أَبْوَاب الْأَخْبَار بَاب فِي اسْم الْخَبَر وَحده وَمَا بِهِ يكون الْخَبَر خَبرا وأقسامه الصدْق وَالْكذب بَاب فِي الاخبار الَّتِي يعلم صدقهَا وَالَّتِي يعلم كذبهَا وَالَّتِي لَا يعلم كلا الْأَمريْنِ من حَالهَا بَاب فِي بَيَان وُقُوع الْعلم بالأخبار وَصفَة الْعلم الْوَاقِع بالتواتر بَاب فِي شَرط وُقُوع الْعلم بالأخبار بَاب فِي أَن خبر الْوَاحِد لَا يَقْتَضِي الْعلم بَاب فِيمَا يقبل فِيهِ مَا لَيْسَ بمتواتر من الْأَخْبَار وَمَا لَا يقبل فِيهِ ذَلِك بَاب فِي جَوَاز التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد بَاب فِي وُرُود التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد بَاب فِيمَا يرد لَهُ الْخَبَر وَمَا لَا يرد لَهُ وَيدخل فِي ذَلِك الْمَرَاسِيل وَغَيرهَا بَاب فِي كَيفَ يَنْبَغِي للراوي أَن يروي وَفِي الْمَفْهُوم من رِوَايَته بَاب فِي الْأَخْبَار المتعارضة بَاب فِيمَا يرجح بِهِ الْخَبَر على غَيره فَالْأول - ﷺ َ - بَاب فِي اسْم الْخَبَر وَحده وَمَا بِهِ يكون الْخَبَر خَبرا وأقسامه الصدْق وَالْكذب - ﷺ َ -
أما قَوْله خبر فواقع على قَول مَخْصُوص وَلَيْسَ بواقع على سَبِيل الْحَقِيقَة على الْإِشَارَة وَالدّلَالَة لِأَن من وصف غَيره بِأَنَّهُ مخبر وَبِأَنَّهُ فَاعل للْخَبَر لم يسْبق إِلَى فهم السَّامع لَهُ إِلَّا أَنه مُتَكَلم بِصِيغَة مَخْصُوصَة
فَأَما مَا مَعَه تكون الصِّيغَة خَبرا مستعملة فِي فائدتها فَيَنْبَغِي أَن يشْتَرط فِيهِ الْإِرَادَة والأغراض لِأَن صِيغَة الْخَبَر قد ترد وَلَا تكون خَبرا بل تكون أمرا وَلَا تشْتَرط الْإِرَادَة والأغراض فِي كَون الْخَبَر على صِيغَة الْخَبَر
[ ٢ / ٧٣ ]
وَأما حد الْخَبَر فقد قيل إِن أهل اللُّغَة حدوه بِأَنَّهُ كَلَام يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب فان قيل أَلَيْسَ قَول الْقَائِل مُحَمَّد ومسيلمة صادقان خبر وَلَيْسَ بِصدق وَلَا كذب قيل قد أجَاب الشَّيْخ أَبُو عَليّ بَان هَذَا الْخطاب يُفِيد صدق أَحدهمَا فِي حَال صدق الآخر فَكَأَنَّهُ قَالَ أَحدهمَا صَادِق فِي حَال صدق الآخر وَلَو قَالَ ذَلِك كَانَ قَوْله كذبا فَكَذَلِك إِذا قَالَ هما صادقان وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَيْسَ ينبىء هَذَا الْكَلَام عَن أَن صدق أَحدهمَا حَاصِل فِي حَال صدق الآخر وَلَا أَنه قبله وَلَا بعده فَلَا يكون ذَلِك معنى الْكَلَام
وَأجَاب الشَّيْخ أَبُو هَاشم بِأَن هَذَا الْكَلَام يجْرِي مجْرى خبرين أَحدهمَا خبر بِصدق النَّبِي ﷺ وَالْآخر خبر بِصدق مُسَيْلمَة فَكَمَا لَا يجوز أَن يُقَال فِي مَجْمُوع خبرين متميزين إنَّهُمَا صدق أَو كذب فَكَذَلِك فِي هَذَا الْكَلَام وَلقَائِل أَن يَقُول بِأَن هَذَا الْكَلَام لَا يجْرِي مجْرى خبرين إِلَّا من حَيْثُ أَفَادَ حكما لشخصين وَذَلِكَ لَا يمْنَع من وَصفه بِالصّدقِ وَالْكذب أَلا ترى أَن قَول الْقَائِل كل شَيْء قديم كذب وَإِن أَفَادَ حكما لذوات كَثِيرَة
وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ بِأَن مرادنا بقولنَا مَا دخله الصدْق وَالْكذب هُوَ مَا إِذا قيل للمتكلم بِهِ صدقت أَو كذبت لم يحظره اللُّغَة وَهَذِه صُورَة هَذَا الْكَلَام فَكَانَ دَاخِلا فِي حد الْخَبَر
وَأجَاب الشَّيْخ أَبُو عبد الله بِأَن هَذَا الْكَلَام كذب فانه يُفِيد الْإِخْبَار عَن شَيْء على خلاف مَا هُوَ بِهِ لِأَنَّهُ يُفِيد إِضَافَة الصدْق إِلَيْهِمَا وَلَيْسَ هُوَ مُضَافا إِلَيْهِمَا وَإِن كَانَ مُضَافا إِلَى أَحدهمَا كَانَ أَن قَول الْقَائِل كل إِنْسَان أسود كذب لِأَنَّهُ يُفِيد إِضَافَة السوَاد إِلَى جَمِيعهم وَلَيْسَ هُوَ مُضَافا إِلَى جَمِيعهم
إِن قيل إِذا حددتم الْخَبَر بِأَنَّهُ مَا دخله الصدْق وَالْكذب وحددتم الصدْق بِأَنَّهُ الْإِخْبَار على الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وحددتم الْكَذِب بِأَنَّهُ الْإِخْبَار عَن الشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ كُنْتُم قد عَرَفْتُمْ الْمَجْهُول بِالْمَجْهُولِ قيل قد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ بِأَن الْخَبَر قد عَرفْنَاهُ ولسنا نُرِيد بتحديده أَن نعرفه
[ ٢ / ٧٤ ]
وَإِنَّمَا نُرِيد أَن نفصله عَن غَيره فَلم يكن فِيمَا فعلنَا تَعْرِيف الْمَجْهُول بِالْمَجْهُولِ وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ إِن كَانَ الْغَرَض بِالْحَدِّ التَّمْيِيز فَنحْن إِذا ميزنا وفصلنا الْخَبَر بِالصّدقِ وَالْكذب وميزنا الصدْق وَالْكذب بالْخبر كُنَّا قد ميزنا وفصلنا كل وَاحِد مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ وكأنا قُلْنَا الْخَبَر يتَمَيَّز بِأَنَّهُ خبر فان صَحَّ ذَلِك فَيجب الِاقْتِصَار على القَوْل بِأَن الْخَبَر هُوَ خبر وَلَا يتَكَلَّف هَذَا التَّطْوِيل وعَلى أَنا إِن كُنَّا قد عرفنَا الْخَبَر وعقلناه فَمن سَأَلنَا عَن حَده فانما سَأَلنَا عَن عبارَة تنبىء عَن هَذَا الْمَعْقُول الْمَعْرُوف لنا فَيجب أَن نأتي بهَا والا لم نَكُنْ قد حددناه وَأَيْضًا فان كُنَّا قد عقلنا جَمِيع معنى الْخَبَر فقد تميز لنا أَيْضا فَيجب أَن نستغني عَن حَده
جَوَاب آخر وَهُوَ أَن قَوْلنَا مَا دخله الصدْق وَالْكذب أردنَا بِهِ مَا لَا يحظر أهل اللُّغَة أَن يُقَال للمتكلم بِهِ صدقت أَو كذبت وَلَيْسَ يقف حظر ذَلِك على معرفَة الصدْق وَالْكذب بل ذَلِك يرجع فِيهِ إِلَى اللُّغَة وَهَذَا لَا يَصح أَيْضا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يسوغ أهل اللُّغَة أَن يُقَال للمتكلم صدقت أَو كذبت إِذا عرفونا الصِّيغَة وميزوها مِمَّا لَا يَصح أَن يُقَال لمن تكلم بِهِ صدقت أَو كذبت فَالْخَبَر هُوَ مَا اخْتصَّ بِتِلْكَ الصِّيغَة فَيجب أَن يكون حد الْخَبَر هُوَ مَا أنبأ عَنْهَا
وَالْأولَى أَن نحد الْخَبَر بِأَنَّهُ كَلَام يُفِيد بِنَفسِهِ إِضَافَة أَمر من الامور إِلَى أَمر من الامور نفيا أَو إِثْبَاتًا وَإِنَّمَا قُلْنَا بِنَفسِهِ لِأَن الْأَمر يُفِيد وجوب الْفِعْل لَا بِنَفسِهِ وَإِن مَا يُفِيد هُوَ استدعاء للْفِعْل لَا محَالة لَا يُفِيد إِلَّا ذَلِك بِنَفسِهِ وَإِن مَا يُفِيد كَون الْفِعْل وَاجِبا تبعا لذَلِك ولصدوره عَن حَكِيم وَكَذَلِكَ دلَالَة النَّهْي على قبح الْفِعْل فَأَما قَول الْقَائِل هَذَا الْفِعْل وَاجِب اَوْ قَبِيح فانه يُفِيد تصريحه تَعْلِيق الْوُجُوب والقبح بِالْفِعْلِ
فَأَما أَقسَام الْخَبَر الصدْق وَالْكذب فَعِنْدَ أبي عُثْمَان الجاحظ أَن الْخَبَر المتناول للشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ من شَرط كَونه صدقا أَن يعْتَقد فَاعله أَو يظنّ أَنه كَذَلِك والمتناول للشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ من شَرط كَونه كذبا أَن يَعْتَقِدهُ فَاعله أَو
[ ٢ / ٧٥ ]
يَظُنّهُ كَذَلِك وَمَتى لم يَعْتَقِدهُ كَذَلِك وَلم يَظُنّهُ لم يكن صدقا وَلَا كذبا وأجراه مجْرى الِاعْتِقَاد فِي خلوه من كَونه علما أَو جهلا إِذا تنَاول الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وَلم يقتض سُكُون النَّفس وَحجَّة أبي عُثْمَان هِيَ أَن زيدا إِذا كَانَ فِي الدَّار فَظن ظان أَنه لَيْسَ فِيهَا فَقَالَ زيد فِي الدَّار لم يصفه أحد بِأَنَّهُ صَادِق فَبَطل أَن يكون الْخَبَر إِذا تنَاول الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ كَانَ صدقا على كل حَال وَلَو قَالَ زيد لَيْسَ فِي الدَّار لم يصفه أحد بِأَنَّهُ كَاذِب فَبَطل ان يكون الْخَبَر مَتى تنَاول الشَّيْء لَا على مَا هُوَ كَانَ كذبا على كل حَال وَلَو أخبر بِأَن زيدا فِي الدَّار وَكَانَ فِيهَا وَهُوَ يَعْتَقِدهُ أَو يَظُنّهُ فِيهَا وصف بِأَنَّهُ صَادِق وَيكون كَاذِبًا إِذا أخبر بانه لَيْسَ فِيهَا وَهُوَ يَظُنّهُ أَو يَعْتَقِدهُ فِيهَا
وَعند جمَاعَة شُيُوخنَا أَن الْخَبَر إِمَّا أَن يكون صدقا أَو كذبا لِأَن الْيَهُودِيّ إِذا قَالَ مُحَمَّد ﷺ لَيْسَ بِنَبِي لم يمْتَنع أحد من وَصفه بِأَنَّهُ كَاذِب وَوصف خَبره بِأَنَّهُ كذب وَإِن جَازَ أَن لَا يكون مُعْتَقدًا وَلَا ظَانّا لنبوته ﷺ وَإِذا قَالَ قَائِل إِنَّه نَبِي لم يمْتَنع أحد من وَصفه بِأَنَّهُ صَادِق وَأَن خَبره صدق فَعلم أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يشْتَرط الظَّن والاعتقاد فِي كَون الْخَبَر صدقا أَو كذبا
وَقد أفسد قَاضِي الْقُضَاة قَول ابي عُثْمَان بِأَن ظن الْمخبر واعتقاده يرجع إِلَيْهِ لَا إِلَى الْخَبَر فَلم يكن شرطا فِي كَونه كذبا وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع ذَلِك كَمَا أَن إِرَادَة الْمخبر رَاجِعَة إِلَيْهِ وَهِي شَرط عِنْده فِي كَون الْخَبَر خَبرا وَالْكَلَام فِي ذَلِك فِي عبارَة وَالْأولَى أَن نفصل القَوْل فِيهِ فَمَتَى سَأَلَ سَائل عَن رجل قَالَ زيد فِي الدَّار وَهُوَ يَظُنّهُ فِيهَا وَلم يكن فِيهَا هَل هُوَ كَاذِب وَكَلَامه كذب أَو لَا فانا نقُول هُوَ كَاذِب وَكَلَامه كذب على معنى أَن مخبره على خلاف مَا تنَاوله ونوصف بِأَنَّهُ لَيْسَ بكاذب وَكَلَامه لَيْسَ بكذب لِمَعْنى أَنه لم يقْصد بِهِ الْإِخْبَار عَن الشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ وَإِذا اخْتلف الْقَصْد بوصفنا لهَذَا الْخَبَر بِأَنَّهُ كذب وَجب أَن لَا يُطلق الْوَصْف عَلَيْهِ بذلك وَأَن يُقيد وَكَذَلِكَ القَوْل فِيمَن أخبر بالشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وَهُوَ يظنّ أَنه كَاذِب أَن خَبره يُوصف بِأَنَّهُ صدق وَأَنه صَادِق على هَذَا التَّقْيِيد فَأَما وصف الْيَهُودِيّ بِأَنَّهُ كَاذِب فِي
[ ٢ / ٧٦ ]
قَوْله إِن مُحَمَّدًا ﷺ لَيْسَ بِنَبِي فَمَعْنَاه أَنه فَاعل لخَبر مخبره على خلاف مَا هُوَ بِهِ وَأَيْضًا فَظَاهر من الْيَهُود العناد وَالتَّقْصِير فِي النّظر فهم مقدمون على هَذَا الْخَبَر مَعَ خوفهم أَن يَكُونُوا كاذبين فوصفوا بِأَنَّهُم كاذبون على طَرِيق الذَّم - ﷺ َ - بَاب فِي الْأَخْبَار الَّتِي يعلم صدقهَا وَالَّتِي يعلم كذبهَا وَالَّتِي لَا يعلم كلا الْأَمريْنِ من حَالهَا - ﷺ َ -
الْأَخْبَار مِنْهَا مَا يعلم سامعها صدقهَا وَمِنْهَا مَا لَا يعلم صدقهَا أما الَّتِي لَا يعلم صدقهَا إِمَّا أَن يعلم كذبهَا أَو لَا يعلم كذبهَا وَلَا صدقهَا وَالَّتِي يعلم صدقهَا إِمَّا أَن يُعلمهُ بِأَمْر مُنْفَصِل عَنْهَا أَو غير مُنْفَصِل عَنْهَا فَالْأول إِمَّا أَن يكون إِخْبَارًا عَمَّا يعلم صِحَّته ضَرُورَة بالإدراك أَو غَيره كالإخبار بعلو السَّمَاء على الأَرْض وَبِأَن الْعشْرَة أَكثر من الْخَمْسَة وَإِمَّا أَن يكون إِخْبَارًا عَمَّا يعلم صِحَّته بالاستدلال بِالْعقلِ وبالسمع كالخبر عَن حِكْمَة الله سُبْحَانَهُ وَهُوَ وجوب الصَّلَاة وَغير ذَلِك وَأما الَّتِي يعلم صدقهَا بِمَا يتَّصل بالْخبر وَيتَعَلَّق بِهِ فإمَّا أَن يرجع إِلَى أَحْوَال الْمخبر أَو إِلَى أَحْوَال السَّامع
فالاول ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون الْمخبر لَا يجوز عَلَيْهِ الْكَذِب أصلا وَالْآخر لَا يجوز كَونه كَاذِبًا فِي ذَلِك الْخَبَر وَإِن جَازَ ان يكذب فِي غَيره فَالْأول أَن يكون الْمخبر حكيما إِمَّا لعلمه وغناه وَإِمَّا لِأَنَّهُ عصم من الْكَذِب إِمَّا لدلَالَة المعجزات وَإِمَّا لشهادة الله وَرَسُوله بذلك كالامة وَأما الْمخبر الَّذِي يجوز عَلَيْهِ الْكَذِب فِي غير ذَلِك الْخَبَر فانما نعلم صدقه فِي الْخَبَر إِذا لم يكن لَهُ دَاع إِلَى الْكَذِب وَلَا يجوز أَن يشْتَبه عَلَيْهِ الْمخبر عَنهُ وَإِنَّمَا نعلم أَنه لَا دَاعِي لَهُ إِلَى الْكَذِب إِذا كَانَ المخبرون كَثْرَة يمْتَنع مَعهَا أَن ينظمهم دَاع وَاحِد إِلَى الْكَذِب اتِّفَاقًا أَو تواطؤا
وَأما الرَّاجِع إِلَى السَّامع فإمَّا أَن يرجع إِلَى إِمْسَاكه عَن النكير أَو إِلَى مصيره إِلَى الْخَبَر أما الأول فبأن يخبر الْمخبر بِحَضْرَة من يَدعِي عَلَيْهِ الْعلم بصدقه فَلَا
[ ٢ / ٧٧ ]
يُنكره مَعَ علمنَا بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَاذِبًا لأنكره إِمَّا من جِهَة الْحِكْمَة وَإِمَّا من جِهَة الْعَادة فَالْأول أَن يكون من ادعِي عَلَيْهِ الْعلم بِصدق الْخَبَر نَبيا وَأما الثَّانِي فبأن يكون من ادّعى عَلَيْهِ الْعلم جمَاعَة كثيرين وَلَا دَاعِي لَهُم إِلَى الْإِمْسَاك من رَغْبَة وَلَا رهبة
فَأَما الرَّاجِع إِلَى مصيره إِلَى الْخَبَر فَهُوَ أَن لَا يَدعِي على السامعين الْعلم بِهِ لكِنهمْ يصيرون إِلَيْهِ عملا أَو تقبلا أَو تركا لرده على خلاف فِي ذَلِك
فاما الْأَخْبَار الَّتِي يعلم السَّامع كذبهَا فَمِنْهَا مَا يعلم ذَلِك من حَالهَا لأمر مُنْفَصِل عَنْهَا كالأخبار عَمَّا يعلم باضطرار كذبهَا أَو بِدَلِيل سَمْعِي أَو عَقْلِي وَمِنْهَا مَا يعلم ذَلِك من حَالهَا بِأَمْر مُتَّصِل بِهِ وَذَلِكَ رَاجع إِلَى كَيْفيَّة نقل الْخَبَر بِأَن ينْقل خفِيا وَمن حَقه أَن ينْقل ظَاهرا وَإِنَّمَا يكون ذَلِك من حَقه إِذا كَانَ الْمخبر عَنهُ ظَاهرا وقويت دواعي الدّين أَو الْعَادة أَو كليهمَا إِلَى نَقله فَالْأول اصول الشَّرِيعَة وَالثَّانِي أَن يثبت النَّاس على رجل بَيِّنَة فِي مَسْجِد الْجَامِع يَوْم الْجُمُعَة فَلَا يَنْقُلهُ إِلَّا وَاحِد أَو اثْنَان وَالثَّالِث المعجزات فانه قد اجْتمع فِيهَا أَنَّهَا غَرِيبَة بديعة وَأَن الدّين يتَعَلَّق بهَا
فَأَما النَّص الَّذِي تدعيه الإمامية وتدعي لُزُوم الْمعرفَة بِهِ لأهل كل عصر فانه إِذا لم ينْقل نقلا يحجّ وأجمعت الامة على أَنه لَو كَانَ صَحِيحا للَزِمَ الْعلم بِهِ أهل الْأَعْصَار فانا نعلم بُطْلَانه لِأَن الله ﷿ لَو كلفهم الْعلم بِهِ لجعل لَهُم إِلَيْهِ سَبِيلا فان لم يجمع الْأمة على ذَلِك لم يعلم بُطْلَانه إِلَى بطرِيق آخر لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون صَحِيحا وَيلْزم الْعلم بِهِ من عاصر الإِمَام وَيكون قَول من قَالَ إِن فرض الْعلم بِهِ لَازم لأهل الْأَعْصَار كلهَا بَاطِلا
فَأَما ظُهُور مخبر الْخَبَر فَلَيْسَ بِمُوجب بِانْفِرَادِهِ شياع نَقله لِأَن طُلُوع الشَّمْس ظَاهر وَلم يجب نَقله فَأَما أَن لَا ينْقل الشَّيْء نقل نَظِيره فَلَيْسَ بِمُوجب كذب الْخَبَر إِلَّا أَن تكون الدَّوَاعِي قَوِيَّة إِلَى نَقله فَأَما إِذا لم يكن كَذَلِك فَلَيْسَ بممتنع إِذا لم تقو الدَّوَاعِي إِلَى نَقله أَن يتَّفق نقل نَظِيره نقلا شَائِعا وَلَا
[ ٢ / ٧٨ ]
ينْقل هُوَ هَذَا النَّقْل فَأَما جهر النَّبِي ﷺ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَلَو كَانَ على حد جهره بِالْفَاتِحَةِ كلهَا لنقل كنقل الْفَاتِحَة لِأَن الدَّاعِي إِلَيْهِمَا وَاحِد لكنه لَا يمْتَنع أَن يكون النَّبِي ﷺ كَانَ يجْهر بِالْفَاتِحَةِ فِي جَمِيع صلوَات الْجَهْر وَكَانَ يجْهر بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم تَارَة دون تَارَة أَو كَانَ يجْهر بهَا جَهرا خفِيا يسْمعهَا من قوى سَمعه مِمَّن قرب مِنْهُ دون من بعد أَو من ضعف سَمعه حسب عَادَة كثير مِمَّن يبتدىء بِالْقِرَاءَةِ يجْهر بهَا جَهرا قَرِيبا ثمَّ يشْتَد صَوته فَلذَلِك اخْتلف النَّقْل للجهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
فَأَما الْخَبَر الَّذِي إِذا فتش عَنهُ أهل الْعلم وَلم يظفروا بِهِ فِي جملَة الْأَخْبَار بعد اسْتِقْرَار السّنَن فانه يعلم كذبه لعلمنا أَن الْأَخْبَار قد دونت وَرِوَايَة الْخَبَر بَعْدَمَا دونت الْأَخْبَار هِيَ رِوَايَة لما دون وَنَنْظُر فاذا لم يُوجد ذَلِك علمنَا كذبه لأَنا لم نشاهده كَمَا لَو قَالَ الرَّاوِي هَذَا الْخَبَر فِي الْكتاب الْفُلَانِيّ فَلَا نشاهده فِيهِ
فَأَما مَا يعم الْبلوى بِهِ إِذا لم يشْتَهر نَقله فان كَانَ متضمنا للْعلم فقد تقدم ذكره وَإِن كَانَ متضمنا للْعَمَل فَسَيَأْتِي الْخلاف فِيهِ إِن شَاءَ الله
وَأما الْأَخْبَار الَّتِي لَا يعلم صدقهَا وَلَا كذبهَا فَهِيَ أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي لَا يقْتَرن بهَا مَا يمْنَع من صِحَّتهَا وَهِي ضَرْبَان مِنْهَا مَا تَتَضَمَّن عملا وَمِنْهَا مَا تَتَضَمَّن علما أما الأول فإمَّا أَن لَا يجب الْعَمَل بهَا بَان لَا تتكامل فِيهَا الشُّرُوط الَّتِي مَعهَا يجب الْعَمَل بهَا وَإِمَّا أَن يجب الْعَمَل بهَا إِمَّا عقلا كأخبار الْمُعَامَلَات وَإِمَّا أَن يجب سمعا كأخبار الشَّرِيعَة وكالشهادات عِنْد من لم يُوجب الْعَمَل بهَا عقلا وَأما المتضمنة للْعلم فَمِنْهَا مَا يُوَافق مُقْتَضى الْعقل وَمِنْهَا مَا لَا يُوَافقهُ فَالْأول يجوز أَن يكون النَّبِي ﷺ قَالَه وَالثَّانِي إِن أمكن تَأْوِيله من غير تعسف يجوز أَن يكون قَالَه وَإِن لم يُمكن تَأْوِيله إِلَّا بتعسف لم يجز أَن يكون قَالَه على ذَلِك الْحَد وَإِنَّمَا يجوز أَن يكون قَالَه مَعَ زِيَادَة أَو نُقْصَان أَو حِكَايَة عَن الْغَيْر
وَاعْلَم أَنه لَا يجوز كَون أَخْبَار الْآحَاد المروية عَن النَّبِي ﷺ كلهَا كذبا لِأَن
[ ٢ / ٧٩ ]
الْعَادة تمنع فِي الْأَخْبَار الْكَثِيرَة أَن يكذب رواتها على كثرتها وَاخْتِلَافهمْ وكثرتهم وَلَيْسَ جَمِيع مَا يروي عَنهُ صلوَات الله عَلَيْهِ صدقا لما رُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ سيكذب عَليّ فان كَانَ هَذَا الْخَبَر صدقا فقد كذب عَلَيْهِ وَإِن كَانَ كذبا فقد كذب عَلَيْهِ فِيهِ ﷺ
وَقد كَانَ السّلف يُنكرُونَ كَثْرَة الرِّوَايَة وَحكي عَن شُعْبَة أَنه قَالَ ثلث الحَدِيث كذب وَكثير مِمَّا يتَضَمَّن الْجَبْر والتشبيه مَا لَا يُمكن تَأْوِيله إِلَّا بتعسف شَدِيد لَا يتَعَذَّر مثله فِي كل كَلَام متناقض وَذَلِكَ يمْنَع أَن يَقُوله النَّبِي ﷺ وَلَا يمْنَع أَن يكون من روى ذَلِك من الْمُتَأَخِّرين فقد تعمد الْكَذِب وَلَا يمْتَنع أَن يثبت أَن بعض الصَّحَابَة الَّذِي رَوَاهَا أَن يكون لحقه سَهْو وَغلط وَأَن يكون النَّبِي ﷺ حَكَاهُ عَن غَيره وَظن الرَّاوِي أَنه حَكَاهُ عَن نَفسه أوخرج عَن سَبَب بِغَيْر فَائِدَته أَو تقدمه مَا يعين حكمه وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا دخل عَلَيْهِ دَاخل وَهُوَ فِي حَدِيث ابتدا أَوله لِأَن معنى الحَدِيث يتَغَيَّر بِحَسب أَوله وَلما ذكرنَا قَالَت عَائِشَة فِيمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ ولد الزِّنَا شَرّ الثَّلَاثَة والتاجر فَاجر إِنَّمَا عني ﷺ تَاجِرًا دلّس وَولد زنا سبّ أمه وَقَالَت فِيمَا رُوِيَ عَنهُ الشؤم فِي ثَلَاث الْمَرْأَة وَالدَّار وَالْفرس أَنه ﷺ حَكَاهُ عَن غَيره وَأنْكرت مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الْمَيِّت يتعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَن يواصل رِوَايَة هَذِه الْأَخْبَار وأمثالها لتَكون مضبوطة فَيمْتَنع الزِّيَادَة فِيهَا وَلَو أهملت رِوَايَتهَا لأمكن أَن يزْدَاد فِيهَا فاذا أنكرها مُنكر قَالَ الرَّاوِي إِنَّمَا لم يعرف مَا رويته لِأَنَّهُ مِمَّا أهملت رِوَايَته وَيَنْبَغِي لراويها أَن يتأولها لمن يَرْوِيهَا لَهُ إِن كَانَ يضعف عَن تَأْوِيلهَا أَو يبين لَهُ بُطْلَانهَا إِن لم يُمكن تَأْوِيلهَا - ﷺ َ - بَاب فِي بَيَان وُقُوع الْعلم بالأخبار وَبَيَان صفة الْعلم الْوَاقِع بالتواتر - ﷺ َ -
