ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الإرادة نوعان: إحداهما الإرادة الدينية الشرعية، والأخرى الإرادة الكونية القدرية.
أما الإرادة الكونية القدرية فهي بمعنى المشيئة التي تستلزم وقوع المراد، فهي إرادة الخلق، أي أن يريد ما يفعله هو ﷾، ولذلك كان المراد متحتم الوقوع، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وهي متضمنة لما وقع دون ما لم يقع (^١).
وأما الإرادة الشرعية الدينية، فهي متعلقة بالأمر، بمعنى: أن يريد الله من العبد فعل ما أمره به، وعليه فإن المأمور به يكون مرادًا لله إرادة شرعية دينية، وبه يتبين أن الإرادة الشرعية متضمنة لمحبة الله لما أمر به ورضاه، وهي لا تستلزم وقوع المراد، فقد يقع وقد لا يقع (^٢)، كوقوع الكفر والمعاصي من العباد، والله لا يريدها شرعًا (^٣).
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية (٣/ ١٥٦)، (٥/ ٤١٢)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ١٨٨)، والموافقات للشاطبي (٣/ ٣٧٠)، وشفاء العليل (٨٨ - ٨٩، ٤٦٥)، والبحر المحيط للزركشي (٣/ ٢٦٨)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٣٢١).
(٢) سيأتي إن شاء الله بيان الأقسام الأربعة في المرادات (ص ٥٢٦).
(٣) انظر: منهاج السنة النبوية (٥/ ٤١٢)، (٣/ ١٥٦)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ١٨٨)، وشفاء العليل (٨٨ - ٨٩، ٤٦٥)، والموافقات للشاطبي (٣/ ٣٧٠ - ٣٧١)، والبحر المحيط للزركشي (٣/ ٢٦٨)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٣٢١).
[ ٩١ ]
ومن الأدلة الدالة على الإرادة الخلقية الكونية القدرية (^١)، كقول الله تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: ٣٤]، فإرادة الله أن يغويهم هي إرادة كونية قدرية يتحتم وقوع المراد بها، ولذا لم ينفعهم نصح نوح ﵇. والأدلة في هذا النوع كثيرة جدًا.
ومن الأدلة الدالة على الإرادة الدينية الشرعية (^٢) قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فلو كانت هذه الإرادة كونية قدرية لما حصل العسر لأحد من الناس.
وذهبت المعتزلة إلى: إنه يشترط للأمر إرادة الآمر من المأمور امتثال المأمور به، وربما قال بعضهم إن الأمر هو إرادة المأمور به.
وقالت الأشاعرة: إن الأمر لا يستلزم إرادة المأمور به، وبنوا على هذا أن الطاعة موافقة الأمر لا الإرادة.
ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:
المسألة الأولى: نفت الأشاعرة الحسن والقبح العقليين، وجعلوا الحسن يتبع الأمر، كما أن القبح يتبع النهي.
فالكفر والمعاصي ليست قبيحة في نفسها -بل هي محبوبة لله مرضية له؛ لكونها مما أراده الله كونًا وقدرًا، وإرادته ومحبته ورضاه بمعنى واحد-، وعليه؛ فقبح الكفر والمعاصي؛ لأجل نهيه تعالى عنه.
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية (٣/ ١٥٧، ٥/ ٤١٣)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ١٨٨، ٤٤٠ - ٤٤١)، والموافقات للشاطبي (٣/ ٣٧٢)، وشفاء العليل (٤٦٥)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٣٢١).
(٢) انظر: المصادر السابقة نفسها.
[ ٩٢ ]
وأثبت أهل السنة والجماعة الحسن والقبح العقلي، ولم يجعلوا الإرادة الكونية مستلزمة للمحبة والرضا، فليست كلها مرضية، ومحبوبة له، فقد يخلق القبح لحكمةٍ، والعقل يدرك قبحها، لكن العقل لا يوجب أو يحرم شيئا من ذلك، بل ذلك للشرع (^١).
الثانية: ذهب أكثر الأشعرية إلى أن التكاليف مدارها على محض المشيئة من غير حكمة ولا تعليل، ومن ثمّ جوَّزوا أن يكلف الله عباده بما يشاء من محال وغيره.
