- ﷺ َ - بَاب فِي فُصُول الْإِجْمَاع - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْغَرَض بذلك هُوَ القَوْل فِي أَن الْإِجْمَاع حجَّة وَلما كَانَ الْإِجْمَاع هُوَ اتِّفَاق من جمَاعَة على أَمر من الْأُمُور إِمَّا فعل أَو ترك وَجَاز أَن يلْحق اتِّفَاقهم اشْتِبَاه فَيخرج مِنْهُ مَا هُوَ مِنْهُ وَيجْعَل مِنْهُ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَجَاز أَن يكون الِاتِّفَاق حجَّة بِشَرْط وَجَاز أَن يُعَارض قَوْلهم حجَّة أُخْرَى وَوَجَب أَن يكون لَهُم طَرِيق إِلَى مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ أَو يكون لنا طَرِيق إِلَى مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ وَجب أَن نتكلم فِي كل ذَلِك فندل على أَن الْإِجْمَاع حجَّة ثمَّ فِي الِاتِّفَاق بِمَاذَا يَقع هَل هَذَا بالْقَوْل أَو بِالْفِعْلِ أَو بِالرِّضَا والاعتقاد ثمَّ نتكلم فِي المتفقين فنبين من يعْتَبر قَوْله فِي الْإِجْمَاع وَمن لَا يعْتَبر فِيهِ وَيدخل فِي كلا الْقسمَيْنِ أَبْوَاب وَهِي أَنه لَا يعْتَبر فِي الْإِجْمَاع بِكُل من بعث النَّبِي ﷺ وَلَا بِجَمِيعِ الْمُكَلّفين إِلَى حد التَّكْلِيف وَلَا بالعامة فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد وَيعْتَبر بِأَهْل الْأَعْصَار والامصار وبالمجتهد وَإِن لم يشْتَهر بالفتوى وبالتابعي الْحَدث المعاصر للصحابة وبالواحد من أهل الْعَصْر فَلَا ينْعَقد الْإِجْمَاع دونه ثمَّ نتكلم فِيمَا يتفقون عَلَيْهِ فنبين مَا الَّذِي يكون اتِّفَاقهم فِيهِ حجَّة وَمَا الَّذِي لَا يكون اتِّفَاقهم فِيهِ حجَّة ويشتمل ذَلِك على أَبْوَاب وَهِي أَنه لَا يكون إِجْمَاعهم حجَّة فِيمَا لَا يعلم صِحَة الِاجْتِمَاع إِلَّا بعد الْعلم بِصِحَّتِهِ فَيكون حجَّة فِي إِزَالَة الْخلاف الْمُتَقَدّم وَهل يكون حجَّة فِي أُمُور الدُّنْيَا وَهل يكون حجَّة وَإِن كَانَ سَبَب اجْتِمَاعهم اجْتِهَاد آرائهم فاذا عرفنَا
[ ٢ / ٣ ]
بِهَذِهِ الْفُصُول الِاتِّفَاق والمتفقين وَمَا يكون الِاتِّفَاق حجَّة فِيهِ تكلمنا فِي شَرط كَونه حجَّة ثمَّ نتكلم فِيمَا أخرج من الْإِجْمَاع وَفِيمَا ألحق بِهِ وَيدخل فِي ذَلِك فُصُول وَهِي هَل اخْتِلَاف الْأمة فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ هُوَ اتِّفَاق على الْمَنْع مِمَّا عداهما وَهل اتِّفَاقهم على الِاسْتِدْلَال بِدَلِيل أَو اعتلال بتعليل أَو تَأْوِيل هُوَ اتِّفَاق على الْمَنْع مِمَّا عدا ذَلِك وَهل اتِّفَاقهم على أَن لَا فرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ اتِّفَاق على الْمَنْع بَينهمَا وَهل اخْتلَافهمْ فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ هُوَ اتِّفَاق على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا على كل حَال أم لَا وَبعد ذَلِك نتكلم فِيمَا يُعَارض الْإِجْمَاع ثمَّ فِي طَرِيق المجتمعين إِلَى مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ ويشتمل ذَلِك على أَنه لَا بُد من أَن يتفقوا على طَرِيق وَهل ذَلِك الطَّرِيق الِاجْتِهَاد أم لَا وَكَيف الْحَال فيهم إِذا اتَّفقُوا على مُوجب خبر الْوَاحِد ثمَّ نتكلم فِي طريقنا إِلَى اتِّفَاقهم وَيدخل فِي ذَلِك انْقِرَاض أهل الْعَصْر هَل هُوَ طَرِيق إِلَى اتِّفَاقهم وَهل عدم الْمُخَالف لِلْقَوْلِ الَّذِي لم ينتشر طَرِيق إِلَى الِاتِّفَاق عَلَيْهِ - ﷺ َ - بَاب فِي الدّلَالَة على أَن الْإِجْمَاع حجَّة - ﷺ َ -
اعْلَم أَن إِجْمَاع أهل كل عصر من الْأمة صَوَاب وَحجَّة وَقَالَ النظام لَيْسَ ذَلِك حجَّة وَقَالَت الإمامية ذَلِك صَوَاب لِأَن الإِمَام دَاخل فيهم وَهُوَ الْحجَّة فَقَط وَدَلِيلنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ وَالْوسط من كل شَيْء خِيَاره والحكيم لَا يخبر بخيرية قوم ليشهدوا وَهُوَ عَالم بِأَنَّهُم كلهم يقدمُونَ على كَبِيرَة فِي تِلْكَ الْحَال فِيمَا يشْهدُونَ بِهِ بل لَا يجوز ذَلِك إِذا علم أَنهم يقدمُونَ فِيمَا يشْهدُونَ بِهِ على قَبِيح صَغِير أَو كَبِير فصح أَن مَا شهدُوا بِهِ أَنه من الدّين فَهُوَ صَوَاب
[ ٢ / ٤ ]
إِن قيل المُرَاد بذلك أَن يشْهدُوا بذلك فِي الْآخِرَة على الامم السالفة أَن أنبياءهم بلغت إِلَيْهِم الرسَالَة وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَونهم دولا فِي حَال مَا يشْهدُونَ دون حَال الدُّنْيَا وَالْجَوَاب أَنه لَو كَانَ هَذَا هُوَ المُرَاد لقَالَ سنجعلكم أمة وسطا وَأَيْضًا فانهم إِن شهدُوا بتبليغ الرُّسُل إِلَى الامم قبلهم والامم قد شاهدت ذَلِك فعلمهم بذلك أقوى من علم هَذِه الْأمة فَلم يجز أَن يستشهد الْأَنْبِيَاء بِمن علمه أَضْعَف وَأَيْضًا فَجَمِيع الامم عدُول فِي الْآخِرَة على معنى أَنهم لَا يَفْعَلُونَ الْقَبِيح فَلَا معنى لتخصيص هَذِه الْأمة بِالْعَدَالَةِ لَو كَانَ المُرَاد بِهِ الْآخِرَة
إِن قيل قَوْله ﴿ليشهدوا﴾ لَيْسَ فِيهِ لفظ عُمُوم فَيَقْضِي أَن يشْهدُوا بِجَمِيعِ أَنْوَاع الشَّهَادَات فَمَا يؤمنكم أَن يكون المُرَاد بذلك ليشهدوا على من بعدهمْ بِإِيجَاب النَّبِي ﷺ الْعِبَادَات عَلَيْهِم قيل لَو كَانَ المُرَاد ذَلِك لم يُؤثر فِيمَا ذَكرْنَاهُ من أَن وَصفهم بِالْعَدَالَةِ يمْنَع من كَونهم مقدمين على كَبِيرَة وعَلى أَنه إِن أُرِيد بذلك إخبارهم من جِهَة التَّوَاتُر فَلَا معنى لجعلهم عُدُولًا لهَذَا الْغَرَض لِأَن بِخَبَر مثلهم يَقع الْعلم إِذا نقلوا بأجمعهم وَإِن لم يَكُونُوا عُدُولًا وَإِن أُرِيد بذلك أَنه جعلهم عُدُولًا ليخبرونا بالآحاد فَذَلِك غير مَوْجُود فِي كل وَاحِد مِنْهُم لِأَنَّهُ لَيْسَ كل وَاحِد من الْأمة عدلا إِذا انْفَرد
فان قيل المُرَاد أَن أَكْثَرهم عدل قيل الظَّاهِر من قَوْله جَعَلْنَاكُمْ من وَجه بِالْخِطَابِ إِلَيْهِم وهم أهل الْعَصْر فَيجب أَن يَكُونُوا بأجمعهم عُدُولًا فِي تِلْكَ الْحَال وَفِي الشَّيْء الَّذِي أَجمعُوا عَلَيْهِ ودانوا بِهِ وَلَو ثَبت أَن أَكْثَرهم لَا يواقعون كَبِيرَة صَحَّ أَن الْإِجْمَاع حجَّة لِأَنَّهُ إِن كَانَ كثير من الْأمة لَا يواقعون كَبِيرَة أصلا فقد تحققنا أَنه إِذا اتّفقت الامة كلهَا أَن مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ لَيْسَ بكبير لدُخُول أُولَئِكَ فِي الْجُمْلَة
إِن قيل المُرَاد بذلك أَنه جعل أَكْثَرهم عُدُولًا فِي الظَّاهِر لَا فِي الْحَقِيقَة
[ ٢ / ٥ ]
ليشهدوا من جِهَة الْخَبَر قيل الظَّاهِر من قَوْله ﴿جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ أَنهم كَذَلِك على الْحَقِيقَة لِأَن الْخَبَر يَقْتَضِي كَون الْمخبر على مَا تنَاوله كَمَا لَو أخبر أَنه جعلهم بيضًا أَو سُودًا
فان قيل إِن كَانَ المُرَاد بالأمة جَمِيع من صدق بِالنَّبِيِّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لم يثبت مَعَ ذَلِك كَون الْإِجْمَاع حجَّة فان أُرِيد من كَانَ مَوْجُودا حِين نزلت الْآيَة لم يَصح أَن يتعلقوا بِالْإِجْمَاع فِي شَيْء إِلَّا أَن يعلمُوا أَن جَمِيع من كَانَ حَاضرا حِين نزلت الْآيَة قَالَ بذلك القَوْل قيل أما الْقسم الأول فَلَا يَصح لِأَن جَمِيع من صدق بِالنَّبِيِّ إِلَى قيام السَّاعَة لَا يجوز أَن يشْهدُوا بِلُزُوم الْعِبَادَات على غَيرهم لِأَنَّهُ لَيْسَ غَيرهم مُكَلّف بعد تِلْكَ الْحَال وَلَا يجوز الْقسم الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا سَبِيل لنا إِلَى الْعلم بِهِ وَقد أَمرهم الله تَعَالَى أَن يشْهدُوا وَذَلِكَ يَقْتَضِي وجوب الْقبُول علينا وَلَا يجوز أَن يقف وجوب قبولنا مِنْهُم على مَا لَا سَبِيل لنا إِلَى الْعلم بِهِ وَأَيْضًا فان الشَّهَادَة علينا إِنَّمَا تكون بعد حدوثنا وَمَوْت النَّبِي ﵇ وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون المُرَاد بالأمة عصر الصَّحَابَة بعد وَفَاة النَّبِي ﵇
دَلِيل آخر قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ يدل على أَنهم ينهون عَن كل مُنكر لِأَن لَام الْجِنْس يسْتَغْرق الْجِنْس فَلَو أَجمعُوا على مَذْهَب مُنكر لما نهوا عَنهُ بل كَانُوا أمروا بِهِ
إِن قيل قَوْله ﴿كُنْتُم خير أمة﴾ يَقْتَضِي تقدم كَونهم خير أمة وَلَيْسَ فِي الْآيَة دَلِيل على أَنهم يستديمون هَذِه الْحَال وَالْجَوَاب أَنه قد قيل إِنَّه يحْتَمل أَن يكون كَانَ هَا هُنَا هِيَ الزمانية وَيحْتَمل أَن تكون زَائِدَة وَإِن أَفَادَ لَفظهَا نصب قَوْله ﴿كُنْتُم خير أمة﴾ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا﴾ وَيحْتَمل أَن تكون كَانَ هَا هُنَا تَامَّة بِمَعْنى وجدْتُم وَيكون
[ ٢ / ٦ ]
قَوْله خير أمة نصب على الْحَال وَأي هَذِه الْوُجُوه ثَبت لم يضرنا لِأَن قَوْله ﴿خير أمة﴾ إِن أَفَادَ تقدم كَونهم كَذَلِك فَقَوله ﴿تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ يَقْتَضِي كَونهم كَذَلِك فِي كل حَال وَمَا ينهون عَن كل مُنكر لأَنهم لَو كَانُوا ينهون عَن بعض الْمُنْكَرَات ويأمرون بِبَعْض وَينْهَوْنَ عَن ذَلِك فِي بعض حالاتهم دون بعض لما كَانُوا خير أمة أخرجت للنَّاس لِأَن الامم السالفة قد نهوا عَن كثير من الْمُنكر وَأمرُوا بِكَثِير من الْمَعْرُوف فِي بعض الْحَالَات دون بعض أَلا ترى أَنهم أمروا بِالتَّوْحِيدِ ونهوا عَن الْإِلْحَاد وَأمرُوا بنبوة أَنْبِيَائهمْ ونهوا عَن تكذيبهم فَوَجَبَ حمل الْآيَة على الْعُمُوم فِي جَمِيع الْحَالَات