أما خبر الله ﷿ وَخبر رَسُوله وأخبار الْأمة فانما وَقع الْعلم لمخبرها لِأَن حِكْمَة الله تَقْتَضِي صدقه فِي إخْبَاره وَصدق من أظهر عَلَيْهِ المعجز وَأخْبر
[ ٢ / ٨٠ ]
بعدالته وَأما الْأَخْبَار المتواترة كالإخبار عَن وجود مَكَّة وَغَيرهَا فقد حُكيَ عَن قوم أَنه لَا علم إِلَّا بالحواس دون الْإِخْبَار وَالَّذِي يبطل قَوْلهم وجد اننا أَنْفُسنَا معتقدة وجود مصر وخراسان سَاكِنة إِلَى غير ذَلِك عِنْد تَوَاتر الْأَخْبَار علينا بهَا فَجرى مجْرى الْمعرفَة بالمشاهدات وَيُفَارق مَا يرويهِ الْوَاحِد والاثنان وَمن خَالف فِي أَنا معتقدون لذَلِك واثقون بِهِ فقد دفع مَا نجده فَلَا وَجه لمكالمته وَلَيْسَ لَهُم أَن يَقُولُوا لَو وَقع الْعلم بالأخبار المتواترة لوقع عِنْد الْخَبَر الأول وَالثَّانِي لِأَن من يَقُول وَإِن الْعلم لمخبر هَذِه الْأَخْبَار مكتسب يَقُول إِن شَرط اكتسابه حَاصِل فِي التَّوَاتُر دون الْآحَاد وَمن يَقُول إِنَّه ضَرُورِيّ يَقُول إِن الله سُبْحَانَهُ اخْتَار فعله عِنْد التَّوَاتُر دون الْآحَاد وَله أَن يَقُول مَا ذكره السَّائِل يجْرِي مجْرى الشّبَه وَالْعلم الضَّرُورِيّ لَا يَنْتَفِي بِمَا يجْرِي مجْرى الشّبَه أَلا ترى أَن الْعلم بالمدركات لَا يَنْتَفِي باخْتلَاف المناظر
وَاخْتلف النَّاس فِي الْعلم الْوَاقِع عِنْد التَّوَاتُر فَقَالَ شيخانا أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم إِنَّه ضَرُورِيّ غير مكتسب وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْبَلْخِي إِنَّه مكتسب وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي أصُول الْفِقْه وَنحن نؤمن إِلَى القَوْل فِيهِ لِأَن النَّاس قد ذَكرُوهُ فِي أصُول الْفِقْه ونحيل باستيفائه على مَا ذَكرْنَاهُ فِي شرح الْعمد فَنَقُول إِن الِاسْتِدْلَال هُوَ تَرْتِيب عُلُوم يتَوَصَّل بِهِ إِلَى علم آخر فَكل مَا وقف وجوده على تَرْتِيب عُلُوم فَهُوَ مستدل عَلَيْهِ وَالْعلم الْوَاقِع بالتواتر هَذِه سَبيله لأَنا إِنَّمَا نعلم مَا أخبرنَا بِهِ إِذا علمنَا أَن الْمخبر لم يخبر عَن رَأْيه بل أخبر عَمَّا لَا لبس فِيهِ وَأَنه لَا دَاعِي لَهُ إِلَى الْكَذِب فنعلم أَنه لم يتَعَمَّد الْكَذِب لعلمنا أَنه لَا دَاعِي لَهُ إِلَى الْكَذِب ونعلم أَنه لَا يجوز كَونه كذبا وَإِن لم يتعمده لعلمنا بظهوره وارتفاع اللّبْس فِيهِ فَإِذا فسد كَونه كذبا ثَبت كَونه صدقا وَمَتى اخْتَلَّ شَرط من هَذِه الشُّرُوط لم نعلم صِحَة الْخَبَر
وَالْقَوْل بعد هَذَا إِن ذَلِك طَرِيق يُمكن مثله فِي كل الْعُلُوم وَأقوى مَا يذكرهُ الذاهبون إِلَى القَوْل الأول محتجين ومعترضين على مَا ذكرنَا هُوَ أَن الْوَاحِد منا
[ ٢ / ٨١ ]
يعلم وجود الصين وَلَا يعلم أَنه اخبره بذلك كَثْرَة وَذَلِكَ بَاطِل لِأَن الْإِنْسَان يعلم فِي الْجُمْلَة أَنه قد أخبرهُ بذلك من لَا دَاعِي لَهُ إِلَى الْكَذِب وَإِن لم يعلم أعيانهم وَيعلم أَن كل من يسْأَله عَن الصين إِمَّا أَن يُخبرهُ عَن مُشَاهدَة أَو عَن خبر من شَاهده وَيعلم أَنه لَا يجوز أَن لَا يكون لوُجُود الصين أصل ويتصل الْأَخْبَار عَنْهَا للأزمان الطَّوِيلَة وَلَا يظْهر كذبهَا لأحد من النَّاس وَلَا يجوز أَن يظْهر كذبهَا وَلَا يتحدث بِهِ وَيظْهر الْخلاف فِيهِ وَالْإِنْكَار لَهُ فينتشر
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الْعلم الْوَاقِع بالتواتر لَا يَنْتَفِي بالشبه وَهَذِه عَلامَة الضَّرُورِيّ وَهَذَا غير مُسلم لِأَن الْعُلُوم الْمُجَاورَة للضرورية لَا تَنْتفِي بالشبه وَهِي مكتسبة
وَاحْتَجُّوا بَان من لَيْسَ من أهل النّظر كالمراهقين والعوام يعْرفُونَ الْبلدَانِ فَعلم أَن ذَلِك غير وَاقع عَن نظر وَالْجَوَاب أَن النّظر فِي ذَلِك لَيْسَ هُوَ إِلَّا تَرْتِيب الْعُلُوم بأحوال المخبرين وَهَذَا الْقدر يحصل للعامة والمراهقين لِأَن هَؤُلَاءِ لَا يمْتَنع أَن يَتَرَتَّب فِي أنفسهم كثير من الْعُلُوم وَيحصل لَهُم عَن ذَلِك عُلُوم أخر
وَاحْتَجُّوا بِأَن اعتقادنا للاستغناء عَن النّظر فِي الْعلم بالبلدان يصرفنا عَن النّظر فِيهِ فَيجب أَن لَا يَقع منا وَذَلِكَ يخْتل كوننا عَالمين بهَا والمعلوم خِلَافه وَالْجَوَاب أَن الِاسْتِدْلَال على ذَلِك لَيْسَ هُوَ أَكثر من تَرْتِيب عُلُوم بأحوال المخبرين على مَا ذكرنَا وَذَلِكَ يحصل عِنْد سَماع الْمخبر الْمُتَوَاتر لأَنا نعلم كثرتهم وَامْتِنَاع تواطئهم واتفاق الْكَذِب مِنْهُم وَيعلم ظُهُور الْمخبر وارتفاع اللّبْس فِيهِ وَالْعلم بِصِحَّة الْمخبر عَنهُ يَقع عِنْد ذَلِك من غير استيناف نظر بعد مَا ذَكرْنَاهُ فَهَذَا هُوَ القَوْل فِي الْخَبَر الْمُتَوَاتر
فَأَما إِذا أخبر الْوَاحِد بِشَيْء لَا لبس فِيهِ بِحَضْرَة جمَاعَة لَا يتَعَمَّد مثلهَا الْكَذِب فَادّعى مشاهدتها لذَلِك وَلم يصرفهَا عَن تَكْذِيبه صَارف بدين وَلَا رهبة وَلَا رَغْبَة فَسَكَتَتْ عَن تَكْذِيبه فانه يعلم صدقه لِأَن استشهاده بهَا إِنَّمَا هُوَ طلب
[ ٢ / ٨٢ ]
لإخبارها بِمثل مَا أخبر بِهِ أَو طلب لسكوتها عَن تَكْذِيبه فسكوتها عَن تَكْذِيبه كالإخبار عَن تَصْدِيقه فاذا لم يجز أَن يخبر بصدقه وَهِي عَالِمَة أَنه كَاذِب فَكَذَلِك إِذا سكتت وَأَيْضًا فان نفوس النَّاس مُؤثرَة لتكذيب الْكذَّاب سِيمَا إِذا استشهدها وَمَتى كفت عَن ذَلِك وجدت فِي أَنْفسهَا ضَرَرا فاذا لم يكن فِي مُقَابلَة هَذَا صَارف وَجب أَن تكذبه بأجمعها أَو بَعْضهَا إِن كَانَ كَاذِبًا فاما أَن دَعَاهَا التدين أَو رَغْبَة إِلَى السُّكُوت فان ذَلِك لَا يَسْتَوِي للجماعات فِي إيثارهما على الْإِخْبَار بكذب الْمخبر إِذا علموه كذابا وَأما هَيْبَة السُّلْطَان فانها إِن منعت فِي الْحَال عَن تَكْذِيبه فانها لَا تمنع فِي الْمُسْتَقْبل فِي غير ذَلِك الْمجْلس وَلَا تمنع من إِظْهَار ذَلِك إِلَى الإخوان والأصدقاء فَلَا يلبث ذَلِك أَن يشيع وَيظْهر وَلِهَذَا لَا يطْمع السُّلْطَان فِي أهل بَغْدَاد أَن يشْتَهر بهم الْحَال فِي ترك تَكْذِيب الْمُدَّعِي أَن بَين الْبَصْرَة وبغداد بَلَدا أكبر مِنْهُمَا
فاما خبر الْمخبر بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ فانه إِمَّا أَن يَدعِي عَلَيْهِ مشاهدته أَو لَا يَدعِي ذَلِك فان ادَّعَاهَا فسكوت النَّبِي ﷺ عَن الرَّد عَلَيْهِ مَعَ كَونه كَاذِبًا موهم صدقه فاذا سُكُوته دَلِيل على صدقه وَإِن لم يدع مشاهدته فإمَّا أَن يكون مَا أخبر بِهِ من أُمُور الدّين أَو الدُّنْيَا فان كَانَ من الدّين فإمَّا أَن يكون قد علم خلاف ذَلِك من شَرعه أَو لم يعلم ذَلِك فان لم يعلم ذَلِك فسكوته دَلِيل على صدقه لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَاذِبًا لأوهم صدقه وَإِن كَانَ قد علم خلاف ذَلِك من شَرعه فاما أَن يكون ذَلِك مِمَّا يجوز أَن يتَغَيَّر شَرعه فِيهِ أَو لَا يجوز فان جَازَ تغيره كَانَ سُكُوته دَلِيلا على صدقه لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَاذِبًا لأوهم تغيره مَعَ أَنه مَا تغير وَلِأَن بسكوته قد ترك أَن يُنكر عَلَيْهِ فعلا قبيحا وَهُوَ كذبه وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يجوز أَن يتَغَيَّر شَرعه فِيهِ لم يجب إِنْكَاره إِذا لم يُؤثر إِنْكَاره لِأَنَّهُ لَا ايهام فِي سُكُوته وَلَا هُوَ ترك لما يُؤثر فِي إِزَالَة الْمُنكر وَلِهَذَا لَا يجب عَلَيْهِ مُوَاصلَة الْإِنْكَار على الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذين كَانَ يشاهدهم يتظاهرون بانحرافهم إِلَى الْإِسْلَام وَإِن كَانَ يُؤثر إِنْكَاره فَلَا بُد من إِنْكَاره لوُجُوب إِنْكَار الْمُنكر إِذا أثر وَذَلِكَ نَحْو إِنْكَار الْمعاصِي على بعض أمته لِأَنَّهُ لَا
[ ٢ / ٨٣ ]
بُد من أَن يكون لإنكاره على من يعْتَقد نبوته تَأْثِير وَإِن كَانَ مَا أخبر عَنهُ الْمخبر من أُمُور الدُّنْيَا فسكوته عَن تَكْذِيبه يَقْتَضِي كَونه عَالما بصدقه أَو غير عَالم بصدقه وَلَا بكذبه وَلَا يجوز كَونه عَالما بكذبه وَلَا يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ فان علمنَا أَنه لَا يخفي عَلَيْهِ صدقه من كذبه فسكوته دَلِيل على صدقه لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَاذِبًا لَكَانَ مَا أَتَاهُ قبيحا يلْزم إِنْكَاره كَسَائِر الْمُنكر
فَأَما خبر الْوَاحِد إِذا أَجمعت الامة على مُقْتَضَاهُ وحكمت بِصِحَّتِهِ فانه يقطع على صِحَّته لِأَنَّهَا لَا تجمع على خطأ وَإِن لم تحكم بِصِحَّتِهِ فَعِنْدَ الشَّيْخ أبي هَاشم وَأبي الْحسن وَأبي عبد الله ﵏ أَن الْأمة لَا تجمع على مُقْتَضى خبر الْوَاحِد إِلَّا وَقد قَامَت بِهِ الْحجَّة وَعند غَيرهم أَنه لَا تكون الْحجَّة قد قَامَت بِهِ وَلَا مَقْطُوعًا على معينه لِأَن الامة إِذا اعتقدت وجوب الْعَمَل بالْخبر المظنون لم يسْتَحل أَن يروي لَهَا خبر وَاحِد قد تكاملت فِيهِ شَرَائِط الْعَمَل فتعمل بِهِ لِأَن الْعَمَل يتبع الاعتقادات وَلِهَذَا جَازَ أَن يجمعوا على الحكم بِالِاجْتِهَادِ لما كَانُوا قد اتَّفقُوا على وجوب الْعَمَل بِهِ وَجَوَاز ذَلِك فِي خبر الْوَاحِد أولى لِأَنَّهُ أظهر
فان قَالُوا إِذا أجمعنا على وجوب الِاجْتِهَاد قَطعنَا على الِاجْتِهَاد قيل إِن أردتم أَنكُمْ تقطعون على أَن الأمارة كَانَت مَقْطُوعًا بحكمها قبل الْإِجْمَاع لم يَصح لِأَن الأمارة لم تكن دلَالَة وَإِن أردتم أَن الأمارة بعد الْإِجْمَاع يقطع على تعلق الحكم بهَا فَلَيْسَ لذَلِك معنى إِلَّا أَن الحكم مَقْطُوع بِهِ لَا يجوز خِلَافه وَهَكَذَا نقُول فِي حكم الْخَبَر الْمجمع عَلَيْهِ وَذَلِكَ غير القَوْل بِأَن الْخَبَر قد قَالَه النَّبِي ﷺ وَحجَّة الْأَوَّلين هِيَ أَن الْعَادة جَارِيَة فِي أمتنَا أَنَّهَا لَا تجمع على مُقْتَضى خبر وَاحِد إِلَّا وَقد قَامَت الْحجَّة بِهِ أَلا ترى أَن مَا لم تقم الْحجَّة بِهِ لم يتفقوا على مُقْتَضَاهُ كَحَدِيث عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ تطيب لحُرْمَة قبل إِحْرَامه وَحَدِيث بروع بنت واشق وَأما الْأَخْبَار عَن أصُول الصَّلَوَات والزكوات فانه لما قَامَت الْحجَّة بهَا أَجمعُوا على حكمهَا وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم
[ ٢ / ٨٤ ]
إِن أردتم أَن أَكثر أَخْبَار الْآحَاد لم يتفقوا على مُوجبهَا قيل لكم قد جوزتم كَون بَعْضهَا لم تقم الْحجَّة بِهِ وَقد وَقع الْإِجْمَاع على حكمه فان قَالُوا نقيس الأول على الْأَكْثَر الَّذِي اختبرناه فَعرفنَا أَن الْإِجْمَاع لم يَقع على حكمه إِلَّا بعد قيام الْحجَّة بِهِ بعلة أَنَّهَا أَخْبَار آحَاد قيل لَهُم لم زعمتم صِحَة هَذِه الْعلَّة وَأَيْضًا فان من يعْتَقد وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد إِذا روى لَهُ خبر وَاحِد وَلم يعْمل بِهِ لَا يَقُول إِنَّمَا لم أعمل بِهِ لِأَنَّهُ خبر وَاحِد بل يَقُول إِنَّمَا لم أعمل بِهِ لِأَنَّهُ لم تتكامل فِيهِ شَرَائِط الْعَمَل أَو يتاوله وَيصير إِلَى غَيره فَبَان أَنه لَيْسَ الْعلَّة فِي أَن لَا يعْمل بِهِ كَونه خبر وَاحِد ثمَّ ينْقض عَلَيْهِم بِخَبَر عبد الرَّحْمَن فِي جِزْيَة الْمَجُوس وَخبر حمل بن مَالك فِي الْجَنِين لِأَن الصَّحَابَة أَجمعت على مُقْتَضى ذَلِك لأجل الْخَيْر من غير ان قَامَت الْحجَّة بِهِ لأَنهم أَجمعُوا عِنْد سَماع الْخَبَر من غير تجدّد شَيْء آخر وَلِهَذَا صَحَّ أَن يسْتَدلّ باجماعهم على ذَلِك على أَنهم أَجمعُوا على الْعَمَل بأخبار غير مَقْطُوع بهَا وَإِن أردتم أَنكُمْ عَرَفْتُمْ أَن كل خبر وَاحِد لم تقم الْحجَّة بِهِ لم يجمعوا على حكمه قيل لم زعمتم ذَلِك وَمَا أنكرتم أَن يكون كثيرا مِمَّا أَجمعُوا على حكمه من أَخْبَار الْآحَاد لم تقم بِهِ الْحجَّة بِهِ وَلَو كَانَ كل مَا اجْمَعُوا على مُقْتَضَاهُ قد قَامَت الْحجَّة بِهِ لم يَصح الِاسْتِدْلَال باجماع الصَّحَابَة على الْعَمَل بأخبار الْآحَاد
وَيُمكن أَن يحتجوا فيقولوا إِذا أَجمعُوا على مُوجب الْخَبَر وَجب كَون الْخَبَر حَقًا لأَنهم لَا يجمعُونَ على خطأ وَلَا يجوز أَن يُقَال إِذا أَجمعُوا على حكمه قَطعنَا على أَن الْخَبَر حق وَإِن لم تكن الْحجَّة قد قَامَت بِهِ لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي أَنهم لَا يتَّفق مِنْهُم الْإِجْمَاع على خبر إِلَّا وَقد قَالَه النَّبِي ﷺ من غير حجَّة دلتهم على ذَلِك وَمثل ذَلِك لَا يحصل بالِاتِّفَاقِ كَمَا لَا يجوز أَن يتَّفق مِنْهُم الصَّوَاب من غير دلَالَة وَالْجَوَاب إِنَّهُم لم يجمعوا على صِحَة الْخَبَر فَيكون صَحِيحا وَإِنَّمَا أَجمعُوا على حكمه وَذَلِكَ يدل على أَن حكمه حق وصواب وَلَا يمْتَنع أَن يقطع على صِحَة الحكم وَإِن كَانَ الْخَبَر مظنونا غير مَقْطُوع بِأَن النَّبِي ﷺ قَالَه
[ ٢ / ٨٥ ]
فاما خبر الْوَاحِد إِذا عمل عَلَيْهِ أَكثر الصَّحَابَة وعابوا على من لم يعْمل بِهِ فحكي عَن عِيسَى بن أبان أَنه يقطع بِهِ وَالصَّحِيح أَنه لَا يقطع بِهِ لِأَن قَول أَكثر أهل الْعَصْر من الْمُجْتَهدين لَيْسَ بِحجَّة وَالْأولَى أَن يسْتَدلّ فِي تَحْرِيم بيع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ نَقْدا بِحَدِيث أبي سعيد ﵁ لَا بِإِجْمَاع الصَّحَابَة لِأَن ابْن عَبَّاس يخالفهم
فَأَما إِذا عمل بعض الصَّحَابَة بِخَبَر وَاحِد وتأوله الْبَاقُونَ فَلَا يجب الْقطع بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِاتِّفَاق مِنْهُم على أَن النَّبِي ﷺ قَالَه لِأَن الْوَاجِب على الْمُجْتَهد أَن يعْمل بِهِ أَو يتأوله
وَأما إِذا تضمن خبر الْوَاحِد علما وَجَاز أَن يَقُوله النَّبِي ﷺ فان إمْسَاك الصَّحَابَة عَن إِنْكَاره لَا يدل على أَن النَّبِي ﷺ قَالَه لجَوَاز أَن يَكُونُوا إِنَّمَا أَمْسكُوا عَن ردة لتجويزهم أَن يكون النَّبِي ﷺ قد قَالَه - ﷺ َ - بَاب فِي شُرُوط وُقُوع الْعلم بالْخبر الْمُتَوَاتر - ﷺ َ -
اعْلَم أَن من جعل الْعلم الْوَاقِع بالتواتر مكتسبا يشرط فِي وُقُوع الْعلم بِهِ أَن يكون المخبرون كَثْرَة يمْتَنع مَعهَا اتِّفَاق الْكَذِب مِنْهُم والتواطؤ عَلَيْهِ وَأَن يَكُونُوا إِنَّمَا أخبروا بِهِ مضطرين وَإِنَّمَا شرطنا ذَلِك لأَنا لَو جَوَّزنَا أَن يشتركوا فِي الْكَذِب اتِّفَاقًا أَو بتواطؤ أَو تراسل لم نَأْمَن أَن يَكُونُوا كذبُوا لهذين الْوَجْهَيْنِ وَلَو جَوَّزنَا أَن يَكُونُوا قد الْتبس عَلَيْهِم مَا أخبروا بِهِ فظنوا أَنهم محقون فِيهِ وهم غير محقين لم نثق بِصِحَّة مَا اخبروا بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن مَا تكاملت فِيهِ هَذِه الشَّرَائِط من الْأَخْبَار يعلم صِحَّتهَا لِأَن مَا أخبر بِهِ المتواترون لَو كَانَ كذبا لم يخل إِمَّا أَن يَكُونُوا قد اعتقدوا كَونه كذبا وتعمدوه أَو يَكُونُوا لم يعتقدوا ذَلِك بل ظنوه صدقا وَهَذَا الاخير غير حَاصِل فِيمَا هُوَ مَعْلُوم باضطرار لِأَنَّهُ لَا لبس فِي ذَلِك وَلَا اشْتِبَاه وَإِن كَانُوا تعمدوا الْكَذِب فَأَما
[ ٢ / ٨٦ ]
أَن يَكُونُوا تعمدوه لغير دَاع أَو لداع والاول بَاطِل لِأَن الْمُمَيز لَا يفعل إِلَّا لداع سِيمَا مَا لَهُ عَنهُ صَارف وَإِن كَانُوا تعمدوه لداع فإمَّا أَن يرجع الدَّاعِي إِلَى الْخَبَر أَو إِلَى غَيره وَالْأول بَاطِل لِأَن الرَّاجِع إِلَى الْخَبَر هُوَ كَونه كذبا وَذَلِكَ يصرف عَن فعله وَيُفَارق إخبارهم بِالصّدقِ عَمَّا فِيهِ فَائِدَة لِأَن الْفَائِدَة تَدْعُو إِلَى ذَلِك وَكَون الْخَبَر صدقا لَا يصرف وَمَا يرجع إِلَى غير الْخَبَر فَهُوَ إِمَّا الدّين أَو الدُّنْيَا من رَغْبَة أَو رهبة وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَفْعَلُوا ذَلِك لداع وَاحِد من هَذِه الدَّوَاعِي وَإِمَّا أَن يَفْعَله بَعضهم لبَعض هَذِه الدَّوَاعِي وَبَعْضهمْ يفعل للْبَعْض الآخر وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تحصل لَهُم هَذِه الدَّوَاعِي بتراسل أَو تحصل لَهُم من غير تراسل وَلَا تشاعر أما التدين الْمُؤَدِّي إِلَى الْإِخْبَار بِخِلَاف مَا يعلم باضطرار فتدين ظَاهر الْبطلَان وَلَيْسَ يجوز أَن يشْتَرك الْخلق الْعَظِيم فِي تَرْجِيح مَا قد ظهر فَسَاده من التدين على مَا فِي عُقُولهمْ من تجنب الْكَذِب والنفور مِنْهُ سِيمَا إِذا علم الْكذَّاب أَن غَيره يعلم أَنه كَاذِب بل لَا بُد أَن يخْتَلف أَحْوَال الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة فِي ذَلِك إِن لم يتفقوا على تجنب الْكَذِب والعدول عَن ذَلِك التدين الظَّاهِر الْبطلَان وَلَا فرق فِيمَا ذَكرْنَاهُ بَين أَن يكون قد دخلت عَلَيْهِم شُبْهَة فِي ذَلِك التدين أَو لم تكن دخلت عَلَيْهِم شُبْهَة لِأَن الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة لَا يتساوون فِي تَرْجِيح الشُّبْهَة على مَا فِي عُقُولهمْ من استقباح الْكَذِب كَمَا لَا يجوز أَن يتساووا فِي مأكل وَاحِد وسلوك طَرِيق وَاحِد وَأما الرَّغْبَة واعتقاد الْمَنْفَعَة فقد تكون رَجَاء عوض عَن الْكَذِب وَقد تكون إِيثَار إطراف النَّاس فكثير من النَّاس يحبونَ أَن يخبروا غَيرهم بِمَا لَا أصل لَهُ ليطرفوهم ويقربوا بذلك من قُلُوبهم وَالْجَمَاعَات لَا يتساوون فِي إِيثَار ذَلِك على إطراح الْكَذِب وَلَا يتساوون فِي الافتقار إِلَى مَا وَقعت الرَّغْبَة بِهِ بل كثير مِنْهُم لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَكثير مِنْهُم يحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا يؤثره على الصدْق فَأَما رَغْبَة السُّلْطَان ورهبته فانهما لَا تجمعان الْجمع الْعَظِيم على الْإِخْبَار بِمَا يعلمونه بَاطِلا أَلا ترى أَن السُّلْطَان لَا يُمكنهُ ذَلِك فِي جَمِيع أهل بَغْدَاد لِأَنَّهُ لَا يُحِيط بهم إحصاؤه حَتَّى يصير كل وَاحِد مِنْهُم مُضْطَرّا إِلَى الْخَبَر وَقد تغري رهبة السُّلْطَان كثيرا من النَّاس بالتحدث بالشَّيْء
