اختلف الناس في العصمة بناء على مذاهبهم في الأفعال -أفعال العباد- وأثر قدرتهم في أفعالهم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومما يبين الكلام في مسألة العصمة، أن تعرف النبوة ولوازمها وشروطها، فإن الناس تكلموا في ذلك بحسب أصولهم في أفعال الله تعالى، إذ كان جعل الشخص نبيًا رسولًا من أفعال الله تعالى» (^١).
وتفصيل ذلك، ببيان أقسام الناس في أفعال الله، عند من يثبتها، وهم كل أهل الملة (^٢)، وهم على ثلاث طوائف:
_________________
(١) منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٤١٣ - ٤١٤).
(٢) يستثنى من ذلك الفلاسفة القائلون بقدم العالم وأنه قد صدر عن الله صدور المعلول عن العلّة الموجبة، فهؤلاء ينكرون أن الله يفعل بقدرته ومشيئته - تعالى الله عن قولهم - فانكروا الفعل الاختياري، وقد بالغوا في إنكار وقوع صغائر الذنوب غير الخسيسة من الأنبياء، ولإنكارهم الملائكة، يرون أن الوحي ما يفيض من العقل الفعال يستقبله من كان عنده استعداد لذلك الفيض، وهي أمور مكتسبة، فالأنبياء عندهم امتازوا بقوتهم العلميّة، بحيث يستغنون عن التعليم، وامتازوا بقوة التخييل، فيتشكل في نفوسهم خطاب يسمعونه كما يسمع النائم، ويتشكل لهم شخص يخاطبهم كما يخاطب النائم، ولهم قوة في التأثير والعمل، بحيث يؤثرون في العناصر تأثيرًا غريبًا فتقع منهم الخوارق، ويملكون تأثيرًا عجيبًا على عامة الناس، فيعملون بما يأتونهم به. وهؤلاء كفار زنادقة ملاحدة، حقهم أن لا يذكروا هنا، وكلّ ما قالوه مبني على التخرص والكذب، ليس عليه أثارة من علم ولا عقل، وسبيل المباحثة معهم: ردهم إلى فطرتهم بالإقرار بالله -جل وعلا-، وقدرته ومشيئته بالطرق الصحيحة الدالة على ذلك. وإثبات النبوة كذلك. انظر: منهاج السنة النبوية (٢/ ٤١٥ - ٤١٦)، والجواب الصحيح (٥/ ٣٤٤)، ودرء تعارض العقل والنقل (٨/ ١٦١).
[ ١٢٣ ]
الأولى: مثبتو الحكم والأسباب على وفق حكمة الله البالغة ومشيئته النافذة، وأن أفعال الله كلها حكمة سواء ظهرت للناس أم لم تظهر، وأن الله يمن على من يشاء بالهداية والتوفيق رحمة منه وفضلًا، ويضل من يشاء حكمة منه وعدلًا، وأنه يصطفي من يشاء حسب علمه وحكمته، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، وهذا قول أهل السنة والجماعة.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (^١)، فإنه يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس كما قال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج ٧٥]؛ فرسل الله هم خيار الناس، ومما علمناه من حكمة الله نعلم أن الله لا يبعث نبيًّا فاجرًا، ولذلك أجمعنا على تنزيه الأنبياء من أن يكونوا من الفجار والفساق، ونقطع أن ما ينزل على البر الصادق لا يكون إلا ملائكة، لا تكون شياطين أبدًا، ونعلم أن من كمال فضل الأنبياء وخوفهم وعبوديتهم وتواضعهم، أن تقع منهم بعض الصغائر غير الخسيسة (^٢)، يكمل الله بها عبوديتهم بالتوبة وزيادة الخوف والخضوع، فيرفع الله درجاتهم، فالعصمة حاصلة لهم في الصغائر غير الخسيسة بعدم الإصرار عليها أصلًا، وبالتنبيه عليها، ليتداركوها ويحصل لهم مزيد فضل ورفعة درجة.
_________________
(١) انظر: المصدر نفسه: (٢/ ٤١٦).
(٢) والمقصود بالصغائر الخسيسة: (ما يوجب الحكم على فاعله بالخسة ودناءة الهمة وسقوط المروءة، كسرقة حبة أو كسرة). الإحكام للآمدي (١/ ١٧١).
