التحسين والتقبيح العقليان
ذهب أهل السنة والجماعة: إلى أن الأفعال منشأ للمصلحة والمفسدة، إما لذاتها، وإما لاعتبارات، وإما لوصفها، وقد يستقل العقل بدرك بعض تلك الصفات، أي يعلم حسنها وقبحها، كحسن الإيمان بالله والعدل والصدق، وكقبح الكفر والظلم، وقد لا يستقل بذلك، ولا يعرفه مفصلًا في كل فعل بعينه إلا بخطاب الشرع، وما يعلم العقل حسنه أو قبحه لا يترتب على تركه أو فعله عقاب حتى يرد بذلك الشرع.
وعبَّر الزركشي الأشعري عن هذا المذهب بأنه: «المنصور لقوته من حيث النظر وآيات القرآن المجيد وسلامته من التناقض، وإليه إشارات متأخري الأصوليين والكلاميين فليتفطن له» (^١).
ومن الأدلة الصحيحة التي يمكن التعويل عليها في إثبات الحسن والقبح العقليين: دليل الفطرة (^٢) - أو ما يعبِّر عنه بعضهم: أن ذلك معلوم بالضرورة، وما كان كذلك فلا يحتاج إلى بحثه وتقريره بالأدلة (^٣).
ولو تتبعنا نصوص الشرع لوجدنا الدلالة على أن هذا مركوز في الفطرة،
_________________
(١) البحر المحيط للزركشي (١/ ١٩١)، وانظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، (٣/ ٢٠ - ٢٣)، وإيثار الحق على الخلق (ص ٣٤٣).
(٢) انظر: إيثار الحق على الخلق (ص ٣٤٣).
(٣) انظر: الكاشف عن المحصول للأصفهاني (٢/ ٢٩٣) -القسم الثاني-.
[ ٢٣ ]
ومن ذلك:
قوله الله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨].
فالفاحشة هنا هي طواف المشركين عراة بالبيت رجالا ونساء، فبين الله أنه لا يأمر به لقبحه، فلو كان القبيح هو المقول فيه لا تفعل - كما تقول الأشاعرة - لكان معنى الآية: إن الله لا يأمر بما ينهى عنه، وهذا يصان عنه كلام الباري لعدم فائدته، ثم بين الله أنه لا يأمر إلا بما هو حسن (^١) فقال سبحانه: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فوصف الله بعض رزقه بأنه طيب، وأن هذا الوصف يقتضي عدم تحريمه، فدل على ثبوت وصف للفعل هو منشأ للمصلحة مانع من التحريم، وهذا هو التحسين العقلي عينه (^٢).
ثمَّ إن المولى ﷾ ضرب أمثلة عقلية كثيرة دالة على حسن التوحيد ومدح فاعله، وعلى قبح الشرك وذمه وذم فاعله، والأدلة فيه كثيرة.
كقوله تعالى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [: يس: ٢٣ - ٢٤] فلم يحتج الله عليهم بمجرد الأمر، بل احتج عليهم بالعقل ومقتضى الفطرة، لأن من لا يملك دفع ضر عن نفسه فأولى أن لا يقدر على دفعه عن غيره، فكانت عبادته من كان ناقصًا
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين (١/ ٢٤٩)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٣٣٥).
(٢) انظر: مدارج السالكين (١/ ٢٤٩).
[ ٢٤ ]
ضلالًا مبينًا (^١).
أما المعتزلة فقد اتفقت على ثبوت الحسن والقبح للأفعال بالعقل، وترتب الثواب والعقاب على ذلك، ثم ينقل خلاف بينهم بعد ذلك في جهة حسن الفعل أو قبحه هل هو لذاته كحسن الصدق أو قبح الكذب، أم هل هو لصفة الفعل، كقبح الصدق الضار، وحسن الكذب النافع، كالكذب لإنجاء نبي مثلًا، فالكذب هنا نافع فيكون حسنًا لهذه الصفة، ويكون الصدق قبيحًا في هذه الحالة لضرره، أم هل هو لاعتبارات، كضرب اليتيم مثلًا، فإنه باعتبار التأديب حسن، وباعتبار الظلم قبيح.