ومنعت المعتزلة التكليف بالمحال، والمعجوز عنه بكل صوره؛ لأنّ المحال لا يمكن امتثاله؛ وإذا لم يمكن امتثاله فلا توجد إرادته؛ إذ لا بدّ في الآمر من إرادة الأمر من المأمور امتثال ما أمر به، فلو وردت صيغة الأمر من غير إرادة الامتثال لم تكن أمرًا، وعليه فلا يمكن التكليف بما لا يطاق (^٢).
الثالثة: التكليف بما علم الله انتفاء شرط وقوعه في وقته يدخل في الخلاف السابق؛ لأنّ القائل بامتناع تكليف ما لا يطاق، إمّا أن يقول بتلازم الأمر والإرادة -وهم المعتزلة-، وهؤلاء منعوا التكليف بما علم الله انتفاء شرط وقوعه في وقته؛ لأنّه إذا كانت فائدة التكليف الامتثال، وكان الامتثال ممتنعًا؛ لعدم القدرة عليه، امتنع التكليف لامتناع فائدته؛ لأن التكليف بلا فائدة عبث، وهو محال.
ومن لم يشترط الإرادة للأمر، وجعل حكمة التكليف، إمّا الامتثال، وإمّا الابتلاء -وهم أهل السنة- فلم يمنعوا من التكليف بما علم الله عدم تمكن المكلف
_________________
(١) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ١٦٢ - ١٦٣)، مجموع الفتاوى (١١/ ٣٥٥)، منهاج السنة (٣/ ٩٨).
(٢) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٣٤٥ - ٣٤٦)، انظر: سلاسل الذهب (ص ١٣٧)، البحر المحيط (١/ ٣٨٨)، رفع الحاجب (٢/ ٣٤)، شرح مختصر الروضة (١/ ٢٣٩).
[ ٩٣ ]
منه في الوقت، وإن لم يحصل الامتثال؛ إلا أنّ للتكليف به فائدة أخرى، هي ابتلاء عزم المكلف على الفعل (^١).
الرابعة: متعلق الإرادة من الخصال في الواجب المخير عند المعتزلة، هو متعلق الأمر؛ لأنّهم جعلوا الإرادة ملازمة للأمر، فكل ما أمر الله تعالى به شرعًا، فقد أراد وقوعه كونًا وقدرًا، سواء وقع أو لم يقع، وعليه فإن كانت الخصال جميعًا مأمورًا بها، بحيث يجوز الجمع بينها شرعًا، فجميعها مرادة لله تعالى، وإن كان الأمر لم يتعلق بها جميعًا، بل بإحدها بأن يكون الجمع بينها غير جائز شرعًا، فمتعلق الإرادة إحدى الخصال فقط.
أمّا الأشعرية فلم يجعلوا للأمر علاقة بالإرادة، بل جعلوا الإرادة ملازمة للوقوع، فكلُّ ما وقع كونًا وقدرًا، فقد أراده الله تعالى، سواء وافق أمره الشرعي أو خالفه؛ وبناء عليه، فإذا فعل المكلف إحدى الخصال فهي المرادة، وإذا فعلها جميعًا فكذلك.
وأمّا أهل السنة، فإنّهم قسموا الإرادة إلى: شرعية وكونية، وفرقوا بينهما، ومن ثمَّ فالخصال المأمور بها مرادة لله، إرادة شرعية، وأمّا المراد قدرًا من تلك الخصال فهو ما وقع، وفعله المكلف (^٢).
الخامسة: ذهبت المعتزلة إلى أنَّ المكروه غير مراد لله مطلقًا؛ لأنّ المكروه مضاد للأمر، فهو مضاد للإرادة مطلقًا، أي: إرادة المشيئة، وإرادة المحبة.
وذهب الأشعرية إلى أنّه مراد لله؛ لتلازم الإرادة والوقوع عندهم، وإخبار
_________________
(١) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٣٧٤)، وانظر: البحر (ا/ ٣٧١ - ٣٧٢)، المسودة (ص ٥٣).
(٢) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٤٩٣ - ٤٩٤)، انظر: التلخيص للجويني (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣)، البحر المحيط (١/ ٢٠٠)، قواطع الأدلة (١/ ١٧٥).
[ ٩٤ ]
المولى أنه لا يحب المكروه، فمعناه: أنّه لا يريد وقوعه ممن لم يقع منه، أمّا من وقع منه فلا يوصف بعد وقوعه بالكراهة (^١).
