بائن من خلقه، فقد تكلم بهذا الأئمة ردًا على من أثبت الحلول والوحدة والاتحاد لله بخلقه -تعالى الله عن ذلك-.
(٣) أن يكون الاسم المُخبر به ذُكر لإثبات معنى يستحقه ﷾، لكن لا يستعمل إلا مقرونًا مع غيره ليفيد الحسن التام، مثل: الضار النافع (^٢).
وفيما يأتي الأسماء المخبر بها عن الله، الواردة في كتب أصول الفقه:
(١) الدليل:
وهذا الاسم لم يرد في أسماء الله الحسنى قط، ولكن إذا أضيف إلى معنى حسن فدل على صفة فعل لله تعالى، جاز استخدامه (^٣).
فدليل على وزن فعيل بمعنى فاعل، ولذلك حسن أيضًا الإخبار عن الله أنه الدال لخلقه على طريق الخير.
وصح عن الإمام أحمد أنه قال: «أصول الإيمان ثلاثة: دال، ودليل، ومستدل؛
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٤/ ١٤٠).
(٢) ذكرهما ابن القيم في بدائع الفوائد (١/ ١٦٧) اسمين لله، وكذا الغزالي في المقصد الأسنى (ص ١٤٥). والرازي في شرحه لأسماء الله الحسنى (ص ٣٤٥) ولكن يظهر أنهما من الأخبار لا الأسماء.
(٣) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاويه (٢٢/ ٤٨٤) وانظر المسائل والرسائل المنقولة عن الإمام أحمد في العقيدة (١/ ٢٧٥).
[ ٧٦ ]
فالدال الله ﷿، والدليل القرآن، والمستدل: المؤمن، فمن طعن على الله وعلى كتابه وعلى رسوله فقد كفر» (^١).
(٢) عارف- والمعرفة:
ولا شك أن (عارف) لم يرد في الأسماء الحسنى، ولكن هل يخبر عن الله أنه عارف وأنه ذو معرفة؟.
ذكر أهل العلم أن المعرفة: اسم لعلم تقدمته غفلة (^٢)، ولذلك لا يصح أن يقال لله: عارف، بل حكى بعض أهل العلم الإجماع على ذلك المنع (^٣).
ولكن وردت لفظة المعرفة في حديث وهو: (تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) (^٤)،
وهذه المعرفة إذا قصد بها التوفيق والهداية في الإنجاء للعبد مجازاة لمعرفته الخاصة بالله، فهذا المعنى صحيح، وإذا أطلقها الإنسان على علم الله العام، فقد يوهم نقصًا، فالأحوط ترك الإطلاق، ولزم التقييد كما جاء في النص دون الزيادة. والله أعلم.
_________________
(١) رواه عنه الخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ٢٣).
(٢) انظر شرح أسماء الله الحسنى (ص ٤١) ونهاية السول للأسنوي (١/ ٩) وانظر بدائع الفوائد (٢/ ٥٥) ففيه تحقيق جيد طويل.
(٣) انظر: شرح الكوكب المنير (١/ ٦٦)، والبحر المحيط للزركشي (١/ ٧٨).
(٤) هذا جزء من حديث وصية النبي ﷺ لابن عباس وأولها: "يا غلام إني أعلمك كلمات .. " وأصح طرقه كما قال ابن رجب عن ابن منده: «وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي كذا قال ابن منده وغيره"، جامع العلوم والحكم (١/ ٤٦١)، لكن هذه اللفظة ليست عند الترمذي برقم (٢٥١٦) وإنما عند أحمد في مسنده (١/ ٣٠٧)، ولا عند أبي يعلى في مسنده (٤/ ٤٣٠)، برقم (٢٥٥٦) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقد صحح الشيخ أحمد شاكر هذه الرواية في المسند (٤/ ٢٨٦ - ٢٨٨)، برقم (٢٨٠٤).
[ ٧٧ ]
(٣) شيء:
وهذا الاسم لم يرد في أسماء الله الحسنى قط، ولكن إذا أطلقت من قبيل الإخبار جاز، ولذلك قال البخاري في صحيحه (^١): «باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]، فسمى الله -تعالى- نفسه شيئًا، وسمى النبي ﷺ القرآن شيئًا - وهو صفة من صفات الله، وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]». إه.
والحديث الذي يدل على إطلاق الشيء على صفة الله، فهو ما أخرجه البخاري في الباب نفسه، وهو قول الرسول ﷺ لرجل: (أمعك من القرآن شيء؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسور سماها) (^٢) اه.