فَأَما الْوَجْهَانِ الْآخرَانِ فَالْأَمْر فِي صِحَة الِاسْتِدْلَال مَعَهُمَا ظَاهر دَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ فَجمع بَين مشاقة الرَّسُول وَاتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ فِي الْوَعيد فَلَو كَانَ اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ مُبَاحا لما جمع بَينه وَبَين الْمَحْظُور فِي الْوَعيد أَلا ترى أَنه لَا يجوز أَن يَقُول الْحَكِيم لعَبْدِهِ إِن زَنَيْت وشربت المَاء عاقبتك وَإِذا قبح اتِّبَاع غير سبيلهم وَجب تجنبه وَلم يُمكن تجنبه إِلَّا بِاتِّبَاع سبيلهم لِأَنَّهُ لَا وَاسِط بَين اتِّبَاع سبيلهم وَاتِّبَاع غير سبيلهم
إِن قيل إِنَّمَا جمع الله بَين مشاقة الرَّسُول وَبَين اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ فِي الْوَعيد لِأَن اتِّبَاع غير سبيلهم قَبِيح بِشَرْط مشاقة الرَّسُول وَغير قَبِيح إِذا لم يُوجد مشاقة الرَّسُول قيل لَهُ هَذَا يَقْتَضِي أَن يكون من شاق الرَّسُول يجب عَلَيْهِ اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ مَعَ مشاقته للرسول ومشاقة الرَّسُول لَيست مَعْصِيّة فَقَط وَإِنَّمَا هِيَ مَعْصِيّة على سَبِيل الرَّد عَلَيْهِ والمعاندة لَهُ لِأَن من صدق بِالنَّبِيِّ وَفعل بعض الْمعاصِي لَا يُقَال إِنَّه مشاق للرسول وَمن كذب بِالنَّبِيِّ ﷺ ورد عَلَيْهِ
[ ٢ / ٧ ]
لَا يَصح أَن يعلم صِحَة الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ إِنَّمَا يعلم صِحَّته بِالسَّمْعِ وَمن لَا يَصح أَن يعلم صِحَة الْإِجْمَاع لَا يَصح أَن يُؤمر باتباعه فِي تِلْكَ الْحَال
فان قيل إِن الله تَعَالَى شَرط فِي لُحُوق الْوَعيد بِمن اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ تبين الْهدى وَاللَّام فِي الْهدى للْجِنْس فاقتضت اسْتِيعَاب الْهدى فَكَانَ معنى الْآيَة من تبين جَمِيع الْهدى وَاتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ لحقه الْوَعيد فَيدْخل مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ فِي جملَة الْهدى فَيجب تقدم بَيَانه بِدَلِيل سوى قَول الْأمة ثمَّ يتبعُون فِيهِ كَمَا أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لغيره إِذا تبين لَك صدق فلَان فَاتبعهُ يَقْتَضِي تبين صدقه بِشَيْء سوى قَوْله وَقد أجيبت عَن ذَلِك بِأَن تبين الْهدى شَرط فِي لُحُوق هَذَا الْوَعيد الْمَذْكُور بمشاقة الرَّسُول فَقَط لَا فِي اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ لِأَن الْإِنْسَان إِنَّمَا يكون مشاقا ومعاندا إِذا تبين لَهُ الْحق وعرفه فَكَانَ هَذَا الشَّرْط مَقْصُورا على المشاقة فَقَط
وَيُجَاب عَن السُّؤَال أَيْضا بِأَن الْهدى الَّذِي تبينه شَرط فِي ثُبُوت مشاقة الرَّسُول وَفِي لُحُوق الْوَعيد هُوَ التَّوْحِيد وَالْعدْل وَصدق الرَّسُول دون تبين الْهدى الَّذِي هُوَ الْفُرُوع أَلا ترى أَن من عرف التَّوْحِيد وَالْعدْل وَصدق النَّبِي ﷺ وحاد عَن نبوته ورد عَلَيْهِ كَانَ مشاقا لَهُ وَإِن لم يعرف أَحْكَام الْفُرُوع وَإِذا أنكر لم تكن الْمعرفَة بِأَحْكَام الْفُرُوع وَغَيرهَا مِمَّا زَاد على التَّوْحِيد وَالْعدْل والنبوات شرطا فِي المشاقة وَفِي لُحُوق الْوَعيد بهَا لم تكن شرطا فِي لُحُوق الْوَعيد بِمن اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ لِأَن الْوَعيد الْمُعَلق بهما وَاحِد
وَأَيْضًا فان تَأْوِيل السَّائِل يبطل فَائِدَة تَمْيِيز الْمُؤمنِينَ بِهَذَا الْكَلَام مَعَ علمنَا أَنه خرج مخرج الإعظام لَهُم أَلا ترى أَن غير الْمُؤمنِينَ إِذا عرفنَا أَن قولا من أقاويلهم هَذَا فانه يلْزمنَا أَن نقُول مثل قَوْلهم كَمَا يلْزمنَا مثل ذَلِك فِي قَول الْمُؤمنِينَ عِنْد السَّائِل على أَن اتِّبَاع الْمُؤمنِينَ هُوَ الرُّجُوع إِلَى قَوْلهم لأَنهم قَالُوهُ
[ ٢ / ٨ ]
وَلَيْسَ اتباعهم هُوَ مشاركتهم فِي قَوْلهم لِأَن دَلِيلا دلّ عَلَيْهِ أَلا ترى أَنا لَا نَكُون متبعين للْيَهُود فِي إِثْبَات الصَّانِع جلّ ثَنَاؤُهُ وَفِي نبوة مُوسَى وَإِن شاركناهم فِي اعْتِقَادهم ذَلِك لما لم نصر إِلَى ذَلِك لأجل قَوْلهم
وَأَيْضًا فَهَذَا السَّائِل إِن جعل سَبِيل الْمُؤمنِينَ على كل حَال هَذَا فقد أوجب اتِّبَاعه فِي كل حَال وَفِي ذَلِك الرُّجُوع إِلَى قَوْلنَا وَإِن لم يَجعله هَذَا على كل حَال لزمَه أَن لَا يكون اتِّبَاعه على كل حَال وَاجِبا وَالْأَمر يُفِيد وجوب اتباعهم على كل حَال فَعلمنَا أَنه لم يرد تبين كل الْهدى
فان قيل لَسْتُم بِأَن تتركوا الظَّاهِر فِي استغراق الْهدى بِأولى من أَن نَتْرُك نَحن ظَاهر الْآيَة فِي اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ فِي كل حَال ونتمسك بِعُمُوم الْهدى قيل الْفرق بَيْننَا وَبَيْنكُم أَنكُمْ إِذا حملتم الْهدى على الْعُمُوم لزمكم أَن تحملوا الْآيَة على وُجُوه لَا فَائِدَة فِيهَا على مَا بَيناهُ من قبل وَهَذَا الْجَواب لَا يقوم بِنَفسِهِ إِلَّا بِمَا تقدم من الْأَجْوِبَة وفيهَا كِفَايَة
إِن قيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ يحْتَمل أَن يكون غير فِي هَذَا الْكَلَام بِمَعْنى إِلَّا فَيكون معنى الْآيَة وَيتبع إِلَّا سَبِيل الْمُؤمنِينَ فَيكون ذَلِك توعدا لمن لم يتبع سبيلهم وَمن شكّ فِيهِ توقف وَلمن اتبع سَبِيلا غير سبيلهم وَيحْتَمل أَن يكون صفة فَيكون معنى الْآيَة وَيتبع سَبِيلا غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ فَلَا يدْخل فِي هَذَا الْوَعيد من لم يتبع سبيلهم وَلَا سَبِيل غَيرهم بل توقف فَمَا يؤمنكم أَن يكون غير هَا هُنَا صفة فَلَا يكون لكم فِي الاية دلَالَة وَالْجَوَاب أَن هَذَا السُّؤَال يَقْتَضِي أَن تكون الْآيَة قد حظرت على الْإِنْسَان إِذا أَجمعت الامة على إِبَاحَة شَيْء أَن يَقُول بحظره أَو بِوُجُوبِهِ والمخالف لَا يحظر ذَلِك وَأَيْضًا فالمتوقف فِي قَوْلهم يتبع سَبِيلا غير سبيلهم فقد دخل فِي الْوَعيد أَلا ترى أَن من شكّ فِي نبوة النَّبِي ﷺ يُوصف أَنه يتبع
[ ٢ / ٩ ]
غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ وَأَيْضًا فالمفهوم فِي قَول الْقَائِل لَا تتبع غير سَبِيل الصَّالِحين اتبع سبيلهم
فان قَالُوا إِنَّمَا فهم ذَلِك لِأَن اسْم الصَّالِحين مدح قيل لَهُم وَكَذَلِكَ اسْم الْمُؤمنِينَ فَيجب أَن يفهم من قَوْله وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ إِيجَاب اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ
إِن قيل قَوْله وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ مَعْنَاهُ وَيتبع سَبِيلا غير سبيلهم وَهَذَا يَقْتَضِي سَبِيلا وَاحِدَة قيل فَيجب أَن يحرم اتِّبَاع هَذِه السَّبِيل لِأَنَّهَا غير سبيلهم والمخالف لَا يحرم ذَلِك على أَن قَوْله غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ إِن أَفَادَ اتِّبَاع غير سبيلهم فَهُوَ عَام فِي كل سَبِيل كَانَ مَوْصُوفا بِأَنَّهُ غير سبيلهم كَمَا أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ من دخل غير دَاري ضَربته فهم مِنْهُ كل دَار غير دَاره
إِن قيل السَّبِيل هُوَ الطَّرِيق دون القَوْل وَالْفَتْوَى فَيجب أَن يدْخل فِي ذَلِك مَا استطرقوه دون الْفَتْوَى قيل الْمَعْلُوم أَنه لم يرد مَا استطرقوه من الطّرق الَّتِي يَمْشُونَ فِيهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ يحرم على الْإِنْسَان أَن يمشي فِي طَرِيق لَا يَمْشُونَ فِيهِ فان كَانَ المُرَاد بذلك مَا استطرقوه فِي الْأَدِلَّة فَيجب مَا اعتقدوه دَلِيلا أَن يكون دَلِيلا والمخالف لَا يُوجب ذَلِك على أَن مَا اجتباه الْإِنْسَان لنَفسِهِ وَتمسك بِهِ يُقَال إِنَّه سَبيله سَوَاء كَانَ دَلِيلا أَو غَيره لِأَنَّهُ يُقَال لمن حرم النَّبِيذ إِنَّه لَيْسَ يسْلك سَبِيل ابي حنيفَة وَيُقَال للْإنْسَان اسلك سَبِيل التُّجَّار فيفهم من ذَلِك افْعَل فعلهم فِي زيهم وأخلاقهم وعاداتهم فصح أَن ذَلِك غير مَقْصُور على الْأَدِلَّة
فان قيل المجمعون صَارُوا إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ باستدلال واجتهاد فالاجتهاد فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة سبيلهم كَمَا أَن الحكم الَّذِي حكمُوا بِهِ سبيلهم فَلم أوجبتم على من بعدهمْ الْمصير إِلَى مَا حكمُوا بِهِ وأسقطتم عَنهُ الِاجْتِهَاد بِأولى من أَن
[ ٢ / ١٠ ]
توجبوا عَلَيْهِ الِاسْتِدْلَال وَالِاجْتِهَاد وتسقطوا عَنهُ الْمصير إِلَى حكمهم على كل حَال وَالْجَوَاب أَنا إِذا أَوجَبْنَا عَلَيْهِ الْمصير إِلَى حكمهم كُنَّا قد أمرناه بِاتِّبَاع سبيلهم فِي الحكم وَفِي الِاسْتِدْلَال لِأَن من يتبع الْإِجْمَاع فقد اسْتدلَّ على الحكم الَّذِي أَجمعُوا عَلَيْهِ وَإِن كَانَ دَلِيله غير دَلِيل المجمعين وَلَيْسَ يجب على الْإِنْسَان أَن يسْتَدلّ بِنَفس مَا اسْتدلَّ بِهِ غَيره إِذا ظفر بِدَلِيل آخر على أَنه إِن وَجب على الْمُكَلف الِاسْتِدْلَال بِنَفس مَا اسْتدلَّ بِهِ الْأَولونَ على الْحَد الَّذِي استدلوا بِهِ فَذَلِك يُؤَدِّيه إِلَى الحكم الَّذِي اتَّفقُوا عَلَيْهِ لأَنهم إِنَّمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ لأجل الِاسْتِدْلَال وَفِي هَذَا أوجبوا مشاركتهم فِي الحكم