وأما أهل السنة فقالوا: المكروه مخالف لمقتضى الأمر، فهو مكروه لله كراهية دينية شرعية؛ لأنّها هي الملازمة للأمر، لكن إذا فعله المكلف فقد تعلقت به الإرادة الكونية القدرية، وإذا لم يفعله فلم تتعلق به، لملازمة الإرادة الكونية للوقوع (^٢).
السادسة: ذهبت المعتزلة إلى أن المباح غير مراد، كما أنّه غير مكروه؛ لأنّه ليس مأمورًا به، والإرادة تابعة للأمر وملازمة له.
وذهبت الأشعرية إلى أن المباح إذا فعله المكلف فهو مراد لله؛ لأنّ الإرادة عندهم ملازمة للوقوع، وإذا لم يقع المباح فهو غير مراد لله.
وأهل السنة والجماعة، الذين جعلوا الوقوع تابعًا للمشيئة، والرضا تابعًا للأمر، قالوا: المباح غير مراد، ولا مكروه شرعًا؛ لعدم الأمر به أو النهي عنه، وأمّا قدرًا وكونًا؛ فإنّه تابع لوقوعه (^٣).
السابعة: مما سبق يعلم مسألة اشتراط الإرادة في الأمر، فمن ذهب إلى أن بين الأمر والإرادة الكونية ملازمة، أو هما شيء واحد، ذهب إلى اشتراط الإرادة في الأمر.
_________________
(١) قال إمام الحرمين: في التلخيص (١/ ١٧١): «فإن قيل: إذا تحقق وقوع الفعل، فهل تقولون إنّه مكروه؟ قلنا: هذا مما نتحاشى منه، فإنَّ الرب عزَّ اسمُه، موجد الأفعال ومخترعها، فلا يوجد إلا ما يريد، فإطلاق القول بأن الفعل الواقع مكروه له زلل …».
(٢) تخريج الأصول على الأصول للعمري (٦٣٢)، وانظر: التقريب والإرشاد (١/ ٣٠٢) ميزان الأصول للسمرقندي (ص ١٤٤).
(٣) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٦٩١)، انظر: التلخيص (١/ ١٢٥٥)، البحر المحيط (١/ ٢٧٦).
[ ٩٥ ]
ومن اعتقد عدم الملازمة بين الأمر والإرادة، وأن الكونية منفصلة عن الشرعية، ذهب إلى عدم اشتراط الإرادة في الأمر (^١).
والتحقيق في العلاقة بين الإرادتين هي: أن (الأقسام أربعة:
(أحدها): ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع، فأمر به وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك لما كان.
(والثاني): ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار، فتلك كلها إرادة دين، وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولولم تقع.
و(الثالث): ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره وشاءه من الحوداث التي لم يأمر بها: كالمباحات والمعاصي، فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها، لما كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
و(الرابع): ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا مالم يكن من أنوع المباحات والمعاصي) (^٢).
الثامنة: تعليل الأحكام بنيت على القول باشتراط الإرادة لصحة الأمر، وذلك أن من قال إنه يأمر بما لا يريد فعنده أن ما لا يريده لا مصلحة فيه، ولذا يلزم على قوله أن الأحكام لا يشترط أن تكون معللة.
_________________
(١) انظر: أسباب الخلاف للسهلي (ص ٣٧٠)، قواطع الأدلة (١/ ٩١ - ٩٢)، الوصول لابن برهان (١/ ١٣٢) المسائل المشتركة للعروس (ص ١٢٣).
(٢) منهاج السنة (١/ ١٤٦).
[ ٩٦ ]
ومن قال إنه يأمر بما يريد فعنده أن ما يريده فيه مصلحة، ولذا يلزم أن تكون أحكامه معللة بالمصلحة (^١).
يقول شيخ الإسلام: «فجمهور أهل السنة يقولون: إن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، ولا يرضاه، وإن كان داخلًا في مراده، كما دخلت سائر المخلوقات لما في ذلك من الحكمة، وهو وإن كان شرًا بالنسبة إلى الفاعل، فليس كل ما كان شرًا بالنسبة إلى شخص يكون عديم الحكمة، بل لله في المخلوقات حِكَم قد يعلمها بعض الناس، وقد لا يعلمها» (^٢).
_________________
(١) انظر: العدة (٢/ ٤٢٢).
(٢) قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاويه (٨/ ١٨٨ - ١٨٩)، وانظر شفاء العليل (٨٨).
[ ٩٧ ]