[ ٢ / ٨٧ ]
على حَقِيقَته عِنْد الإخوان والثقات وَلَا يلبث بذلك أَن يشيع الْخَبَر الصَّحِيح فِي النَّاس وَرُبمَا علمنَا فِي كثير من الْأَشْيَاء أَنه لَا غَرَض للسُّلْطَان فِي أَن نخبر عَنْهَا بِالْكَذِبِ وَأَنه لَا غَرَض للمخبرين فِي ذَلِك وَلَا يجوز إبِْطَال هَذَا الْقسم بِأَنَّهُ لَو كَانَ السُّلْطَان أرهبهم لظهر لِأَنَّهُ يُقَال فِي ذَلِك مَا أنكرتم أَن يكون السُّلْطَان دعاهم بالرهبة إِلَى كتمان الرهبة وَلَا يجوز أَن تكون الْجَمَاعَة الْعَظِيمَة بَعْضهَا يخبر بِمَا يعلم كذبا بالرغبة وَبَعضهَا لرهبة وَبَعضهَا للتدين لِأَن كلامنا فِي جمَاعَة عَظِيمَة أبعاضها جمَاعَة عَظِيمَة يمْتَنع تَسَاوِي أحوالها فِي قُوَّة هَذِه الدَّوَاعِي وإيثارها على استقباح الْكَذِب والنفور عَنهُ مَعَ مَا فِي طباع النَّاس من محبَّة التحدث بِمَا كَانَ وَلَيْسَ يجوز أَن يُقَال إِن الْجَمَاعَة الْعَظِيمَة قد يكون أَن تخبر بِمَا تعلمه كذبا أَو تكْتم ذَلِك إِلَّا الْوَاحِد والإثنين لِأَنَّهُ إِن جَازَ ذَلِك فِي الْجَمَاعَة الْعَظِيمَة إِلَّا الْوَاحِد جَازَ مَعَ ذَلِك الْوَاحِد وَوَجَب لَو لم يكن فِيهَا ذَلِك الْوَاحِد أَن يجوز أَن يجتمعوا على الْكَذِب وَفِي ذَلِك جَوَاز الْكَذِب على المتواترين
فَهَذِهِ الشَّرَائِط يَعْتَبِرهَا من يَقُول إِن الْعلم بالتواتر مكتسب وَمن يَقُول إِنَّه ضَرُورِيّ لَا يَعْتَبِرهَا وَيَقُول إِن الْعلم لَا يحصل بتأمل أَحْوَال المخبرين وَإِنَّمَا يحصل من فعل الله سُبْحَانَهُ فان فعله الله سُبْحَانَهُ علمنَا تَكَامل شُرُوط التَّوَاتُر فِي الْخَبَر وَإِن لم يَفْعَله علمنَا أَنه لم تتكامل الشَّرَائِط فِيهِ ونقول إِن الْعلم الضَّرُورِيّ لَو لم يحصل بالتواتر لَكَانَ يسْتَدلّ بِهِ ويشرط فِي صِحَة الِاسْتِدْلَال بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ من الشَّرَائِط ونقول أَيْضا يجوز أَن لَا يَقع الْعلم الضَّرُورِيّ بِخَبَر الْعشْرين وَالثَّلَاثِينَ فان لم يَقع الْعلم بخبرهم الضَّرُورِيّ أمكن أَن يسْتَدلّ بِهِ إِن حصلت فِيهِ الشَّرَائِط الَّتِي ذَكرنَاهَا
ويشرطون فِي حُصُول الْعلم الضَّرُورِيّ بالتواتر أَشْيَاء
مِنْهَا أَن لَا يكون السامعون عَالمين بِمَا أخبروا بِهِ باضطرار وَلَيْسَ يَلِيق الْكَلَام فِي ذَلِك بأصول الْفِقْه وَقد ذَكرْنَاهُ فِي الشَّرْح للعمد
[ ٢ / ٨٨ ]
وَمِنْهَا أَن يكون المخبرون أَكثر من أَرْبَعَة
وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا مضطرين إِلَى مَا أخبروا عَنهُ وَمن حكمه أَنه إِذا وَقع الْعلم بِخَبَر عدد أَن يَقع بِخَبَر من ساواه فِي ذَلِك الْعدَد فاذا وَقع الْعلم لعاقل أَن يَقع لكل عَاقل
أما وُقُوع الْعلم بِخَبَر أَرْبَعَة فَمن قَالَ إِن الْعلم بالأخبار مكتسب فانه يَقُول إِنَّمَا يَقع الْعلم بالتواتر لِأَنَّهُ قد علم أَن المخبرين لَا دَاعِي لَهُم إِلَى الْكَذِب وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك إِذا علم اسْتِحَالَة اشتراكهم فِي دَاع وَاحِد اتِّفَاقًا أَو تواطؤا وَالْأَرْبَعَة لَا يعلم اسْتِحَالَة كلا الْأَمريْنِ عَلَيْهِم فَلم يَقع الْعلم بخبرهم وَأما من يَقُول الْعلم الْوَاقِع بالتواتر ضَرُورِيّ فانه يَقُول لَو وَقع الْعلم بِخَبَر أَرْبَعَة عَن مُشَاهدَة لوقع بِخَبَر كل أَرْبَعَة اضطروا إِلَى مَا أخبروا عَنهُ فَكَانَ يجب إِذا شهد أَرْبَعَة أَنهم شاهدوا فلَانا يَزْنِي أَن يسْتَغْنى القَاضِي عَن السُّؤَال عَنْهُم لِأَنَّهُ إِن علم صدقهم فَلَا حَاجَة بِهِ إِلَى السُّؤَال عَنْهُم وَإِن لم يعلم صدقهم علم أَنهم كذبة أَو بَعضهم فيستغني أَيْضا عَن السُّؤَال وَلَا يُقيم الْحَد وَفِي الْإِجْمَاع على وجوب إِقَامَة الْحَد وَإِن لم يضْطَر إِلَى صدقهم على أَن الْعلم لَا يَقع بِخَبَر أَرْبَعَة
وَلَا يقْدَح فِي ذَلِك كَون الشُّهُود مخبرين بِلَفْظ الشَّهَادَة لَا بِلَفْظ الْخَبَر لِأَن اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ لَا يُؤثر فِي ذَلِك أَلا ترى أَن الْأَخْبَار المتواترة بِالْفَارِسِيَّةِ والعربية سَوَاء فِي وُقُوع الْعلم وَلَا يقْدَح فِي ذَلِك أَن يُقَال إِن من شَرط الشَّهَادَة أَن يجتمعوا فِي الشَّهَادَة وَذَلِكَ يجوز وُقُوع التواطؤ مِنْهُم لِأَن اجْتِمَاع الْأَرْبَعَة عِنْد الْخَبَر وافتراقهم سَوَاء فِي تَجْوِيز كَونهم متواطئين فان جَازَ فِي إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ وُقُوع الْعلم بخبرهم جَازَ مثله فِي الْحَالة الْأُخْرَى
إِن قيل فَيجب إِذا وَجب على الْحَاكِم أَن يُقيم الْحَد بِشَهَادَة خَمْسَة وَإِن لم يضْطَر إِلَى الْعلم بصدقهم أَن يدل ذَلِك على أَن الْعلم الضَّرُورِيّ لَا يَقع بِخَبَر خَمْسَة قيل لَا يجب ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يَقع الْعلم بِخَبَر خَمْسَة وَأَن يكون
[ ٢ / ٨٩ ]
الْحَاكِم إِنَّمَا لم يعلم ضَرُورَة صدق هَؤُلَاءِ الْخَمْسَة وَإِن وَجب عَلَيْهِ إِقَامَة الْحَد لجَوَاز أَن يكون أَرْبَعَة مِنْهُم شهدُوا عَن مُشَاهدَة وَالْخَامِس لم يُشَاهد فَلَزِمَهُ إِقَامَة الْحَد بِشَهَادَة أَرْبَعَة مِنْهُم وَإِن لم يعرفهُمْ بأعيانهم وَلَا يمْتَنع أَن يكون إِنَّمَا لم يعلم صدقهم لِأَن الْخَمْسَة لَا يَقع الْعلم بخبرهم وَإِذا لم يمْتَنع كلا الْأَمريْنِ لم يكن فِي ذَلِك دَلِيل على أَن الْخَمْسَة لَا يجوز وُقُوع الْعلم بخبرهم وَوَجَب كَون ذَلِك مشكوكا فِيهِ وَلَا يلْزم على ذَلِك أَن لَا يَقع الْعلم بِعَدَد القاسمة من حَيْثُ لم يعْتَبر الْحَاكِم وُقُوع الْعلم بخبرهم لِأَن أهل الْعرَاق يَقُولُونَ يحلف خَمْسُونَ من الْمُدعى عَلَيْهِم كل وَاحِد مِنْهُم أَنه مَا قتل وَلَا عرف قَاتلا فَلَيْسَ يخبرون عَن مخبر وَاحِد بل كل وَاحِد مِنْهُم يخبر عَن غير مَا يخبر عَنهُ الآخر وَعند الشَّافِعِي يحلف خَمْسُونَ من المدعين كل وَاحِد مِنْهُم بِحَسب ظَنّه فمخبر كل وَاحِد مِنْهُم غير مخبر الآخر
فان قيل وَلَو قَالُوا لَو وَقع الْعلم بِخَبَر أَرْبَعَة لوقع بِخَبَر كل أَرْبَعَة قيل لِأَنَّهُ لَو وَقع الْعلم بِخَبَر قوم وَلم يَقع بِخَبَر مثلهم مَعَ تساويهم فِي الشُّرُوط لم يمْتَنع أَن يخبرنا قافلة الْحَاج عَن مَكَّة فنعرفها وَأَن يخبرنا عَن الْمَدِينَة فَلَا نعرفها وَفِي ذَلِك جَوَاز الشَّك فِي الْبلدَانِ مَعَ تَوَاتر الْأَخْبَار عَنْهَا وَهَذَا لَا يَصح لِأَن الْعلم بمخبر الْأَخْبَار من فعل الله ﷿ عِنْدهم فَمَا يؤمنهم أَن يفعل الْعلم عِنْد خبر اربعة دون أَرْبَعَة وَلَا يجْرِي الْعَادة فِي ذَلِك على طَريقَة وَاحِدَة وَيجْرِي الْعَادة على طَريقَة وَاحِدَة فِي فعل الْعلم عِنْد إِخْبَار الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة فَلَا يلْزم الشَّك إِذا أخبر بهَا الْجَمَاعَات
فَأَما اشْتِرَاط كَون المخبرين عَالمين بِمَا أخبروا عَنهُ ضَرُورَة فان من يَقُول إِن الْعلم بالتواتر مكتسب يَجْعَل من شَرط الِاسْتِدْلَال بِهِ أَنه لَا يشْتَبه على المخبرين مَا أخبروا عَنهُ فيظنوه حَقًا فيخبروا عَنهُ وَأَن لم يقصدوا الْكَذِب وَهَذَا يَقْتَضِي أَن لَا يَكُونُوا عَالمين باستدلال لِأَن مَا يعلم باستدلال يجوز دُخُول الشُّبْهَة فِيهِ على الْخلق الْعَظِيم يبين ذَلِك أَن الْمُسلمين على كثرتهم يخبرون
[ ٢ / ٩٠ ]
الْيَهُود بنبوة مُحَمَّد ﷺ فَلَا يعلم الْيَهُود ذَلِك وَلَو أخْبرهُم بعض الْمُسلمين بِمَا شاهدوه لعلمه الْيَهُود وَلَا فرق بَينهمَا وَهَذَا الْوَجْه يحْتَج بِهِ من قَالَ إِن الْعلم بمخبر الْإِخْبَار ضَرُورِيّ ويحتج أَيْضا بِأَن علم السَّامع فرع على علم الْمخبر وَلم يجز كَونه ضَرُورَة مَعَ كَون الأَصْل مكتسبا وَهَذَا لَا يَصح لِأَن علم السَّامع لَيْسَ بصادر عَن علم الْمخبر وَإِنَّمَا هُوَ فعل الله سُبْحَانَهُ مُبْتَدأ إِخْبَار إيجاده عَن الْخَبَر فَلم يمْتَنع أَن يَفْعَله عِنْد خبر من تعلم مَا أخبر عَنهُ باستدلال
فَأَما ان كل عدد وَقع الْعلم بخبرهم لجَماعَة فانه يَقع الْعلم بخبرهم لغير تِلْكَ الْجَمَاعَة وَيَقَع الْعلم بِخَبَر مثل هَؤُلَاءِ المخبرين فالدليل عَلَيْهِ عندنَا هُوَ أَن الْعلم إِنَّمَا يَقع بخبرهم لأَنهم اختصوا بِشُرُوط مَعْلُومَة تُؤدِّي إِلَى الْعلم بصدقهم وَهِي متقررة عِنْد كل من عرف الْعَادَات وَإِن لم يعْتَبر عَنْهَا كثير مِنْهُم فاذا حصلت هَذِه الشُّرُوط فِي عدد آخر وَجب أَن يُؤَدِّي خَبره إِلَى مثل مَا أدّى إِلَيْهِ خبر الْأَوَّلين
وَأما من قَالَ إِن الْعلم بالمخبر عَنهُ ضَرُورَة فانه يَقُول لَو جَازَ خلاف ذَلِك لم يمْتَنع أَن يكون فِي الْعُقَلَاء من يُخْبِرهُمْ المتواترون بِمَا شاهدوه فَلَا يعلم صدقهم وَفِي ذَلِك تَجْوِيز كَون بعض الْعُقَلَاء غير عَالمين بِأَن فِي الدُّنْيَا مَكَّة مَعَ سَمَاعه الْأَخْبَار عَنْهَا كسماعنا وَلقَائِل أَن يَقُول إِن هَذَا الْكَلَام يَقْتَضِي إِحَالَة انْتِفَاء الْعلم بِمَكَّة وَأَنْتُم لَا تحيلون ذَلِك لِأَن وُقُوع الْعلم بذلك مُبْتَدأ من فعل الله ﷿
فان قَالُوا لَيْسَ ذَلِك بمحال وَلَكنَّا قد علمنَا أَنه لن تخْتَلف فِيهِ السامعون قيل لَهُم وَكَيف علمْتُم ذَلِك وَلَعَلَّ الْعَادة قد جرت بِخِلَاف ذَلِك فِي كثير من الْعُقَلَاء وَلَيْسَ من شَرط وُقُوع الْعلم أَن يكون المخبرون أَو بَعضهم مُؤمنين أما على قَوْلنَا فَلِأَن الْخَبَر طَرِيق إِلَى الْعلم من حَيْثُ لم يكن للمخبرين دَاع إِلَى تعمد الْكَذِب وَلَا كَانَ الْحق فِيهِ ملتبسا ومجموع ذَلِك يُمكن حُصُوله مَعَ الْكَافرين وَلِأَن أهل بِلَاد الْكفْر يعْملُونَ بتواتر أهل مقالاتهم من أَحْوَال الْبِلَاد مثل مَا
[ ٢ / ٩١ ]
نعلمهُ نَحن وَهَذَا الْوَجْه يحْتَج بِهِ من قَالَ إِن الْعلم بالتواتر ضَرُورِيّ وَلَيْسَ من شُرُوط وُقُوع الْعلم بالْخبر الْمُتَوَاتر أَن يكون المخبرون عشْرين لِأَنَّهُ لَا دَلِيل على اشْتِرَاط ذَلِك وَالْأَظْهَر أَن شَرط الِاسْتِدْلَال لَا يحصل فيهم وَمن يشرط هَذَا الْعدَد يتَعَلَّق بقول الله سُبْحَانَهُ إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ قَالُوا فَأوجب على الْعشْرين الْجِهَاد وَإِنَّمَا خصهم بِالْوُجُوب لأَنهم إِذا أخبروا علم صدقهم وَهَذَا لَا يدل لِأَنَّهُ الْآيَة إِنَّمَا تَقْتَضِي وجوب صبرهم لمائتين وَلَيْسَ فِيهَا قصر الْوُجُوب عَلَيْهِم وَالْأمة أَيْضا مجمعة على وجوب الْجِهَاد على الْعشْرَة إِذا كَانَ فيهم غنى وَلَو أوجب الله على الْعشْرين الْجِهَاد دون من نقص مِنْهُم لم يكن فِي ذَلِك دلَالَة على أَنه إِنَّمَا خصهم بِالْوُجُوب لما ذَكرُوهُ دون غَيره من وُجُوه الْمصَالح الَّتِي يخْتَص الله تَعَالَى بِالْعلمِ بهَا وَلَا دَلِيل على اشْتِرَاط كَون المخبرين سبعين وَلَا ثَلَاث مائَة على مَا يحْكى عَن بَعضهم فِي السّبْعين تعلقا بِاخْتِيَار مُوسَى سبعين رجلا من قومه ليصيروا مَعَه إِلَى مُنَاجَاة ربه وَلَا فَائِدَة فِي ذَلِك إِلَّا ليخبروا قَومهمْ فَلَو وَقع الْعلم بِخَبَر من دونهم لم يكن لاختيارهم فَائِدَة وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَة أَنه اخْتَارَهُمْ لهَذَا الْغَرَض وَيجوز أَن يكون اخْتَارَهُمْ لهَذَا الْغَرَض وَلغيره وَلم يكن مَجْمُوع الغرضين حَاصِلا فِيمَن دونهم وَتعلق من اشْتِرَاط ثَلَاث مائَة بِأَنَّهُم عدَّة أهل بدر فَتعلق بِمَا لَا علقَة لَهُ بِالْمَسْأَلَة فان قَالُوا إِنَّمَا اخْتَارَهُمْ النَّبِي ﷺ ليخبر الْمُشْركين بشرعه قيل لَهُم فقد كَانُوا أَكثر من ثَلَاث مائَة وايضا فَمن أَيْن أَنه اخْتَارَهُمْ لهَذَا الْغَرَض وَمَا تنكرون أَنه اتّفق اخْتِيَار ذَلِك الْعدَد لَا لما قَالُوهُ - ﷺ َ - بَاب فِي أَن خبر الْوَاحِد لَا يَقْتَضِي الْعلم - ﷺ َ -
قَالَ أَكثر النَّاس إِنَّه لَا يَقْتَضِي الْعلم وَقَالَ آخَرُونَ يَقْتَضِيهِ وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَلم يشرط قوم من أهل الظَّاهِر اقتران قرينَة بالْخبر وَشرط أَبُو إِسْحَاق النظام فِي اقْتِضَاء الْخَبَر الْعلم اقتران قَرَائِن بِهِ وَقيل إِنَّه شَرط ذَلِك فِي التَّوَاتُر
[ ٢ / ٩٢ ]
أَيْضا وَمثل ذَلِك بِأَن نخبر بِمَوْت زيد ونسمع فِي دَاره الواعية ونرى الْجِنَازَة على بَابه مَعَ علمنَا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي دَاره مَرِيض سواهُ وَحكي عَن قوم أَن يَقْتَضِي الْعلم الظَّاهِر وعنوا بذلك الظَّن
وَاحْتج الْأَولونَ بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن خبر الْوَاحِد لَو اقْتضى الْعلم لاقتضاه كل خبر وَاحِد كَمَا أَن الْخَبَر الْمُتَوَاتر لما اقْتَضَاهُ اقْتَضَاهُ كل خبر متواتر وَهَذَا اقْتِصَار على الدَّعْوَى فان قَالُوا إِنَّمَا اقْتضى كل خبر متواتر الْعلم لِأَنَّهُ من قبيل مَا يَقع الْعلم عِنْده وَهَذَا قَائِم فِي خبر الْوَاحِد لَو كَانَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْعلم قيل لم زعمتم أَن هَذِه هِيَ الْعلَّة وَمَا انكرتم أَن الْعلم الْوَاقِع بالتواتر إِن كَانَ ضَرُورِيًّا فَهُوَ من فعل الله سُبْحَانَهُ فَمَا يؤمنكم أَن يخْتَار فعله عِنْد كل خبر متواتر لاقْتِضَاء الْمصلحَة لذَلِك وَلم يقتض الْمصلحَة فعله عِنْد كل خبر وَاحِد فَلم يَفْعَله عِنْد كل أَخْبَار الْآحَاد وَإِن كَانَ الْعلم بالتواتر مكتسبا فَمَا يؤمنكم أَن تكون شُرُوط الِاسْتِدْلَال بِهِ تتساوى فِيهَا الْأَخْبَار المتواترة وَلَا يسمع فِيهِ أَخْبَار الْآحَاد
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْعلم لَا يَقع لشَيْء من الْأَخْبَار الَّتِي يَرْوِيهَا أَرْبَعَة فَقَط فَلم يَقع لشَيْء من الْأَخْبَار الَّتِي يَرْوِيهَا وَاحِد لِأَن الْأَرْبَعَة وَاحِد وَزِيَادَة وَهَذَا لَا يَصح لأَنا قد بَينا انه لَا طَرِيق لَهُم إِلَى الْعلم بِأَن الْعلم لَا يَقع لشَيْء من الْأَخْبَار الَّتِي يَرْوِيهَا أَرْبَعَة
وَمِنْهَا إبطالهم مَذْهَب النظام لِأَنَّهُ لَو وقف حُصُول الْعلم بالمخبر عَنهُ على قَرَائِن لم يمْتَنع أَن يخبر المتواترون رجلا عَاقِلا بِمَكَّة وَلَا يقْتَرن بخبرهم هَذِه الْقَرَائِن فَلَا نعرفها وَهَذَا إِنَّمَا يُفِيد مَذْهَب أبي إِسْحَاق فِي اشْتِرَاط الْقَرَائِن فِي وُقُوع الْعلم بالأخبار المتواترة وَلَعَلَّ أَبَا إِسْحَاق عَنى بالقرائن بالأخبار المتواترة مَا لَا يَنْفَكّ مِنْهَا الْأَخْبَار المتواترة نَحْو امْتنَاع اتِّفَاق الْكَذِب مِنْهُم وَأَن لَا يَصح فيهم التواطؤ فَلَا يلْزمه أَن لَا يعلم بعض الْعُقَلَاء أَن فِي الدُّنْيَا مَكَّة
وَمِنْهَا أَنه لَيْسَ يَخْلُو الْعلم الْوَاقِع عِنْد الْخَبَر إِمَّا أَن يكون سَببه الْقَرِينَة
[ ٢ / ٩٣ ]
وَحدهَا أَو الْقَرِينَة بِشَرْط الْخَبَر أَو الْخَبَر وَحده أَو الْخَبَر بِشَرْط الْقَرِينَة والقسمان الْأَوَّلَانِ باطلان لِأَن الْقَرِينَة لَا تتَنَاوَل الْمخبر عَنهُ وَإِنَّمَا المتناول لَهُ هُوَ الْخَبَر فَلم يجز أَن لَا يكون هُوَ سَبَب الْعلم أَو يكون سَببه غَيره وَلَو كَانَ الْخَبَر وَحده يَقْتَضِي الْعلم لاقتضاه إِذا تجرد والمعلوم خِلَافه وَلَا يجوز أَن يَقْتَضِيهِ لشرط الْقَرِينَة كسماع الواعية من دَار الْمَرِيض مَعَ تقدم الْعلم بِأَنَّهُ لَا مَرِيض فِي الدَّار سواهُ لعلمنا أَنه لَو تجردت هَذِه الْقَرِينَة عَن الْخَبَر لَكَانَ اعتقادنا موت ذَلِك الْمَرِيض كاعتقادنا مَوته مَعَ الْخَبَر وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون سَبَب الصُّرَاخ فِي دَاره موت غَيره فَجْأَة فاذا سمعنَا الْخَبَر بِمَوْت ذَلِك الْمَرِيض مَعَ الواعية كَانَ اعتقادنا لمَوْته آكِد من اعتقادنا لمَوْته عِنْد سَماع الواعية فَقَط فَلَا يمْتَنع أَن تكون هَذِه الْقُوَّة هِيَ الْعلم على أَن مَا أبطلوا بِهِ أَن تكون الْقَرِينَة وَحدهَا مقتضية للْعلم لَا يَصح لِأَنَّهَا وَإِن لم يكن لفظا متناولا للمخبر عَنهُ فَهِيَ فعل لَا دَاعِي إِلَيْهِ إِلَّا الْمَوْت أَعنِي الصُّرَاخ وَحُضُور الْجِنَازَة وَهَذَا وَجه صَحِيح فِي التَّعَلُّق بالمخبر عَنهُ
وَيَنْبَغِي أَن نقسم الْكَلَام على الْمُخَالف فَنَقُول بِهِ أتزعم أَن كل خبر وَاحِد يَقْتَضِي الْعلم فان قَالَ نعم فَنحْن نعلم أَن كثيرا من النَّاس يخبروننا بِمَا لَا نظنه فضلا أَن نعلمهُ وَكَانَ يجب فِيمَا لَا نعلم صدقه من الْأَخْبَار أَن نعلم كذبه وَإِن قَالُوا إِنَّمَا نعلم صدق بعض أَخْبَار الْآحَاد دون بعض قيل أتعلمون ذَلِك ضَرُورَة أَو اكتسابا فان قَالُوا ضَرُورَة قيل هَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ لَيْسَ يَكْفِي مُجَرّد الْخَبَر فِي وقوفنا على مخبره من دون أَن نلحظ أمورا أخر فان كُنَّا عَالمين بالمخبر عَنهُ فانما يَقْتَضِي علمنَا بِهِ اكتسابا وَتلك الامور إِمَّا أَن ترجع إِلَى احوال الْمخبر وَإِمَّا أَن ترجع إِلَى غير احواله وَمِثَال الثَّانِي اقتران الواعية وَحُضُور الْجِنَازَة بالْخبر عَن الْمَوْت وَأما أَحْوَال الْمخبر فنحو أَن يكون لَهُ صَارف عَن الْكَذِب فِي ذَلِك الْخَبَر وَلَا يكون لَهُ دَاع إِلَيْهِ نَحْو أَن يكون متحفظا من الْكَذِب نافرا عَنهُ فِي الْجُمْلَة وَنَحْو أَن يكون رَسُولا من سُلْطَان يذكر أَن السطان يَأْمر الْجَيْش بِالْخرُوجِ إِلَيْهِ فعقوبة السُّلْطَان تصرفه عَن
[ ٢ / ٩٤ ]
الْكَذِب وَنَحْو أَن يخبر الْإِنْسَان بأسعار بَلَده وَهُوَ ذُو مُرُوءَة تصرفه عَن الْكَذِب وَلَا يكون لَهُ إِلَى الْكَذِب فِي ذَلِك دَاع وَنَحْو أَن يكون الْإِنْسَان مهتما بِأَمْر من الامور متشاغلا بِهِ فَيسْأَل عَن غَيره فيخبر عَنهُ فِي الْحَال فَيعلم أَنه لم يفكر فِيهِ فيدعوه إِلَى الْكَذِب دَاع مَعَ علمنَا بِأَن كَونه كذبا يصرف عَنهُ وَهَذِه الْأُمُور تَقْتَضِي أَن لَا غَرَض للمخبر فِي الْكَذِب فَيبْطل بذلك أَن يتَعَمَّد الْكَذِب فَيعلم أَنه إِنَّمَا تعمد الصدْق وَهَذَا اسْتِدْلَال على الشَّيْء بابطال ضِدّه