فان قيل إِذا اتّفق أهل الْعَصْر على اسْتِبَاحَة شَيْء وفعلوه بأجمعهم أيلزم من بعدهمْ فعله لِأَن فعلهم سبيلهم قيل إِنَّمَا يجب عَلَيْهِ اعْتِقَاد إِبَاحَته فَأَما فعله فَلَو اوجبناه مَعَ أَنهم لم يوجبوه لَكَانَ ذَلِك خلاف سبيلهم
إِن قيل قَوْله ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ لَا يمْنَع من اجْتِمَاعهم على الْكفْر وَالرِّدَّة فَمن أَيْن أَنه لَا يجوز ذَلِك عَلَيْهِم قيل الْآيَة إِن لم تمنع من ذَلِك فَهِيَ مَانِعَة من مخالفتهم فِيمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ إِذا كَانُوا مُؤمنين وَلَا يمْتَنع أَن تدل على أَنهم لَا يجمعُونَ جَمِيعًا على الرِّدَّة
دَلِيل آخر وَأَيْضًا فاذا اجْتمع أهل كل عصر على أَنه لَا يجوز أَن يجتمعوا على الرِّدَّة كَانَ ذَلِك من سبيلهم فَلم يجز مخالفتهم فَمَتَى ثَبت هَذَا الْإِجْمَاع صج الِاسْتِدْلَال بِهِ وَقد أُجِيب عَن السُّؤَال بِأَن إِيجَاب الله علينا اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ يَقْتَضِي أَن لَا يَخْلُو عصر من الْأَعْصَار من مُؤمنين حَتَّى يَصح منا امْتِثَال الْأَمر باتبَاعهمْ وَفِي ذَلِك أَنهم لَا يجمعُونَ جَمِيعًا على الرِّدَّة وَهَذَا الْجَواب غير لَازم لِأَن إِيجَابه علينا اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ يَقْتَضِي وجوب ذَلِك مَتى وجد مُؤمنُونَ كَمَا يَقْتَضِي وجوب ذَلِك مَتى أَجمعُوا فَكَمَا لَا يلْزم بِهَذَا الْإِيجَاب أَن
[ ٢ / ١١ ]
يجتمعوا فِي كل عصر حَتَّى يَصح اتباعهم فَكَذَلِك لَا يجب أَن يوجدوا فِي كل عصر
إِن قيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ يَقْتَضِي دُخُول النَّبِي ﷺ فيهم لِأَنَّهُ ﵇ سيد الْمُؤمنِينَ فَيجب إِذا حدث حَادِثَة فِي زمَان الصَّحَابَة فَأَجْمعُوا عَلَيْهَا أَن لَا تكون حجَّة لِأَنَّهُ لَيْسَ للنَّبِي فِيهَا قَول وَإِنَّمَا يمكنكم أَن تعلمُوا أَن قَول النَّبِي ﵇ فِيهَا هُوَ مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ إِذا ثَبت لكم أَن الْإِجْمَاع حجَّة قيل إِن الله تَعَالَى لم يعن النَّبِي ﷺ بقوله ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَإِن كَانَ ﵇ سيدهم لِأَنَّهُ لَو عناه مَعَ كَافَّة الْمُؤمنِينَ لم يكن لذكر من سواهُ من الْمُؤمنِينَ فَائِدَة إِذْ الْحجَّة ثَابِتَة بقوله والوعيد يتَوَجَّه إِلَى من خَالف قَوْله دون مَا عداهُ من الْمُؤمنِينَ فَعلمنَا أَنه أَرَادَ غَيره من الْمُؤمنِينَ ليدلنا على أَنهم حجَّة كَمَا أَن الرَّسُول حجَّة
إِن قيل فَيجب أَن لَا يكون مَا أجمع عَلَيْهِ الصَّحَابَة حجَّة فِي زمنهم لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تِلْكَ الْحَادِثَة قَول لمن حضر نزُول هَذِه الْآيَة من الْمُؤمنِينَ الَّذين مَاتُوا قبل وَفَاة النَّبِي ﵇ وَالْجَوَاب أَنا لَو اعْتبرنَا قَول من كَانَ مُؤمنا فِي ذَلِك الْوَقْت فَقَط للَزِمَ أَن لَا نعتبر قَوْلهم لِأَن قَول الامة فِي ذَلِك الْوَقْت لَا بُد من أَن يعرفهُ النَّبِي ﷺ فَيقر عَلَيْهِ فَتكون الْحجَّة هِيَ إِقْرَار النَّبِي ﵇ وَترك إِنْكَاره عَلَيْهِ
إِن قيل اسْم الْمُؤمنِينَ يُفِيد أشخاصا يسْتَحقُّونَ الثَّوَاب والمدح فَيجب أَن يكون الْحجَّة هُوَ إِجْمَاع هَؤُلَاءِ دون الْفُسَّاق وَإِن خالفهم غَيرهم قيل كَذَلِك نقُول إِلَّا أَنا إِذا اعْتبرنَا إِجْمَاع جَمِيع أهل الْقبْلَة دخل المستحقون للثَّواب فِي جُمْلَتهمْ فان علمنَا فسق كثير من أهل الْقبْلَة فقد ذكر أَبُو عَليّ أَنه يعْتَبر إِجْمَاع من عداهم مِمَّن ظَاهره أَنه مُسْتَحقّ للثَّواب والمدح وَلَا اعْتِبَار بالباطن لِأَن الله
[ ٢ / ١٢ ]
تَعَالَى لَا يكلفنا اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ إِلَّا وَلنَا طَرِيق إِلَى معرفَة كَونهم مُؤمنين وَإِذا كَانَ قد جعل لنا سَبِيلا إِلَى معرفَة الظَّاهِر دون الْبَاطِن علمنَا أَنه أَرَادَ اتِّبَاع سَبِيل من ظَاهره اسْتِحْقَاق الثَّوَاب والمدح وَأَنه لم يكلفنا الْبَاطِن
إِن قيل لَيْسَ يَصح التَّعْلِيق بِالْآيَةِ على قَول شيوخكم وَلَا على قَول غَيرهم أما قَول شيوخكم فالمؤمنون عِنْدهم المستحقون للثَّواب والمدح فَمَا يؤمنكم إِذا اتّفقت الامة على قَول أَن يكون ذَلِك خطأ يخرجُون بِهِ من اسْتِحْقَاق الثَّوَاب والمدح فاذا لم يأمنوا ذَلِك لم يأمنوا كَونهم مُؤمنين إِلَّا بعد الِاسْتِدْلَال بِغَيْر قَوْلهم على أَن ذَلِك القَوْل حق وصواب وَذَلِكَ يخرج قَوْلهم من أَن يكون دَلِيلا على كَونه صَوَابا وَشرط كَون قَوْلهم دَلِيلا أَن يكون قولا صادرا عَن مُؤمنين وَأَنْتُم إِنَّمَا تعلمُونَ هَذَا الشَّرْط بعد الْعلم بالمدلول وَهُوَ صِحَة قَوْلهم
فان قُلْتُمْ إِنَّهُم إِذا اتَّفقُوا على حكم هُوَ من الْفُرُوع لم يسْتَحقُّونَ بِهِ الذَّم لِأَن كل مُجْتَهد فِي الْفُرُوع مُصِيب وَلِأَنَّهُ خطأ مغْفُور قيل لكم الْمعول فِي ذَلِك هُوَ على الْإِجْمَاع فَمَتَى لم يثبت أَن الْإِجْمَاع حجَّة لم يَصح أَن يعلم ذَلِك على أَن ذَلِك يمْنَع من الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْآيَة على حجية الْإِجْمَاع فِي غير مسَائِل الِاجْتِهَاد
فان قُلْتُمْ إِن الْآيَة تدل على اتِّبَاع قَول الْمُؤمنِينَ لأجل قَوْلهم لَا لدَلِيل آخر على مَا تقدم بَيَانه وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَونهم مُعينين غير موصوفين فَيجب أَن يكون المُرَاد بقوله ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ على مُوجب اللُّغَة أَو من كَانَ ظَاهره قبل مَا أَجمعُوا على أَنه مُسْتَحقّ للثَّواب لأَنا إِن لم نحمل الْآيَة على ذَلِك لم يَصح اتِّبَاع قَوْلهم لأجل أَنهم قَالُوهُ قيل لكم لَسْتُم بِأَن تعدلوا عَن الظَّاهِر فَتَحملُوا الْآيَة على التَّصْدِيق أَو تحملوا الْمُؤمنِينَ على من كَانَ قبل ذَلِك الْإِجْمَاع يسْتَحق الْمَدْح فِي الظَّاهِر وتمسكوا بِالظَّاهِرِ فِي وجوب اتباعهم لأجل قَوْلهم بِأولى من أَن تتمسكوا علينا اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ الموصوفين سَوَاء كَانُوا موجودين
[ ٢ / ١٣ ]
أَو غير موجودين كَمَا نقُول اتبع سَبِيل الصَّالِحين وَأَنت تُرِيدُ صالحين موصوفين أَي وَاتبع سَبِيلا من حَقّهَا أَن تكون سَبِيل الصَّالِحين وَهِي الَّتِي كَانُوا بهَا صالحين أَو يكون المُرَاد اتبع سَبِيل الْمُؤمنِينَ فِي ترك مشاقة الرَّسُول فاذا اعتدل التأويلان سقط احتجاجكم بِالْآيَةِ
وَأما غير شيوخكم فانهم وَإِن قَالُوا إِن الْمُؤمن فِي الشَّرِيعَة هُوَ الْمُصدق بِاللَّه وبرسوله فانه إِنَّمَا لم يَصح لَهُم الِاحْتِجَاج بِالْآيَةِ لِأَن ظَاهر قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ يدل على حظر مُخَالفَة جمَاعَة هم مصدقون بِاللَّه بقلوبهم وَذَلِكَ لَا سَبِيل إِلَيْهِ
فان قَالُوا المُرَاد بذلك الْمُؤْمِنُونَ فِي الظَّاهِر دون الْبَاطِن لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُكَلف اتِّبَاع من لَا سَبِيل لنا إِلَى الْعلم بِهِ قيل لَهُم قد تركْتُم الظَّاهِر لِأَن من يظْهر الْإِيمَان وَلَا يَعْتَقِدهُ لَيْسَ بِمُؤْمِن على التَّحْقِيق وَالْآيَة تفِيد تَعْلِيق الْوَعيد على من خَالف من هُوَ مُؤمن على الْحَقِيقَة فان جَازَ لكم أَن تعدلوا عَن هَذَا الظَّاهِر جَازَ لنا أَن نقُول المُرَاد بِالْآيَةِ سَبِيل الْمُؤمنِينَ الموصوفين على مَا تقدم بَيَانه وَترك الظَّاهِر فِي كَون الْمُؤمنِينَ الْمَذْكُورين فِي الْآيَة مُعينين إِن كَانَ الظَّاهِر يُفِيد كَونهم مُعينين فنترك ظَاهرا فِي الاية ونتمسك بِغَيْرِهِ كَمَا تركْتُم ظَاهرا فِي الاية وتمسكتم بِغَيْرِهِ
دَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ وَقد قيل إِنَّه اسْتدلَّ بذلك بِأَن أَمر بالاعتصام بِحَبل الله على أَنهم قد اعتصموا بِهِ وَهَذَا بَاطِل لِأَن الْأَمر لَا يدل على وُقُوع امتثاله
وَيُمكن أَن يسْتَدلّ بِالْآيَةِ من وُجُوه أخر
مِنْهَا أَن يُقَال إِذا أجمع أهل الْعَصْر على قَول لم يجز لبَعْضهِم أَن يتْرك هَذَا
[ ٢ / ١٤ ]
القَوْل لأَنهم إِذا فعلوا ذَلِك كَانُوا قد تفَرقُوا وَالله تَعَالَى قد نهى عَن ذَلِك وَالْجَوَاب أَنه إِن كَانَ مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ حَقًا فقد حرم عَلَيْهِم التَّفَرُّق عَنهُ وَإِن كَانَ خطأ وَجب عَلَيْهِم بأجمعهم الْعدْل عَنهُ وَالْإِجْمَاع على الْحق وَأَن لَا يتفرقوا عَنهُ فقد قَالَ الْمُخَالف إِنَّه يحرم عَلَيْهِم التَّفَرُّق وَإِن لم يحصل الْإِجْمَاع حَقًا
وَمِنْهَا أَن يُقَال إِذا أجمع أهل الْعَصْر على قَول لم يجز لأهل الْعَصْر الثَّانِي أَن يخالفوهم لِأَنَّهُ إِذا خالفهم أهل الْعَصْر الثَّانِي كَانَ أهل الْعَصْر الثَّانِي قد تفَرقُوا وَالْجَوَاب أَنه لَا يوصفون بِأَنَّهُم متفرقون إِذا أَجمعُوا على مُخَالفَة أهل الْعَصْر الأول فان افْتَرَقُوا هم على قَوْلَيْنِ فقد نهوا عَن ذَلِك لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِم الِاجْتِمَاع على الْحق