ثم هؤلاء التزموا التسوية في الأحكام شاهدًا وغائبًا، فزعموا أن ما يحسن من العبد يحسن من الله، وما يقبح منه يقبح منه، فوضعوا لله شريعة بعقولهم، فأوجبوا عليه أشياء لم يوجبها على نفسه، وحرموا عليه أشياء لم يحرمها على نفسه (^٢).
ومنعت الأشاعرة تحسين العقل وتقبيحه، وجَوَّزُوا على الرب تعالى كل شيء ممكن، وزعموا أن القبيح في أفعال الله ما كان ممتنعًا كالجمع بين النقيضين ونحوه، ثم هم اتفقوا على أن ترتب الثواب والعقاب على الشرع وحده.
والمعروف عن المتقدمين منهم منع تحسين العقل وتقبيحه مطلقًا، وأن الحسن هو المأمور به شرعًا، والقبيح هو المنهي عنه شرعًا -ونحو هذه العبارات (^٣) - وأنه ليس للفعل صفات تقتضي أن يكون جائزًا أو ممنوعًا، فلا فرق في الأصل بين الكفر والإيمان، ولا بين الزنا والعفاف، ولا بين الصدق والكذب، ونحو ذلك.
_________________
(١) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٣٣).
(٢) انظر: البرهان (١/ ٨٠)، مفتاح دار السعادة (٢/ ٥٤١ - ٥٤٣).
(٣) انظر: البرهان للجويني (١/ ٧٩).
[ ٢٥ ]
أما المتأخرون فذكروا أن للحسن والقبح إطلاقات ثلاثة:
الإطلاق الأول: على معنى ملاءمة الشيء للطبع أو منافرته.
والإطلاق الثاني: على معنى كون الشيء صفة كمال كالعلم والصدق، أو صفة نقص كالجهل والظلم.
والإطلاق الثالث: على معنى أن الفعل متعلَّق الذم عاجلا وعقابه آجلًا، أو المدح عاجلًا، والثواب آجلًا.
وذكروا أنه لا خلاف في أن الإطلاقين الأولين عقليان، وأما الثالث فهو محل النزاع (^١).
وخلاصة ما سبق أنَّ المعتزلة ذهبت في تعريف الحسن والقبح إلى أنَّ الحسن: ما لفاعله أن يفعله، والقبيح: ما ليس لفاعله أن يفعله، وهم يجعلون حسنه وقبحه ناشئ عن نفس الفعل.
وذهبت الأشعرية إلى أنَّ الحسن: ما ورد الشرع بتعظيم فاعله، والثناء عليه، والقبيح يقابله. وجعلوا منشأ الحسن والقبح هو الأمر والنهي لا غير.
وذهب أهل السنة والجماعة إلى أن منشأ الحسن والقبح مجموع الأمرين: الأوامر والنواهي، وكذا الأفعال، وتعريفهم موافق لتعريف الأشاعرة، فالحسن: ما أُمر به شرعًا، والقبيح: ما نُهي عنه شرعًا. وهذا لا يعني عدم وجود الصفات المتعلقة بالأفعال حقيقة (^٢).
_________________
(١) انظر: المستصفى (١/ ٥٦)، والمحصول (١/ ١٢٣ - ١٢٤)، والإحكام للآمدي (١/ ٧٩ - ٨٠)، والكاشف عن المحصول (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣) القسم الثاني، وشرح العضد (١/ ٢٠٠).
(٢) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ١٨٩ - ١٩١)، وشرح مختصر الروضة (١/ ٤٠٤)، الإبهاج (١/ ٦٢)، البحر المحيط (١/ ١٦٩)، مجموع الفتاوى (١٤/ ١٤٦)، (١٧/ ١٩٨)، شرح الكوكب (١/ ٣٠٦).
[ ٢٦ ]
ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل (^١):