وَإِن قَالُوا إِنَّمَا نعلم صدق خبر الْوَاحِد اسْتِدْلَالا بِمَا ذكرتموه الْآن قيل لَيْسَ فِيمَا ذكرنَا مَا يُؤَدِّي إِلَى الْعلم لِأَنَّهُ قد يخبرنا الْإِنْسَان بِمَوْت الْمَرِيض وَيكون غَرَض أَهله بالصراخ عَلَيْهِ وإحضار الْجِنَازَة إِيهَام السُّلْطَان مَوته ليسلم مِنْهُ أَو يكون قد أُغمي عَلَيْهِ أَو يكون غَيره قد مَاتَ فَجْأَة وَقد يكون الْإِنْسَان شَدِيد التحفظ من الْكَذِب فِي الظَّاهِر دون الْبَاطِن وَقد يعدل عَنهُ فِي بعض الْأَشْيَاء دون الْبَعْض وَقد يكون الْإِنْسَان مهتما بِمَا يسْأَل عَنهُ وَيظْهر أَنه مهتم لغيره فاذا سُئِلَ عَنهُ أظهر أَنه قد نبه عَلَيْهِ وَقد كَانَ سَاهِيا عَنهُ ثمَّ أجَاب عَنهُ ليوهم أَنه لم يتَعَمَّد الْكَذِب فِيهِ وَقد يسْبق من الْإِنْسَان يَمِين فِي أَن يكذب فِي سعر الْأَشْيَاء أَو يكون غَرَضه أَن يعجب النَّاس بغلاء الأسعار أَو رخصها وَإِن كَانَ كَاذِبًا أَو يكون لَهُ غَرَض فِي نفاق سلْعَته أَو سلْعَة صديقه وَقد يشْتَبه عَلَيْهِ الْحَال فِي ذَلِك فيخبر بِالْكَذِبِ وَإِن لم يتعمده وَقد يرغب رَسُول السُّلْطَان بِالْمَالِ الجزيل فِي أَن يخبر رعية السُّلْطَان وجيشه بِأَمْر السُّلْطَان إيَّاهُم بِالْخرُوجِ إِلَيْهِ وَرُبمَا أمرع السُّلْطَان بِالْكَذِبِ فِي ذَلِك إِمَّا استهزاء وَإِمَّا اختبارا لطاعة جنده وَإِذا أمكنت هَذِه الْوُجُوه لم يعلم أَنه لَا غَرَض للمخبر إِلَّا الصدْق فَلم يعلم صدقه وَإِن غلب الظَّن
وَأما خطّ الْإِنْسَان فانه قد يتَمَيَّز من غَيره صُورَة كَمَا يتَمَيَّز صور النَّاس بَعْضهَا من بعض فاشتباه خطّ زيد بِخَط عَمْرو فِي بعض الْحَالَات لَا يقْدَح فِيمَا
[ ٢ / ٩٥ ]
قُلْنَاهُ كَمَا لَا يقْدَح فِي تَمْيِيز الصُّور حُصُول الِاشْتِبَاه بَين بعض الصُّور فِي بعض الْحَالَات
وَاحْتج أهل الظَّاهِر بِأَن الله ﷿ منعنَا أَن نقُول عَلَيْهِ مَا لَا نعلم وتعبدنا بِخَبَر الْوَاحِد فَعلمنَا أَن خبر الْوَاحِد يَقْتَضِي الْعلم لَا الظَّن وَالْجَوَاب إِن التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد لَا يَقْتَضِي جَوَاز القَوْل على الله بِمَا لَا يعلم لأَنا وَإِن ظننا صدق الرَّاوِي فانا نعلم بِدَلِيل قَاطع وجوب الْعَمَل بِهِ وَإِذا قُلْنَا إِن الله تعبدنا بذلك الْعَمَل فقد قُلْنَا على الله بِمَا لَا نعلم - ﷺ َ - بَاب فِيمَا يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد وَمَا لَا يقبل فِيهِ - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الرِّوَايَة إِمَّا تَتَضَمَّن شرعا عَن النَّبِي ﷺ أَو لَا تَتَضَمَّن ذَلِك وَالْأول إِمَّا أَن نَكُون تعبدنا فِيهِ بِالْعلمِ فَلَا نقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد أَو لم نتعبد فِيهِ بِالْعلمِ بل بِالْعَمَلِ فنقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد إِذا تكاملت شَرَائِطه وَسَوَاء كَانَ عبَادَة مُبتَدأَة أَو ركنا من اركانها أَو حدا أَو ابْتِدَاء نِصَاب أَو تَقْديرا
وَحكي قَاضِي الْقُضَاة ﵀ عَن الشَّيْخ أبي عبد الله ﵀ أَنه كَانَ يمْنَع من قبُول خبر الْوَاحِد فِيمَا يَنْتَفِي بالشبه وَحكي عَن أبي يُوسُف خلاف ذَلِك من قَالَ ثمَّ سمعته يَقُول بالْقَوْل الثَّانِي وَكَانَ يمْنَع من قبُوله فِي ابْتِدَاء الْحُدُود وَابْتِدَاء النصب وأركان الصَّلَوَات وَيفرق بَين ابْتِدَاء النصب وَبَين توافي النصب فَقبل خبر الْوَاحِد فِي النّصاب الزَّائِد على خَمْسَة أَوَاقٍ لِأَنَّهُ فرع وَلَا يقبله فِي ابْتِدَاء الفصيلات والعجاجيل لِأَنَّهُ أصل عِنْده وَيقبل خبر الْوَاحِد فِي إِسْقَاط الْحُدُود وَلَا يقبله فِي إِثْبَاتهَا وقاضي الْقُضَاة يقبله فِي كل ذَلِك لِأَنَّهُ لَا وَجه يفصل بِهِ بَينهَا وَبَين غَيرهَا
وَانْتِفَاء الشَّيْء بالشبه لَا يمْنَع من قبُول الْخَبَر فِيهِ كَمَا لَا يمْنَع من قبُول الشَّهَادَة فِيهِ غير أَنا لَا نقبل خبر الْوَاحِد فِي الْحُدُود على وَجه الْعقُوبَة وَإِنَّمَا
[ ٢ / ٩٦ ]
نقبله فِي الْحُدُود على وَجه الامتحان إِلَّا على قَول من أجَاز الْعقُوبَة مَعَ الظَّن وَظَاهر آيَة السّرقَة إِنَّمَا يَقْتَضِي قطع السراق عُقُوبَة وَإِنَّمَا علمنَا بِالسنةِ أَن من قطع امتحانا مُرَاد بِالْآيَةِ
وَإِن كَانَ مَا يرويهِ الرَّاوِي لَيْسَ يتَضَمَّن إِضَافَة شرع إِلَى النَّبِي ﷺ فإمَّا أَن يجْرِي مجْرَاه كاضافة الْفَتْوَى إِلَى الْمُفْتِي فَيقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد وَإِمَّا أَن لَا يجْرِي مجْرى إِضَافَة الشَّرْع وَهَذَا إِمَّا أَن يتَضَمَّن مَا يفْتَقر إِلَى حكم الْحَاكِم أَو يتَضَمَّن مَا لَا يفْتَقر إِلَى ذَلِك فان تضمن مَا لَا يفْتَقر إِلَى حكم الْحَاكِم فاما أَن يتَعَلَّق بِهِ حكم شَرْعِي أَو لَا يتَعَلَّق بِهِ ذَلِك فان لم يتَعَلَّق بِهِ ذَلِك كالهدايا والمعاملات وَذَلِكَ يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد إِذا غلب على الظَّن صَدَقَة بَالغا كَانَ الْمخبر أَو غير بَالغ فَاسِقًا كَانَ أَو عادلا وَيقبل أَيْضا فِي أُمُور الدُّنْيَا مَا يجْرِي مجْرى الْخَبَر فِي اقْتِضَاء غَالب الظَّن وَلِهَذَا قُلْنَا إِن وضع المَاء فِي الطَّرِيق على بعض الْوُجُوه يُبِيح شربه كَمَا يبيحه الْخَبَر بإباحته وَوضع الصَّدَقَة فِي يَد السَّائِل يبيحه أَخذهَا
فَأَما مَا يتَضَمَّن مَا يتَعَلَّق بِهِ حكم شَرْعِي فالإخبار عَن نَجَاسَة المَاء وَكَون الشَّاة ميتَة يقبل خبر الْوَاحِد فِيهِ ولتعلقه بِالشَّرْعِ لَا يقبل فِيهِ خبر الْمُشرك وَاخْتلفُوا فِي قبُول خبر الْفَاسِق لِأَن لَهُ شبها بِأُمُور الدُّنْيَا وبأمور الدّين فَلذَلِك وَقع الْخلاف
وَأما مَا يفْتَقر إِلَى حكم الْحَاكِم فَمِنْهُ مَا لَيْسَ هُوَ حكما على معِين وَلَا يتَعَلَّق بِهِ الْمُخَاصمَة وَمِنْه مَا يكون حكما على معِين وَيتَعَلَّق بِهِ الْمُخَاصمَة أما الأول فنحو رُؤْيَة هِلَال شَوَّال ورمضان وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي هِلَال شَوَّال فَقبل بَعضهم فِيهِ خبر الْوَاحِد وَلم يقبل بَعضهم فِيهِ إِلَّا خبر اثْنَيْنِ وَإِنَّمَا وَقع الْخلاف فِيهِ لِأَن لَهُ شبها بالأمور الدِّينِيَّة وَله شبها بِمَا يتَعَلَّق بالخصومات لِأَنَّهُ قد يحكم بِهِ الْحَاكِم
[ ٢ / ٩٧ ]
وَأما الْقسم الثَّانِي فضربان أَحدهمَا لَا يُمكن أَن يقف عَلَيْهِ أَكثر من وَاحِد وَالْآخر يُمكن ذَلِك فِيهِ فَالْأول يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد وَذَلِكَ دَعْوَى الْمَرْأَة انْقِضَاء عدتهَا فِي زمَان يجوز انقضاؤها فِيهِ وَأما الَّذِي يُمكن أَن يقف عَلَيْهِ أَكثر من وَاحِد فَمِنْهُ مَا يشق وَمِنْه مَا لَا يشق فِي الْغَالِب وَالْأول يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد كَشَهَادَة الْقَابِلَة فِي الْولادَة وَالثَّانِي لَا يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد كالحقوق وَالْحُدُود فَصَارَ خبر الْوَاحِد إِنَّمَا يقبل فِي إِثْبَات شرع لَيْسَ لَهُ طَرِيق مَعْلُوم وَلَا يقبل فِي كثير مِمَّا يتَعَلَّق بالحكومات على الآخر وَيقبل خبر الْوَاحِد فِي إِثْبَات شرع ثمَّ يتبع ذَلِك تَعْلِيق الحكم على الْأَعْيَان وَلِهَذَا قبلت الصَّحَابَة وضي الله عَنْهَا خبر الْوَاحِد فِي الْجدّة وَتبع ذَلِك تَعْلِيق حكم على الْعين وَلم يقبلُوا خبر الْوَاحِد فِي رد الحكم لما تعلق بِعَين - ﷺ َ - بَاب فِي جَوَاز وُرُود التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد - ﷺ َ -
ذهب أَكثر النَّاس إِلَى جَوَاز التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ بِهِ وَمنع آخَرُونَ من ذَلِك وَالدَّلِيل على جَوَازه أَنه يجوز التَّعَبُّد بالأخبار المتواترة فَلَو امْتنع التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد لامتنع ذَلِك لما بِهِ يُفَارق أَخْبَار الْآحَاد أَخْبَار التَّوَاتُر وَالَّذِي يُمكن أَن يُقَال إنَّهُمَا يفترقان فِيهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن يُقَال إِن الْعَمَل بأخبار الْآحَاد غير مَعْلُوم وَالْآخر أَن الْعَمَل بهَا وَإِن كَانَ مَعْلُوما فانه مَوْقُوف على ظن صدق الْمخبر وَوُجُوب الْعَمَل وقبحه لَا يقفان على الظَّن
وَالَّذِي يفْسد الْوَجْه الأول هُوَ أَنا نجيز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بِأَن يدل دَلِيل قَاطع على وجوب الْعَمَل بِهِ إِذا تكاملت شُرُوطه فنكون عِنْد تَكَامل الشُّرُوط عَالمين بِوُجُوب الْعَمَل لمَكَان الدَّلِيل إِذْ لَا فرق بَين أَن يَقُول الله ﷿ إِذا غلب على ظنكم صدق الرَّاوِي فاعملوا بِخَبَرِهِ وَبَين أَن يَقُول إِذا أخْبركُم فلَان فاعملوا بِخَبَرِهِ وَبَين أَن يَقُول افعلوا كَذَا وَكَذَا فِي أَنا نعلم وجوب
[ ٢ / ٩٨ ]
الْفِعْل فِي هَذِه الْأَحْوَال كلهَا
وَأما الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ وقُوف الْعَمَل على الظَّن فَلَيْسَ يمْتَنع لِأَن الْفِعْل الشَّرْعِيّ إِنَّمَا يجب لكَونه مصلحَة وَلَا يمْتَنع أَن يكون مصلحَة إِذا فَعَلْنَاهُ وَنحن على صفة مَخْصُوصَة وكوننا ظانين لصدق الرَّاوِي صفة من صفاتنا فَدخلت فِي جملَة أحوالنا الَّتِي يجوز كَون الْفِعْل عِنْدهَا مصلحَة وَاجِبا أَو مَحْظُورًا وَلِهَذَا يلْزم الْمُسَافِر سلوك طَرِيق وتجنب آخر إِذا أخبر بسلامة ذَلِك واختلال هَذَا من يغلب على ظَنّه صدقه وَوَجَب على الإِمَام الْقطع وَالْجَلد وَالْقَتْل إِذا شهد بِالزِّنَا وَالْقَتْل والسرق شَاهِدَانِ أَو أَرْبَعَة ظَاهِرهمْ الْعَدَالَة
وَقد فرقوا بَين خبر الْوَاحِد وَبَين الشَّهَادَة بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن الشَّهَادَة تقبل فِيمَا يجوز فِيهِ الصُّلْح وَفِيمَا يتَعَلَّق بالدنيا وَلَيْسَ كَذَلِك خبر الْوَاحِد الْجَواب إِن الشَّهَادَة مَقْبُولَة فِيمَا لَا يجوز فِيهِ الصُّلْح كالفروج وإراقة الدِّمَاء ويلزمهم جَوَاز التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد فِي احكام الْبياعَات وَغير ذَلِك وهم يأبون ذَلِك وَأما أُمُور الدُّنْيَا فَهِيَ كأمور الدّين فِيمَا نَحن بسبيله لِأَن الْوُجُوب والقبح يدْخل كل وَاحِد مِنْهُمَا فِيهَا والعبادات الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا وَجَبت وقبحت لكَونهَا مصَالح فِيمَا يتَعَلَّق بالدنيا من الْقَتْل وَغَيره فاذا جَازَ أَن يجب علينا مَا ذَكرْنَاهُ من أُمُور الدُّنْيَا بِحَسب الظَّن جَازَ ذَلِك فِي الشرعيات على أَنا نقبل الشَّهَادَة فِي أُمُور شَرْعِيَّة كرؤية الْأَهِلّة على ان الْحَد أَمر شَرْعِي وَقد قبلوا فِيهِ شَهَادَة الِاثْنَيْنِ
وَمِنْهَا قَوْلهم أَنْتُم تقبلون أَخْبَار الْآحَاد فِي إِثْبَات شرع وَالشَّهَادَة بِأَن زيدا قتل أَو سرق لَيْسَ يثبت بهَا شرع وَالْجَوَاب إِنَّه لَا فرق بَينهمَا لأَنا عِنْد الشَّهَادَة نعلم أَن قتل الْمَشْهُود عَلَيْهِ شرع وَدَلِيلنَا على ذَلِك مَا دلنا على وجوب الْعَمَل بالشهادات وَعند خبر الْوَاحِد نعلم أَن الحكم بِهِ شرع وَدَلِيلنَا على ذَلِك مَا دلنا على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد فَلَا فصل بَينهمَا إِلَّا أَن الحكم يثبت بالْخبر فِي الْجُمْلَة وبالشهادة يثبت على عين وَهَذَا غير قَادِح فِي تعلق الحكم
[ ٢ / ٩٩ ]
الشَّرْعِيّ بِالظَّنِّ على أَن الْغَرَض باثبات الحكم فِي الْجُمْلَة بِخَبَر الْوَاحِد تعلق على الْأَعْيَان فاذا جَازَ إثْبَاته فِي الْأَعْيَان بِخَبَر مظنون جَازَ إثْبَاته فِي الْجُمْلَة لِأَن الْغَرَض بِالْجُمْلَةِ الْأَعْيَان على انا إِذا قبلنَا شَهَادَة شَاهِدين على زيد وَشَهَادَة غَيرهمَا أَو شَهَادَتهمَا على عَمْرو وعَلى خَالِد فقد علقنا الحكم على أَعْيَان كَثِيرَة بِخَبَر مظنون على انه يلْزمهُم أَن يقبلُوا خبر الْوَاحِد فِي إِثْبَات حكم على شخص وَاحِد وهم يابون ذَلِك
وَمِنْهَا قَوْلهم إِنَّه إِنَّمَا وَجب الحكم عِنْد الشَّهَادَة بِدَلِيل قَاطع وَالشَّهَادَة شَرط وَأَنْتُم تَجْعَلُونَ الدَّلِيل على الحكم هُوَ خبر الْوَاحِد وَلَا تجعلونه شرطا وَالْجَوَاب أَنه لَا بُد فِي الحكم بِخَبَر الْوَاحِد من خبر الْوَاحِد وَمن الدَّلِيل الدَّال على وجوب الْعَمَل بِهِ وَتَسْمِيَة الْخَبَر دَلِيلا أَو شرطا كَلَام فِي عبارَة فَلَا يضرنا الِامْتِنَاع من تَسْمِيَة الْخَبَر دَلِيلا إِذا كَانَ الْغَرَض مَا ذَكرْنَاهُ
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا أَنه لَو جَازَ أَن يكون علمنَا بِمَا أخبرنَا بِهِ الْوَاحِد عَن النَّبِي ﷺ مصلحَة ونعلم ذَلِك إِذا ظننا صدقه جَازَ أَن يكون الْفِعْل مصلحَة إِذا أخبرنَا بِوُجُوبِهِ على الله سُبْحَانَهُ من يغلب على ظننا صدقه فِي أَن الله تَعَالَى أرْسلهُ ونعلم وجوب ذَلِك علينا وَمَا الْفرق بَين أَن يكون الْمخبر بِالْمَصْلَحَةِ عَن الله ﷿ بِلَا وَاسِطَة أَو بِوَاسِطَة نَبِي وَالْجَوَاب أَن من يُجِيز وُرُود التَّعَبُّد الشَّرْعِيّ بِالرُّجُوعِ إِلَى خبر الْوَاحِد يقطع على وجوب الْعَمَل بِهِ لِأَن دَلِيلا قَاطعا دلّ على وجوب الْعَمَل بِهِ وَهُوَ قَول الله ﷿ وَقَول رَسُوله أَو قَول الْأمة وَقَول الْأمة لَا بُد من أَن يسْتَند إِلَى قَول الله وَقَول رَسُوله وَإِنَّمَا تكون الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة قَاطِعَة إِذا علمنَا صدق الرَّسُول بمعجز حَتَّى إِذا أخبرنَا بِوُجُوب الْعَمَل بالْخبر الْوَاحِد علمنَا وجوب الْعَمَل بِهِ وَهَذَا لَا يتم إِذا كَانَ صدق المدعين للنبوة مظنونا غير مَقْطُوع بِهِ فان قَالُوا إِنَّمَا أَنْتُم مَا ذكرْتُمْ إِذا ألزمناكم أَن يكون صدق جَمِيع الْأَنْبِيَاء مظنونا وَنحن إِنَّمَا نلزمكم أَن تعلمُوا صدق بعض الْأَنْبِيَاء بمعجز
[ ٢ / ١٠٠ ]
ونقول لكم ذَلِك النَّبِي إِذا أخْبركُم إِنْسَان ان الله أرْسلهُ بشرائع وظننتم صدقه فاعملوا بهَا وَاعْمَلُوا أَنَّهَا مصلحَة الْجَواب أَن تَجْوِيز كذب من أكْرمه الله ﷿ بالرسالة من أقوى مَا ينفر عَنهُ وَلَيْسَ يجوز على الْأَنْبِيَاء مَا ينفر عَنْهُم لِأَن ذَلِك مفْسدَة وَلَيْسَ يجب فِي غَيرهم من التَّنْزِيه عَن التنفير مَا يحب فيهم أَلا ترى أَنه لَا يلْزم على ذَلِك كَون الْأُمَرَاء والقضاة وَالشُّهُود مجنبين مَا ينفر عَنْهُم حَتَّى لَا يجوز عَلَيْهِم الْكَذِب وَإِن كَانُوا ينفذون أحكاما شَرْعِيَّة ويحكمون بهَا وَأَيْضًا فانه إِنَّمَا جَازَ الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد إِذا غلب على ظننا صدق الْمخبر وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يغلب على ظننا صدق من اخبر أَنه شَاهد النَّبِي ﵇ وَسمع مِنْهُ كلَاما كثيرا إِذا مثل ذَلِك كثير قد جرت بِهِ الْعَادَات وَلم تجر الْعَادَات بِسَمَاع كَلَام الله ﷿ من غير وَاسِطَة وَمَا يحصل للنَّبِي ﵇ من الرِّئَاسَة الْعَظِيمَة الَّتِي لَا تدانيها رئاسة وَيَدْعُو الْإِنْسَان إِلَى ادعائها فاذا اجْتمع للعاقل تجويزه كذب الْمُدَّعِي للنبوة من غير معْجزَة طلبا للرئاسة الْعَظِيمَة مَعَ أَنه مخبر بِمَا لم تجر بِهِ الْعَادَات لم يجر أَن يغلب على ظَنّه صدقه وَأَيْضًا فَفِي الِاقْتِصَار على ظن صدق الْمُدَّعِي للنبوة أعظم مفْسدَة لما فِي النُّبُوَّة من الرِّئَاسَة الْعَظِيمَة الَّتِي يطْلبهَا كل أحد فَلَو تعبدنا بِالْأَخْذِ فِي ذَلِك بِالظَّنِّ لتعمد أَكثر النَّاس التظاهر بِالصّدقِ والستر لتتم لَهُ هَذِه الرِّئَاسَة فيكثر المدعون للنبوة الواردون بالشرائع الْمُخْتَلفَة وَلَيْسَ للمخبر مثل هَذِه الرِّئَاسَة وَلَا يجب تَصْدِيقه بِغَيْر الشَّرَائِع فِي كل حَال لِأَن السّنَن تَنْحَصِر فِي حَيَاة النَّبِي وَبعد وَفَاته بِزَمَان يسير فَمَا يرد بعد ذَلِك نعلم أَنه كذب وَأَيْضًا فَإِن لزمنا مَا ذَكرُوهُ على قَوْلنَا فِي المخبرين لَزِمَهُم ذَلِك على قَوْلهم وَقَوْلنَا فِي الشُّهُود لأَنهم ينقلون مَا إِذا حكم بِهِ كَانَ الحكم بِهِ شَرْعِيًّا
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو جَازَ التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد فِي فروع الشَّرِيعَة جَازَ التَّعَبُّد بهَا فِي الْأُصُول وَفِي الْأَدِلَّة وَالْأَخْبَار حَتَّى إِذا روى لنا الْوَاحِد أَن أهل اللُّغَة وضعُوا اللَّفْظ للْعُمُوم قبلناه وَإِذا أخبرنَا الْوَاحِد أَن زيدا فِي الدَّار جَازَ أَن نخبر نَحن أَنه فِي الدَّار قطعا كَمَا نخبر قطعا بِوُجُوب مَا أخبرنَا الْوَاحِد بِوُجُوبِهِ
[ ٢ / ١٠١ ]
عَن النَّبِي ﷺ الْجَواب يُقَال لَهُم مَا تُرِيدُونَ بالاصول فان قَالُوا الصَّلَوَات الْخمس وَصَوْم شهر رَمَضَان قيل قد كَانَ يجوز وُرُود التَّعَبُّد باخبار الْآحَاد فِيهَا وَلَا يكون حِينَئِذٍ من الاصول لِأَن اصول الشَّرِيعَة هِيَ مَا لَا يكون الْعلم بِوُجُوبِهَا مُتَعَلقا بِظَنّ وَإِن قَالُوا نُرِيد بالاصول تَوْحِيد الله وعدله قيل لَو قبلنَا أَخْبَار الْآحَاد فِي ذَلِك لقبلناها فِي الاعتقادات وَذَلِكَ لَا يجوز لِأَن الْوَاحِد إِذا أخبر عَن النَّبِي ﷺ ان الله لَا يرى لم يعلم أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَلِك فَلَا يعلم أَن الله لَا يرى لأَنا غير عَالمين بدليله وَإِذا لم نَكُنْ عَالمين بِأَنَّهُ لَا يرى واعتقدنا ذَلِك لم نَأْمَن كَون اعتقادنا جهلا وكل اعْتِقَاد لَا يُؤمن كَونه جهلا فَهُوَ قَبِيح وَأما فروع الشَّرِيعَة فَلَيْسَتْ اعتقادات فَيكون الْمُقدم عَلَيْهَا مقدما على اعْتِقَاد لَا يامن كَونه جهلا بل هِيَ أَعمال فان قيل ألستم عِنْد خبر الْوَاحِد تعلمُونَ وجوب الْفِعْل عَلَيْكُم فقد أقدمتم على اعْتِقَاد أَيْضا قيل إِنَّا نَأْمَن كَون ذَلِك الِاعْتِقَاد جهلا لِأَنَّهُ قد دلّ عَلَيْهِ دَلِيل قَاطع وَهُوَ مَا دلّ على وجوب الْمصير إِلَى أَخْبَار الْآحَاد فان قيل فَهَلا جَازَ أَن يدل دَلِيل قَاطع على قبُول خبر الْآحَاد فِي الرُّؤْيَة وَغَيرهَا فتعتقدون ذَلِك وتأمنون كَون اعتقادكم جهلا قيل إِنَّا لَا نجوز ذَلِك لِأَن كَون البارىء تَعَالَى غير مرئي امْر حَاصِل فِي نَفسه لَا يحصل بِحَسب ظننا فَلم يجب إِذا ظننا صدق الرَّاوِي أَن يكون تَعَالَى غير مرئي وَإِذا لم يجب ذَلِك لم يجز أَن يدل دَلِيل قَاطع على كَونه كَذَلِك إِذا ظننا صدق الرَّاوِي أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول إِن الله سُبْحَانَهُ لَا يرى وَكَون الْعَمَل مصلحَة يجوز أَن يقف على أَن نفعله وَنحن على صفة وَهُوَ كوننا ظانين صدق الرَّاوِي وَإِذا جَازَ ان تكون مصلحتنا ان نَفْعل الْفِعْل وَنحن نظن صدق الرَّاوِي لوُجُوب الْفِعْل جَازَ أَن تدل دلَالَة قَاطِعَة على وجوب ذَلِك علينا عِنْد ظننا فاذا دلّت على ذَلِك علمنَا وجوب ذَلِك الْفِعْل علينا واخبرنا قطعا عَن وُجُوبه علينا فان قيل فَيجب إِذا أخْبركُم عَن النَّبِي ﷺ بِأَن الله لَا يرى من يغلب على ظنكم صدقه أَن تظنوا أَن الله لَا يرى وتقتصروا على ذَلِك قيل لَئِن جَازَ الِاقْتِصَار على الظَّن فِي التَّوْحِيد وَالْعدْل وَالصِّفَات لجوزنا