وَمِنْهَا أَن يُقَال إِذا خَالف أهل الْعَصْر الثَّانِي لأهل الْعَصْر الأول فقد صَار أهل الْعَصْر الأول مَعَ الثَّانِي مُتَفَرّقين وَالنَّهْي يمْنَع من ذَلِك وَالْجَوَاب أَن أهل الْعَصْر الأول غير موجودين فِي هَذِه الْحَالة فَيُقَال إِنَّهُم مَعَ أهل الْعَصْر الثَّانِي منهيون عَن التَّفَرُّق وَأَيْضًا فان الْمَفْهُوم من قَوْله تَعَالَى ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا﴾ وَقَوله ﴿وَلَا تفَرقُوا﴾ هُوَ أَن لَا يتفرقوا فِي الِاعْتِصَام بِحَبل الله كَمَا أَن الْمَفْهُوم من قَول الْإِنْسَان لعبيده ادخُلُوا الدَّار أَجْمَعِينَ أَي لَا تتفرقوا فِي دُخُول الدَّار فَيجب على الْمُسْتَدلّ أَن يبين مَا أجمع أهل الْعَصْر عَلَيْهِ اعتصام بِحَبل الله تَعَالَى حَتَّى يعلم من بعدهمْ أَنهم قد نهوا عَن مفارقتهم وَهَذَا غير ظَاهر لِأَن قَوْله وَلَا تفَرقُوا مُطلق فِي النَّهْي عَن التَّفَرُّق فَيتَنَاوَل كل شَيْء
دَلِيل قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ فَشرط التَّنَازُع فِي وجوب الرَّد إِلَى الْكتاب وَالسّنة فَدلَّ أَنهم إِذا لم يتنازعوا لم يجب الرَّد لِأَن
[ ٢ / ١٥ ]
تَعْلِيق الحكم بِالشّرطِ يدل على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ
وَلقَائِل أَن يَقُول أيسقط وجوب الرَّد إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَيصير ترك ذَلِك مُبَاحا إِذا اتَّفقُوا على الحكم بِالرَّدِّ إِلَى الْكتاب وَالسّنة أَو إِذا اتَّفقُوا على ذَلِك من غير رد إِلَيْهِمَا فان قُلْتُمْ بِالثَّانِي جوزتم وُقُوع الْإِجْمَاع من غير دَلِيل وَجَوَاز ذَلِك يمْنَع صِحَة الْإِجْمَاع وَإِذا قُلْتُمْ بِالْأولِ نسبتم إِلَى الله تَعَالَى مَا لَا يجوز لِأَن طلب الحكم من الْكتاب وَالسّنة بعد مَا وجد مِنْهُمَا محَال إِذْ طلب مَا هُوَ مَوْجُود عِنْد الطّلب مُسْتَحِيل فإباحة ترك المستحيل عَبث لَا يصدر عَن حَكِيم
فان قيل فَمَا المُرَاد بِالْآيَةِ قيل المُرَاد بهَا الْحَث على طَاعَة أولى الْأَمر وهم الْأُمَرَاء فَمَا تدبروا بِهِ من أَمر الدّين وَالدُّنْيَا مِمَّا لَا نعلم أَنه خطأ فان ظننا أَنه خطأ ونازعناهم فِيهِ رددناه إِلَى الله وَرَسُوله وَهَذَا كَمَا لَو قَالَ الْإِنْسَان لعبيده أطِيعُوا من أوليه عَلَيْكُم فان تنازعتم وتخالفتم فَردُّوهُ إِلَيّ لفهم مِنْهُ مَا ذَكرْنَاهُ
دَلِيل وَهُوَ قَول النَّبِي ﷺ لَا تَجْتَمِع أمتِي على خطأ فنفى جَمِيع الْخَطَأ عَن إِجْمَاعهم لِأَن ذَلِك نفي لنكرة تعم وَمِمَّا أَجمعُوا عَلَيْهِ أَنه لَا يجوز مُخَالفَة مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ فَيجب كَون ذَلِك صَوَابا غير خطأ وَيَنْبَغِي أَن يتشاغل بتثبت الْخَبَر ثمَّ بالْكلَام فِي مَتنه وَقد سلك النَّاس فِي تثبيته وُجُوهًا
مِنْهَا أَن الْخَبَر وَإِن نقل بالآحاد فان مَعْنَاهُ بالتواتر رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أمتِي لَا تَجْتَمِع على ضلال وَقَالَ يَد الله مَعَ الْجَمَاعَة وَقَالَ الشَّيْطَان مَعَ الْوَاحِد وَهُوَ من الِاثْنَيْنِ ابعد وَقَالَ مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَقَالَ من خَالف الْجَمَاعَة قيد شبر فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه قَالُوا فَجرى ذَلِك مجْرى مَا تناقل بالآحاد من تفاصيل سخاء حَاتِم فِي أَنه قد صَار بإجماعه متواترا وَلقَائِل أَن يَقُول إِن هَذِه الْأَخْبَار تبلغ خَمْسَة أَو سِتَّة وَلَو روى خَمْسَة نفر أَو سِتَّة خَبرا لم يجب أَن يكون مَعْلُوما
[ ٢ / ١٦ ]
وَلَو وَجب أَن يكون بعض هَذِه الْأَخْبَار صَحِيحا لم يمْنَع أَن يكون الصَّحِيح مِنْهَا قَوْله الشَّيْطَان مَعَ الْوَاحِد وَهُوَ من الِاثْنَيْنِ ابعد وَذَلِكَ يدل على أَن الْأَغْلَب فِيمَا اجْتمع عَلَيْهِ كَونه صَحِيحا وَلَيْسَ ذَلِك من الْأَخْبَار عَن سخاء حَاتِم بسبيل لِأَنَّهُ لَا يُمكن لأحد أَن يُخَالف فِي سخاء حَاتِم وَيُمكن أَن يُخَالف فِي هَذِه الْأَخْبَار
وَمِنْهَا أَن التَّابِعين اعتقدوا بأجمعهم صِحَة الْإِجْمَاع وَلم يظْهر فِيمَا بَينهم شَيْء لأَجله صَارُوا إِلَى هَذَا الرَّأْي إِلَّا هَذَا الْخَبَر فَعلمنَا أَنهم صَارُوا إِلَيْهِ لأَجله وَالْعَادَة فِي أمتنَا أَنَّهَا لَا تَجْتَمِع على مُوجب خبر إِلَّا وَقد قَامَت الْحجَّة بِهِ أَلا ترى أَنه مَا نقل بالآحاد وَلم تقم الْحجَّة بِهِ لم يتفقوا على مُوجبه لما كَانَ حكمهم بِمُوجبِه مَوْقُوفا على الِاجْتِهَاد فِي حَال الرَّاوِي وَلقَائِل أَن يَقُول إِنِّي لَا أعلم أَن جمَاعَة التَّابِعين اعتقدوا كَون الْإِجْمَاع حجَّة كَمَا لَا أعلم ذَلِك فِي أهل هَذَا الْعَصْر سِيمَا وَقد رُوِيَ عَن بَعضهم أَنه قَالَ فِي قَول الْقَائِل لامْرَأَته أَنْت حرَام أَنه لَيْسَ بِشَيْء وَهَذَا بِخِلَاف إِنَّمَا أفتت بِهِ الصَّحَابَة وَلَو ثَبت أَنهم أَجمعُوا على ذَلِك لم نَأْمَن أَن يكون إِنَّمَا اعتقدت صِحَة الْإِجْمَاع لأجل الْآيَات فَقَط لَا للْخَبَر وَلَو علمنَا أَنهم اعتقدوا صِحَة الْإِجْمَاع لأجل الْخَبَر لم نعلم أَنه صَحِيح لأَنهم إِن قَالُوا فَإِنَّهُ لَا يجوز أَن يعتقدوا صِحَة الْإِجْمَاع بِخَبَر لم يقم بِهِ الْحجَّة لِأَن ذَلِك خطأ والامة لَا تَجْتَمِع على خطأ كَانُوا قد سلمُوا صِحَة الْإِجْمَاع وبنوا عَلَيْهِ الدَّلِيل فان أوجبوا ذَلِك لِأَن الحكم بِخَبَر الْوَاحِد مَوْقُوف على الِاجْتِهَاد فِي حَال الرَّاوِي وَذَلِكَ يمْنَع من اتِّفَاق جَمَاعَتهمْ على مُوجبَة قيل لَهُم أَلَيْسَ يجوز أَن يجمعوا على الحكم من جِهَة الْقيَاس وَالِاجْتِهَاد وَيجوز من جِهَة الْعقل أَن يجمعوا من جِهَة الشّبَه وَإِن أوجبوا ذَلِك لأَنهم استقرءوا الْأَخْبَار فوجدوا مَا كَانَ مِنْهَا قد قَامَت الْحجَّة بِهِ قد اتَّفقُوا على مُوجبه وَمَا لم تقم الْحجَّة بِهِ لم يجمعوا عَلَيْهِ أَلا ترى أَن أَخْبَار الْآحَاد فِي الْفِقْه لم يجمعوا على مُوجبهَا قيل لَهُم وَلم زعمتم أَن عَادَتهم مستمرة بذلك فِي كل مَا لم تقم الْحجَّة بِهِ من الْأَخْبَار وَمَا أنكرتم أَن يكون هَذَا الْخَبَر لم تقم الْحجَّة بِهِ وَأَجْمعُوا على
[ ٢ / ١٧ ]
مُوجبَة وَقد تركت الصَّحَابَة آرائهم بِخَبَر حمل بن مَالك وصاروا إِلَى خبر عبد الرَّحْمَن فِي الْمَجُوس وَأَجْمعُوا على أَنه لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا بِخَبَر وَاحِد
وَإِن قَالُوا لم يجمعوا على ذَلِك إِلَّا لقِيَام الْحجَّة بِهِ قيل تثبتوا ذَلِك حَتَّى يَصح استدلالكم وَلَو كَانُوا أَجمعُوا على ذَلِك لقِيَام الْحجَّة بِهَذِهِ الْأَخْبَار لم يَصح الِاسْتِدْلَال بذلك على قبُول الْأَخْبَار المظنونة
فان قَالُوا أَلَيْسَ بعض أَخْبَار الْآحَاد لم يجمعوا على مُوجبهَا قيل إِنَّا لم نوجب أَن يجمعوا على مُوجب خبر الْوَاحِد وَإِنَّمَا جَوَّزنَا ذَلِك وجوزنا خِلَافه فَلم يلْزمنَا مَا ذكرْتُمْ
فان قيل لَا يجوز على التَّابِعين مَعَ شدَّة تدينهم وإعظامهم للدّين أَن يقطعوا على كَون شَيْء حجَّة فِي الشَّرْع بِمَا لَا يُوجب الْقطع وَالْيَقِين كَمَا لَا يجوز وَالْحَال هَذِه أَن يقبلُوا خبر وَاحِد فِي جَوَاز نسخ الشَّرْع بِحَسب شهوات بَعضهم وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَنهم اعتقدوا ذَلِك لشُبْهَة كَمَا اعْتقد كثير من أَصْحَاب الحَدِيث فِي الله تَعَالَى مَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ لأخبار آحَاد بالتقليد وَلَا يمْتَنع أَن يَكُونُوا ظنُّوا صدق الرَّاوِي وَلم يقطعوا بِهِ فظنوا أَن الْإِجْمَاع حجَّة واعتقدوا وجوب مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ لأَنهم قد ظنُّوا صِحَّته كَمَا اعتقدوا وجوب قبُول خبر الْوَاحِد فِي الْأَحْكَام إِذا ظنُّوا صدق الرَّاوِي وَمَا ذَكرُوهُ من اعْتِقَادهم النّسخ بِحَسب الشَّهَوَات فانه يجوز عَلَيْهِم أَن يقبلُوا خَبرا مرويا فِي ذَلِك إِلَّا أَن يعلم أَن إِجْمَاعهم حجَّة أَو يعلم أَنهم قد استبعدوا تغير الشَّرْع بِحَسب شهوات النَّاس فَمنع هَذَا الاستبعاد من إِجْمَاعهم على صِحَة الْخَبَر وَلَيْسَ اتِّفَاق الامة على الْحق بمستبعد كاستبعاد تغير الشَّرْع بالشهوات بل الْأَغْلَب عِنْد النَّاس أَن الْحق لَا يخفى على الْجمع الْكثير وَالنَّاس الشَّرِيفَة يعظمون الامة فَالْخَبَر الْوَاحِد يَنْفِي الْخَطَأ عَنْهُم ويطابق هَذَا المستقر فِي أنفسهم وورود الْخَبَر بنسخ الشَّرِيعَة بِحسن الشَّهَوَات يُنَافِي لما تكن فِي نفوس الامة
[ ٢ / ١٨ ]
وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يسْتَدلّ مستدل على وجوب الْمصير إِلَى الْإِجْمَاع بأخبار الْآحَاد لِأَن الْعقل عندنَا يدل على وجوب قبُول خبر الْوَاحِد من حَيْثُ التَّحَرُّز عَن المضار فاذا روى الْوَاحِد عَن النَّبِي ﷺ أَن أمته لَا تَجْتَمِع على خطأ ظننا أَنهم كَذَلِك ولزمنا الْعَمَل بِمَا حكمُوا بِهِ كَمَا أَن الْمُسَافِر لَو أخبرهُ من ظَاهره الصدْق عَن بعض من يَثِق بِهِ أَنه يَأْمر بِالرُّجُوعِ فِي سَفَره إِلَى رثد فِي طَرِيقه فانه لَا يغلط أَو أَنه قَلِيل الْغَلَط فِي السّفر لزمَه الرُّجُوع إِلَيْهِ إِذا غلب على ظَنّه صدق الرَّاوِي وإصابته من أمره بِالرُّجُوعِ إِلَى رثد إِلَّا أَن هَذِه الْأَخْبَار لَا تَقْتَضِي الْقطع على إِصَابَة المجتمعين وَإِنَّمَا يسوغ الِاسْتِدْلَال بِالْإِجْمَاع فِي الْأَعْمَال دون الْعُلُوم
فَأَما الْكَلَام فِي متن الْخَبَر فقد تقدم طرف مِنْهُ وَهُوَ كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بِهِ وَيرد عَلَيْهِ وُجُوه
