حكى الأصوليون الإجماع القديم على أن الحق واحد لا يتعدد، ثم أشاروا إلى خلاف حادث نسبوه إلى الجاحظ وعبيد الله بن الحسن العنبري. وهو أنهما قالا: إن كل مجتهد في الأصول مصيب!، وقد اختلفوا في تصوير ما نقل عنه (^١).
ولا عبرة بخلافهما؛ لأنه خلاف حادث لا يلتفت إليه (^٢).
وقد دلَّت نصوص كثيرة على أنه لا يكون القولان المتقابلان صوابًا مثل قول الله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] وقال ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]
_________________
(١) فقيل في ذلك ثلاثة أقوال: ١. إن كل مجتهد في الأصول مصيب، وهذا يعني تصويب من اجتهد من النصارى واليهود والوثنيين الذين لم يهتدوا إلى الإسلام! وهذا أشنع ما نقل عنه. ٢. إن المجتهدين من أهل القبلة هم المصيبون دون من سواهم، وهذا أقل شناعة من الذي قبله. ٣. إن المخطيء في الأصول من أهل القبلة معذور، وهذا النقل يفيد أن الحق لا يتعدد في الأصول، لكن المخطيء المجتهد الذي بذل وسعه لا يأثم ويعذر في خطئه. انظر: المستصفى (٢/ ٣٥٩)، والوصول إلى الأصول (٢/ ٣٣٧)، وميزان الأصول للسمرقندي (٧٥٥)، وروضة الناظر (٢/ ٤١٨)، والإبهاج (٣/ ٢٥٧)، والبحر المحيط للزركشي (٨/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، وشرح العضد (٢/ ٢٩٣).
(٢) انظر: الإحكام للآمدي (٤/ ١٧٩ - ١٨٠)، ونهاية السول (٤/ ٥٥٨).
[ ٦٠ ]
وقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٩٣] فهذه الأدلة صريحة في أن الحق في واحد من القولين أو الأقوال المتقابلة.
وقد أجمع العلماء على بطلان مذاهب البراهمة واليهود والنصارى، فلو تعدد الحق لكانت تلك المذاهب صحيحة وحقًا، وحتى فيما دون ذلك مما اختلف فيه أهل القبلة؛ فإن الصحابة قد ثبت عنهم بلا نزاع تخطئة من خالف في الأصول،، فقاتلوا مانعي الزكاة والخوارج، ومن أدرك منهم القدرية فقد خطأهم، وهذا صنيع التابعين من بعدهم، فكان إجماعًا (^١).
أما حكم المخطئ في الاجتهاد في أصول الدين هل يعد آثمًا؟ وهل يكفر به؟.
فجمهور المصنفين في الأصول يطلقون القول بتأثيمه، ثم يتنازعون في تكفيره، وينقلون رأيًا يعدونه شاذًا وينسبونه إلى العنبري والجاحظ، وهو أن المجتهد المخطيء غير آثم ومعذور عند الله.
وهذا القول الذي عدوه شاذًا، إذا حرر بذكر الشروط والموانع، كان هو قول السلف بلا شك.
والحجة التي يعتمد عليها من يقول بتأثيمه: أنه قد ثبت قتال الصحابة للمبتدعة، وتخطأتهم، كالخوارج، وثبت ذمهم للقدرية، وكذلك قد ثبت عن الأئمة الأعلام ردّ شهادة بعض أهل الأهواء، ونقل عنهم تكفير من قال بخلق القرآن، ونحو ذلك، ثم يخلصون إلى أن ذلك كان إجماعًا منهم (^٢).
_________________
(١) انظر: المعتمد (٢/ ٤٠٠)، والبرهان (٢/ ٨٦٠ - ٨٦١)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٤٤)، والتمهيد للكلوذاني (٤/ ٣٠٩)، والوصول إلى الأصول (٢/ ٣٣٨)، وميزان الأصول (٧٥٥).
(٢) انظر: المستصفى (٢/ ٣٦٢)، والوصول إلى الأصول (٢/ ٣٤٠)، والتحصيل (٢/ ٢٩٠)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦١١)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٠٥).
