وأثبت كثيرًا من المصادر التي اعتمدوا عليها، وشيئًا من تعليقاتهم كما هي؛ لأجل الإفادة منها.
وسبب جمع هذا المؤلف هو ما رأيته من نقص في البناء العلمي في هذا الجانب لدي ولدى كثير من المتخصصين في أصول الفقه، فهو في المقام الأول مسوَّدة لي، ثمَّ رأيت أن يستفيد منها إخواني طلبة العلم، ورجوت أن يكون المطلع على هذا الكتاب قد أكمل نقصه في هذا الجانب، وما ذكر في هذا الكتاب يدلُّ على ما لم يذكر.
وأنبه هنا إلى أمور، منها:
الأمر الأول: من المسائل العقدية ما ذكر في كتب أصول الفقه استطرادًا، أو مثالًا، أو مقدمة لمسألة أصوليَّة، وليس فيها بناء أو أثر على المسألة الأصوليَّة، وتركتها، بناء على الأصل المهذَّب (مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه)، ولأجل أن يتنبَّه القارئ لها عند التأليف أو القراءة في كتب أصول الفقه، أو تكون عونًا لبيان عقيدة المؤلف لمن اضطر إلى ذلك، ولاسيما في الرسائل العلميَّة.
ومما ورد في هذا الكتاب من هذه المسائل: أول واجب على المكلف: الشهادتان، وطريق ثبوت وجوب النظر، والاسم للمسمى، وحكم إطلاق الأسماء الحسنى بلا توقيف، وعصمة الأنبياء قبل النبوة، وحقيقة المعجزة ومسائلها، ونسخ هذه الشريعة لما قبلها من الشرائع، ووضع عيسى ﵇ الجزية بعد نزوله لا ينافي ثبوت أحكام الشريعة الخاتمة، وإمامة علي بن أبي طالب ﵁، وفهم الأدلة بحسب المعنى المراد والاستعمال، وحقيقة الإيمان. والله أعلم.
أما باقي المسائل العقدية الواردة في هذا الكتاب فهي مؤثرة في بناء المسألة
[ ٨ ]
الأصولية، وهذه مما لا يسع الأصولي جهله في هذا الباب.
الأمر الثاني: إن في معرفة الأصل العقدي ضبطًا لمسائل الأصول المبنية عليه، وبعدًا عن الوقوع في التناقض، وقدرة على تمييز القول الصحيح من الباطل من مسائل أصول الفقه، وتجنبًا عن موافقة المبتدع في بدعته. كما أن في إبطال الأصل العقدي إبطالًا للقول الأصولي المبني عليه.
الأمر الثالث: ثمَّة قواعد عامة لابد من العلم بها، ودراستها على أهل التخصص، مفيدة في هذا الباب، ومن ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والأشعرية: الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام (^١)، جبرية في باب القدر، وأما في الصفات فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم.
والمعتزلة: وعيدية في باب الأسماء والأحكام، قدرية في باب القدر، جهمية محضة» (^٢).
وما ذكره ابن تيميَّة خلاصة مهمة؛ لأن أصول المتكلمين، تابعة للمعتزلة والأشاعرة.
فباب الأسماء والأحكام: الأغلب على الأشاعرة الإرجاء، والمعتزلة الوعيدية (الخوارج) (^٣).
وفي باب القدر، الأشاعرة جبرية، والمعتزلة قدرية.
وفي باب الصفات: الأشاعرة ليسوا جهمية محضة؛ لأنهم يثبتون بعض
_________________
(١) المراد بالأسماء: أسماء الدين، مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق، والمراد بالأحكام: أحكام هؤلاء في الدنيا والآخرة، أي: أحكام أصحاب هذه الأسماء ينظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٨).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٥).
(٣) سموا بالوعيديَّة؛ لأنهم غلَّبوا جانب الوعيد، وقالوا: أي كبيرة يفعلها الإنسان ولم يتب منها؛ فإنه مخلَّد في النار بها.
[ ٩ ]
الصفات، بخلاف المعتزلة الذين ينفون جميع الصفات، فهم بذلك جهمية محضة. لذا كان كل معتزلي جهميًا، وليس كل جهمي معتزليًا (^١).
ومما سبق يعرف أن الفرقة الواحدة تكون بدعتها في باب دون باب، وقد يطلق عليها أكثر من لقب باعتبار البدعة التي وقعت فيها، فيقال: المرجئة القدرية، أو القدرية المعتزلة، وقد تسمى الجبرية قدرية لغلوهم في إثبات القدر
ولابد من دراسة عامة لهذه الفرق، والوقوف على وسطية أهل السنة والجماعة في هذا، وسيأتي في الكتاب بيان وتفصيل لهذه الأمور، بإذن الله.
الأمر الرابع: لأهل السنة والجماعة إطلاقان: إطلاق عام، وإطلاق خاص، أما الإطلاق العام فهو مقابل الشيعة، فيدخل فيه جميع الطوائف إلا الرافضة. وأما الإطلاق الخاص فهو مقابل المبتدعة، وأهل الأهواء، فلا يدخل فيه سوى أهل الحديث والسنة المحضة الذين يثبتون الصفات لله تعالى، ويقولون: إن القرآن غير مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل السنة، وهم مرادي في هذا الكتاب عند إطلاقي لأهل السنة والجماعة، وسموا بأهل السنة لتمسكهم بها، وبالجماعة لأنهم اجتمعوا على الحق وأخذوا به (^٢).