مِنْهَا أَن يُقَال هلا كَانَ الْخَطَأ الْمَنْفِيّ عَنْهَا هُوَ السَّهْو وَلَيْسَ هُوَ خلاف الْحق وَالْجَوَاب أَن الْجَمَاعَة المعظمة لَا تَجْتَمِع على السَّهْو كَمَا لَا يجوز أَن تَجْتَمِع على مأكل وَاحِد فَلَو كَانَ المُرَاد مَا ذَكرُوهُ لم يكن فِيهِ فَائِدَة كَمَا لَو قَالَ أمتِي لَا تَجْتَمِع على مأكل وَاحِد وَأَيْضًا فَجَمِيع الامم لَا يجوز أَن يجتمعوا على السَّهْو فمدح هَذِه الْأمة بذلك وتخصيصهم بِهِ لَا فَائِدَة فِيهِ
وَمِنْهَا أَنه رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لم يكن الله ليجمع أمتِي على الْخَطَأ قَالُوا وَنحن نقُول بذلك لِأَن الله تَعَالَى لَا يحمل الْعباد على الْخَطَأ وَالْجَوَاب أَنا نجمع بَين الْخَبَرَيْنِ فَنَقُول لَا يَجْتَمعُونَ على الْخَطَأ وَلم يكن الله ليجمعهم على الْخَطَأ على أَن الله تَعَالَى لَا يحمل أحدا على الْخَطَأ فَلَو كَانَ المُرَاد بالْخبر هَذَا لم يكن فِي تَخْصِيص الامة بِهِ معنى
وَمِنْهَا أَنه رُوِيَ أَنه قَالَ أمتِي لَا تَجْتَمِع على ضلال والضلال هُوَ الْكفْر دون غَيره وَالْجَوَاب أَنا نجمع بَين ذَلِك وَبَين الْخَبَر النَّافِي لأنواع الْخَطَأ عَنْهُم
[ ٢ / ١٩ ]
وَأَيْضًا فَكل مَعْصِيّة ضلال لِأَنَّهُ قد عدل بهَا عَن الْحق وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ فعلتها إِذا وَأَنا من الضَّالّين﴾
وَمِنْهَا أَن يُقَال مَا المُرَاد بِأمة النَّبِي ﷺ فَيُقَال اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَ قوم أمته كل من بعث إِلَيْهِ وَقَالَ آخَرُونَ بل هم كل من صدقه وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ الْمَفْهُوم من إِطْلَاق قَوْلنَا أمة النَّبِي وَلِأَن الْمُسلمين يدعونَ لأمة مُحَمَّد وَلَا يدعونَ لكل من بعث النَّبِي إِلَيْهِ فان قيل فَيجب أَن يَقع قَوْله أمتِي على من صدقه إِلَى انْقِطَاع التَّكْلِيف لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بعد ذَلِك تَكْلِيف فيحتج فِيهِ بِالْإِجْمَاع وَالْجَوَاب أَن قَوْله ﵇ أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ لَا يتَنَاوَل إِلَّا من كَانَ فِي ذَلِك الْعَصْر دون من لم يُوجد لِأَن من لم يُوجد لَا يكون مُصدقا فِي تِلْكَ الْحَال وَلقَائِل أَن يَقُول إِن كَانَ المُرَاد بقوله أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ كل من صدقه إِلَى انْقِطَاع التَّكْلِيف لم يكن فِي الْخَبَر دلَالَة على أَن الْإِجْمَاع حجَّة وَوَجَب أَن يكون المُرَاد بالْخبر مَا ذَكرْنَاهُ وَإِن كَانَ المُرَاد بالْخبر من هُوَ مَوْجُود بِمن صدقه وَجب أَن لَا يدْخل تَحت الْخَبَر إِلَّا من كَانَ مَوْجُودا من أمة النَّبِي ﷺ عِنْد قَوْله أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ فَلَا يُمكن وَالْحَال هَذِه أَن تستدلوا باجماع الصَّحَابَة بعده مَعَ علمهمْ أَن كثيرا مِمَّن كَانَ حَيا عِنْد وُرُود هَذَا الْخَبَر من النَّبِي ﷺ قد توفّي أَو تجويزكم أَنه توفى وَمَا تنكرون أَن يكون النَّبِي ﷺ إِنَّمَا عَنى بِهَذَا الْكَلَام أَن من عاصر هَذَا القَوْل فِيهِ لَا يجْتَمع على خطأ وَلم يكن قَصده أَن يجْتَمع بقَوْلهمْ لأَنهم إِذا أجمعو على شَيْء فأقره النَّبِي ﷺ فالحجة هِيَ إِقْرَاره فان قُلْتُمْ إِن المصدقين بِهِ بعد وَفَاته هم أمته فَدَخَلُوا تَحت ظَاهر الْخَبَر قيل لكم إِنَّمَا يدْخلُونَ تَحْتَهُ لَو كَانُوا جَمِيع أمته وَلَيْسوا جَمِيع أمته بل جَمِيع أمته هم مَعَ تقدمهم
وَمِنْهَا قَوْلهم وَلم إِذا كَانُوا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ لَيْسَ بخطأ فَيكون حجَّة فان قُلْتُمْ لِأَن الْأمة أَجمعت على أَنه لَا يجوز مُخَالفَة مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ قيل لكم وَمَتى
[ ٢ / ٢٠ ]
أَجمعُوا على ذَلِك وَفِيهِمْ من يَقُول يجوز أَن يجتمعوا على خطأ فان أدعيتم أَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كلهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن الامة لَا تَجْتَمِع على خطأ لم يسلم الْخصم لكم ذَلِك قيل قد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن السُّؤَال بِأَن الْمُعْتَبر هُوَ بِإِجْمَاع من يَقُول إِن الْأمة لَا تَجْتَمِع على خطأ وَإِن جَازَ مخالفتهم لَكَانَ هَذَا القَوْل الْحق قد أخرج عَن أقاويل الامة لِأَنَّهُ لَيْسَ فيهم من جمع بَين هذَيْن الْقَوْلَيْنِ وَفِي ذَلِك اتِّفَاقهم على الْخَطَأ فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَسَيَجِيءُ القَوْل فِي ذَلِك
دَلِيل الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة على اخْتِلَاف هممهم وأغراضهم لَا يجوز أَن يتفقوا على قَول إِلَّا لداع وَلَا يجوز أَن يكون التَّقْلِيد هُوَ الَّذِي دعاهم لِأَن كثيرا مِنْهُم يبطل التَّقْلِيد وَلَو دعتهم الشُّبْهَة لنقلت وَنقل خوضهم فِيهَا فاذا لم تنقل علمنَا أَنه بِحجَّة قَاطِعَة وَيجْرِي مجْرى اتِّفَاقهم على رِوَايَة مَا شاهدوه فِي أَنه لَا يجوز الْخَطَأ عَلَيْهِم فِيهِ وَالْجَوَاب أَن الْعقل يُجِيز اتِّفَاق الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة على الْخَطَأ من جِهَة الرَّأْي ويلزمهم على مَا قَالُوهُ أَن لَا يجوز اتِّفَاق جَمِيع الْأُمَم على خطأ وَكَذَلِكَ كل جمَاعَة من الْأمة يَقع الْعلم بِخَبَر مثلهَا وَيلْزم إِذا نقلوا مَا أَجمعُوا لأَجله أَن يجوز وَأَن كَونه شُبْهَة لأَنهم إِنَّمَا أحالوا أَن يجمعوا عَن شُبْهَة لَا تنقل وعَلى أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون بَعضهم صَار إِلَى القَوْل بِشُبْهَة ثمَّ قلدهم الْبَاقُونَ لمحبتهم لَهُم وانصراف أهوائهم إِلَيْهِم أَو لاستثقالهم النّظر وتصويبهم التَّقْلِيد وعَلى أَن كثيرا من النَّاس يظْهر القَوْل بِفساد التَّقْلِيد ثمَّ ينظر فِي الدَّلِيل فاذا شقّ عَلَيْهِ اسْتِعْمَاله قطع النّظر وقلد وَلَا يمْتَنع أَن يَكُونُوا بأجمعهم صَارُوا إِلَى القَوْل بِشُبْهَة فظنوها حجَّة فَأَضْرَبُوا عَن نقلهَا لظنهم أَنَّهَا حجَّة كَمَا يضْربُونَ عَن نقل الْحجَّة إِذا أَجمعُوا على مُوجبهَا
وَالْفرق بَين رِوَايَة الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة عَمَّا شاهدته وَإِن لم يَقع اللّبْس فِيهِ وَبَين مَا قالته من جِهَة الرَّأْي أَن الرَّأْي يَعْتَرِضهُ الشُّبْهَة والأهواء فَتَصِير الْأَهْوَاء مَعَ التَّقْصِير فِي النّظر الشُّبْهَة بِصُورَة الْحجَج فَلَا يُؤمن أَن يَكُونُوا اتَّفقُوا لذَلِك وَهَذَا صنف عَمَّا شاهدوه وَزَالَ اللّبْس فِيهِ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم عَالم بِمَا
[ ٢ / ٢١ ]
شاهدوه وَلَا يجوز مَعَ كثرتهم أَن يخبروا بِمَا يعلم كل وَاحِد مِنْهُم أَنه كَانَ فِيهِ وَأَن غَيره يعلم أَنه كَاذِب فِيهِ
دَلِيل قد ثَبت دوَام شرعنا إِلَى انْقِضَاء التَّكْلِيف فَوَجَبَ أَن يكون قَول الامة حجَّة ليدوم قيام الدّلَالَة على اتِّصَال الشَّرْع وَالْجَوَاب أَن الْحجَّة فِي ذَلِك الْقُرْآن وَالِاجْتِهَاد وَالْأَخْبَار على أَن شرعنا مُنْقَطع بِانْقِطَاع التَّكْلِيف كانقطاع شرع من قبلنَا بالنسخ فدوام كل وَاحِد من الشرعين كدوام الآخر أَو تقارنه فَكَمَا لَا يجب أَن يكون قَول إِحْدَى الامتين حجَّة لم يجب فِي الْأُخْرَى مثله
وَأما من خَالف فِي الْإِجْمَاع فانه يسْلك مسالك ثَلَاثَة أَحدهَا أَن يحِيل وُقُوع الْإِجْمَاع وَالْآخر أَن يحِيل ثُبُوت الطَّرِيق إِلَيْهِ وَالْآخر أَن يَقُول لَيْسَ فِي الْعقل وَلَا فِي السّمع دَلِيل عَلَيْهِ
أما إِحَالَة الْإِجْمَاع فَمن وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن يَقُول يَسْتَحِيل أَن يجوز على كل وَاحِد من الْأمة الْخَطَأ وَلَا يجوز على جَمَاعَتهمْ كَمَا يَسْتَحِيل أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُم مصيبا وجماعتهم غير مصيبين وَأَن يكون كل وَاحِد مِنْهُم أسود وجماعتهم غير سود وَالْجَوَاب أَن المستحيل هُوَ أَن يُقَال إِن كل وَاحِد من الامة يجوز كَونه مخطئا فِي القَوْل الَّذِي اتَّفقُوا عَلَيْهِ وجماعتهم غير مخطئين فِيهِ وَلم نقل ذَلِك وَإِنَّمَا نقُول إِن كل وَاحِد مِنْهُم يجوز أَن يكون قَوْله خطأ إِذا انْفَرد وَإِذا اجْتمع مَعَ جمَاعَة الامة لم يكن قَوْله خطأ وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يُفَارق الْوَاحِد الْجَمَاعَة أَلا ترى أَن كل وَاحِد مِنْهُم يجوز أَن يَأْكُل الْيَوْم مأكلا مَخْصُوصًا وَلَا يجوز أَن يجتمعوا على أكله فِي ذَلِك الْيَوْم وَنَظِير مَا ذَكرُوهُ أَن نقُول كل وَاحِد مِنْهُم مخطىء وَالْكل فِي ذَلِك القَوْل غير مخطىء وَهُوَ نَظِير قَول الْقَائِل الْكل لَيْسُوا بسود وكل وَاحِد مِنْهُم أسود وَنَظِير قَوْلنَا فِي الْإِجْمَاع أَن نقُول كل وَاحِد من النَّاس
[ ٢ / ٢٢ ]
يجوز أَن يكون أسود فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ فان اجْتَمعُوا فِي بلد آخر لم يَكُونُوا سُودًا بل بيضًا
وَالْوَجْه الآخر فِي إِحَالَة الْإِجْمَاع قَوْلهم لَو انْعَقَد الْإِجْمَاع لَكَانَ إِن انْعَقَد عَن نَص وَجب نَقله والاستغناء بِهِ وَلَا يجوز انْعِقَاده عَن أَمارَة لأَنهم على كثرتهم وَاخْتِلَاف هممهم لَا يجوز اتِّفَاقهم عَن الأمارات المظنونة وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن يتفقوا عَن نَص لَا ينقلوه اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع أَو ينْقل وَيكون مُحْتملا فيستغنى بِالْإِجْمَاع عَن النّظر فِيهِ وَيجوز اتِّفَاقهم عَن أَمارَة كَمَا جَازَ اتِّفَاق الْجَمَاعَات عَن شُبْهَة
