ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الاستطاعة على نوعين، نوع بمعنى التمكن والوسع، ونوع بمعنى الموجبة للفعل، وتشمل الإرادة الجازمة والتوفيق لإيقاع الفعل، فيقع بها (^٢)،
النوع الأول (^٣): استطاعة شرعية، بمعنى أنها التي بالكلمات الأمريات الشرعيات، فهي مناط الأمر والنهي والثواب والعقاب، فإذا انتفت، انتفى الأمر والنهي والوعد والوعيد، فهي إذًا شرط في التكليف، وحاصلها أنها استطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن من الفعل وسلامة الآلات والأسباب، وهي تكون قبل الفعل، ومقارنة له أيضًا، ومصححة له، وتصلح للضدين أي الترك والفعل، أو الخير والشر، وهذا النوع هو أكثر ما يتكلم عنه الفقهاء، بل هو الغالب في عرف الناس.
_________________
(١) إن اختلاف الناس في قدرة العبد يعد من أصول نزاعهم في جواز تكليف ما لا يطاق، وقد اختلف الناس في أنواع القدرة ووقت تعلقها بالفعل، وصلاحيتها للضدين، وبتحقيق هذه الأمور يرتفع أكثر النزاع في هذه المسألة علمًا بأن القدرة يطلق عليها الاستطاعة. انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٢٩٣).
(٢) انظر: شرح التلويح على التوضيح (١/ ٣٧١)، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٦٦).
(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٢٩٠)، ٣٧٢ - ٣٧٣)، ٤٤١).
[ ١١٣ ]
والأدلة من الكتاب والسنة المبينة لهذه الاستطاعة كثيرة؛ فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل: عمران: ٩٧] فالآية نص في أن وجوب الحج مشروط بالاستطاعة عليه، فالاستطاعة إذًا شرط، وهي هنا الزاد والراحلة، فلو كانت الاستطاعة في الآية بمعنى الاستطاعة الموجبة للفعل- وشرطها أن تكون مقارنة للفعل- لكان معنى الآية، لا يجب الحج إلا على من حج، ليس فقط بالعزم عليه والتمكن من فعله، وإنما بعد الفراغ منه، وهذا يؤول إلى اسقاط الواجبات كلها.
ومن السنة قول الرسول ﷺ: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مااستطعتم) (^١) فهذه الاستطاعة بمعنى الوسع والتمكن من الفعل، فلو أريد بها الموجبة للفعل لكان المعنى: فأتوا منه ما فعلتم، فلا يكونون مأمورين إلا بما فعلوه.
ومنه قول الرسول ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (^٢) فلو أريد بالاستطاعة النوع الثاني منها، لكان المعنى صلِّ بالتخيير قائمًا أو قاعدًا أو على جنب.
النوع الثاني (^٣): استطاعة كونية، التي هي للكلمات الخلقيات الكونيات، فهي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل، فهي موجبة ومحققة له، وتكون دائمًا مقارنة للفعل فلا تكون إلا معه، فحقيقتها إذًا مجموع ما يجب بها الفعل، وتدخل فيها الإرادة وغيرها، فهي توجد في حق من فعل.
_________________
(١) متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام باب الإقتداء بسنن رسول الله ﷺ برقم (٧٢٨٨) ومسلم في كتاب الفضائل، باب توقيره ﷺ، برقم (١٣٣٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب تقصير الصلاة، باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب، برقم (١١١٧).
(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٢٩١، ٣٧٢ - ٣٧٣، ٤٤١).
[ ١١٤ ]
ومن الأدلة الدالة على هذه الاستطاعة: قول الله تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [هود: ٢٠] وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١] وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٧ - ٤٨].
ففي هذه الآية نفى الله استطاعة معينة، لا بد من تفسيرها بأنها استطاعة موجبة للفعل، وليست الاستطاعة المشروطة للفعل، إذ الثانية شرط في التكليف، فإذا انتفت فلا تكليف، فلما نفى الله هنا الاستطاعة، ورتب عليها الجزاء، علمنا أنها استطاعة موجبة للفعل، خاصة، وأن سمع الآذان كان حاصلًا لهم، فكان المنفي شيئًا آخر، وفي قوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ دلالة على العقاب بسبب الجحود، فعاقبهم الله بخذلانهم فلا يهتدون إلى طريق الحق، وهذا معنى عدم استطاعتهم، فدل على أن هذه الاستطاعة قدر زائد على مجرد الوسع والتمكن من الفعل.
وزعمت القدرية أن قدرة العبد تكون قبل الفعل، وتصلح للضدين، وهي شرط لصحة الفعل، فالفعل مشروط، ويستحيل أن يتقدم المشروط على شرطه، فلو كانت مع الفعل لا قبله للزم عدم تكليف الكافر بالإيمان، بل للزم عدم تكليف أي إنسان.
والجبرية زعموا أن قدرة العبد تكون مقارنة للفعل لا قبله، لأنها لو فرضت قبل الفعل وهي عرض لكان الفعل واقعًا بلا قدرة، لأن العرض لا يبقى زمانين.
فيلحظ أن ما أورده كل فريق على الآخر يدل على بطلان نفيه لما نفاه من القدرة التي لا يثبتها، فدل ذلك على أنه لو قيل بالقدرتين لما أمكن الاعتراض أصلًا.
[ ١١٥ ]