[ ٦١ ]
ومن قال بعدم تأثيمهم استدل بذلك على رفع الإثم عمن أخطأ خطًا يعذر به؛ فمن ذلك:
الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقد ثبت أن الرسول ﷺ كما جاء في الحديث الصحيح قال: (قال الله: قد فعلت) (^١) وهذا فيمن أخطأ من المسلمين مريدًا للحق، ولكن أخطأه إما بتأويل محتمل للنص إن بلغه، أو لعدم بلوغه له، ولا فرق بين الأصول والفروع في ذلك، فمن فرق فعليه الدليل (^٢).
الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] ووجه الاستدلال: أن الله رفع الجناح والإثم عمن خاطبهم من المسلمين الذين أخطأوا فيما أخطأوا فيه، وتحمل الآية على العموم في الأصول والفروع لعدم الفرق (^٣).
والضابط المقرب لما سبق في حكم المخطيء من المسلمين:
(أ) أن ينظر أولًا في المسألة التي وقع فيها الخطأ، فيشترط أن تكون شرعية لا عقلية كلامية، لأن الحكم للشرع، ثم ينظر هل هي من الأمور الدقيقة الخفية -ولو بحثت في ضمن أصول الدين-، أو هي ظاهرة جلية معلومة علمًا ضروريًا -وإن بحثت في ضمن الفروع-؟ فإن كانت من الأول فالخطأ فيها محتمل قريب، وإن كانت من الثاني فينظر فيما يلي:
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب بيان أن الله لم يكلف إلا ما يطاق رقم (١٢٦).
(٢) انظر: منهاج السنة (٥/ ٩١)، ومجموع الفتاوى (١٩/ ٢١٠)، ٢١٦)، (١٢/ ٤٨٩)، (٢٠/ ٢٦٣ - ٢٦٨)، وفتح الباري (١٢/ ٣٠٤).
(٣) انظر: الفصل لابن حزم (٣/ ٣٠١)، ومجموع الفتاوى (١٢/ ٤٨٩)، (٢٠/ ٣٣ - ٣٦)، وإيثار الحق على الخلق (٤٣٥ - ٤٣٦).
[ ٦٢ ]
ينظر في اختلاف أحوال الناس، وذلك من جهات:
(١) عدم بلوغ العلم له أصلًا خاصة إذا كانت المسألة ليست معلومة عند الخاصة والعامة، إذ بعض المسائل المجمع عليها، قد ينفرد بالعلم بها العلماء لا عوام الناس (^١).
(٢) أن يكون من جهل ذلك حديث عهد بالإسلام (^٢).
(٣) قد يكون في زمن كثر فيه الجهل ولم تتميز السنة من البدعة عنده، أو قد تندرس بعض معالم الرسالة، خاصة قرب آخر الزمان (^٣).
(٤) ينظر في المكان الذي هو فيه، فقد يكون في مكان ينتشر فيه الجهل والخطأ، ولم يبلغه العلم الصحيح في كل المسائل (^٤).
(ب) ينظر في انتفاء الموانع: وأكثرها يرجع إلى:
(١) الجهل: وشرطه ألا يكون مقصرًا في طلب الحق، أو مقلدًا معرضًا عن طلبه (^٥).
(٢) التأويل: وشرطه أن تحتمله الأدلة من الكتاب والسنة، وتحتمله اللغة احتمالًا ظاهرًا (^٦).
_________________
(١) انظر: الرسالة للإمام الشافعي (٣٥٩ - ٣٦٠)، وجامع العلوم والحكم (٦٧). وانظر ما سيأتي ذكره عن عارض الجهل في فقرة (ب).
(٢) انظر: كشف الأسرار (٤/ ٥٦٠ - ٥٦٣).
(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٤٠٨).
(٤) انظر المصدر نفسه.
(٥) انظر: ميزان الأصول للسمرقندي (١/ ٢٨٥)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٣/ ٣٤٦)، والرد على البكري له (ص ٢٥٩)، وشرح التلويح على التوضيح (٢/ ٣٧٧ - ٣٨٩)، وكشف الأسرار (٤/ ٥٣٤ - ٥٣٦)، ٥٤٥ - ٥٤٨)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٨٧ - ٣٩٢).
(٦) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، (٢٠/ ٢٦٣ - ٢٦٨)، والاستقامة له (٢/ ١٨٨ - ١٨٩)، وفتح الباري لابن حجر (١٢/ ٣٠٤).
[ ٦٣ ]