وَأما من قَالَ لَا طَرِيق إِلَى إِثْبَات الْإِجْمَاع فسيجيء فِي بَاب مُنْفَرد وَمن قَالَ لَا دَلِيل على صِحَة الْإِجْمَاع فَقَوله بَاطِل لما تقدم من الدَّلِيل - ﷺ َ - بَاب فِي الِاتِّفَاق بِمَاذَا يكون - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الِاتِّفَاق يكون من الْجَمَاعَة بِالْفِعْلِ نَحْو أَن يَفْعَلُوا بأجمعهم فعلا وَاحِدًا وَيكون بالْقَوْل وَيكون بِالرِّضَا نَحْو أَن يخبروا عَن أنفسهم بِالرِّضَا وَنَحْو أَن يظْهر القَوْل فيهم وَلَا يظهرون كَرَاهِيَة مَعَ زَوَال التقية وَقد يَجْتَمعُونَ على الْفِعْل وعَلى القَوْل وعَلى الْإِخْبَار عَن الرِّضَا فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة وكل هَذِه الْأَشْيَاء أَدِلَّة على الِاعْتِقَاد لحسن مَا رَضوا بِهِ ولوجوبه على أَن اتِّفَاقهم على الْفِعْل يدل على حسنه من حَيْثُ كَانَ الْعقل دَلِيلا على اعْتِقَادهم لحسنه وَمن حَيْثُ كَانُوا قد اتَّفقُوا على فعله لِأَنَّهُ لَو كَانَ خطأ مَا اجْتَمعُوا على فعله كَمَا لَا يَجْتَمعُونَ على اعْتِقَاد حسنه وَقد يَجْتَمعُونَ على ترك القَوْل فِي الشَّيْء وعَلى ترك فعله فَيدل ذَلِك على أَنه غير وَاجِب لِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا لَكَانَ تَركه مَحْظُورًا وَفِي ذَلِك إِجْمَاعهم على الْمَحْظُور وَيجوز أَن يكون مَا تَرَكُوهُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ
[ ٢ / ٢٣ ]
لِأَن تَركه لَيْسَ بمحظور وَذَلِكَ نَحْو أَن يتْركُوا اعْتِقَاد الْأَفْضَل من بعض أهل الْأَعْصَار - ﷺ َ - بَاب فِي أَنه لَا اعْتِبَار فِي الاجماع بِجَمِيعِ من بعث النَّبِي ﷺ إِلَيْهِ - ﷺ َ -
اعْلَم أَن جَمِيع من بعث إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ هم المكلفون إِلَى انْقِضَاء التَّكْلِيف من مُؤمن وَكَافِر ومجتهد وَغير مُجْتَهد وَلَا اعْتِبَار بالكافرين فِي الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُم معرفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فوقوف الْإِجْمَاع عَلَيْهِم يُؤَدِّي إِلَى تعذر الْإِجْمَاع لوقوفه على مَا هُوَ مُتَعَذر وَلِأَن الْإِجْمَاع لَا تعلم صِحَّته إِلَّا بِالسَّمْعِ وأدلة السّمع لَا تتَنَاوَل الْكَافِر كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ الْآيَة وَقَوله ﷺ امتي لَا تَجْتَمِع على خطأ وَهَذَا الِاسْم لَا يفهم من إِطْلَاقه الْكَافِر وَلَا اعْتِبَار فِي الْإِجْمَاع بِكُل الْمُؤمنِينَ إِلَى انْقِضَاء التَّكْلِيف لِأَن فِي أَدِلَّة الْإِجْمَاع مَا يَقْتَضِي أَن أهل الْعَصْر الْوَاحِد حجَّة وَلِأَن الْإِجْمَاع حجَّة فَلَو اعْتبرنَا فِي الْإِجْمَاع جَمِيع الْمُكَلّفين إِلَى آخر التَّكْلِيف لم يكن حجَّة لِأَنَّهُ لَيْسَ بعدهمْ تَكْلِيف فَيكون إِجْمَاعهم حجَّة فِيهِ
فان قيل يكون حجَّة على من أجمع مَعَهم ثمَّ فارقهم قيل كَيفَ يكون حجَّة عَلَيْهِ وَلَا يُؤمن أَن يحدث بعدهمْ من يخالفهم فَلَا يكون جَمِيع الْمُكَلّفين إِلَى انْقِضَاء التَّكْلِيف متفقين على ذَلِك الحكم
وَأما غير الْمُجْتَهدين فَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن الْأَقْوَال المنتشرة فِي الامة ضَرْبَان أَحدهمَا منتشر فِي الْخَاصَّة فَقَط كمسائل الِاجْتِهَاد وَالْآخر منتشر فِي
[ ٢ / ٢٤ ]
الْخَاصَّة والعامة وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا مَعْلُوم باضطرار من دين النَّبِي ﷺ وَالثَّانِي غير مَعْلُوم من دينه باضطرار فالمعلوم من دينه باضطرار كالصلوات الْخمس وَصَوْم شهر رَمَضَان وَتَحْرِيم الْبِنْت وَمَا أشبه ذَلِك وَمَا هَذِه سَبيله يسْتَغْنى فِي الِاحْتِجَاج عَلَيْهِ عَن قَول مَنْقُول عَن النَّبِي أَو إِجْمَاع وَالصَّحِيح أَن ذَلِك مَعْلُوم من الدّين باستدلال لأَنا لَو نعلم تَوَاتر النَّقْل عَن النَّبِي ﵇ بِتَحْرِيم الْبِنْت أَو تَوَاتر نقل الْقُرْآن وَأَنه لَا يجوز أَن يحرم شَيْئا إِلَّا وَهُوَ مُعْتَقد لتحريمه لم نعلم أَنه يعْتَقد تَحْرِيم ذَلِك أَلا ترى أَنه لَو لم ينْقل إِيجَاب صَوْم شهر رَمَضَان عَنهُ لم يعلم دينه فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ لَو علمنَا النَّقْل فِي ذَلِك وجوزنا أَن يُوجب مَا لَا نعتقد وُجُوبه علينا لم يعلم ذَلِك وَكَذَلِكَ القَوْل فِي كل مَا يدعى أَنه مَعْلُوم باضطرار أَنه من دين النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا اشتبهت الْحَال فِيهِ لِأَن الْعلم بِأَنَّهُ من دينه ظَاهر وَلم يحصل فِيهِ نزاع بَين الامة
وَأما الْأَقْوَال المنتشرة فِي الْخَاصَّة والعامة وَهِي مَعْلُومَة من الدّين باستدلال فَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن مِنْهَا تَحْرِيم بنت الْبِنْت وَأَن بنت الْخَالَة مُخَالفَة فِي التَّحْرِيم للخالة وَمَعْرِفَة أَوْقَات الصَّلَوَات
وَلقَائِل أَن يَقُول أما معرفَة أَوْقَات الصَّلَوَات على التَّفْصِيل فَمن مسَائِل الِاجْتِهَاد لِأَنَّهُ يدْخل فِي تَفْصِيل ذَلِك معرفَة آخر الْوَقْت وَذَلِكَ مُجْتَهد فِيهِ وَأما معرفَة أَوْقَات الصَّلَوَات على الْجُمْلَة وَتَحْرِيم بنت الْبِنْت فالعامة إِنَّمَا تعرف ذَلِك يالرجوع إِلَى الْعلمَاء لَا بالاستدلال لِأَن الْمُكَلف إِنَّمَا يعرف ذَلِك اسْتِدْلَالا بظواهر تعلم أَنَّهَا قد تجردت عَمَّا يعارضها وَإِنَّمَا يعلم عدم ذَلِك بعد أَن يفتش الشَّرِيعَة والعامة لم تنظر فِي هَذِه الظَّوَاهِر وَلَا فتشت عَمَّا يعارضها
فَأَما مسَائِل الِاجْتِهَاد فقد اخْتلف النَّاس فِي اعْتِبَار الْعَامَّة فِيهَا فَقَالَ قوم إِن الْعَامَّة وَإِن وَجب عَلَيْهَا اتِّبَاع الْعلمَاء فان اجماع الْعلمَاء لَا يكون حجَّة على أهل الْعَصْر الثَّانِي حَتَّى لَا تسوغ مخالفتهم إِلَّا بِأَن يتبعهُم الْعَامَّة من أهل عصرهم فان لم يتبعوهم لم يجب على أهل الْعَصْر الثَّانِي من الْعلمَاء اتباعهم وَقَالَ
[ ٢ / ٢٥ ]
آخَرُونَ إِجْمَاع الْعلمَاء حجَّة على من بعدهمْ اتبعهم عوام عصرهم أَو لم يتبعوهم
وَاحْتج الْأَولونَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ قَول الامة حجَّة لانها بأجمعها معصومة من الْخَطَأ وَلَيْسَ يمْتَنع أَن تكون جَمَاعَتهمْ الْخَاصَّة والعامة معصومة من الْخَطَأ فاذا لم يمْتَنع ذَلِك وَكَانَت ظواهر الْإِجْمَاع تتَنَاوَل الْخَاصَّة والعامة وَجب اشْتِرَاط دُخُول الْعَامَّة وَوَجَب القَوْل بِأَن اللطف إِنَّمَا يثبت للامة بأجمعها وَهَذَا هُوَ الْإِجْمَاع فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَهَذَا يتَنَاوَل الْعلمَاء وَغَيرهم وَقَوله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا﴾ الْآيَة كل ذَلِك خطاب مُوَاجهَة يتَنَاوَل جَمِيع من كَانَ فِي ذَلِك الْعَصْر من الامة كالخطاب بالعبادات
وَاحْتج الذاهبون إِلَى القَوْل الثَّانِي بِأَن الْعَامَّة يلْزمهَا الْمصير إِلَى قَول الْعلمَاء فَهُوَ كالمنصرف فِيهَا فَلم يكن بقبولها اعْتِبَار
وَلقَائِل أَن يَقُول وَلم إِذا وَجب عَلَيْهَا الْمصير إِلَى قَول غَيرهَا لَا يعْتَبر بقولِهَا وَمَا أنكرتم أَنه وَإِن وَجب ذَلِك عَلَيْهَا فانه لَا يكون حجَّة من دونهَا وَيُمكن أَن يحْتَج فِي الْمَسْأَلَة أَيْضا فَيُقَال إِن الْأمة إِنَّمَا يكون قَوْلهَا حجَّة إِذا قالته بالاستدلال لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن تحكم بِغَيْر دَلِيل فَهِيَ إِنَّمَا عصمت من الْخَطَأ فِي استدلالها والعامة لَيست من أهل النّظر وَالِاسْتِدْلَال على الْحَوَادِث فتعصم مِنْهُ
فان قَالُوا لَا يمْنَع أَن يكون اللطف ثَابتا لجَماعَة الامة مجتهدها وَغير الْمُجْتَهد مِنْهَا وَلَا يكون لبعضها لطف يَعْصِمهَا من الْخَطَأ قيل إِذا كَانَ اللطف إِنَّمَا يعْصم من الْخَطَأ فِي الِاسْتِدْلَال وَلم يكن من الْعَامَّة اسْتِدْلَال لم يَصح أَن تكون معصومة فِيهِ وَبِهَذَا الْوَجْه يخص ظواهر الْآيَات
[ ٢ / ٢٦ ]
- ﷺ َ - بَاب فِي إِجْمَاع أهل الْأَعْصَار - ﷺ َ -
ذهب أَكثر النَّاس إِلَى أَن إِجْمَاع أهل كل عصر حجَّة على من بعدهمْ وَقَالَ أهل الظَّاهِر إِجْمَاع الصَّحَابَة وَحده حجَّة دون غَيرهم من إِجْمَاع أهل الْأَعْصَار
وَدَلِيل الْأَوَّلين أَن أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا تخص عصرا دون عصر لقَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ والتابعون مُؤمنُونَ وَكَذَلِكَ أهل كل عصر وَقَوله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَوله ﷺ لَا تَجْتَمِع أمتِي على الْخَطَأ
والمخالف يحْتَج بأَشْيَاء مِنْهَا الْإِجْمَاع إِنَّمَا عرف كَونه حجَّة بِالشَّرْعِ والأدلة السمعية تخْتَص بالصحابة دون غَيرهم لِأَن قَوْله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ خطاب مُوَاجهَة يتَنَاوَل ظَاهره الْحَاضِرين وهم الصَّحَابَة دون غَيرهم فَلَا يمْتَنع أَن يكون الله تَعَالَى عناهم بِالْخِطَابِ ليميزهم بِهَذَا الْمَدْح وَقَوله ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ يتَنَاوَل الصحاب فَأَما التابعون فالخطاب لَا يتناولهم وحدهم بل يتناولهم مَعَ مَا تقدم من الصَّحَابَة لِأَن الْمُؤمن هُوَ الْمُسْتَحق للثَّواب سِيمَا وَهَذَا الْخطاب خرج مخرج الْمَدْح وَالصَّحَابَة بعد مَوْتهمْ يسْتَحقُّونَ الْمَدْح وَالثَّوَاب وَإِذا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ هم التابعون مَعَ مَا تقدم من الصَّحَابَة فاستحال أَن يكون لمن تقدم من الصَّحَابَة قَول فِي الْحَادِثَة فِي زمن التَّابِعين واستحال أَن يكون لجَماعَة الْمُؤمنِينَ قَول أَو لم يكن إِذْ الْمُخَالف فِي الْحَالَتَيْنِ مُخَالف لبَعض الْمُؤمنِينَ لَا لجميعهم