[ ١٢٤ ]
وينبغي معرفة أن مقام الأنبياء مقام رفيع عظيم، وما وقعوا فيه قد يكون في حق غيرهم ليست من الذنوب (^١) لكن لرفعة مقامهم، قد يعاتبون، ومع ذلك فإن الله يوفقهم إلى التوبة، بل ما ذكر الله ذنبًا لنبي (إلا مقرونًا بالتوبة والاستغفار، كقول آدم وزوجته: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقول نوح: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] ..) (^٢).
الطائفة الثانية: نفاة الحكم والأسباب في أفعاله، فيجوز عندهم أن يفعل الله كل ممكن ولا ينزه عن فعل من الأفعال، فأفعاله كلها متعلقة بمحض المشيئة، وهؤلاء هم الجهمية ومن تبعهم كالأشعري ومن وافقه من أهل الكلام (^٣).
ورتبوا على هذا الأصل ما يلي:
(١) جواز أن يبعث الله كل مكلف، ولو كان كافرًا فاسقًا، فهو يفعل ما يشاء لا لحكمة.
(٢) والنبوة عندهم ليست صفة ثبوتية، ولا مستلزمة لصفة يختص بها، فهي من الصفات الإضافية، فتكون مجرد إعلام من الله بما أوحاه إليه، فهي مثل الأحكام الشرعية، التي لا تدل على صفة في الفعل، والفعل الحسن حسنه لكونه مقولًا فيه: افعل، والقبيح عكسه، لا لصفة هي منشأ الحسن والقبح في الفعل.
(٣) ثم بعد البعثة ذكروا أن ما يدل العقل على امتناعه على الأنبياء هو في التبليغ خاصة، لأن صدق التبليغ هو مدلول المعجزة، وما سوى ذلك فلا يدل عليه
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٢/ ٤٢١).
(٢) مجموع فتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٠/ ٢٩٦).
(٣) انظر: منهاج السنة (٢/ ٤١٤ - ٤١٥).
[ ١٢٥ ]
عقل، فإن ورد السمع بامتناعه قلنا به، وإلا لم تجب العصمة منه، ولما كانت الأدلة السمعية ظواهر ظنية عند محققيهم اعتمدوا فيما تجب العصمة منه على الإجماع، وما سواه قالوا لم يدل عليه سمع ولا عقل.
الطائفة الثالثة: مثبتو الحكم والأسباب، الذين يوجبون على الله بعقولهم، ومن ذلك أصلهم في التعويض والتجويز إذ يجعلون الجزاء عوضًا عن الأعمال، وعليه فلا يجوز عندهم أن يفضل الله أحدًا على أحد إلا بعمله، ورتبوا عليه أن النبوة أو الرسالة جزاء على عمل متقدم، فاستحق النبي النبوة جزاء على عمل صالح متقدم، وهؤلاء كثير من القدرية والمعتزلة والشيعة (^١).
وهؤلاء زعموا أن النبوة أو الرسالة جزاء على عمل صالح متقدم، فالنبي فعل من الأعمال الصالحة ما استحق به أن يجزيه الله بالنبوة وجوبًا، فهي ليست محض فضل من الله.
ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:
المسألة الأولى: فعل الرسول ﷺ المتجرد عن القرائن «يحتمل الحظر عند من يجوِّز عليهم الصغائر» (^٢)، فلا يفيد حكمًا، وإنما يكون الحكم مستفادًا مما قبل ورود الشرع (^٣).
ومذهب أهل السنة والجماعة -كما سبق - أن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر الخسيسة مطلقًا، وأما الصغائر غير الخسيسة فيجوز صدورها منهم، لكنهم يوفقون إلى التوبة منها (^٤).
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٢/ ٤١٥).
(٢) المستصفى (٢/ ٢١٤)، وانظر: الكاشف (٣/ ١٥٣).
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٨٤)، المحقق من علم الأصول (٦٧).
(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٣١٩).
[ ١٢٦ ]
الثانية: عدم حجية تقرير النبي ﷺ «عند من يحمل ذلك على المعصية، ويجوِّز عليه الصغيرة» (^١).
والقول بحجيته متفرع عند البعض على عصمته من ذلك، وأنه ﷺ إذا سكت عن منكر فيلزم منه وقوعه ﷺ في المحرَّم، وهو غير جائز عليه (^٢).