[ ٢ / ١٠٢ ]
وُرُود التَّعَبُّد بالاقتصار على الظَّن فِي ذَلِك وَلَكِن لَا نجوز الِاقْتِصَار على الظَّن فِي ذَلِك وَهَذَا السُّؤَال إِنَّمَا يلْزم على القَوْل بِأَن خبر الثِّقَة غير الظَّن وَهَذَا يوافقنا عَلَيْهِ خصومنا فان كَانَ السُّؤَال لَازِما لنا فَهُوَ لَازم لَهُم أَيْضا وَلَا جَوَاب عَنهُ إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ من أَنه لَا يجوز الِاقْتِصَار فِي التَّوْحِيد وَالْعدْل على الظَّن دون الْعلم وَمَا ذَكرْنَاهُ هُوَ الْجَواب عَن الْأَخْبَار لِأَن زيدا إِذا أخبرنَا بِأَن عمرا فِي الدَّار وظننا صدقه لم نَأْمَن أَن لَا يكون فِي الدَّار لِأَنَّهُ كَونه فِي الدَّار لَيْسَ مِمَّا يحصل بِحَسب ظننا بل هُوَ أَمر فِي نَفسه كَذَلِك ظنناه أم لم نظنه فخبرنا قطعا عَن أَنه فِي الدَّار خبر لَا نَأْمَن من كَونه كذبا فقبح فان أخبرنَا بِحَسب ظننا جَازَ لأَنا نَأْمَن كَونه كذبا فان قيل ايجوز أَن يَقُول لكم النَّبِي ﷺ إِذا ظننتم صدق من أخْبركُم بِشَيْء فَهُوَ كَمَا أخْبركُم قيل لَا يجوز ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز اتِّفَاق الصدْق فِي خبر كل من ظننا صدقه وَلَا يجوز أَيْضا أَن يَقُول إِذا أخْبركُم زيد بِشَيْء وظننتم صدقه فَهُوَ صَادِق لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتَّفق الصدْق وَالصَّوَاب فِي كل مَا ظنناه وَيجوز أَن يَقُول إِذا أخْبركُم زيد بِأُمُور يسيرَة وعينها وظننتم صدقه فَهُوَ كَمَا أخْبركُم لِأَنَّهُ يجوز أَن يتَّفق الصدْق وَالصَّوَاب فِيمَا نظنه إِذا كَانَت أَشْيَاء يسيرَة نَحْو أَن يَقُول إِذا أخْبركُم زيد عَن النَّبِي ﷺ بِأَن الله لَا يرى أَو قَالَ إِذا أخْبركُم مخبر عَن النَّبِي ﷺ بِأَن الله لَا يرى وظننتم صدقه عَن النَّبِي ﵇ فَهُوَ كَمَا أخْبركُم أَو يَقُول إِذا أخْبركُم زيد بِأَن النَّبِي ﵇ قَالَ إِن الله لَا يرى فَهُوَ صَادِق وَإِذا قَالَ ذَلِك انتقلنا عَن ظننا إِلَى الْقطع وَجَاز أَن نخبر عَن ذَلِك قطعا فَأَما إِذا أخبرنَا الْوَاحِد عَن أهل اللُّغَة أَنهم وضعُوا لفظا للْعُمُوم فانا لَا نقطع على ذَلِك لِأَن كَونهم واضعين لَهُ لَيْسَ مِمَّا يحصل بِحَسب الظَّن فَهُوَ بِخِلَاف كَون الْفِعْل مصلحَة وَيجوز أَن نظن أَنهم وضعُوا ذَلِك للْعُمُوم وَأَن يتعبدنا الله سُبْحَانَهُ بالاستدلال بذلك اللَّفْظ على الشُّمُول فِي الْفُرُوع الشَّرْعِيَّة
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو جَازَ التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد فِي الْفُرُوع جَازَ التَّعَبُّد بِهِ فِي نقل
[ ٢ / ١٠٣ ]
الْقُرْآن الْجَواب أَنهم جمعُوا بَين الْمَوْضِعَيْنِ بِغَيْر عِلّة ثمَّ إِن الْقُرْآن الْمَنْقُول بالآحاد إِمَّا أَن يظْهر فِيهِ الإعجاز وَإِمَّا أَن لَا يظْهر فِيهِ الإعجاز فان لم يظْهر فِيهِ الإعجاز جَازَ أَن نعمل بِمَا تضمنه من عمل إِذا نقل إِلَيْنَا بالآحاد وَلِهَذَا نعمل بِمثل مَا ينْقل من قِرَاءَة عبد الله بن مَسْعُود ﵀ وَمَا يظْهر فِيهِ الإعجاز فَهُوَ حجَّة للنبوة وَلَا يكون حجَّة إِلَّا وَقد علم أَنه لم يُعَارض فِي عصر النَّبِي ﵇ مَعَ سَماع أهل الْعَصْر لَهُ وَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا وَقد تَوَاتر نقل ظُهُوره فِي ذَلِك الْعَصْر
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الشرعيات مصَالح وَالْوَاحد يجوز أَن يكذب فِيمَا يخبر بِهِ من فعل أَو ترك وَلَا نَأْمَن أَن يكون مَا تضمنه خَبره مفْسدَة وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ عَن ذَلِك فِي الشَّرْح والدرس فَقَالَ إِن الَّذِي لَا بُد مِنْهُ فِي الْوَاجِب الشَّرْعِيّ كَونه مصلحَة مدلولا عَلَيْهِ إِمَّا بِعَيْنِه وَإِمَّا بِصفتِهِ فاذا قَامَت الدّلَالَة على وجوب الْعَمَل عِنْد خبر الْوَاحِد وظننا صدقه علمنَا أَن الْعَمَل صَلَاح لنا كَمَا نعلم أَن قطع الْيَد صَلَاح عِنْد الْبَيِّنَة وَهَذَا لَا يعْتَرض قَول الْمُخَالف إِن الرَّاوِي إِذا جَازَ عَلَيْهِ الْكَذِب لم نَأْمَن أَن يخبر بالمفسدة وَمَتى ثَبت للمخالف هَذَا كَانَ لَهُ أَن يَقُول لَا يجوز أَن تدل دلَالَة على مَا ذكرْتُمْ فان قُلْتُمْ قيام الدّلَالَة على الْعَمَل بِمَا ظنناه يدل على صدق الْمخبر قيل لكم فَيجب أَن تقطعوا على صدقه وَلَئِن جَازَ ذَلِك ليجوزن أَن تدل دلَالَة على أَن نحكم مَا نريده فنعلم أَن كل مَا نُرِيد الحكم بِهِ فَهُوَ صَوَاب فان قُلْتُمْ لَا يجوز أَن يتَّفق ذَلِك فِي كل مَا نريده قيل لَك وَلَا يجوز أَن يتَّفق الصَّوَاب فِي كل مَا نظن صدق الرَّاوِي فِيهِ فَأَما مَا ذكره من الحكم عِنْد الْبَيِّنَة فَهُوَ نقض لما اعتلوا بِهِ لِأَنَّهُ يجوز أَن يكذب الشُّهُود فنقطع يدا لَا يسْتَحق قطعهَا وَالْجَوَاب عَن الشُّبْهَة هُوَ أَن الْفِعْل قد يكون صلاحا إِذا فَعَلْنَاهُ وَنحن على حَالَة مَخْصُوصَة وَلَا يمْتَنع أَن يكون مَتى ظننا صدق الرَّاوِي أَو كُنَّا مِمَّن يجوز أَن يظنّ صدقه لأمارة صَحِيحَة فمصلحتنا أَن نَفْعل مَا اقْتَضَاهُ الْخَبَر صدق الرَّاوِي أَو كذب كَمَا نقُوله فِي الحكم عِنْد الْبَيِّنَة وَإِذا لم يمْتَنع ذَلِك لم يجب مَا قَالُوهُ من أَن تَجْوِيز
[ ٢ / ١٠٤ ]
كذب الرَّاوِي يلْزمه تَجْوِيز كَون الْفِعْل الَّذِي رَوَاهُ مفْسدَة كَمَا لَا يلْزمه مثله فِي الْبَيِّنَة فان قَالُوا لَيْسَ يخلوا ظنكم صدق الرَّاوِي إِمَّا أَن يكون طَرِيقا إِلَى الْمصلحَة أَو شرطا فِي كَون فعلكم مصلحَة فان كَانَ طَرِيقا وقلتم لَا يجوز أَن يخطىء فقد جعلتم الظَّن علما ولزمكم قبُول خبر الْوَاحِد فِي الاعتقادات وَإِن جوزتم أَن يخطىء الظَّن لم يجز كَونه طَرِيقا إِلَى الْقطع على أَن مَا فعلتموه مصلحَة وَلَئِن جَازَ أَن يكون طَرِيقا إِلَى ذَلِك مَعَ جَوَاز كَونه خطأ جَازَ أَن يكون طَرِيقا إِلَى الاعتقادات وَجَاز وُرُود التَّعَبُّد بِهِ فِيهَا وَإِن جعلتموه شرطا يصير الْفِعْل عِنْده مصلحَة فَلم لَا يجوز كَون الْفِعْل مصلحَة إِذا ظننا كذب الرَّاوِي لَهُ وَإِذا اشتهينا فعله وَإِذا اخترناه وَأَن يرد التَّعَبُّد بذلك قيل قد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ فَقَالَ يجوز كَون هَذِه الْأَشْيَاء أسبابا يجب عِنْدهَا الْفِعْل على مَا ذَكرُوهُ وَنحن نجيب عَن ذَلِك بِأَنا إِنَّمَا جَوَّزنَا أَن يكون الْفِعْل مصلحَة عِنْد حَالَة من حالاتنا ثمَّ بَينا إِن ظننا صدق الرَّاوِي مِمَّا يشْهد الْعقل بِجَوَاز كَونه شرطا فِي الْمصلحَة بِمَا ذَكرْنَاهُ من التَّصَرُّف فِي الْأَسْفَار وَالْحكم بِالْبَيِّنَاتِ وكما أَن الْعقل بذلك شَاهد فَهُوَ شَاهد بِأَن مَا ذكرتموه لَا يكون شرطا فِي وجوب الْفِعْل أَلا ترى أَن الْمُسَافِر إِذا خَافَ فِي سَفَره فخبره بعض من يظنّ صدقه بسلامة بعض الطّرق وَفَسَاد غَيره فانه يجب عَلَيْهِ أَن يعْمل على مَا ظَنّه صلاحا دون مَا ظن فِيهِ الْفساد وَلَو ظن كذب الْمخبر بأمارة لم يجز أَن يعْمل على خَبره وَلَا يجوز لَهُ مَعَ اشْتِبَاه الطّرق عَلَيْهِ وخوفه أَن يعْمل على شَهْوَته واختياره من غير أَمارَة على أَن القَوْل بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَن يعْمل الْإِنْسَان بِمَا يشتهيه ويختاره إِسْقَاط للتكليف لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قيل لَهُ افْعَل مَا تختاره دون مَا لَا تختاره وَنحن إِنَّمَا نتكلم فِي تَكْلِيف على صفة هَل يحسن أم لَا وَقصد السَّائِل أَن يلْزمنَا على هَذَا التَّكْلِيف تكليفا آخر على صفة أُخْرَى وَلَيْسَ غَرَضه إلزامنا إِسْقَاط التَّكْلِيف فقد بَان أَنه لم يلْزمنَا مَا قصد إلزامنا فان قَالُوا يجوز أَن يُقَال للْإنْسَان إِذا اخْتَرْت الْفِعْل أَو اشتهيته فَلم يصرفك صَارف فقد وَجب عَلَيْك فعله مَا دمت مرِيدا لَهُ وَإِن لم تكن مُخْتَارًا
[ ٢ / ١٠٥ ]
لَهُ قَاصِدا إِلَيْهِ لم يجب عَلَيْك فعله قيل لَا يجوز ذَلِك لِأَنَّهُ وَالْحَال هَذِه لَا بُد من كَونه فَاعِلا فايجاب ذَلِك لَا يَصح
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن أَخْبَار الْآحَاد قد تتعارض وَلَا يُمكن الْعَمَل بهَا فَلَو جَازَ التَّعَبُّد بهَا لجَاز التَّعَبُّد بِمَا لَا يُمكن الْعَمَل بِهِ الْجَواب أَنه لَيْسَ كل تعَارض يمْنَع من الْعَمَل بالْخبر بل قد يعْمل مَعَ التَّعَارُض على مَا يتَرَجَّح من أحد الْخَبَرَيْنِ على الآخر كَمَا يعْمل الْمُسَافِر فِي طَرِيقه على مَا يتَرَجَّح من إِحْدَى الأمارتين وَيُمكن أَن يعْمل بالخبرين إِمَّا على الْجمع وَإِمَّا على التَّخْيِير فان لم يُمكن ذَلِك ففقد إِمْكَانه يمْنَع من التَّعَبُّد بهَا فِيهِ هَذَا التَّعَارُض الْمَانِع من الْعَمَل غير مَانع من التَّعَبُّد بِمَا يُمكن الْعَمَل بِهِ مِمَّا لَا تعَارض فِيهِ وَمَا ذَكرُوهُ منتقض بِالْعَمَلِ بِالْبَيِّنَاتِ والأمارات للْمُسَافِر لِأَنَّهَا قد تتعارض - ﷺ َ - بَاب فِي التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد - ﷺ َ -
اخْتلف مجيزو وُرُود التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد فِي الشرعيات فَمنهمْ من قَالَ قد ورد التَّعَبُّد بهَا وَمِنْهُم من قَالَ لم يرد بهَا وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَمنهمْ من قرن إِلَى قَوْله لم يرد التَّعَبُّد بهَا أَن قَالَ قد ورد التَّعَبُّد بِأَن لَا يعْمل بهَا وَمِنْهُم من اقْتصر على أَن التَّعَبُّد لم يرد بهَا وَاخْتلف من قَالَ بورود التَّعَبُّد بهَا فَقَالَ قوم الْعقل يدل على التَّعَبُّد بهَا وَمِنْهُم من قَالَ الْعقل لَا يدل على ذَلِك
وَالدَّلِيل على وجوب الْعَمَل بأخبار الْآحَاد هُوَ أَن الْعُقَلَاء يعْملُونَ بعقولهم وجوب الْعَمَل على خبر الْوَاحِد فِي العقليات وَلَا يجوز أَن يعلمُوا وجوب ذَلِك أَو حسنه بعقولهم إِلَّا وَقد علمُوا الْعلَّة الَّتِي لَهَا وَجب ذَلِك أَو حسن وَلَا عِلّة لذَلِك إِلَّا أَنهم قد ظنُّوا بِخَبَر الْوَاحِد تَفْصِيل جملَة مَعْلُومَة بِالْعقلِ وَهَذَا مَوْجُود فِي خبر الْوَاحِد الْوَارِد فِي الشرعيات فَوَجَبَ الْعَمَل بِهِ يبين مَا ذَكرْنَاهُ أَنه مَعْلُوم بِالْعقلِ وجوب التَّحَرُّز من المضار وَحسن اجتلاب الْمَنَافِع فاذا ظننا
[ ٢ / ١٠٦ ]
صدق من أخبرنَا بمضرة إِن لم نفصد أَو لم نشرب الدَّوَاء أَو إِن سلكنا فِي سفرنا طَرِيقا مَخْصُوصًا أَو لم نقم من تَحت الْحَائِط فقد ظننا تَفْصِيلًا لما علمناه فِي الْجُمْلَة من وجوب التَّحَرُّز من المضار وَقد علمنَا فِي الْجُمْلَة وجوب الانقياد للنَّبِي ﷺ فِيمَا يخبرنا بِهِ من مصالحنا وَوُجُوب التَّحَرُّز من الْمضرَّة فِي تجنب الْمصَالح فاذا ظننا بِخَبَر الْوَاحِد أَن النَّبِي ﵇ قد دَعَانَا إِلَى الانقياد لَهُ فِي فعل أخبر أَنه مصلحَة وخلافه مفْسدَة مضرَّة فقد ظننا تَفْصِيلًا لما علمناه فِي الْجُمْلَة وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْعلَّة مَا ذَكرْنَاهُ لِأَن الحكم يحصل عِنْده وينتفي عِنْد انتفائه لأَنا إِذا علمناه فِي الْجُمْلَة وجوب التَّحَرُّز من الْمضرَّة وظننا بالْخبر أَن علينا فِي الْفِعْل مضرَّة وَلم يُمكن الْعلم وَجب علينا تجنبه وَإِن ازلنا عَن أَنْفُسنَا اعْتِقَاد مَا عدا ذَلِك وَإِذا رَجعْنَا إِلَى عقولنا وجدناها تتبع تجنب هَذَا الْفِعْل لهَذِهِ الْجُمْلَة الَّتِي ذَكرنَاهَا وَلَو لم يحصل لنا الْعلم بِوُجُوب دفع المضار فِي الْجُمْلَة أَو حصل ذَلِك وَلم نظن أَن علينا فِي الْفِعْل مضرَّة لم يجب علينا تجنبه وَكَذَلِكَ لَو ظننا ذَلِك وأمكننا تَحْصِيل الْعلم فَعلمنَا أَن الْعلَّة مَا ذَكرْنَاهُ
إِن قيل بل الْعلَّة فِي الأَصْل ظننا الْمضرَّة فِي امور الدُّنْيَا وَلَيْسَ كَذَلِك خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات قيل إِن مَا ذكرتموه وَإِن كَانَ من أُمُور الدُّنْيَا فَهُوَ من امور الدّين لِأَن التَّحَرُّز من المضار وَاجِب فِي الْعقل وَمَا وَجب فِي الْعقل فَهُوَ من الدّين فان قَالُوا إِن خبر الْوَاحِد فِي أُمُور الدُّنْيَا وَارِد فِيمَا نعلم جملَته عقلا وَلَيْسَ كَذَلِك خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات قيل لَا فرق بَينهمَا لِأَن خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات وَارِد بتفصيل الانقياد للنَّبِي ﷺ والتزام أمره والتحرز من مضار الْمُخَالفَة وَهَذَا مَعْلُوم بِالْعقلِ وَالشَّرْع كَمَا يعلم التَّحَرُّز من مضار الدُّنْيَا بِالْعقلِ وَالشَّرْع وَأَيْضًا فَلَو ثَبت أَن وجوب التَّحَرُّز من مضار الدُّنْيَا مَعْلُوم بِالْعقلِ فَقَط والتحرز من مضار الشرعيات مَعْلُوم بِالشَّرْعِ فَقَط لَكَانَ ذَلِك اخْتِلَافا فِي طَرِيق الْعلم بِالْوُجُوب وَذَلِكَ غير مُؤثر فِيمَا يقبل من أَخْبَار الْآحَاد وَإِنَّمَا الَّذِي يجوز أَن يُؤثر فِي ذَلِك هُوَ أَن يُقَال إِن الشرعيات مصَالح والمخبر الْوَاحِد يجوز أَن يكون كذابا فَلَا نَأْمَن أَن يكون مَا نَقله
[ ٢ / ١٠٧ ]
مفْسدَة وسنتكلم فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله
إِن قيل إِنَّمَا وَجب قبُول خبر الْوَاحِد فِي العقليات لِأَنَّهُ لَا يغلب على الظَّن وُصُول الْمضرَّة إِذا قبلناه بل يغلب على الظَّن وصولها إِذا لم نقبله وَلَيْسَ كَذَلِك الشرعيات لِأَنَّهُ لَيْسَ يغلب على ظننا وُصُول الْمضرَّة إِذا لم نقبل خبر الْوَاحِد بل لَا نَأْمَن أَن يؤاخذنا المتعبد لنا إِذا قبلنَا خبر الْوَاحِد وَالْجَوَاب ان كلامنا فِي خبر من نظن صدقه لدينِهِ وأمانته وَقد بَينا أَن خبر من هَذِه سَبيله فِي الشرعيات يُسَاوِي خَبره فِي العقليات وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يغلب على ظننا وُصُول الْمضرَّة إِلَيْنَا إِن لم نقبل خَبره ويؤمننا من مُؤَاخذَة المتعبد إِذا قبلناه ويقضينا الْقطع على مؤاخذته إِذا لم نقبله
إِن قيل إِنَّمَا قبلنَا خبر الْوَاحِد فِي العقليات لِأَن الْعَادة قد جرت بنزول المضار وَالْمَنَافِع فاذا غلب على الظَّن وُصُول الْمضرَّة لزمنا التَّحَرُّز مِنْهَا قيل وَقد جرت عَادَة الشَّرْع بالزام الْعِبَادَات وَلَا يمْتَنع فِي الْعقل إِيدَاع ذَلِك الْوَاحِد وَأَن تكون الْمصلحَة أَن يرد التَّعَبُّد بِهِ كَمَا لَا يمْتَنع أَن يرد التَّحَرُّز من الْمضرَّة من جِهَة وَاحِد فاذا لم يمْتَنع ذَلِك جرى خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات مجْرَاه فِي العقليات
فان قيل الْفرق بَين الشرعيات والعقليات أَن الشرعيات يُمكن فِيهَا طَريقَة تَقْتَضِي الْعلم نَحْو الرُّجُوع إِلَى كتاب الله وَسنة نبيه ﵇ وَالْإِجْمَاع والبقاء على حكم الْعقل فَلم يجز الرُّجُوع إِلَى الظَّن وَلَيْسَ كَذَلِك الامور الْعَقْلِيَّة من أُمُور الدُّنْيَا لِأَنَّهُ يتَعَذَّر فِيهَا طَريقَة مَعْلُومَة فَجَاز الرُّجُوع إِلَى الظَّن قيل إِنَّه إِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة كتاب أَو سنة مَقْطُوع بهَا أَو إِجْمَاع بِخِلَاف خبر الْوَاحِد وَلم يكن الْخَبَر مُخَصّصا فانا لَا نعدل إِلَيْهِ عَن هَذِه الْأَدِلَّة ومسألتنا مَفْرُوضَة فِي خبر وَاحِد تخَالف مَا ذكرتموه وَأما الْبَقَاء فممكن فِي العقليات وَفِي الشرعيات لِأَن الأَصْل فِي الْعقل أَن لَا يجب علينا إيلام أَنْفُسنَا بفصد وَشرب دَوَاء ومسير فِي طَرِيق مَخْصُوص فاذا لم يجز الْبَقَاء على حكم الْعقل فِي هَذِه
[ ٢ / ١٠٨ ]
الْأَشْيَاء إِذا أخبرنَا بالمضرة فِي تَركهَا من نظن صدقه علمنَا أَن الْبَقَاء على حكم الْعقل لَيْسَ بِدَلِيل قَاطع مَعَ الظَّن لصدق الْمخبر فَبَطل قَول الْمُخَالف إِن ذَلِك دَلِيل قَاطع مَعَ خبر الْوَاحِد
وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ عَن قِيَاس خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات على قبُوله فِي العقليات والمعاملات بِأَن الْمُعَامَلَات مَبْنِيَّة على غَالب الظَّن والشرعيات مَبْنِيَّة على الْمصَالح فاذا لم نَأْمَن كذب الْمخبر لم نَأْمَن أَن يكون فعلنَا مَا أخبرنَا بِهِ مفْسدَة وَالْجَوَاب أَن قَوْله إِن الْمُعَامَلَات مَبْنِيَّة على غَالب الظَّن هُوَ الحكم الَّذِي طلبنا علته وقسنا بهَا خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات على الْمُعَامَلَات فَلَا يَنْبَغِي أَن يفرق بَينهمَا بذلك لأَنا نَكُون قد فرقنا بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ بِنَفس الحكم والمصالح وَإِن كَانَت مُعْتَبرَة فِي الشرعيات فالمضار وَالْمَنَافِع هما المعتبران فِي العقليات والمعاملات لأَنا إِنَّمَا ننحو بِمَا نفعله نَحْو الْمَنَافِع والخلاص من المضار كَمَا أَنا ننحو بالشرائع تَحْصِيل الْمصَالح ولأجلها وَجَبت فاذا قَامَ غَالب الظَّن فِي الْمَنَافِع والمضار الْعَقْلِيَّة مقَام الْعلم مَعَ تَجْوِيز كذب الْمخبر فَكَذَلِك غَالب الظَّن بِصدق الْمخبر فِي الشرعيات وَلَو جَازَ أَن لَا يقبل خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات لجَوَاز كذب الْمخبر فَيكون مَا أخبر بِهِ مفْسدَة جَازَ أَن لَا يقبل خبر الْوَاحِد فِي العقليات لجَوَاز كذب الْمخبر فيلحقنا الْمضرَّة فِي اتِّبَاعه ونخلص مِنْهَا بمخالفته على أَن قَوْله لَا نَأْمَن أَن يكون الْمخبر كَاذِبًا فنكون باتباعه فاعلين للمفسدة يُبِيح الْمَنْع من وُرُود التَّعَبُّد بِقبُول خَبره لِأَن فعل مَا لَا نؤمن من كَونه مفْسدَة قَبِيح فان قَالَ قيام الدّلَالَة على التَّعَبُّد بِهِ دلَالَة على أَن الْمصلحَة هِيَ اتِّبَاع مَا ظنناه من صدقه لَا غير قيل فاذن يجوز أَن تكون الْمصلحَة هِيَ فعلنَا مَا ظنناه من صدق الْمخبر فَلم قطعْتُمْ على أَن الْمصلحَة قد تكون غير مَا فَعَلْنَاهُ فان قَالُوا نَحن وَإِن جَوَّزنَا أَن نَكُون علمنَا بِحَسب مَا ظننا من صدق الرَّاوِي هُوَ الْمصلحَة فانا لَا نعلم ذَلِك إِلَّا بتعبد شَرْعِي قيل فكأنكم فصلتم بَين خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات وَبَينه فِي العقليات بِأَن العقليات يعْمل فِيهَا على الظَّن من غير تعبد شَرْعِي والشرعيات لَا يعْمل فِيهَا على الظَّن
[ ٢ / ١٠٩ ]