فان قُلْتُمْ إِذا لم يجز أَن يَعْنِي الله تَعَالَى بقوله ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾
[ ٢ / ٢٧ ]
من تقدم من الصَّحَابَة لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يكون لَهُم قَول فِيمَا حدث بعدهمْ وَجب أَن يَعْنِي الله تَعَالَى بقوله التَّابِعين دون من تقدم فَيدْخل من خالفهم تَحت الْوَعيد قيل إِنَّه لم يعن من تقدم لما ذكرْتُمْ وَلَا عَنى الْحَاضِرين من التَّابِعين لأَنهم بعض الْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا عَنى من يُطلق عَلَيْهِ فِي وقته أَنه جمَاعَة الْمُؤمنِينَ وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الصَّحَابَة فَقُلْنَا إِن إِجْمَاع الصَّحَابَة وحدهم حجَّة وَكَذَلِكَ قَوْله لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضلال لَا يتَنَاوَل التَّابِعين وحدهم لِأَنَّهُ لَا يُطلق عَلَيْهِم فِي عصرهم أَنهم جَمِيع أمة النَّبِي ﵇ بل يُقَال إِنَّهُم بعض أمته وَيُطلق القَوْل فِي عصر الصَّحَابَة بِأَنَّهُم الْآن جَمِيع أمته الْجَواب إِن هَذَا السُّؤَال لَا يتَوَجَّه على من قَالَ إِن اسْم الْمُؤمنِينَ اشتقاق من التَّصْدِيق لِأَن من لم يصدق فِي الْحَال حَتَّى مَاتَ لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم مُؤمن وَلَا يُوصف ايضا بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِن لِأَنَّهُ يُوهم أَنه كَانَ مُؤمنا
وَلَا يلْزم الشَّيْخ أَبَا هَاشم ﵀ لِأَن لَام الْجِنْس لَا يُوجب الِاسْتِغْرَاق وَيجوز أَن يدْخل تَحْتَهُ ثَلَاثَة فَصَاعِدا فَمَتَى تركنَا وَظَاهر قَطعنَا على أَنه قد أُرِيد بِهِ ثَلَاثَة فَلم يجب أَن يكون أُرِيد بِالْمُؤْمِنِينَ مَجْمُوع الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِلَّا أَن الْإِجْمَاع الَّذِي يعرفهُ الْخصم قد منع أَن يُرَاد بِالْآيَةِ بعض أهل الْعَصْر فأخرجناه فِي الْخطاب وَوَجَب أَن يُرَاد بِهِ جَمِيع أهل الْعَصْر وَأما من يَقُول إِن لَام الْجِنْس استغراق فَلهُ أَن يَقُول لَيْسَ يَخْلُو إِمَّا أَن نُرِيد بِهَذِهِ الْآيَات من حضر عِنْد حُدُوث الْحَادِثَة وَلَا بِغَيْر من تقدم مَوته من الْمُؤمنِينَ وَذَلِكَ قَوْلنَا أَو بِغَيْر من تقدم وَذَلِكَ يمْنَع من كَون إِجْمَاع الصَّحَابَة حجَّة لِأَن من مَاتَ قبل وَفَاة النَّبِي ﷺ هُوَ مُؤمن وَلَيْسَ لَهُ فِي الْحَادِثَة قَول
فان قيل فَمَا الْجَواب لمن سَأَلَ عَن هَذَا السُّؤَال مِمَّن لَا يَقُول إِن إِجْمَاع الصَّحَابَة وَلَا غَيرهم حجَّة قيل قد تقدم فِي الْبَاب الأول
وَاحْتَجُّوا بقوله ﷺ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ قَالُوا فحكمة بِأَن الِاقْتِدَاء بِأَصْحَابِهِ اهتداء الْجَواب أَن ذَلِك لَا يمْنَع من كَون
[ ٢ / ٢٨ ]
التَّابِعين مثلهم فِي ذَلِك على أَن قَوْله بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ يتَنَاوَل آحادهم وَلَيْسَ قَول كل وَاحِد مِنْهُم حجَّة على الْمُجْتَهدين فَعلمنَا أَنه إِنَّمَا حث بذلك الْعَامَّة على استفتاء كل وَاحِد مِنْهُم
وَاحْتج بِأَن الصَّحَابَة قد اخْتصّت بمشاهدة النَّبِي ﵇ والحضور عِنْد الْوَحْي فَكَانَ لَهُم مزية بذلك الْجَواب وَلم قُلْتُمْ إِن ذَلِك يُوجب أَن يكون لَهُم مزية فِي كَون قَوْلهم حجَّة دون غَيرهم
وَاحْتَجُّوا بِأَن قَول التَّابِعين لَو كَانَ حجَّة لَكَانَ إِنَّمَا صَارُوا إِلَيْهِ عَن نَص متواتر أَو غير متواتر أَو عَن أَمارَة اجتهدوا فِيهَا وَلَو كَانَ كَذَلِك لما ذهب كل ذَلِك على الصَّحَابَة لأَنهم لَا يكونُونَ أدنى رُتْبَة من التَّابِعين الْجَواب أَنه لَا يمْتَنع أَن لَا تحدث الْحَادِثَة فِي الصَّحَابَة فَلَا يفحصوا عَن نَص وَارِد فِيهَا وَلَا عَن أَمارَة مُجْتَهد فِيهَا فَلَا يظفروا بهَا ويظفر التابعون بهَا إِذا اضطروا إِلَى طلبَهَا عِنْد حُدُوث الْحَادِثَة وَلَا يمْتَنع أَن تحدث الْحَادِثَة فِي زمن الصَّحَابَة فيختلفون فِيهَا ويتفق التابعون فِيهَا على أحد أَقْوَالهم فيظفر التابعون فِي ذَلِك القَوْل بِمَا لم يظفر بِهِ أحد الطالبين من الصَّحَابَة لِأَن قَول بعض الصَّحَابَة بِهِ لَيْسَ بِحجَّة - ﷺ َ - بَاب فِي وجوب اعْتِبَار الْمُجْتَهدين كلهم من أهل الْعَصْر الْوَاحِد فِي الْإِجْمَاع - ﷺ َ -
يضمن هَذَا الْبَاب فصولا مِنْهَا أَن أَكثر أهل الْعَصْر لَا يكون إِجْمَاعًا وَمِنْهَا اعْتِبَار الْمُجْتَهد من التَّابِعين إِذا عاصر الصَّحَابَة وَمِنْهَا اعْتِبَار الْمُجْتَهد وَإِن لم يشْتَهر بالفتوى وَمِنْهَا اعْتِبَار أهل الْأَمْصَار كلهم
أما الْفَصْل الأول فقد بَين أَكثر النَّاس أَن أهل الْعَصْر إِذا اتَّفقُوا على قَول إِلَّا الْوَاحِد والاثنين من الْمُجْتَهدين لَا يكون حجَّة وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْخياط إِن ذَلِك حجَّة
[ ٢ / ٢٩ ]
وَدَلِيل الْأَوَّلين أَن أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا تتناولهم إِذا خرج عَنْهُم الْوَاحِد لِأَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ لَا يتَنَاوَل إِلَّا جَمِيع أهل الْعَصْر على قَول من قَالَ إِن لَام الْجِنْس تعم وَمن قَالَ لَا تعم فانه لَا يُوجب استغراقها للْأَكْثَر حَتَّى لَا يبْقى إِلَّا الْوَاحِد والاثنان بل يَجْعَلهَا حَقِيقَة فِي الثَّلَاثَة والمخالف لَا يَجْعَل قَول الثَّلَاثَة حجَّة وَقَوله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ وَقَوله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَوله ﷺ لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضلال يتَنَاوَل جَمِيع أهل الْعَصْر لِأَن أَكْثَرهم يُقَال لَهُم بعض الْأمة وَلَا يُطلق وَصفهم بِأَنَّهُم الْأمة وَأَيْضًا فَفِي الصَّحَابَة من تفرد بأقاويل لم توافقه عَلَيْهَا الْجَمَاعَة وَلم تنكر عَلَيْهِ كتفرد ابْن عَبَّاس بمسائل فِي الْفَرَائِض وَكَذَلِكَ ابْن مَسْعُود ﵄
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَوله ﵇ لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضلال قَالُوا وَهَذِه الْأَسْمَاء تتَنَاوَل حَقِيقَة جَمِيع الْمُؤمنِينَ وَجَمَاعَة الْأمة وَإِن شَذَّ مِنْهُم الْوَاحِد كَمَا أَن الْإِنْسَان يَقُول رايت بقرة سَوْدَاء وَإِن كَانَ فِيهَا شَعرَات بيض وَيَقُول أكلت رمانة وَإِن سقط مِنْهَا حبات لم يأكلها وَالْجَوَاب أَن أَسمَاء الْجمل والعموم لَا تتَنَاوَل الْأَكْثَر إِلَّا مجَازًا أَلا ترى أَنه يجوز أَن يُقَال فِي الْأمة إِلَّا الْوَاحِد لَيْسَ هَؤُلَاءِ كل الْمُؤمنِينَ وَلَا كل الْأمة فَعلمنَا أَن اسْم الْكل لم يتَنَاوَل إِلَّا الْجَمِيع وَقَول الْإِنْسَان أكلت الرمانة وَهُوَ يُرِيد أَكْثَرهَا مجَاز وَكَذَلِكَ الْوَصْف للبقرة بِالسَّوَادِ إِذا كَانَ فِيهَا شَعرَات بيض وَلَا يمْتَنع أَيْضا أَن يكون الْوَصْف للبقرة بِالسَّوَادِ يُفِيد فِي الْعرف كَونهَا سَوْدَاء فِي
[ ٢ / ٣٠ ]
رَأْي الْعين فَلَا يمْنَع ذَلِك وجود شَعرَات بيض فِيهَا وَلَا يمْتَنع أَن يكون قَول الْقَائِل أكلت رمانة مَعْنَاهُ فِي الْعرف أكلت مَا جرت الْعَادة بِأَكْلِهِ وَلَيْسَ يكَاد يَنْفَكّ الرمانة من حبات تتساقط مِنْهَا فَذَلِك خَارج من الْكَلَام بِالْعرْفِ وَلَيْسَ يجب إِذا نقل الْعرف ذَلِك أَن ينْقل غَيرهَا من الْأَسْمَاء
وَمِنْهَا قَول النَّبِي ﷺ عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم وَأهل الْعَصْر كلهم إِلَّا الْوَاحِد والاثنان هم السوَاد الاعظم وَيُقَال عَلَيْكُم بملازمة الْجَمَاعَة وَذَلِكَ يتَنَاوَل أهل الْعَصْر إِلَّا الْوَاحِد والاثنين وَالْجَوَاب أَن ذَلِك فِي أَخْبَار الْآحَاد وَيَقْتَضِي أَن يجب اتِّبَاع الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة لأَنهم جمَاعَة وَبطلَان ذَلِك يدل على أَنه عَنى بِالْجَمَاعَة جَمِيع أهل الْعَصْر وَأما السوَاد الْأَعْظَم فهم جَمِيع أهل الْعَصْر لِأَنَّهُ لَيْسَ أعظم مِنْهُ وَلَو لم يكن المُرَاد مَا ذَكرْنَاهُ لدخل تَحْتَهُ النّصْف من أهل الْعَصْر إِذا زادوا على النّصْف الآخر بِوَاحِد أَو اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثَة فان قيل قَوْله ﵇ عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الاعظم يَقْتَضِي أَن يكون حجَّة على غَيرهم مِمَّن لَيْسَ هُوَ من السوَاد الْأَعْظَم وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بِأَن يكون فِي الْعَصْر غَيرهم مِمَّن لم يجمع مَعَهم وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن يكون حجَّة على من يَأْتِي بعدهمْ مِمَّن هُوَ أقل مِنْهُم عددا
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْوَاحِد من أهل الْعَصْر إِذا خَالف من سواهُ من أهل الْعَصْر يُوصف بالشذوذ وَذَلِكَ اسْم ذمّ وَلذَلِك أنْكرت الصَّحَابَة على ابْن عَبَّاس مقَالَته فِي الرِّبَا وَالْجَوَاب أَنا لَا نسلم أَن الْوَاحِد شَاذ إِلَّا إِذا خَالف بعد مَا وَافق وَابْن عَبَّاس لم يُنكر عَلَيْهِ الصَّحَابَة لِأَن قَول غَيره حجَّة عَلَيْهِ لَكِن لأجل خير ابي سعيد