وأشار الآمدي إلى أنه قد لا يلزم ذلك لمن جوَّز عليه ﷺ الصغائر، فقال: «وذلك لأنه لو لم يكن فعله جائزا لكان تقريره له عليه، مع القدرة على إنكاره، وكان استبشاره وثناؤه عليه حرامًا على النبي ﵇، وهو وإن كان من الصغائر الجائزة على النبي ﵇ عند قوم، إلاَّ أنه في غاية البعد، لاسيَّما فيما يتعلق ببيان الأحكام الشرعية، وإذا كان كذلك، فالإنكار هو الغالب، فحيث لم يوجد ذلك منه دل على الجواز غالبًا» (^٣).
الثالثة: عدم وقوع السهو من النبي ﷺ عند من يقول بأن المعجزة دلت على صدق النبي ﷺ مطلقًا في العمد والسهو، وقيل: إنها لم تدل إلا على ما صدر عنه عمدًا (^٤).
وهذه المسألة وإن ذكر الأصوليون بناءها على المعجزة (^٥)، إلا أن ارتباطها
_________________
(١) المستصفى (٢/ ٢٢٥).
(٢) انظر: أصول الجصاص (٢/ ٩١)، المنخول (٣١٦)، إيضاح المحصول (٣٦٨)، المحقق من علم الأصول (١٧١)، كشف الأسرار (٣/ ٢٨٧)، التحبير (٣/ ١٤٩١)، أفعال الرسول ﷺ للأشقر (٢/ ٩٦).
(٣) الإحكام (١/ ١٨٩)، وانظر: أفعال الرسول ﷺ للأشقر (٢/ ٩٦).
(٤) انظر: الإحكام (١/ ١٧٠)، البحر المحيط (٤/ ١٧٣)، أصول ابن مفلح (١/ ٣٢٣). التحبير (٣/ ١٤٤٣) شرح الكوكب (٢/ ١٧٠).
(٥) بيانه: أن من قال إن المعجزة دلت على صدقهم مطلقًا في العمد والسهو فإنه لا يجيز وقوع السهو منهم، لما فيه من مناقضة دلالة المعجزة القاطعة، ومن قال إن المعجزة دلت على صدقهم في ما صدر عنهم عمدًا قال بجواز السهو عليهم؛ لأن ما كان عن نسيان غير داخل تحت التصديق المقصود بالمعجزة. انظر: بناء الأصول على الأصول للودعان (١/ ٣٨٦ - ٣٨٧).
[ ١٢٧ ]
بالعصمة ظاهر.
قال الزركشي: «وفصَّل ابن عطية في الكلام على النسخ بين ما لا يحفظه أحد من الصحابة، فالنبي معصوم من النسيان قبل التبليغ وبعده، فإن حفظه جاز عليه ما يجوز على البشر، لأنه قد بلغ وأدى الأمانة. ومنه قول أبيٍّ [رضي: الله: عنه]: حسبت أنها رفعت، فقال النبي ﷺ لم ترفع ولكن نسيتها) (^١).) (^٢).
وقال الغزالي: «أما النسيان والسهو فلا خلاف في جوازه عليهم فيما يخصهم من العبادات، ولا خلاف في عصمتهم مما يتعلق بتبليغ الشرع والرسالة، فإنهم كلفوا تصديقه جزمًا، ولا يمكن التصديق مع تجويز الغلط» (^٣).
ويدل على جواز النسيان قول الرسول ﷺ: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني) (^٤)، وكل ما ورد من أحاديث السهو في الصلاة.
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٧٣)، برقم (١٦٤٧)، وبنحوه عبد الله بن أحمد في زوائد مسند أبيه (٥/ ١٢٣)، وإسناده صحيح، وله شاهد لا بأس به: أخرجه أبوداود في سننه (١/ ٥٥٨)، برقم (٩٠٧)، وابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٧٣)، برقم (١٦٤٨) وعنه ابن حبان في صحيحه (٦/ ١٢)، برقم (٢٢٤٠) ومن طريق آخر برقم (٢٢٤١) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٧ - ٢٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢١١)، كلهم من طريق يحيى بن كثير الكاهلي عن المسور بن يزيد نحوه. ويحيى الكاهلي: لين الحديث. انظر: التقريب لابن حجر (٧٦٨٠).