إِلَّا بتعبد وَهَذَا هُوَ نفس الْمَسْأَلَة فقد فصلتم بَين المسالتين بِنَفس الحكم لَا بِالْعِلَّةِ المفرقة بَينهمَا على انه جَازَ أَن يُقَال إِن قيام الدّلَالَة الشَّرْعِيَّة على قبُول خبر الْوَاحِد يدلنا على ان الْمصلحَة لَيست إِلَّا الْعَمَل بِمَا ظنناه من صدق الرَّاوِي جَازَ أَن يُقَال قِيَاس الَّذِي ذكرنَا هُوَ دليلنا على أَن الْمصلحَة لَيست إِلَّا الْعَمَل بِمَا ظنناه من صدق الرَّاوِي
وَأجَاب أَيْضا بِأَن الْعَمَل على غَالب الظَّن فِي دفع المضار فِي الدُّنْيَا هُوَ الأَصْل للْعَمَل على الْعلم بِدفع المضار لِأَن امور الدُّنْيَا الْمُسْتَقْبلَة غير مَعْلُومَة وَإِنَّمَا هِيَ مظنونة وَلَيْسَ يُمكن أَن يُقَال إِن أُمُور الدّين المظنونة هِيَ الأَصْل لامور الدّين الْمَعْلُومَة وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ فرق لَا يُؤثر فِي وَجه الْجمع الَّذِي ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ يجب إِذا أشبه الظَّن لامور الدّين الظَّن لامور الدُّنْيَا فِي وجوب الْعَمَل عَلَيْهَا أَن يشتبها فِي كل وَجه بل لَا يمْتَنع أَن يجب الْعَمَل عَلَيْهِمَا وَيكون الْعَمَل على غَالب الظَّن أصلا للْعَمَل على الْعلم فِي امور الدُّنْيَا وللعمل على الظَّن فِي أُمُور الدّين أصلا بِنَفسِهِ
دَلِيل قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ فتعبدنا بِقبُول خبر كل طَائِفَة خرجت للتفقه ثمَّ أنذرت قَومهَا وَهَذِه صفة خبر الْوَاحِد يبين ذَلِك أَنه سُبْحَانَهُ أوجب على كل فرقة أَن تخرج مِنْهَا طَائِفَة وَالثَّلَاثَة فرقة فَوَجَبَ أَن تخرج مِنْهَا طَائِفَة والطائفة من الثَّلَاثَة وَاحِد أَو اثْنَان فاذا خرجا لسَمَاع الْأَخْبَار وتدبرها فقد خرجا للتفقه فِي الدّين فاذا رَجَعَ من هَذِه سَبيله فَأخْبر قومه بِوُجُوب عبَادَة وحذرهم من تَركهَا فقد أنذر قومه فاذا كُنَّا متعبدين بِالرُّجُوعِ إِلَى قَوْله كُنَّا متعبدين بذلك وَإِن لم نخرج لهَذَا الْغَرَض لِأَن أحدا لم يفصل بَين الْمَوْضِعَيْنِ
[ ٢ / ١١٠ ]
إِن قيل لم قُلْتُمْ إِن الْآيَة تدل على التَّعَبُّد بِالرُّجُوعِ إِلَى قَول الطَّائِفَة قيل إِنَّمَا تعبدها بانذار قَومهَا لكَي يحذر فتعبد قَومهَا بالحذر وَلَيْسَ يَخْلُو إِذا أخبرتم الطَّائِفَة بِوُجُوب فعل أَو تَحْرِيمه إِمَّا أَن يلْزمهَا الْمصير إِلَى قَول الطَّائِفَة أَو يلْزمهَا الْإِمْسَاك عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ من فعل أَو ترك أَو أَن يخرج جماعتها أَو من يقوم بِالْحجَّةِ بنقله إِلَى الْآفَاق لاستبانة الْخَبَر وَالْقسم الأول هُوَ قَوْلنَا وَالثَّانِي يرجع إِلَيْهِ لأَنا إِن كُنَّا نشرب النَّبِيذ فخبرنا الطَّائِفَة بِتَحْرِيمِهِ فإيجاب إمساكنا عَن شربه هُوَ تَحْرِيم شربه وَإِن كُنَّا تاركين لبَعض الصَّلَوَات فأخبرونا بِوُجُوبِهَا فوجوب إمساكنا عَن الْإِخْلَال بهَا هُوَ إِيجَاب فعلنَا فَبَان رُجُوع هَذَا الْقسم إِلَى الْقسم الأول بِخِلَاف مَا ظَنّه بَعضهم وَإِن وَجب على جماعتنا أَو على أكثرنا الْخُرُوج من الأوطان إِلَى الْآفَاق ليعلموا صَحِيح الحَدِيث من باطله لم يَصح بِالْإِجْمَاع لِأَن أحدا من الْأمة لم يُوجب على اهل الْقرى فِي عصر النَّبِي ﷺ وعصر من بعده أَن يخرجُوا أَو أَكْثَرهم إِذا لم تقم الْحجَّة بِنَقْل الطَّائِفَة إِلَيْهِم ويتركوا بِلَادهمْ كلما سمعُوا بِخَبَر يتَضَمَّن فعلا شَرْعِيًّا وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يستقروا فِي بِلَادهمْ قبل اسْتِقْرَار السّنَن
إِن قيل قَوْلكُم إِن الْمَذْكُور فِي الْآيَة هُوَ خبر الْوَاحِد بَاطِل من وُجُوه
مِنْهَا أَنه ﷿ تعبد من كل فرقة طَائِفَة بالتفقه والإنذار لقومهم وهم مَجْمُوع الْفرق لِأَن مَجْمُوع الطوائف هم قوم الْفرق فَلَا يمْتَنع أَن يكون مَجْمُوع الطوائف من يتواتر الْخَبَر بنقلهم الْجَواب أَنه لَا يجوز أَن يكون أَرَادَ مَجْمُوع الطوائف ينذر كل فرقة لِأَنَّهَا لم يكن عِنْد كل طَائِفَة فرقة فَتكون رَاجِعَة إِلَيْهَا وَقَوله ﴿ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم﴾ يدل على أَنهم كَانُوا عِنْدهم وَهَذَا إِنَّمَا يتم فِي كل فرقة مَعَ طائفتها
وَمِنْهَا أَن قَوْله ﴿ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا﴾ يدل على أَنه أَرَادَ
[ ٢ / ١١١ ]
الْإِنْذَار بالفتوى دون الْخَبَر الْجَواب إِن كثيرا مِمَّن يمْنَع من الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد يمْنَع الْعَاميّ من الْأَخْذ بالفتوى وَأَيْضًا فان التفقه يكون بِسَمَاع الْأَخْبَار والتدبر لَهَا وَقد كَانَ التفقه هَكَذَا فِي الزَّمن الأول وَهَذِه الْحَال يتم مَعهَا الْإِنْذَار بالفتوى وبالإخبار فاذا لم يفصل الله سُبْحَانَهُ الإنذارين كَانَ مَحْمُولا على كل وَاحِد مِنْهُمَا كَمَا أَنه لَو قَالَ ولتضربوا كَانَ شَائِعا فِي الضَّرْب بِكُل خَشَبَة وعَلى كل وَجه من الشدَّة واللين على أَنه لم يفصل بَين أَن يكون قَومهمْ مجتهدين أَو غير مجتهدين والإنذار بالفتوى إِنَّمَا يلْزم قبُوله غير الْمُجْتَهد فَوَجَبَ صرف الْكَلَام إِلَى الْإِخْبَار لِأَنَّهُ الَّذِي لَا يخْتَلف فِيهِ الْمُجْتَهد وَغير الْمُجْتَهد إِن قيل قَوْله ﴿ليتفقهوا فِي الدّين﴾ يدل على انه لَيْسَ فِي الطَّائِفَة مُجْتَهد إِذْ لَو كَانَ فِيهَا مُجْتَهد لما كَانَ ليجب على بَعْضهَا أَن ينفر للتفقه الْجَواب إِن الْعِبَادَات فِي عصر النَّبِي ﵇ كَانَت تتجدد حَالا فحالا وَيرد نسخهَا بعد ثُبُوتهَا فحصول الْمُجْتَهد فِي الطَّائِفَة لَا يُغني عَن أَن ينفر مِنْهَا من يسمع مَا يَتَجَدَّد من السّنَن المبتدأة والناسخة وَكَذَلِكَ الْأَعْصَار المقاربة لعصر النَّبِي ﵇ قبل اسْتِقْرَار السّنَن وانتشارها لجَوَاز أَن تكون فِي غَيرهَا من الطوائف من السّنَن مَا لم تبلغها
وَمِنْهَا أَن قَوْله ﴿ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ﴾ يحْتَمل التفقه فِي الْأُصُول وإنذار قَومهمْ ليحذروا وَلَيْسَ هَذَا من خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات بسبيل الْجَواب إِن الْمُسْتَفَاد من التفقه فِي الْعَادة التفقه فِي الْفُرُوع على أَنه إِن كَانَ المُرَاد بالأصول هَا هُنَا التَّوْحِيد وَالْعدْل فالخاطر يجوز من ترك النّظر فيهمَا وَلَيْسَ يحْتَاج فِي الحذر من تَركهمَا إِلَى السّفر وَإِن كَانَ المُرَاد بهَا أصُول الشَّرِيعَة كالصلوات الْخمس فَذَلِك عندنَا لَازم بالآحاد فِي ابْتِدَاء الشَّرِيعَة لِأَن الْوَاحِد إِذا أخبر أهل الْيمن بِأَن الصَّلَوَات قد أوجبهَا النَّبِي ﵇ لزمتهم
[ ٢ / ١١٢ ]
وَتَكون من الْفُرُوع حَتَّى يتواتر نقلهَا وعَلى هَذَا جرى الْأَمر فِي تحول أهل قبا عَن الْقبْلَة
إِن قيل لَو كَانَ المُرَاد بِالْآيَةِ خبر الْوَاحِد لما دلّت على وجوب الْعَمَل بِهِ من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَنه لَا يمْتَنع أَن يجب الْإِنْذَار على من خرج للتفقه وَلَا يجب على الْمُنْذر الْقبُول كَمَا يجب على الشَّاهِد أَن يشْهد وَلَا يجب على الْحَاكِم أَن يحكم بِشَهَادَتِهِ وَيجب على كل وَاحِد من المتواترين أَن يُخبرهُ وَلَا يجب على السَّامع أَن يَقُول على خَبره وَحده فِيمَا طَريقَة الْعلم وَيجب على من خوف بِالْقَتْلِ إِن لم يدْفع مَاله أَن يَدْفَعهُ ويقبح من الْمخوف أَخذه قيل إِنَّا لم نستدل على وجوب الْمصير إِلَى الْإِنْذَار بِوُجُوب الْإِنْذَار وَإِنَّمَا استدللنا يَقُوله ﷿ ﴿لَعَلَّهُم يحذرون﴾ وَذَلِكَ إِمَّا أَن يكون تعبدا بالحذر أَو إِبَاحَة لَهُ وَأي الْأَمريْنِ كَانَ فقد بَطل مَذْهَب الْخصم إِذْ قد بَينا أَن الحذر لَا يكون إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى مُوجب الْخَبَر
وَالْوَجْه الآخر قَوْلهم يجوز أَن يكون أوجب على من نفر الْإِنْذَار لكَي يحذر من سَمعه إِذا انضاف إِلَى الْمُنْذر غَيره حَتَّى يتواتر إِنْذَارهم وإخبارهم قيل فاذن إِنَّمَا يحذرون عِنْد تَوَاتر الْخَبَر لَا عِنْد إنذار من نفر مِنْهُم للتفقه وَالْآيَة تَقْتَضِي أَن يحذروا عِنْد إنذاره ولأجله كَمَا أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لغيره جَالس الصَّالِحين لَعَلَّك تصلح أَفَادَ ذَلِك كَون مجالستهم سَببا لصلاحه لَا غير لِأَنَّهُ مَا علق صَلَاحه إِلَّا بِهِ فَكَذَلِك قَوْله ﴿ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾
دَلِيل أَجمعت الصَّحَابَة على الْعَمَل بِخَبَر لَا يقطع على مغيبه لِأَنَّهُ لما اشْتبهَ
[ ٢ / ١١٣ ]
عَلَيْهِم الْغسْل من التقاء الختانين رجعُوا إِلَى أَزوَاج النَّبِي ﵇ وَطلب أَبُو بكر ﵇ الحكم فِي الْجدّة وَرجع فِي توريثها إِلَى خبر الْمُغيرَة وَنقض قَضِيَّة قَضَاهَا بِخَبَر رَوَاهُ بِلَال وَقَالَ عمر وَمَا أَدْرِي مَا القَوْل فِي أَمر الْمَجُوس وَكَثُرت مَسْأَلته عَن ذَلِك فَلَمَّا روى لَهُ عبد الرحمن بن عَوْف عَن النَّبِي ﵇ سنوا بهم سنة أهل الْكتاب صَار إِلَى ذَلِك وَكَانَ يرى أَن لَا شَيْء فِي الْجَنِين إِذا خرج مَيتا وَفِيه الدِّيَة إِذا خرج حَيا ثمَّ ترك ذَلِك لخَبر حمل بن مَالك بعد أَن نَاشد الصَّحَابَة وَكَانَ لَا يؤرث الإمرأة من دِيَة زَوجهَا ثمَّ ترك ذَلِك لخَبر الضَّحَّاك بن سُفْيَان وَكَانَ يَجْعَل فِي الْأَصَابِع نصف الدِّيَة ويفصل بَينهَا فَيجْعَل فِي الابهام خمس عشرَة من الْإِبِل وَفِي البنصر تِسْعَة وَفِي الْخِنْصر سِتَّة ثمَّ يَجْعَل فِي الْبَاقِيَة عشرا عشرا فَلَمَّا رُوِيَ لَهُ من كتاب النَّبِي ﵇ إِلَى عَمْرو بن حزم أَن فِي كل إِصْبَع عشرا من الْإِبِل رَجَعَ عَن رَأْيه وَترك رَأْيه فِي بِلَاد الطَّاعُون لخَبر عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَقَالَ عَليّ ﵇ كنت إِذا سَمِعت من رَسُول الله ﷺ حَدِيثا نَفَعَنِي الله بِهِ بِمَا شَاءَ أَن يَنْفَعنِي فاذا حَدثنِي بِهِ غَيره اسْتَحْلَفته فاذا حلف صدقته وحَدثني أَبُو بكر وَصدق أَبُو بكر وَرجع فِي خطأ الإِمَام إِلَى مَا رَوَاهُ عمر وَسَأَلَ الْمِقْدَاد أَن يسْأَل النَّبِي ﷺ عَن المذى ثمَّ أخبرهُ عَن النَّبِي ﵇ بِالْجَوَابِ فَعمل عَلَيْهِ وَرَجَعُوا فِي الرِّبَا إِلَى خبر أبي سعيد الْخُدْرِيّ وكل وَاحِد من هَذِه الْأَخْبَار وَإِن كَانَ خبر وَاحِد فجملتهما متواترة لَا يجوز مَعَ كثرتها أَن تكون كذبا كَمَا أَن الْأَخْبَار عَن سخاء حَاتِم متواترة فِي الْجُمْلَة وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا خبر وَاحِد وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُم عمِلُوا على هَذِه الْأَخْبَار لأَجلهَا لأَنهم لَو لم يَكُونُوا عمِلُوا لأَجلهَا بل لأمر آخر إِمَّا لاجتهاد تجدّد لَهُم أَو ذكرُوا شَيْئا سَمِعُوهُ من النَّبِي ﵇ لوَجَبَ من جِهَة الْعَادة وَالدّين أَن ينقلوا ذَلِك أما الْعَادة فَلِأَن الْجَمَاعَة إِذا اشْتَدَّ اهتمامها بامر قد الْتبس عَلَيْهَا ثمَّ زَالَ اللّبْس عَنْهَا لشَيْء سمعته أَو رَأْي حدث لَهَا فانه لَا بُد من إظهارها الاستبشار وَالسُّرُور بِمَا ظَفرت بِهِ والتعجب من ذهَاب ذَلِك عَلَيْهَا فان جَازَ أَن لَا يظْهر ذَلِك الْوَاحِد
[ ٢ / ١١٤ ]
لم يجز فِي كل وَاحِد وَأما الدّين فَلِأَن سكوتهم عَن ذَلِك وعملهم عِنْد الْخَبَر بِمُوجبِه يُوهم أَنهم عمِلُوا لأَجله كَمَا يدل عَمَلهم بِمُوجب آيَة عِنْد سماعهَا على أَنهم عمِلُوا لأَجلهَا وَالْإِيهَام لذَلِك قَبِيح كَمَا أَنه لَو قَالَ لَهُم قَائِل احكموا فِي هَذِه الْحَوَادِث لشهوتي فَذكرُوا عِنْد هَذَا القَوْل شَيْئا سَمِعُوهُ من رَسُول الله ﷺ فانه لَا يحسن من جِهَة الدّين أَن لَا تبين أَنَّهَا حكمت لما ذكرته لَا للشهوة وَأَيْضًا فبعيد فِي الْعَادة مَعَ كَثْرَة هَذِه الْأَخْبَار أَن يتَّفق ذكرهم لشَيْء سَمِعُوهُ من النَّبِي ﵇ وَآله أَو يَتَجَدَّد لَهُم اجْتِهَاد وَأَيْضًا فَطلب أبي بكر ﵇ من الْمُغيرَة شَاهدا مَعَه فِي إِرْث الْجدّة دَلِيل على أَنه كَانَ يرى أَن الحكم يتَعَلَّق بهما لِأَنَّهُ لم يكن يعلم أَنه سَيذكرُ عِنْد الشَّاهِد الآخر شَيْئا سَمعه من النَّبِي ﵇ وَأَيْضًا فقد كَانُوا يتركون آرائهم عِنْد سَماع الْخَبَر كَمَا رُوِيَ عَن عمر أَنه قَالَ فِي الْخَبَر كدنا نقضي فِيهِ بآرائنا فَدلَّ على أَنه لم يعْمل بِرَأْيهِ عِنْد سَماع الْخَبَر
إِن قيل وَمن أَيْن أَنهم بأجمعهم عمِلُوا بأخبار الآحادإنهم كَانُوا بَين عَامل بهَا وَسَاكِت عَن النكير فَدلَّ على رضاهم بِالْعَمَلِ بهَا فان قيل فَلَعَلَّ بَعضهم كَانَ نَاظرا متوقفا عَن الْعَمَل فَلَا يكونُونَ متفقين على ذَلِك قيل لَو كَانَ كَذَلِك وَكَانَ الْعَمَل بهَا مُنْكرا لَكَانَ إِنْكَاره وَاجِبا فَيَكُونُوا قد اتَّفقُوا على ترك الْوَاجِب لأَنهم بأجمعهم قد تركُوا إِنْكَاره إِن قيل أَلَيْسَ قد رد أَبُو بكر خبر الْوَاحِد وَلم يعْمل إِلَّا على خبر اثْنَيْنِ قيل هَذَا لَا ينْقض مَا قصدناه من الْعَمَل بِخَبَر من لَا يقطع على مغيبة وَالْكَلَام فِي اشْتِرَاط اثْنَيْنِ سَيَأْتِي
إِن قيل فقد ردوا فِي بعض الْحَوَادِث خبر الْوَاحِد كَقَوْل عمر فِي خبر فَاطِمَة بنت قيس لَا نَدع كتاب رَبنَا وَسنة نَبينَا لقَوْل امْرَأَة لَا نَدْرِي أصدقت أم كذبت ولستم بِأَن تَقولُوا إِنَّمَا ردُّوهُ لعِلَّة لَا نعرفها لَا لِأَنَّهُ خبر وَاحِد بِأولى من أَن تَقولُوا بل قبلوا مَا قبلوه لعِلَّة لَا نعرفها لَا لِأَنَّهُ خبر وَاحِد وَالْجَوَاب أَن عمر رد خبر فَاطِمَة بنت قيس فِي نسخ الْآيَة أَو فِي
[ ٢ / ١١٥ ]
تخصيصها وَكثير مِمَّن يقبل خبر الْوَاحِد لَا يقبله فِي التَّخْصِيص فَلَيْسَ ينقص ذَلِك الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد فِي الْجُمْلَة على أَن قَوْله لَا نَدع كتاب رَبنَا يَقْتَضِي ترك الْكتاب أصلا وَذَلِكَ نسخ وَنحن نمْنَع نسخ الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد على أَن قَوْله لقَوْل امْرَأَة لَعَلَّهَا صدقت أم كذبت يُفِيد أَنه اعْتقد فِيهَا أَنَّهَا غير ضابطة لما تسمعه وَهَذِه الْعلَّة غير مَوْجُودَة فِيمَن يضْبط وَبِهَذَا يبطل قَول من يَقُول إِن عمر ﵁ علل رد حَدِيثهَا لعِلَّة مَوْجُودَة فِي كل مخبر
إِن قيل فقد قبلوا خبر الْوَاحِد فِي نسخ حكم مَعْلُوم نَحْو قبُول أهل قبا نسخ الْقبْلَة قيل ذَلِك جَائِز فِي الْعقل وَفِي صدر الْإِسْلَام قَالَ اصحابنا وَلَوْلَا إِجْمَاع الصَّحَابَة على الْمَنْع من ذَلِك لجوزناه وَقد قَالَ أَبُو عَليّ إِن النَّبِي ﷺ قد كَانَ أخْبرهُم بنسخ الْقبْلَة وَأَنه ينفذ إِلَيْهِم بنسخها فلَانا وأعلمهم صدقه فَكَانُوا قاطعين على صدقه فَلم ينسخوا الْقبْلَة إِلَّا بِخَبَر مَعْلُوم
وَقد اسْتدلَّ فِي الْمَسْأَلَة بأَشْيَاء لَا تدل
مِنْهَا قَول الله ﷿ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين﴾ قَالُوا فعلق وجوب التبين على مَجِيء الْفَاسِق فَكَانَ مَجِيء غير الْفَاسِق بِخِلَافِهِ وَهَذَا لَا يَصح إِلَّا مَعَ القَوْل بِدَلِيل الْخطاب وَقَالُوا أَيْضا قَوْله ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق﴾ شَرط فِي إِيجَاب التثبيت فَوَجَبَ إِن لم يَجِيء فَاسق أَن لَا يجب التثبت وَأَن يكون التسرع مُبَاحا سَوَاء جَاءَنَا عدل أَو لم يجئنا أحد لِأَنَّهُ فِي كلا الْحَالين لم يَجِيء الْفَاسِق وَقد وَقع الِاتِّفَاق على الْمَنْع من التسرع إِذا لم يَجِيء أحد أصلا فَبَقيَ الْقسم الآخر وَهُوَ أَن يَجِيء مخبر غير فَاسق وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الشَّرْط فِي هَذِه الْآيَة يَقْتَضِي نفي وجوب التثبت على نفي مَجِيء الْفَاسِق وَأحد لَا يَقُول بذلك والمستدل يَجْعَل نفي وجوب التثبت وَإِبَاحَة التسرع وَاقِفًا على مَجِيء
[ ٢ / ١١٦ ]
عدل وَيُمكن أَن يسْتَدلّ بِالْآيَةِ من وَجه آخر وَهُوَ أَن سَبَب نُزُولهَا أَن النَّبِي ﷺ بعث الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط ساعيا فَعَاد فَأخْبر النَّبِي ﷺ أَن الَّذين بَعثه إِلَيْهِم أَرَادوا قَتله فأجمع النَّبِي ﷺ على غزوهم وقتلهم وَهَذَا حكم شَرْعِي قد كَانَ النَّبِي ﷺ أَرَادَ الْعَمَل فِيهِ على خبر الْوَاحِد فَلَو كَانَ ذَلِك مَحْظُورًا لأنكره الله تَعَالَى وَلما علق حظره بِالْفِسْقِ لِأَن ذَلِك يُوهم أَنه إِنَّمَا لم يجز ذَلِك التسرع لأجل فسق الْمخبر لَا غير يبين ذَلِك أَن النَّبِي ﵇ إِنَّمَا عمل على غزوهم لأجل خبر الْوَلِيد مَعَ ظَنّه أَنه عدل ولهذه الْآيَة ولاه الصَّدَقَة وَلقَائِل أَن يَقُول نزُول هَذِه الْآيَة فِي الْوَلِيد بن عقبَة مَنْقُول بالآحاد فَلم يجز بِنَا الِاحْتِجَاج عَلَيْهِ وَقد روى عمر بن شبة فِي كتاب الْكُوفَة فِي أَخْبَار الْوَلِيد باسناده عَن قَتَادَة فِي قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ﴾ قَالَ هُوَ الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط بَعثه النَّبِي ﵇ إِلَى بني المصطلق مُصدقا فَلَمَّا أبصروه أَقبلُوا نَحوه فهابهم فَرجع إِلَى النَّبِي ﵇ فَأخْبر أَنهم ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام فَبعث نَبِي الله خَالِد بن الْوَلِيد وَأمره أَن يثبت وَلَا يعجل فَانْطَلق حَتَّى أَتَاهُم لَيْلًا فَبعث عيونه فَلَمَّا جَاءُوهُ خبروه أَنهم متمسكون بِالْإِسْلَامِ وسمعوا أذانهم وصلاتهم فَلَمَّا أَصْبحُوا أَتَاهُم خَالِد وَرَأى مَا يُعجبهُ فَرجع إِلَى النَّبِي ﵇ فَأخْبرهُ الْخَبَر وَذكر رِوَايَة أُخْرَى أَنه رَجَعَ الْوَلِيد إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ قد منعُوا فَأنْزل الله سُبْحَانَهُ الْآيَة وَلَيْسَ فِي ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ هم بقتالهم من غير تثبت وَتبين
وَمِنْهَا قَول الله ﷿ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ والمخبر عَن النَّبِي ﷺ بِلُزُوم الْعِبَادَة علينا شَاهد على النَّاس وَلَيْسَ يجوز أَن يَجعله الله عدلا ليشهد إِلَّا وَقد تعبد بِالرُّجُوعِ إِلَى خَبره الْجَواب إِن قَوْله وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا خطاب لكافة الْأمة دون آحادها فان أُرِيد بِهِ شَهَادَة جَمِيعهم علينا من جِهَة الْخَبَر فَذَلِك تَوَاتر وَلَا
[ ٢ / ١١٧ ]
يكون فِي اشْتِرَاط كَونهم وسطا فَائِدَة لِأَن المتواترين نعلم صدقهم وَإِن لم يَكُونُوا مُؤمنين وَإِن أُرِيد بِهِ شَهَادَتهم علينا من جِهَة الرَّأْي فَذَلِك هُوَ الْإِجْمَاع وعَلى كلا الْقسمَيْنِ يخرج مِنْهُ خبر الْوَاحِد وَلَيْسَ المُرَاد بِالْآيَةِ كل وَاحِد مِنْهُم لِأَنَّهُ لَيْسَ كل وَاحِد مِنْهُم مَقْطُوعًا على عَدَالَته فَلهَذَا لَا يقطع على مُوجب خبر الْوَاحِد