ولما كان الخلاف بين متكلمي الأصول في غالبه بين الأشاعرة والمعتزلة، حسن التعريف بهما هنا، على سبيل الإجمال:
فالمعتزلة: سموا بذلك لاعتزالهم أقوال المسلمين في مرتكب الكبيرة، حيث قالوا: إنه في منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا هو كافر، وقيل غير ذلك،
_________________
(١) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (١/ ٣٤٤).
(٢) انظر: منهاج السنة (٢/ ٢٢١)، ومجموع الفتاوى (٤/ ١٥٥)، ومقدمة كتاب معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزاني (١٧).
[ ١٠ ]
وزعيمهم هو واصل بن عطاء. ومذهبهم يقوم على نفي الصفات عن الله تعالى، ونفي القدر في معاصي العباد، إضافة خلقها إلى فاعليها، وأن القرآن مخلوق، وهم فرق كثيرة، منهم الجبائية والنظامية وغيرها. ولهم أصول خمسة هي: ١ - التوحيد، ٢ - العدل، ٣ - المنزلة بين المنزلتين، ٤ - الوعد والوعيد، ٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (^١).
أما الأشاعرة فهم: منسوبون إلى أبي الحسن الأشعري، يقولون بإثبات سبع صفات فقط لله على اختلاف بينهم في إثباتها بين المتقدمين والمتأخرين، لأن العقل كما يزعمون دل على إثباتها وهي: السمع، والبصر، والعلم، والكلام، والقدرة، والإرادة، والحياة. وقالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بالذات ويستحيل أن يفارقه، والحروف دلالات على الكلام الأزلي، وعندهم أن الإيمان هو التصديق بالقلب. والعمل والإقرار من فروع الإيمان لا من أصله، وقد رجع أبو الحسن الأشعري عن قوله في الأسماء والصفات إلى مذهب أهل السنة والجماعة (^٢).
الأمر الخامس: لا يلزم في كل مسألة ذكر المذاهب كلها؛ لأن الأثر العقدي قد لا يكون مؤثرًا في المسألة الأصوليَّة عند أصحاب المعتقد الآخر، أو أن المسألة الأصوليَّة متأثرة عندهم بأصول أخرى، والنظر كان إليها عند تأصيل الأصل؛ إذ إن بناء الأصول الفقهية يكون بالأصل العقدي أو بغيره، بل قد يكون مخرَّجًا من الفروع.
الأمر السادس: أثر العقيدة على مسائل أصول الفقه لا يُنكر، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّ المتكلمين: «صنفوا في أصول الفقه - وهو علم مشترك بين
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٥)، والملل والنحل (١/ ٥٤)، والفرق بين الفرق للبغدادي (١١٤).
(٢) انظر: الإبانة (٢٠)، والملل والنحل (١/ ٩٤ - ٩٥)، والفرق بين الفرق للبغدادي (٩٠).
[ ١١ ]
الفقهاء والمتكلمين - فبنوه على أصولهم الفاسدة» (^١).
وقال ﵀: «وكذلك أهل المذاهب الأربعة وغيرها، لاسيما وكثير منهم قد تلبس ببعض المقالات الأصوليَّة، وخلط بهذا، فالحنبلي والشافعي والمالكي يخلط بمذهب مالك والشافعي وأحمد شيئًا من أصول الأشعريَّة والسالميَّة وغير ذلك، ويضيفه إلى مذهب مالك والشافعي وأحمد، وكذلك الحنفي يخلط بمذهب أبي حنيفة شيئًا من أصول المعتزلة والكرَّاميَّة والكلابيَّة، ويضيفه إلى مذهب أبي حنيفة» (^٢).
ولكن أثر هذه الأصول الفقهية - المتأثرة بالعقيدة - على الفروع الفقهية ضعيف جدًا؛ إذ إن للفقهاء مآخذ ومدارك أخرى مؤثرة في الأصل وفي الفرع، غير الأصل العقدي - كما سبق الإشارة إليه - ويكون البناء في الغالب عليها، أو أنَّ التنظير في كتب العقيدة يخالف التأصيل في كتب أصول الفقه، فتقع بعض الفِرق في التناقض، كما وقع للأشاعرة في مسائل التعليل، والكلام النفسي.
وفي هذا قال شيخ الإسلام عنهم: «والغالب عليهم عند الكلام في الفقه وغيره التعليل، وأما في الأصول: فمنهم من يصرح بالتعليل ومنهم من يأباه» (^٣).
وقال الزركشي الأشعري عن مذهب التحسين والتقبيح العقليين إنه: «المنصور لقوته من حيث النظر وآيات القرآن المجيد وسلامته من التناقض، وإليه إشارات متأخري الأصوليين والكلاميين فليتفطن له» (^٤)، فخالف أصل الأشاعرة
_________________
(١) الاستقامة (١/ ٥٠).
(٢) منهاج السنة (٥/ ٢٦١).
(٣) منهاج السنة (١/ ٤٥٥).
(٤) البحر المحيط للزركشي (١/ ١٩١)، وانظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، (٣/ ٢٠ - ٢٣)، وإيثار الحق على الخلق (ص ٣٤٣).
[ ١٢ ]
لما يترتب عليه من التناقض.
ومما يؤكد عدم تأثر الفروع بالأصول الكلامية، أن الفقه كان قبل أن تظهر هذه الفرق الكلامية، بل كان أئمة المذاهب كالشافعي وأحمد يذمون الخوض فيما خاض فيه المتكلمون.
ثمَّ إني أسميت الكتاب ب (المعتقد وأثره على مسائل أصول الفقه)، أسأل الله الكريم بمنه وكرمه أن ينفع به.