(٤) الفرد والفذ:
لم يرد إذن من الشرع في تسمية الله بهما، أما إذا قصد الإخبار بهما عن الله، فصحيح لصحة معناهما.
قال الأزهري: «والله هو الفرد، قد تفرد بالأمر دون خلقه» (^٣). ونقل الأزهري نفسه أن الفذ بمعنى الفرد (^٤).
(٥) القديم:
قال الآمدي في تقسيم العلم: «وهو منقسم إلى قديم لا أول لوجوده ..»، وعلق الشيخ عبد الرزاق عفيفي عليه بقوله: «وصف علم الله أو غيره من صفاته بالقدم،
_________________
(١) صحيح البخاري (٤/ ٣٨٧) من كتاب التوحيد، وبعده حديث رقم (٧٤١٧) الآتي.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾، برقم (٧٤١٧).
(٣) تهذيب اللغة (١٤/ ٩٩).
(٤) انظر المصدر نفسه (١٤/ ٤١٢).
[ ٧٨ ]
لم يرد في نصوص الشرع، وهو يوهم نقصًا» (^١).
وإيهام النقص هذا قاله تعليقًا على كلام الآمدي: «لاستحالة خلق القديم) فقال الشيخ: «أسماء الله وصفاته توقيفية ولم يرد في كتابه سبحانه ولا في سنة رسوله ﷺ تسميته بالقديم ولا إضافة القديم إليه أو إلى صفة من صفاته سبحانه، فيجب ألا يسمى سبحانه بذلك وألا يضاف إليه، وخاصة أن القدم يطلق على ما يذم كالبلى وطول الزمن وامتداده في الماضي، وإن كان لمن اتصف به ابتداء في الوجود) (^٢) اه.
وما ذكره الشيخ عبد الرزاق لا شك أنه لم يرد في أسماء الله الحسنى لفظ (القديم)، ولذلك لا يجوز أن يعد في أسماء الله -جل وعلا-.
وأما الإخبار بالقدم عن الله وصفاته فلا ينبغي إنكاره ما دام أن المُخبِر عنه قد أراد به معنىً صحيحًا (^٣)، خاصة وأنه قد جاء وصف ملك الله بالقدم في السنة وهو: عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم …) (^٤).
والاسم الذي يغني عن القديم هو الأول، إذ هو الوارد في القرآن، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وفسر
_________________
(١) انظر الإحكام للآمدي (١/ ١٢) وهامش (١) تعليق الشيخ عفيفي.
(٢) انظر الإحكام للآمدي (٢/ ٣١٤)، وتعليق الشيخ عفيفي عليه في هامش (١).
(٣) انظر شرح أسماء الله الحسنى للرازي (ص ٣٥٨ - ٣٥٩). وتحفة المريدشرح جوهرة التوحيد (١٧ - ١٨).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل عند دخوله المسجد برقم (٤٦٦). وقال النووي في الأذكار (ص ٤٦)،: "حديث حسن" وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ٨٦٠)، برقم (٤٧١٥).
[ ٧٩ ]
رسول الله ﷺ هذا الاسم وبينه بيانًا شافيًا بقوله: (أنت الأول فليس قبلك شيء) (^١) الحديث، فوجب ترك تسمية الله بالقديم، ويجب الاكتفاء بما ورد به الشرع وهو اسمه (الأول).
(٦) المُتَجَوِّز:
قال الرازي ذاكرًا أدلة من منع المجاز في كلام الله: «لو خاطب الله بالمجاز، لجاز وصفه بأنه متجوِّز ومستعير» (^٢).
ثم أجاب -لأنه من القائلين بإثبات المجاز مطلقًا - بقوله: «إن أسامي الله تعالى توقيفية، وبتقدير كونها اصطلاحية (^٣) لكن لفظ المتجوز يوهم كونه تعالى فاعلًا ما لا ينبغي فعله، وهو في حق الله تعالى محال» (^٤) اه.
وهذه الإجابة صحيحة بخصوص منع وصف الله بالمتجوِّز والمستعير.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع برقم (٢٧١٣).
(٢) المحصول للرازي (١/ ٣٣٣).
(٣) هذا من قبيل التنزل في المناظرة وإلا فالصحيح أنها توقيفية، ولو قال: وبتقدير كون الكلمة خبرًا … إلخ، لكان خيرًا من تعبيره بالاصطلاحية.
(٤) المحصول للرازي (١/ ٣٣٤).
[ ٨٠ ]