وَمِنْهَا قَول الله ﷿ ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى﴾ الْآيَة فحظر كتمان الْهدى وَأوجب إِظْهَاره وَمَا سَمعه الْإِنْسَان من النَّبِي ﵇ فَهُوَ من الْهدى فَيجب على سامعه إِظْهَاره وَإِن لم يسمعهُ غَيره مِمَّن يتواتر الْخَبَر بنقله وَلَو لم يجب علينا قبُول خبر الْوَاحِد لم يجب على الْمخبر إِظْهَاره لِأَنَّهُ يكون وجود الْإِظْهَار كَعَدَمِهِ وَالْجَوَاب إِن قَول الله ﷿ ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب﴾ يدل على أَنه أَرَادَ مَا أنزلهُ الله فِي الْكتاب وأخبار الْآحَاد عَن النَّبِي ﷺ بمعزل عَن ذَلِك وَقد أُجِيب عَن ذَلِك بِأَن الشَّيْء إِنَّمَا يُوصف بِأَنَّهُ مَكْتُوم إِذا لم يظْهر وَكَانَت الْعَادة أَو التَّعَبُّد يدعوان إِلَى إِظْهَاره فَيجب أَن يبين الْمُسْتَدلّ أَن التَّعَبُّد قد ورد بأخبار الْآحَاد حَتَّى يتم لَهُ هَذَا الِاسْتِدْلَال وَإِذا بَين ذَلِك فقد بَين مَا رام أَن يُبينهُ بِهَذِهِ الْآيَة وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْعَادة تَدْعُو إِلَى إِظْهَار مَا سَمعه الْإِنْسَان من النَّبِي ﵇ فِيمَا يرجع إِلَى الشَّرِيعَة
وَمِنْهَا قَول الله ﷿ ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَلم يفرق بَين أَن يكون من هُوَ من أهل الذّكر مُجْتَهدا أَو غير مُجْتَهد وَمَعْلُوم أَن غير الْمُجْتَهد إِنَّمَا يسْأَل ليخبر لَا ليفتي عَن نَفسه وَلَيْسَ يجوز أَن يجب السُّؤَال
[ ٢ / ١١٨ ]
وَلَا يجب الْقبُول الْجَواب إِنَّه لَيْسَ فِي الاية أَنه يجب سُؤَالهمْ ليعلم مَا أخبروا بِهِ ليعْمَل مَا أخبروا بِهِ وَإِذا لم يمْتَنع أَن يكون اراد سُؤَالهمْ ليعلم السَّائِل لم يكن المُرَاد إِلَّا سُؤال من يتواتر الْخَبَر بنقله وَقَوله ﷿ ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ يدل على أَنه ﷿ أَرَادَ سُؤَالهمْ ليعلم مَا يخبرون بِهِ من أَنه أرسل الله ﷿ إِلَّا رجَالًا يوحي إِلَيْهِم وَهَذَا علم دون عمل
وَمِنْهَا قَوْله ﷿ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله﴾ فَأوجب الشَّهَادَة لله وَالْقِيَام بِالْقِسْطِ وَلَا يُوجب ذَلِك إِلَّا وَقد ألزم قبُول شَهَادَتهم وَمن أخبر بِمَا سَمعه من النَّبِي ﵇ فقد قَامَ بِالْقِسْطِ وَشهد لله وَالْجَوَاب إِنَّمَا يكون شَاهدا لله تَعَالَى وَقَائِمًا بِالْقِسْطِ إِذا شهد بِمَا يلْزم قبُوله دون مَا لَا يحل قبُوله كَالشَّهَادَةِ بِأُمُور الدُّنْيَا وَيحْتَمل أَن يكون سُبْحَانَهُ أوجب الشَّهَادَة بِمَا سمع من النَّبِي ﷺ ليرويه غَيره فيتواتر نَقله فان قيل الاية لَا تفرق بَين أَن يكون الْخَبَر قد سمعته جمَاعَة من النَّبِي ﵇ وَبَين أَن يكون قد سَمعه وَاحِد فِي وجوب الشَّهَادَة بِهِ قيل إِن من يُنكر الْعَمَل بأخبار الْآحَاد يمْتَنع من أَن يخص النَّبِي ﵇ بِالْعبَادَة من لَا يتواتر الْخَبَر بنقله إِلَّا أَن يكون التَّعَبُّد يَخُصُّهُ وَحده
وَمِنْهَا قَوْله ﷿ ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك﴾ وَقَوله ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَظَاهره يَقْتَضِي بَيَان جَمِيع مَا أنزل إِلَيْهِ لجَمِيع من عاصره وَلمن يَأْتِي بعده فَلَو وَجب عَلَيْهِ أَن يبين كل ذَلِك لمن يتواتر الْخَبَر بنقله لكَانَتْ الْأَخْبَار كلهَا منقولة عَنهُ بالتواتر إِلَّا أَن يُقَال إِن بعض السامعين للْخَبَر نَقله دون بعض وَذَلِكَ يُوجب تُهْمَة السّلف وَجَوَاز
[ ٢ / ١١٩ ]
كَون شرائع مَعَهم لم ينقلوها وَلَا يجوز أَن يكون كل مَا نقل بأخبار الْآحَاد لم يقلهُ النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل فِي الْعَادة أَن تكون هَذِه الْأَخْبَار على كثرتها كَاذِبَة وَلَا يجوز أَن تَتَضَمَّن عبادات تخْتَص من عاصر النَّبِي ﵇ لِأَن أَكْثَرهَا خطاب لأهل عصره وَلمن يَأْتِي بعده فَثَبت أَنه إِنَّمَا وَجب عَلَيْهِ أَن يبين بعض شَرعه لمن لَا يتواتر الْخَبَر بنقله وَإِن كَانَ بَيَانا لمن بعده وَفِي ذَلِك وجوب الْعَمَل بِهِ على من بعدهمْ الْجَواب إِن الْمُخَالف يَقُول إِنَّه لَا يمْتَنع أَن يكون بعض أَخْبَار الْآحَاد كذبا وَبَعضهَا عبادات تخْتَص أهل ذَلِك الْعَصْر وَبَعضهَا قد أَدَّاهَا النَّبِي ﷺ إِلَى من يتواتر الْخَبَر بنقله لَكِن بَعضهم نَقله دون بعض وَأَخْطَأ بَعضهم وَذَلِكَ غير مُمْتَنع وَيكون لُزُوم ذَلِك لنا مَشْرُوطًا بتواتر الْخَبَر إِلَيْنَا وَقَوْلهمْ إِن جَوَاز ذَلِك يَقْتَضِي جَوَاز كتمانهم شرائع كَثِيرَة فَذَلِك لَا يلْزم من لم يقل بأخبار الْآحَاد لِأَن عِنْدهم أَن النَّبِي ﷺ قد بَين الْعِبَادَات للْجَمَاعَة الْكَثِيرَة وَالْعَادَة تمنع من كتمان أجمعهم مَعَ مَا علمناه من توفر دواعي الْأمة إِلَى نقل السّنَن وَالْأَخْبَار على أَنه لَا بُد من أَن يبلغ ذَلِك جَمِيع أهل الْعَصْر فاجتماعهم على كِتْمَانه اجْتِمَاع من الْأمة على الْخَطَأ وَذَلِكَ لَا يجوز
وَمِنْهَا أَنه قد تَوَاتر النَّقْل بانفاذ رَسُول الله ﷺ سعاته إِلَى الْقَبَائِل والمدن لأخذ الزكوات وَتَعْلِيم الْأَحْكَام كإنقاذه معَاذًا إِلَى الْيمن ليفقههم فِي دينهم وَيقبض زكواتهم وَقد وَجب عَلَيْهِم الْمصير إِلَى رِوَايَته فِي نصب الزَّكَاة وَفِي فروعها وَقد كَانَ يرد على رَسُول الله الْوَاحِد والاثنان يخبران باسلامهما وَإِسْلَام قومهما ويسألان أَن ينفذ من يعلمهُمْ شرائع الْإِسْلَام وَكَانَ ينفذ النَّبِي ﷺ مَعَهم الرجل الْوَاحِد كانفاذه أَبَا عُبَيْدَة وَغَيره وَالْعلم بذلك ظَاهر لمن قَرَأَ الْأَخْبَار وَالسير وَلَا يُمكن دَفعه وَلم يكن النَّبِي ﵇ ينفذ إِلَيْهِم الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة وَلَو فعل ذَلِك لم يكن أهل الْمَدِينَة ليفوا بِمن أسلم من الْقَبَائِل وَلَا أوجب النَّبِي ﷺ على أهل الْقبْلَة أَن تصير بأجمعها إِلَيْهِ أَو أَكْثَرهَا لتعرف شَرعه بل أوجب عَلَيْهِم الْمصير إِلَى مَا يُؤَدِّيه رَسُوله فان قيل أَلَيْسَ كَانُوا يعْرفُونَ التَّوْحِيد والنبوة وَذَلِكَ لَا يعْمل فِيهِ بأخبار الْآحَاد قيل أما التَّوْحِيد فالمرجع
[ ٢ / ١٢٠ ]
فِيهِ إِلَى أَدِلَّة الْعُقُول فَمن أظهره وَجب علينا إِحْسَان الظَّن بِهِ وَأَنه قد اعتقده من وَجهه وَمن رام أَن يعرف التَّوْحِيد أمكنه ذَلِك بالاستدلال بأدلته الْعَقْلِيَّة وَلَيْسَ طَريقَة الاخبار فَيُقَال إِنَّهُم اقتصروا فِيهِ على الْآحَاد أَو التَّوَاتُر وَأما النُّبُوَّة فطريقها المعجز والتحدي بِالْقُرْآنِ وَغَيره من المعجزات وَقد كَانَ اشْتهر ذَلِك فِي الْقَبَائِل وَلم يكن نَقله بالآحاد فان قيل أَلَيْسَ لم يجز لَهُم أَن يعملوا بأخبار الْآحَاد إِلَّا وَقد دلّت الدّلَالَة عِنْدهم على ذَلِك فان كَانَ قد تَوَاتر عِنْدهم التَّعَبُّد بذلك عَن رَسُول الله ﷺ فَمَا يؤمنكم أَن شَرعه قد كَانَ تَوَاتر إِلَيْهِم عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ قيل إِن كَانَ وجوب الْعَمَل بأخبار الْآحَاد مَعْلُوما بِالْعقلِ فَلَا يمْتَنع أَن يَكُونُوا عمِلُوا على ذَلِك وَإِلَّا فانهم عمِلُوا على مَا تَوَاتر عِنْدهم من أَن النَّبِي ﵇ كَانَ ينفذ آحَاد النَّاس إِلَى الْقَبَائِل يعلمونهم الشَّرْع لِأَنَّهُ إِذا تَوَاتر ذَلِك عندنَا كَانَ تواتره عِنْدهم أولى وَلَيْسَ كَذَلِك جَمِيع شَرعه لأَنهم لَو علمُوا جَمِيعه لما احتاجوا إِلَى إِنْفَاذ من يعلمهُمْ فان قيل فَأول من أنفذ النَّبِي ﷺ إِلَيْهِم من ايْنَ علمُوا أَن ذَلِك من دينهم قيل لَا يمْتَنع أَن يكون أول من أنفذ النَّبِي ﷺ إِلَيْهِم علمُوا ذَلِك باخبار قَومهمْ الَّذين نفذوا إِلَى النَّبِي ﷺ فَلَا يمْتَنع أَن يكون أُولَئِكَ كَانُوا أَكثر من أَرْبَعَة فَوَقع لقومهم الْعلم باخبارهم ان النَّبِي ﷺ تعبدهم بِالرُّجُوعِ إِلَى إِخْبَار من أنفذه إِلَيْهِم ليعلمهم شَرعه فان قيل أَلَيْسَ قد كَانَ رسل النَّبِي ﷺ يعلمُونَ النَّاس الْقُرْآن الَّذِي يتلونه فِي الصَّلَاة وأعداد رَكْعَات الصَّلَوَات وَطَرِيق ذَلِك يجب كَونه مَعْلُوما دون أَخْبَار الْآحَاد قيل إِنَّمَا كَانَ يجب أَن يكون طَرِيق ذَلِك مَعْلُوما بعد انتشار الشَّرِيعَة وتواتر نقلهَا فَأَما فِي ابْتِدَاء الشَّرِيعَة فطريق ذَلِك لمن بعد عَن النَّبِي ﷺ أَخْبَار الْآحَاد وَهِي فِي تِلْكَ الْحَال من الْفُرُوع لَا من الاصول وللمخالف أَن يَقُول إِنِّي إِنَّمَا أمنع الْمُجْتَهد من أَن يعدل عَن حكم الْعقل إِلَى خبر الْوَاحِد وَلَا أمنع من رُجُوع الْعَاميّ إِلَى الْمُفْتِي فِي فروع الشَّرْع فَهَل تَوَاتر عنْدكُمْ النَّقْل بِأَن الَّذين ارسل إِلَيْهِم النَّبِي ﷺ كَانُوا من أهل الِاجْتِهَاد وَأَن الرُّسُل كَانُوا يخبرونهم عَن رَسُول الله ويكلونهم فِيمَا أخبروهم إِلَى الِاجْتِهَاد
[ ٢ / ١٢١ ]
لَيْسَ مَعكُمْ ذَلِك بل الظَّاهِر مِمَّن تجدّد إِسْلَامه أَنه لم يكن من أهل الِاجْتِهَاد وَأَن رسل النَّبِي ﵇ إِنَّمَا كَانُوا يعلمونهم كَمَا يعلم الْفَقِيه الْعَاميّ وَالْأَب وَلَده كَيْفيَّة الصَّلَاة فان قُلْتُمْ فبماذا علمُوا وجوب قبُول فَتْوَى ذَلِك الرَّسُول قيل لكم بِمَا تَوَاتر عَن النَّبِي ﷺ من إِنْفَاذ رسله ليعلمهم الْأَحْكَام كَمَا ذكرتموه أَنْتُم حِين قيل لكم بِمَاذَا علمُوا وجوب الْمصير إِلَى أَخْبَار الْآحَاد فان قُلْتُمْ إِذا لزم الْمصير إِلَى قَول الْمُفْتِي لزم الْمصير إِلَى خبر الْوَاحِد إِذْ لَا فرق بَينهمَا كُنْتُم قائسين بِخَبَر الْوَاحِد على الْفَتْوَى وَذَلِكَ انْتِقَال من هَذِه الدّلَالَة إِلَى دلَالَة أُخْرَى لِأَن هَذِه الدّلَالَة غير مَبْنِيَّة على الْقيَاس بل على أَن النَّبِي ﷺ قد أنفذ المخبرين بالآحاد وَأوجب على غير من ذكرْتُمْ فَهَذِهِ الدّلَالَة تلْزم من منع من قبل خبر الْوَاحِد وَمنع الْعَاميّ من قبُول الْفَتْوَى
وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا وَجب على الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى الْعَالم الْمخبر عَن اجْتِهَاده مَعَ إِمْكَان بَقَاء الْعَاميّ على حكم الْعقل فبأن يجب على الْعَالم أَن يرجع إِلَى الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ أولى وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا وَجب على الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى فَتْوَى الْعَالم وَإِن حَكَاهُ عَن أبي حنيفَة لما غلب على الظَّن صدقه فبأن يجب على الْمُجْتَهد الرُّجُوع إِلَى الْحِكَايَة عَن النَّبِي ﵇ أولى وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا وَجب على الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى رَسُول الْمُفْتِي فبأن يجب على الْمُجْتَهد الرُّجُوع إِلَى الْحِكَايَة عَن النَّبِي ﵇ أولى وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا وَجب على الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى رَسُول الْمُفْتِي فبأن يجب على الْمُجْتَهد الرُّجُوع إِلَى الْمخبر عَن النَّبِي ﷺ أولى وَمِنْهَا قَوْلهم قد وَجب الحكم بِمَا شهد بِهِ الشَّاهِدَانِ لما كَانَا عَدْلَيْنِ وَكَانَ مَا شَهدا بِهِ مِمَّا لَو علم لوَجَبَ الحكم بِهِ وَهَذَا مَوْجُود فِي الْمخبر الْعدْل عَن رَسُول الله ﷺ الْجَواب انهم إِن حمعوا هَذِه الْمسَائِل وردوها إِلَى الْعَمَل على الْأَخْبَار عَن الْمُعَامَلَات وَالْمَنَافِع والمضار فِي الدُّنْيَا فَهُوَ الدَّلِيل الْمَذْكُور فِي أول الْبَاب وَإِن جعلُوا هَذِه الْأُصُول اصولا شَرْعِيَّة وردوا إِلَيْهَا هَذِه الْفُرُوع وَجب أَن يعللوها بعلل مَعْلُومَة حَتَّى يردوا بهَا هَذِه الْفُرُوع إِلَيْهَا وَلم يَفْعَلُوا ذَلِك وَلَا
[ ٢ / ١٢٢ ]
يمْتَنع أَن يكون إِنَّمَا وَجب على الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى الْفَتْوَى وَإِلَى من يخبر عَن أبي حنيفَة وَإِلَى رَسُول الْمُفْتِي لكَونه غير مُجْتَهد أَلا ترى أَنه يجب عَلَيْهِ الرُّجُوع إِلَى الْفَتْوَى وَلَا يجب ذَلِك على الْعَالم أَلا ترى أَنه لَا يمْتَنع أَن تكون مصلحَة الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى إِخْبَار الْمُجْتَهد عَن نَفسه وَإِلَى إِخْبَار من يخبر عَنهُ وَيكون رُجُوع الْمُجْتَهد إِلَى الْمخبر عَن رَسُول الله ﷺ إِذا لم يعلم صدقه مفْسدَة وَكثير من النَّاس يمْنَع من الْفَتْوَى على سَبِيل الْحِكَايَة عَن الْغَيْر فَلَا يلْزم قِيَاس الْمَسْأَلَة على هَذَا الأَصْل وَأما الْعَمَل على الشَّهَادَة فانهم إِن جَعَلُوهُ أصلا شَرْعِيًّا فَيجب أَن يعللوا ذَلِك بعلة شَرْعِيَّة مَعْلُومَة وَلم يَفْعَلُوا ذَلِك فَمن أَيْن أَن الْعلَّة مَا ذَكرُوهُ مَعَ أَنه لَيْسَ يمْتَنع أَن تكون مصلحتنا أَن لَا تثبت حكما شَرْعِيًّا فِي الْجُمْلَة بطرِيق غير مَعْلُوم وَيجوز أَن تكون مصلحتنا إِذا ثَبت الحكم فِي جملَة الشَّرِيعَة بطريقة مَعْلُومَة أَن تثبت ذَلِك الحكم فِي الْأَعْيَان بطرِيق مظنونة وَإِذا جَازَ ذَلِك فَمن أَيْن أَن الْعلَّة مَا ذَكرُوهُ أَلا ترى أَن شَهَادَة الْوَاحِد وَخبر الْوَاحِد وَإِن اشْتَركَا فِي الْعلَّة الَّتِي ذكروها فقد افْتَرقَا فِي وجوب الْقبُول فقد بَطل أَن تكون الْعلَّة ماذكروه
وَمِنْهَا لَا بُد للاحكام الشَّرْعِيَّة من طَرِيق وَقد يحدث من الْمسَائِل مَا لَيْسَ فِي الْكتاب وَالسّنة المتواترة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس دَلِيل عَلَيْهِ فَلم يبْق إِلَّا خبر الْوَاحِد الْجَواب انه إِن لم يُوجد فِي شَيْء مِمَّا ذَكرُوهُ حكم الْحَادِثَة كَانَ للمخالف أَن يُوجب الْبَقَاء على حكم الْعقل فَلَا تكون الضَّرُورَة دَاعِيَة إِلَى أَخْبَار الْآحَاد
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن الْعقل يمْنَع من قبُول خبر الْوَاحِد من حَيْثُ لم يُؤمن كَونه كَاذِبًا فنكون عاملين بالمفسدة وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن تكون الْمصلحَة الْعَمَل بِمَا ظننا صدقه من الْأَخْبَار عَن النَّبِي ﷺ إِذا اخْتصَّ بشرائط صدق الرَّاوِي أم كذب على مَا بَيناهُ من قبل وَبينا أَن الْعقل يجوز وَيُوجب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد
[ ٢ / ١٢٣ ]
وَمَا ذَكرُوهُ منتقض بالشهادات على أَحْكَام الْفروج والدماء لأَنا لَا نَأْمَن كذبهَا ويلزمنا الْعَمَل بهَا وَلَا يلْزم من ذَلِك جَوَاز عَملنَا بالمفسدة وَالظُّلم
وَمِنْهَا أَن التَّعَبُّد السمعي لم يرد بِقبُول خبر الْوَاحِد وَالْجَوَاب أَنا قد بَينا أَنه قد ورد بذلك وَلَو لم يرد بِهِ لكفى دَلِيل الْعقل فِي التَّعَبُّد بِهِ
وَمِنْهَا قَول الله ﷿ ﴿وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ وَقَوله ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَقَوله ﴿إِلَّا من شهد بِالْحَقِّ وهم يعلمُونَ﴾ وَالْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد اقتفاء لما لَيْسَ لنا بِهِ علم وَشَهَادَة وَقَول بِمَا لَا نعلم لِأَن الْعَمَل بِهِ مَوْقُوف على الظَّن الْجَواب أَنه لَيْسَ فِي الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد شَيْء مِمَّا ذَكرُوهُ لِأَن عِنْد خبر الْوَاحِد نعمل بِمُوجبِه ونخبر بِوُجُوب ذَلِك علينا ونعلمه ونخبر بِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَلِك إِن لم يكن الرَّاوِي تعمد الْكَذِب وَلَا سَهَا وَلَا غلط أما الْعَمَل بِمُوجبِه فَلَيْسَ نقُول فَيُقَال إِنَّه قَول مَا ظنناه أَو بِمَا علمناه وَهُوَ اقتفاء لما كُنَّا بِهِ عَالمين وَهُوَ الدَّلِيل الْقَاطِع الدَّال على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَهَذَا الدَّلِيل هُوَ الَّذِي اتبعناه فِي الْعَمَل وَفِي الْإِخْبَار بِوُجُوب الْعَمَل علينا فَلم نقل على الله ﷿ مَا لَا نعلمهُ واعتقادنا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَلِك إِن لم يكن الرَّاوِي غلط أَو تعمد الْكَذِب وَهُوَ علم وإخبارنا بذلك شَهَادَة بِمَا نعلمهُ لِأَن كل مخبر إِذا لم يتَعَمَّد الْكَذِب وَلم يَفْعَله سَهوا أَو غَلطا فَهُوَ صَادِق
وَمِنْهَا قَول الله ﷿ ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ قدم من اتبع الظَّن وَبَين أَنه لَا غناء لَهُ فِي الْحق فَكَانَ على عُمُومه الْجَواب انا بعلمنا على خبر الْوَاحِد متبعون الدَّلِيل الْقَاطِع الدَّال على اتِّبَاع خبر الْوَاحِد إِن قيل أَلَيْسَ لَا بُد أَن تظنوا صدق الرَّاوِي حَتَّى تعلمُوا
[ ٢ / ١٢٤ ]
بالْخبر قيل بلَى وَلَكِن الِاتِّبَاع هُوَ الدَّلِيل فان قيل فقد جعلتم للظن حظا فِي الِاتِّبَاع لأنكم لَو لم تظنوا صدق الرَّاوِي لم تعلمُوا بالْخبر الْجَواب ان الله تَعَالَى إِنَّمَا ذمّ من لم يتبع إِلَّا الظَّن بقوله ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن﴾ فَلم يدْخل فِي ذَلِك من اتبع الدَّلِيل عِنْد الظَّن وَقَوله عقيب ذَلِك ﴿إِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ يُفِيد أَن مَا فَعَلُوهُ من أَنهم مَا يتبعُون إِلَّا الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا فَكَأَن الظَّن وَحده لَا يُغني من الْحق شَيْئا ويفيد أَيْضا أَن الظَّن للشَّيْء لَا يُفِيد أَن المظنون حق لَا محَالة وَكَذَلِكَ نقُول لأَنا إِذا ظننا صدق الرَّاوِي أَن النَّبِي ﷺ قَالَ كَذَا وَكَذَا لم يجب أَن يكون ذَلِك حَقًا لأَنا ظنناه على أَنا إِذا علمنَا وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد عِنْد ظننا صدقه فَالَّذِي أغْنى فِي الْحق هُوَ إِمَّا الدَّلِيل الدَّال على مُوجب خبر الْوَاحِد وَإِمَّا مَجْمُوع الدَّلِيل مَعَ الظَّن ومجموع الْأَمريْنِ لَيْسَ هُوَ الظَّن
وَمِنْهَا قَول الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين﴾ قَالُوا وَالْحكم بِخَبَر الْعدْل عمل على جَهَالَة لتجويزنا كذبه فقد تساوى من هَذِه الْجِهَة الْعَمَل بِخَبَر الْفَاسِق فَحرم الْعَمَل بِهِ الْجَواب ان الْعَمَل بالجهالة عمل بالشَّيْء من غير طَرِيق يسوغ الْعَمَل بِهِ وَلِهَذَا لم يكن الْمُسَافِر عَاملا بِجَهَالَة إِذا سَافر بعد الفحص والمساءلة وَإِن جوز أَن يكون الْأَمر بِخِلَاف مَا أخبر بِهِ فان ادّعى الْمُسْتَدلّ أَن الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد عمل بِغَيْر طَرِيق يسوغ ذَلِك فقد بني أَحْكَامه على نفس الْمَسْأَلَة