(٢) البحر المحيط للزركشي (٦/ ١٩).
(٣) المستصفى للغزالي (٢/ ٢١٤).
(٤) متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، برقم (٤٠١). ومسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب السهو في الصلاة والسجود له، برقم (٥٧٣).
[ ١٢٨ ]
الرابعة: اشتراط الإمام المعصوم في حجية الإجماع عند الشيعة (^١)، وبعض الأصوليين نسبه لبعضهم (^٢)، وشبهتهم: أنه إذا كان الإمام المعصوم موجودًا فلا تجوز مخالفته، ولذا لزم كونه مع المجمعين حتى يكون الإجماع حجة (^٣).
ولما أن كان مآل قولهم الاعتماد على قول المعصوم وحده دون الإجماع نقل عنهم كثير من الأصوليين إنكار الإجماع (^٤).
الخامسة: إجماع أهل البيت حجة، على القول بعصمتهم (^٥)؛ لأنهم إن كانوا معصومين فلا يمكن أن يجمعوا على باطل.
ولا ريب ببطلان هذا، وأنهم بعض الأمة، فلا يكون إجماعهم حجة.
السادسة: عدم حجية الإلهام «لعدم ثقة من ليس معصومًا بخواطره» (^٦)
السابعة: اختلف العلماء (^٧) في جواز الخطأ في الاجتهاد على الأنبياء ﵈،
_________________
(١) انظر: نهاية الوصول لابن مطهر الحلي (٢٤٥/ ب)، مبادي الوصول (٢٧/ أ)، ونقله عنهم الأصوليون. انظر: المعتمد (٢/ ٤٥٨)، المحصول (٤/ ١٠١)، الإبهاج (٢/ ٣٦٤)، البحر المحيط (٤/ ٤٤٠).
(٢) ونسب لطوائف من الروافض. انظر: البرهان (١/ ٤٣٤)، منتهى الوصول والأمل (٥٢)، والظاهر أن المنسوب إلى بعضهم هو إنكار حجية الإجماع، أما غالبهم فهم يقولون بالإجماع غير أنهم يشترطون فيه المعصوم، وبعضهم يشترط انضمام العترة. انظر حجية الإجماع لمحمد فرغلي (٦٥، وما بعدها، ١١٩ وما بعدها)، ولعل من نقل عنهم إنكار الإجماع، أو عدم حجيته مطلقا من الأصوليين، فهو لأن مآل قولهم إنكار الإجماع وعدم حجيته، والاعتماد على قول المعصوم.
(٣) انظر: بناء الأصول على الأصول للودعان (٢/ ٤٨٥).
(٤) انظر: العدة (٤/ ١٠٦٤)، شرح اللمع (٢/ ٦٦٦)، المحصول (٤/ ١٠١)، الإحكام (١/ ٢٠٠)، المسودة (٢/ ٦١٥)، البحر المحيط (٤/ ٤٤٠)، فواتح الرحموت (٢/ ٢١٣).
(٥) نهاية الوصول (٦/ ٢٥٨٨) سلاسل الذهب (٣٤٩).
(٦) جمع الجوامع مع شرح المحلي وحاشية العطار (٢/ ٣٩٨).
(٧) وهذا الخلاف جارٍ بين الجمهور الذين يرون جواز الاجتهاد من الأنبياء، وقد أخرج من النزاع بعض الصور كالخطأ في الاجتهاد في الحروب، وكالخطأ في مصالح الدنيا، مما لا مدخل له بالبلاغ.
[ ١٢٩ ]
فذهب الآمدي وابن الحاجب إلى جواز الخطأ لكن لا يقرون عليه، وإنما ينبهون فورًا.
ونسب الآمدي ذلك إلى أكثر أصحابه والحنابلة وأصحاب الحديث والجبائي وجماعة من المعتزلة (^١).
وذهب بعض أهل العلم إلى منع وقوع الخطأ في اجتهادهم؛ لأجل عصمتهم.
_________________
(١) انظر: الإحكام للآمدي (٤/ ٢١٦) ومختصر ابن الحاجب -مع شرحه بيان المختصر (٣/ ٣٤١)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (٤/ ٤٨٠).
[ ١٣٠ ]