وَمِنْهَا قَوْله ﷿ ﴿ثمَّ يحكم الله آيَاته﴾ فَلَو كَانَ خبر الْوَاحِد دلَالَة وَكَانَ من آيَات الله لَكَانَ الله قد أحكمه وَلَو أحكمه لم يجز كَونه كذبا الْجَواب ان ذَلِك وَارِد عقيب قَول الله ﷿ ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته فَينْسَخ الله مَا يلقِي الشَّيْطَان ثمَّ يحكم الله آيَاته﴾
[ ٢ / ١٢٥ ]
فَبين أَنه يحكم آيَاته بعد نسخ مَا يلقيه الشَّيْطَان لِأَن ثمَّ للتَّرْتِيب وَالَّذِي يقف أَحْكَامه على نسخ مَا القاه الشَّيْطَان هُوَ الْقُرْآن لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَهُ تعلق بِمَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَان وَأَيْضًا فخبر الْوَاحِد امارة وَلَيْسَ بِدلَالَة فَلم يُطلق عَلَيْهِ القَوْل بِأَنَّهُ من آيَات الله ﷿ وَإِن كَانَ الْعَمَل يجب عِنْده لِأَن الْآيَة دلَالَة كَمَا لَا تكون الشَّهَادَات من آيَات الله ﷿ حَتَّى يقطع على صدقهَا وَإِن وَجب الْعَمَل عِنْدهَا
وَمِنْهَا قَول الله ﷿ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس بشيرا وَنَذِيرا﴾ فَأخْبر أَنه مُرْسل إِلَى كَافَّة النَّاس فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَن يُخَاطب بشرعه جَمِيعهم وَذَلِكَ يَقْتَضِي نقل جَمِيعهم أَو من يتواتر الْخَبَر بنقله فَمَا رُوِيَ بالآحاد لَيْسَ من شَرعه الْجَواب يُقَال لَهُم وَلم لَا يكون مُرْسلا إِلَى كَافَّة النَّاس وَإِن بَين شَرعه لبعضها بالآحاد فان قَالُوا لجَوَاز أَن لَا يصل إِلَيْهِم شَرعه إِذا أودعهُ آحَاد النَّاس قيل وَلم لَا يجوز أَن يلْزمهُم شَرعه بِشَرْط أَن يبلغهم كَمَا يلْزم شَرعه من بعد عَنهُ من أهل عصره إِذا بَلغهُمْ وَلَا يلْزمهُم قبل أَن يبلغهم - ﷺ َ - بَاب فِيمَا يرد لَهُ الْخَبَر وَمَا لَا يرد لَهُ مِمَّا فِيهِ اشْتِبَاه - ﷺ َ -
اعْلَم أَو مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ سيكذب عَليّ يدل على أَنه قد كذب عَلَيْهِ أَو سيكذب فِيمَا بعد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِن كَانَ هَذَا الْخَبَر كذبا عَلَيْهِ فقد كذب عَلَيْهِ وَإِن لم يكن كذبا عَلَيْهِ فقد كذب عَلَيْهِ أَو سيكذب عَلَيْهِ بعد هَذَا الْوَقْت وَإِذا جَوَّزنَا أَن يكون قد تقدم الْكَذِب عَلَيْهِ فَلَا بُد من اعْتِبَار الْأَخْبَار المروية وَلَو لم يرو هَذَا الْخَبَر لَكَانَ تَجْوِيز الْكَذِب عَلَيْهِ يَقْتَضِي اعْتِبَار الْأَخْبَار فَكيف وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَر
[ ٢ / ١٢٦ ]
وَالْأَخْبَار المروية عَن النَّبِي ﷺ ضَرْبَان أَحدهمَا يعلم أَن النَّبِي ﷺ قَالَهَا وَالْآخر لَا يعلم أَنه قَالَهَا فالمعلوم أَنه قَالَه إِمَّا أَن لَا تتعارض وَإِمَّا أَن تتعارض فان لم تتعارض وَجب الْعَمَل بهَا إِن تَضَمَّنت عملا وَإِن تَعَارَضَت وَأمكن تَأْوِيل بَعْضهَا على مُوَافقَة بعض فعل ذَلِك بِأَن يحمل أَحدهمَا على الْمجَاز إِمَّا بنسخ أَو تَخْصِيص أَو غير ذَلِك وَإِن لم يُمكن تَأْوِيل بَعْضهَا على مُوَافقَة بعض حملا على التَّخْيِير إِذْ لَيْسَ الْعَمَل على أَحدهمَا أولى من الآخر وَوُقُوع الْعلم بالْخبر يمْنَع من رده من غير تَأْوِيل
وَأما الْأَخْبَار الَّتِي لَا يعلم أَن النَّبِي ﷺ قَالَهَا فضربان أَحدهمَا يتَضَمَّن عملا وَالْآخر لَا يتَضَمَّن عملا فَمَا لَا يتَضَمَّن عملا لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ وَمَا يتَضَمَّن عملا فقد يجب الْعَمَل بِهِ على شَرَائِط وَقد يرد لفقد تِلْكَ الشَّرَائِط وَقد يحصل فِي بعض ذَلِك اشْتِبَاه وَقد لَا يحصل فِيهِ اشْتِبَاه فَكل ذَلِك يجب رُجُوعه إِمَّا إِلَى الْخَبَر أَو إِلَى مَا للْخَبَر بِهِ تعلق وَهُوَ الرَّاوِي وَكَيْفِيَّة نَقله والمخبر عَنهُ أما الرَّاجِع إِلَى الْخَبَر فبأن يكون فِيهِ زِيَادَة لم تذكر فِي رِوَايَة اخرى فان ذَلِك قد يقْدَح فِي الحَدِيث فِي بعض الْحَالَات وَمِمَّا يشْتَبه الْحَال فِيهِ أَن يُخَالف حفاظ أهل النَّقْل فِي أَلْفَاظ الحَدِيث وَأما مَا يرجع إِلَى الرَّاوِي فضربان أَحدهمَا يرجع إِلَى الْعدَد وَالْآخر يرجع إِلَى الْأَحْوَال أما الرَّاجِع إِلَى الْأَحْوَال فَهُوَ كل مَا قدح فِي الظَّن لصدقه أَن لَا يكون عدلا وَيدخل فِي ذَلِك الْكَذِب والتساهل وقله التحفظ فِيمَا يسمعهُ وَيَرْوِيه ووجوه الْفسق كلهَا وَنَحْو مَا سخف من الْمعاصِي والمباحات وَنَحْو أَن لَا يكون ضابطا وَنَحْو أَن يَعْتَرِيه السَّهْو بعد ضبط الحَدِيث على تَفْصِيل سَنذكرُهُ وَنَحْو أَن يكون مَجْهُولا غير مَعْرُوف الْعَدَالَة وَلَا يرد حَدِيثه إِذا كَانَ لَهُ اسْم يعرف بِهِ وَاسم لَا يعرف بِهِ وَإِذا لم يكثر من رِوَايَة الحَدِيث وَلَا كاثر مجالسة أهل الْعلم أَو رَوَاهُ ثمَّ ذكر بِهِ فَلم يذكرهُ اَوْ كَانَ وَاحِدًا لم يروه مَعَه غَيره وَهَذَا الْقسم يرجع إِلَى الْعدَد واما كَيْفيَّة النَّقْل فأشياء مِنْهَا رِوَايَة الحَدِيث على الْمَعْنى وَمِنْهَا رِوَايَته من كتاب وَهُوَ لَا يذكرهُ وَمِنْهَا التَّدْلِيس وَمِنْهَا الْإِرْسَال وَمِنْهَا إرْسَال الحَدِيث تَارَة
[ ٢ / ١٢٧ ]
وَإِسْنَاده اخرى وَرِوَايَته تَارَة مَوْقُوفا وَتارَة مَوْصُولا وَأما حَال الْمخبر عَنهُ فبأن يثبت بِالدَّلِيلِ الْقَاطِع خلاف مَا اقْتَضَاهُ الْخَبَر كدليل الْعقل وَالْكتاب وَالسّنة الْمَعْلُومَة وَلَا فرق بَين أَن يكون الْخَبَر دافعا للْكتاب وَالسّنة الْمَعْلُومَة على كل حَال أَو على وَجه النّسخ وَاخْتلفُوا إِذا كَانَ الْخَبَر مُخَصّصا لَهما وَاخْتلفُوا إِذا كَانَ الْمخبر عَنهُ يعم الْبلوى بِهِ هَل يرد لَهُ خبر الْوَاحِد أم لَا وَلَا يرد إِذا عمل النَّبِي ﷺ بِخِلَافِهِ أَو عمل أَكثر الصَّحَابَة بِخِلَافِهِ وَكَذَلِكَ إِذا عَابَ أَكْثَرهم على الرَّاوِي على اخْتِلَاف فِيهِ وَلَا يرد إِذا خَالف قِيَاس الْأُصُول
وَنحن نذْكر أَولا مَا يرجع إِلَى الْخَبَر ثمَّ مَا يرجع إِلَى الْمخبر ثمَّ مَا يرجع إِلَى كَيْفيَّة نَقله ثمَّ مَا يرجع إِلَى الْمخبر عَنهُ إِن شَاءَ الله - ﷺ َ - بَاب فِي الْخَبَر إِذا تضمن زِيَادَة لم تذكر فِي رِوَايَة أُخْرَى - ﷺ َ -
اعْلَم أَنه إِذا رُوِيَ الرَّاوِي زِيَادَة فاما أَن يكون لم يروها غَيره أَو لم يروها هُوَ مرّة أُخْرَى وَالْأول ضَرْبَان احدهما أَن يكون من لم يروها لَا يقبل حَدِيثه وَالْآخر أَن يقبل حَدِيثه فَالْأول لَا يمْنَع من قبُول الزِّيَادَة لِأَن راويها مِمَّن يقبل رِوَايَته وَلم يعارضها رِوَايَة مثلهَا يبين ذَلِك أَن الَّذِي لَا يقبل رِوَايَته لَو روى نفي تِلْكَ الزِّيَادَة لم يمْنَع ذَلِك من قبُول الزِّيَادَة فبأن لَا يمْنَع تَركه لذكرها أولى وَإِن كَانَ الَّذِي لم يروها يقبل رِوَايَته فَأَما أَن يعلم انهما أسندا الْخَبَرَيْنِ إِلَى مجلسين أَو إِلَى مجْلِس وَاحِد أَو لَا يعلم ذَلِك من حَالهمَا فان علمنَا أَنَّهُمَا أسنداه إِلَى مجلسين قبلت الزِّيَادَة لِأَنَّهُ لَا معَارض لَهَا لجَوَاز أَن يُقيد النَّبِي ﵇ كَلَامه فِي بعض الْحَالَات دون بعض ثمَّ هَل تِلْكَ الزِّيَادَة نسخ أَو تَخْصِيص قد بَين فِيمَا سلف وَإِن علمنَا أَنَّهُمَا أسنداه إِلَى مجْلِس وَاحِد فاما أَن يكون الَّذِي لم يرو الزِّيَادَة عددا لَا يجوز أَن يغفلوا عَن تِلْكَ الزِّيَادَة الَّتِي رَوَاهَا الْوَاحِد وَإِمَّا أَن يكون الرَّاوِي لَهَا عددا لَا يجوز عَلَيْهِم توهم مَا لم يكن وَإِمَّا أَن يجوز على كلا
[ ٢ / ١٢٨ ]
الْفَرِيقَيْنِ ذَلِك وَيجوز خِلَافه فَالْأول يمْنَع من قبُول الزِّيَادَة لِأَن من لم يروها إِنَّمَا لم يروها لِأَنَّهَا لم تكن وَيكون الرَّاوِي لَهَا قد سَمعهَا من غير النَّبِي ﷺ فَظن أَنه سَمعهَا مِنْهُ ﵇ وَإِن كَانَ الرَّاوِي للزِّيَادَة عددا كثيرا لَا يجوز عَلَيْهِم توهم مَا لم يكن قبلت الزِّيَادَة لأَنهم مَا رووها إِلَّا لِأَنَّهَا كَانَت وَإِن لم يكن الرَّاوِي لَهَا وَلَا التارك لَهَا عددا كثيرا فإمَّا أَن تكون الزِّيَادَة مُغيرَة الْإِعْرَاب وَبِنَاء الْكَلَام أَو غير مُغيرَة لذَلِك بل مُنْفَصِلَة فَالْأول كَقَوْلِه أَو نصف صَاع من بر وَكَقَوْلِه أَو صَاعا من بر فَكل وَاحِد من الراويين قد روى مَا يَنْفِي رِوَايَة الآخر لِأَن أَحدهمَا روى النصب وَالْآخر روى الْجَرّ فروايتهما متناقضة فان تفاضلا فِي الضَّبْط عمل على رِوَايَة الأضبط لِأَن مَعَ تعَارض الرِّوَايَتَيْنِ وَكَون كل وَاحِد من الراويين يقبل حَدِيثه يجب التَّرْجِيح وَقُوَّة الضَّبْط وَالْعَدَالَة مِمَّا يرجح بِهِ الْخَبَر وَإِن تَسَاويا فِي الضَّبْط واشتبه علينا الْأَمر فِي تفاضلهما فِيهِ لم تكن رِوَايَة أَحدهمَا بِالْقبُولِ أولى من الْأُخْرَى فَيجب الرُّجُوع إِلَى تَرْجِيح آخر وَإِن كَانَت الزِّيَادَة لَا تغير بِنَاء لفظ الحَدِيث وَإِعْرَابه كَمَا رُوِيَ من قَوْله أَو صَاعا من بر وَمَا رُوِيَ من قَوْله أَو صَاعا من بر بَين اثْنَيْنِ فَكل وَاحِد مِنْهُمَا قد روى أَو صَاعا من بر على صُورَة وَاحِدَة وَزَاد أَحدهمَا بَين اثْنَيْنِ فَهَذِهِ الزِّيَادَة تقبل
فَصَارَت الزِّيَادَة إِنَّمَا تقبل على شُرُوط مِنْهَا أَن لَا يكثر عدد من لم يروها وَمِنْهَا أَن لاتكون مُؤثرَة فِي لفظ الْمَزِيد عَلَيْهِ وَإِعْرَابه أَو اثرت كَانَ راويها أضبط وَالشَّيْخ أَبُو عبد الله يقبل الزِّيَادَة سَوَاء أثرت فِي اللَّفْظ أَو لم تُؤثر إِذا أثرت فِي الْمَعْنى وَقبلهَا قَاضِي الْقُضَاة إِذا أثرت فِي الْمَعْنى دون اللَّفْظ وَلم يقبلهَا إِذا اثرت فِي إِعْرَاب اللغظ وَحكى أَن اصحاب الحَدِيث لَا يقبلُونَ الزِّيَادَة
وَالدّلَالَة على قبُولهَا إِذا اخْتصّت بالشرائط الْمَذْكُورَة أَن الرَّاوِي للزِّيَادَة مِمَّن يجب قبُول خَبره وَلَا معَارض لروايته فَوَجَبَ قبُولهَا كَمَا لَو انْفَرد بِرِوَايَة
[ ٢ / ١٢٩ ]
الحَدِيث وَلم يروه غَيره وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه مِمَّن يقبل لِأَنَّهُ مُخْتَصّ بِالْعَدَالَةِ والضبط وَجَمِيع الصِّفَات الْمَطْلُوبَة وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه لَا معَارض لروايته لِأَن التارك لرِوَايَة الزِّيَادَة لم ينفها لفظا وَلَا معنى أما أَنه لم ينفها لفظا فَبين واما أَنه لم ينفها فِي الْمَعْنى فَلِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يُقَال إِنَّه نفاها فِي الْمَعْنى إِلَّا من حَيْثُ كَانَ الرَّاوِي الآخر لما سَاق الحَدِيث وَكَانَ قصد اسْتِيفَاؤهُ ثمَّ لم يذكر الزِّيَادَة علم أَنه قد نفاها وَجرى مجْرى أَن ينفيها لفظا وَيُمكن أَن يكون هَذَا الْكَلَام دَلِيلا لَهُ مُبْتَدأ وَالْجَوَاب إِنَّه لَيْسَ يجب أَن يكون إِنَّمَا لم يروها التارك لَهَا لِأَنَّهُ نفاها لَكِن يجوز أَن يكون إِنَّمَا لم يروها لِأَنَّهُ لم يسْمعهَا لسهو اعتراه حِين تكلم بهَا النَّبِي ﷺ أَو لشغل قلب اعتراه أَو تشاغل بعطاس أَو إصغاء إِلَى كَلَام آخر فاذا جَازَ كل ذَلِك بَطل القَوْل بِأَن التارك للزِّيَادَة قد نفاها فِي الْمَعْنى
فان قيل فَلم مَا حملتم ترك الرِّوَايَة للزِّيَادَة على أحد هَذِه الْوُجُوه بِأولى من أَن يحملوا رِوَايَة من رَوَاهَا على أَنه تصور أَنه سمع تِلْكَ الزِّيَادَة من النَّبِي ﵇ وَلم يكن سَمعهَا مِنْهُ قيل لِأَن سَهْو الْإِنْسَان عَمَّا سَمعه وتشاغله عَن سَماع مَا جرى بمشهد مِنْهُ يكثر وَلَا يكثر توهم الْإِنْسَان أَنه سمع مَا لم يسمع وَلِأَنَّهُ لَا سَبَب لذَلِك إِلَّا أَنه سمع الزِّيَادَة من الْغَيْر فَظن أَنه سَمعهَا من النَّبِي ﷺ أَو سمع من النَّبِي ﵇ شَيْئا فَظن أَنه سمع مِنْهُ ايضا مَا لَهُ بِهِ ولترك رِوَايَة مَا جرى اسباب كَثِيرَة قد ذَكرنَاهَا فَلذَلِك كَانَ ترك الْإِنْسَان رِوَايَة مَا جرى أَكثر من رِوَايَته مَا لم يجر إِذا لم يتَعَمَّد الْكَذِب
فان قيل فَيجب أَن يكون رِوَايَة من روى أَو نصف صَاع من بر أولى من رِوَايَة من روى أَو صَاعا من بر لِأَن فِيهَا زِيَادَة نصف يجوز أَن يكون التارك لَهَا لم يسْمعهَا قيل لَو لم يكن إِلَّا هَذَا لكَانَتْ الزِّيَادَة أولى لَكِن لما تَعَارضا فِي رِوَايَة إعرابين متنافيين لم تكن إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أولى من الْأُخْرَى يبين ذَلِك أَنه لَا يُمكن أَن يُقَال لَعَلَّ الَّذِي روى أَو صَاع من بر لم يسمع لَفظه نصف وَسمع لفظ صَاع لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لسمعها مجرورة
[ ٢ / ١٣٠ ]
إِن قيل فَيلْزم على مَا ذكرْتُمْ أَن الَّذِي لم يرو الزِّيَادَة لَو نفاها لم يُعَارض نَفْيه رِوَايَة من رَوَاهَا قيل إِن قَالَ أعلم أَنه لم تكن هَذِه الزِّيَادَة وأنني مَا سَمعتهَا وَلم يقطعني قَاطع عَن سماعهَا فانه يكون نَاقِلا للنَّفْي ولارتفاع الْمَوَانِع كَمَا نقل الآخر الزِّيَادَة فتتعارض الرِّوَايَتَانِ وَإِن قَالَ لم تكن هَذِه الزِّيَادَة فانه يحْتَمل أَن يكون ذَلِك مَوضِع اجْتِهَاد وَيحْتَمل أَن يُقَال رِوَايَة الْمُثبت أولى لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون النَّافِي إِنَّمَا نفى الزِّيَادَة بِحَسب ظَنّه وَيحْتَمل أَن يُقَال يرجع إِلَى رِوَايَة النَّافِي إِذا كَانَ أضبط
وَاحْتج الدافعون للزِّيَادَة بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن ضبط الرَّاوِي إِنَّمَا يعرف بموافقة المعروفين بالضبط فاذا لم يُوَافقهُ فِي الرِّوَايَة لم يعرف ضَبطه وَالْجَوَاب إِنَّه لَو لم يثبت ضبط الْإِنْسَان إِلَّا بموافقة ضَابِط آخر لَهُ أدّى إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَلم يعرف ضبط أحد فَعلمنَا قد يعرف ضبط الْإِنْسَان لغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَوْجُود فِيمَن روى الزِّيَادَة وَأَيْضًا فانما يعرف اختلال ضبط الانسان إِذا خَالفه من يضْبط مرَارًا كَثِيرَة فَأَما الْمرة والمرتان فَلَا يمْتَنع أَن يضْبط هُوَ فِيهَا ويسهو من هُوَ أضبط مِنْهُ
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن جمَاعَة لَو كَانُوا فِي مجْلِس فنقلوا عَن صَاحبه كلَاما وَانْفَرَدَ وَاحِد مِنْهُم بِزِيَادَة غير البَاقِينَ مَعَ كثرتهم وَشدَّة عنايتهم بِمَا سَمِعُوهُ وَرَوَوْهُ لأطرح السامعون تِلْكَ الزِّيَادَة الْجَواب إِن ذَلِك لَيْسَ مِمَّا نَحن بسبيله لأَنا قد قُلْنَا إِن الْجَمَاعَة إِذا تركت الزِّيَادَة كَانَت رِوَايَتهَا أولى وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ التارك للزِّيَادَة أضبط إِذا غيرت الزِّيَادَة اللَّفْظ
وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا كَانَ الضَّابِط لَو وَافق هَذَا الرَّاوِي للزِّيَادَة لقوي بموافقته خَبره فَيجب إِذا خَالفه أَن يضعف وَالْجَوَاب إِنَّه بامساكه عَن الزِّيَادَة غير مُخَالف لَهُ كَمَا أَنه بامساكه عَن رِوَايَة خبر آخر لَا يكون مُخَالفا لَهُ وَأَيْضًا فانه إِذا وَجب قَول الزِّيَادَة بمشاركة غَيره من الروَاة لَهُ وَجب إِذا لم
[ ٢ / ١٣١ ]
يشاركوه أَن تنقص تِلْكَ الْقُوَّة وَلَيْسَ إِذا نقصت يجب أَن تبلغ حدا فِي الضعْف لَا يقبل الْخَبَر مَعَه أَلا ترى أَنه لَو شَارك الرَّاوِي جمَاعَة فِي خبر فقوي الْخَبَر بذلك فانه إِذا لم يشاركوه فِي الرِّوَايَة بل رَوَاهُ وَحده لَا يجب أَن يَنْتَهِي فِي الضعْف إِلَى حد لَا يجوز أَن يقبل مَعَه
فَأَما إِذا لم يعلم هَل اسند المخبران الْخَبَرَيْنِ إِلَى مجْلِس وَاحِد أَو مجلسين وَكَانَت الزِّيَادَة تغير إِعْرَاب الْمَزِيد عَلَيْهِ وَلم يكن الرَّاوِي لَهُ وَلَا التارك لَهَا كَثْرَة فانه يَقْتَضِي التَّوَقُّف وَالرُّجُوع إِلَى التَّرْجِيح لأَنا لَا نَأْمَن أَن يَكُونَا قد اسنداه إِلَى مجْلِس وَاحِد فيتمانعا وَالصَّحِيح أَن يُقَال يجب حمل الْخَبَرَيْنِ على أَنَّهُمَا جَريا فِي مجلسين لِأَنَّهُمَا لَو كَانَا فِي مجْلِس وَاحِد لجرى على لفظ وَاحِد وَلَو كَانَ اللَّفْظ وَاحِدًا لَكَانَ الظَّاهِر من عدالتهما وضبطهما أَن لَا يخْتَلف روايتهما
فَأَما إِذا روى الرَّاوِي زِيَادَة لم يروها هُوَ مرّة أُخْرَى مُتَقَدّمَة أَو مُتَأَخِّرَة وَأَنه إِن أسْند الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى مجلسين قبل ذَلِك وَكَذَلِكَ إِذا لم يعلم أَنه اسندهما إِلَى مجلسين حمل أَنَّهُمَا كَانَا فِي مجلسين وَإِن علمنَا أَنه لم يسندهما إِلَى مجلسين وَكَانَ قد روى الْخَبَر دفعات كَثِيرَة من غير زِيَادَة وَرَوَاهُ مرّة وَاحِدَة بِالزِّيَادَةِ فالأغلب انه سَهَا فِي إِثْبَات الزِّيَادَة لِأَن سَهْو الْإِنْسَان مرّة وَاحِدَة أغلب وَأكْثر من سَهْوه مرَارًا كَثِيرَة فان قَالَ قد كنت أنسيت هَذِه الزِّيَادَة والآن ذكرتها قبلت الزِّيَادَة وَحمل أمره على الْأَقَل النَّادِر لمَكَان قَوْله وَكَذَلِكَ إِن كَانَ لَهُ كتاب يرجع إِلَيْهِ وَإِن كَانَ إِنَّمَا رَوَاهَا مرّة وأخل بروايتها مرّة وَكَانَت الزِّيَادَة تغير إِعْرَاب الْكَلَام تَعَارَضَت الرِّوَايَتَانِ وَإِن كَانَت الزِّيَادَة لَا تغير اللَّفْظ احْتمل أَن يتعارضا لِأَنَّهُ على كل حَال قد وهم وهما بَاطِلا إِمَّا زِيَادَة لَا اصل لَهَا وَإِمَّا نِسْيَانا لما كَانَ لَهُ اصل فَلَيْسَ بِأَن يُقَال ضَبطه يمْنَع من أَن يكون قد وهم عِنْد سَمَاعه للْحَدِيث زِيَادَة لَا اصل لَهَا وَأَنه نسي فَلم يروها فِي بعض الْحَالَات وَذكرهَا مرّة أُخْرَى بِأولى من ان يُقَال إِن ضَبطه
[ ٢ / ١٣٢ ]
يمْنَع من نسيانه لَهَا وَالْأولَى أَن يُقَال أَظُنهُ من رِوَايَته لما لم يسمعهُ توهما مِنْهُ أَنه سَمعه الْأَقْرَب أَن يكون نَسِيَهَا حِين لم يروها لِأَن نِسْيَان الضَّابِط لما سمع عِنْد تطاول الزَّمَان أَكثر وأغلب من ذَهَابه عَن سَماع مَا حَضَره فَوَجَبَ لذَلِك قبُول الزِّيَادَة
وَإِذا روى الرَّاوِي الحَدِيث تَارَة مَعَ زِيَادَة وَتارَة بِغَيْر زِيَادَة استهانة وَقلة تحفظ سَقَطت عَدَالَته وَلم يقبل حَدِيثه وَإِذا كَانَ فِي الْخَبَر لفظ لَا يُفِيد إِلَّا التَّأْكِيد لم يجز إِسْقَاطه لِأَن النَّبِي ﷺ مَا ذكره إِلَّا لفائدة
فَأَما إِذا خَالف فِي لفظ الحَدِيث حفاظ أهل النَّقْل فقد ذكر ذَلِك فِي جملَة مَا يرد لَهُ الحَدِيث وَهُوَ دَاخل فِي الزِّيَادَة وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن لِأَن الْخلاف لَيْسَ يَقع بَينهم إِلَّا بِأَن يزِيد أحدهم فِي الحَدِيث مَا لَا يرويهِ الآخر اَوْ يروي أَحدهمَا اللَّفْظ على إِعْرَاب يروي الآخر خِلَافه وَقد تقدم بَيَان ذَلِك كُله - ﷺ َ - بَاب فِي ذكر فُصُول أَحْوَال الرَّاوِي - ﷺ َ -