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن أهل الْعَصْر إِلَّا الْوَاحِد والاثنان لَو أخبروا بِشَيْء وَقع الْعلم بخبرهم فَيجب مثله فِي إِجْمَاعهم وَالْجَوَاب أَنهم جمعُوا بَين الموضوعين بِغَيْر عِلّة وعَلى أَنه يلْزم أَن يكون أهل بلد وَاحِد حجَّة إِذا أَجمعُوا أَن بروايتهم يَقع الْعلم فان فصلوا بَين إِجْمَاعهم وَبَين خبرهم بِأَن إِجْمَاعهم يَقع عَن رَأْي
[ ٢ / ٣١ ]
واستدلال وخبرهم يَقع عَن إِدْرَاك فَهُوَ فصلنا
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْإِجْمَاع حجَّة فِي الْعَصْر وَفِيمَا بعده وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يكون فيهم من يخالفهم حَتَّى يَكُونُوا حجَّة عَلَيْهِ وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن يَكُونُوا حجَّة على من يَأْتِي من بعد وَحجَّة على آحادهم تمنعهم من الرُّجُوع عَمَّا قَالُوهُ وَلَو وَجب أَن يكون الْإِجْمَاع حجَّة على مُخَالف قد عاصر المجمعين لوَجَبَ إِذا أجمع كلهم على قَول أَن لَا يكون حجَّة
فاذا ثَبت أَن خلاف الْوَاحِد والاثنين لَا ينْعَقد مَعَه الْإِجْمَاع فَمَتَى رُوِيَ إِجْمَاع أهل عصر مُتَقَدم على قَول وَرُوِيَ بالتواتر ان وَاحِدًا لم يجْتَمع مَعَهم لم يكن إِجْمَاعًا وَإِن رُوِيَ ذَلِك بالآحاد فان كَانَ قد رُوِيَ عَنهُ بالتواتر الْوِفَاق لم يتْرك التَّوَاتُر لأجل الْآحَاد كَمَا لَا يُعَارض خبر وَاحِد عَن النَّبِي ﷺ بِخَبَر متواتر وَإِن لم يكن قد رُوِيَ مُوَافقَة لَهُم لم يحكم بِأَنَّهُم أَجمعُوا لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي أَن يعلم مُوَافقَة ذَلِك الْوَاحِد لَهُم فَكيف إِذا رويت عَنهُ الْمُخَالفَة
وَحكى الشَّيْخ أَبُو عبد الله عَن الشَّيْخ ابي الْحسن أَن الْإِجْمَاع إِذا ظهر فِي الْعَصْر وَرُوِيَ عَن وَاحِد مِنْهُم بالآحاد خِلَافه لم يقْدَح ذَلِك فِي الْإِجْمَاع ذكر ذَلِك فِيمَا رُوِيَ بالآحاد عَن أبي طَلْحَة فِي الْبرد وَإِن علمنَا أَن اتِّفَاق أهل الْعَصْر إِلَّا الْوَاحِد وَعلمنَا أَنه كَانَت لَهُ حَالَة مُوَافقَة فان علمنَا أَنه وافقهم ثمَّ خالفهم ثَبت الْإِجْمَاع وَإِن علمنَا أَنه خَالف تِلْكَ الْمقَالة قبل أَن يجتمعوا لم يثبت الْإِجْمَاع وَإِن لم نعلم هَذَا التَّفْصِيل فَالْأولى أَن لَا يثبت الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ لم يُؤمن أَن لَا يكون إِنَّمَا قَالَ بذلك القَوْل قبل أَن يَقُولُوا بِهِ ثمَّ خَالفه قبل أَن يتفقوا عَلَيْهِ فان حكى عَن بعض أهل الْعَصْر مَا يحْتَمل أَن يكون مُوَافقَة وَمَا يحْتَمل أَن لَا يكون مُوَافقَة لَهُم فان كَانَ ظَاهره الْمُوَافقَة حمل عَلَيْهَا وَإِن كَانَ ظَاهره الْمُخَالفَة حمل عَلَيْهَا وَإِن لم يكن لَهُ ظَاهر فَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنه يحمل على الْمُوَافقَة لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُخَالفا لقويت دواعيه إِلَى إِظْهَار الْخلاف وَلَيْسَ كَذَلِك لَو كَانَ مُوَافقا لِأَنَّهُ يَكْفِي فِي الْمُوَافقَة السُّكُوت وَترك
[ ٢ / ٣٢ ]
الْإِنْكَار وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك القَوْل بَاطِلا لكانوا قد اتَّفقُوا على ترك الْإِنْكَار الصَّرِيح وَذَلِكَ لَا يجوز وَذكر قَاضِي الْقُضَاة عَن ابْن الإخشيد أَن قوما قَالُوا إِن أهل الْعَصْر إِذا حكمُوا بِحكم وَحكى عَن غَيرهم من أهل الْأَعْصَار خِلَافه فان كَانُوا كَثْرَة لَا يجوز أَن يظهروا خلاف مَا يبطنوه قدح ذَلِك فِي الْإِجْمَاع وَإِن جَازَ أَن يظهروا خلاف مَا يبطنونه لم يقْدَح ذَلِك فِي الْإِجْمَاع وَهَذَا بَاطِل لِأَن جَوَاز إظهارهم خلاف مَا يبطنونه لَا يمْنَع جَوَاز كَون باطنهم مُوَافقا لظاهرهم فَيكون ذَلِك خلافًا قادحا فِي الْإِجْمَاع
وَأما الْفَصْل الثَّانِي فَهُوَ أَن الْمُجْتَهد من التَّابِعين إِذا حضر مَعَ الصَّحَابَة فِي وَقت الْحَادِثَة فانه لَا يكون قَوْلهم حجَّة إِذا خالفهم وَعم بَعضهم أَنه يكون حجَّة وَإِن خالفهم وَدَلِيل الْأَوَّلين ان أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا تتناولهم إِلَّا مَعَه نَحْو قَوْله ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله ﷺ أمتِي لَا تجمع على خطأ وَجرى مجْرى الْحَدث من الصَّحَابَة إِذا كَانَ من أهل الِاجْتِهَاد لِأَن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد من دونه
والمخالف يحْتَج بِمَا رُوِيَ أَن عَائِشَة أنْكرت على أبي سَلمَة بن عبد الرحمن بن عَوْف خِلَافه على الصَّحَابَة فِي بعض الْمسَائِل وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن تكون أنْكرت عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خالفها بعد مَا اتّفقت وَكَانَ اتفاقها سَابِقًا لكَونه من أهل الِاجْتِهَاد أَو لم تكن المسالة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وعَلى أَن قَوْلهَا بانفرادها لَيْسَ بِحجَّة
وَأما الْفَصْل الثَّالِث فَهُوَ أَن يُخَالف فِي الْمَسْأَلَة بعض الْمُجْتَهدين مِمَّن لم يشْتَهر بالفتوى كواصل بن عَطاء فانه لَا يكون قَول من عداهُ حجَّة وَقَالَ بعض النَّاس يكون حجَّة لِأَن مسَائِل الِاجْتِهَاد يجب الرُّجُوع فِيهَا إِلَى أهل الِاجْتِهَاد فَقَوْل غَيرهم لَا يُؤثر فِي إِجْمَاعهم كَمَا أَن قَول النُّحَاة لَا يُؤثر فِي إِجْمَاعهم يبين
[ ٢ / ٣٣ ]
ذَلِك أَنا إِذا أردنَا تَقْوِيم شَيْء وَجب الرُّجُوع فِيهِ إِلَى أهل الْخِبْرَة بأسعار ذَلِك الشَّيْء وَدَلِيلنَا أَن أَدِلَّة الْإِجْمَاع تتَنَاوَل هَذَا الْإِنْسَان نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ وَقَوله ﷺ أمتِي لَا تَجْتَمِع على ضلال وَإِنَّمَا أخرجنَا الْعَامَّة من ذَلِك لأَنهم لَيْسُوا بِأَهْل الِاجْتِهَاد وَلَيْسَ كَذَلِك هَذَا الْمُجْتَهد وَبِهَذَا فَارق النُّحَاة وَمَا ذَكرُوهُ من الرُّجُوع فِي التَّقْوِيم إِلَى الْخِبْرَة بأسعار ذَلِك الشَّيْء فَهُوَ حجَّة لنا لأَنا نرْجِع إِلَى من يخبر ذَلِك وَإِن لم يكن مشتهرا بالتقويم وَلَا منتدبا لتقويم الْأَشْيَاء فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يرجع فِي الْحَوَادِث إِلَى أهل الِاجْتِهَاد وَإِن لم ينتدبوا للْفَتْوَى
وَأما الْفَصْل الرَّابِع وَهُوَ إِجْمَاع أهل الْأَعْصَار فَعِنْدَ أَكثر النَّاس أَن الْحجَّة هِيَ إِجْمَاع أهل الْأَعْصَار كلهم من الْمُجْتَهدين فِي الْعَصْر الْوَاحِد وَحكي عَن مَالك أَنه قَالَ إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة وحدهم حجَّة وَقَالَ بعض أَصْحَابه إِنَّمَا جعل نقلهم أولى من نقل غَيرهم دليلنا أَن أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا تتناولهم وحدهم نَحْو اسْم الْمُؤمن وَاسم الامة وَلِأَن الْأَمَاكِن لَا تُؤثر فِي كَون الْأَقْوَال حجَّة وَقَول النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة طيبَة تخرج خبثها كَمَا يخرج الْكِير خبث الْحَدِيد لَا يدل على أَن إِجْمَاع أَهلهَا حجَّة وَإِنَّمَا هُوَ مدح لَهَا وَلَيْسَ المُرَاد بذلك ذمّ كل من خرج مِنْهَا لإِجْمَاع الْأمة على أَن الْخُرُوج مِنْهَا غير مَذْمُوم وَكَون الْمَدِينَة مهبط الْوَحْي لَا يدل على أَن إِجْمَاع أَهلهَا حق وَأما كَون روايتهم أولى من رِوَايَة غَيرهم فقد ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح والدرس أَن ذَلِك لَا يمْتَنع وَلَا فرق بَين رِوَايَة الْوَاحِد مِنْهُم وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ أَو بغَيْرهَا وَإِنَّمَا المُرَاد بذلك أَن تكون روايتهم بعد عصر الصَّحَابَة أولى من رِوَايَة غَيرهم لِأَن أهل الْبَلَد أعرف بِمَا يجْرِي فِيهِ من غَيرهم وَأَنه يرجع النَّاس فِي مَعْرفَته إِلَى الْبقْعَة الَّتِي حدث فِيهَا ذَلِك لأَنهم إِمَّا أَن يَكُونُوا شاهدوه أَو أخْبرهُم بِهِ جمَاعَة مِمَّن شاهدوه وَيُمكن فيهم من كَثْرَة المخبرين مَا لَا يُمكن فِي غَيرهم بل غَيرهم يرجع إِلَيْهِم
[ ٢ / ٣٤ ]
- ﷺ َ - بَاب فِيمَا يكون الْإِجْمَاع حجَّة فِيهِ وَمَا لَا يكون حجَّة فِيهِ - ﷺ َ -
اعْلَم أَن مَا تجمع الْأمة عَلَيْهِ ضَرْبَان أَحدهمَا لَا يُمكن معرفَة صِحَة الْإِجْمَاع قبل الْمعرفَة بِصِحَّتِهِ وَالْآخر يُمكن معرفَة صِحَة الْإِجْمَاع قبل الْمعرفَة بِصِحَّتِهِ
فَالْأول لَا يَصح الِاحْتِجَاج بِالْإِجْمَاع فِيهِ كالإجماع على أَن الله تَعَالَى حَكِيم عَادل وَأَن مُحَمَّدًا نَبِي لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُمكن أَن تعرف صِحَة الْإِجْمَاع بعد أَن يعرف أَن الله تَعَالَى أَو رَسُوله قد شهد بِأَن الْإِجْمَاع حق وأنهما لَا يَشْهَدَانِ بِشَيْء إِلَّا وَهُوَ على مَا شَهدا بِهِ وَإِنَّمَا يعرف ذَلِك إِذا عرفت حِكْمَة الله تَعَالَى وَأَنه لَا يفعل الْقَبِيح وَأَن مُحَمَّدًا صَادِق ليعلم صدقه فِي إخْبَاره أَن الْقُرْآن كَلَام الله تَعَالَى حَتَّى يعلم أَن مَا فِيهِ من الْآيَات الدَّالَّة على الْإِجْمَاع من قبل الله تَعَالَى فاذا كَانَت الْمعرفَة بِصِحَّة الْإِجْمَاع لَا يُمكن أَن تتقدم على الْمعرفَة بِاللَّه وبحكمته وَصدق رَسُوله لم يَصح الِاسْتِدْلَال بِهِ على ذَلِك إِذْ من حق الدَّلِيل أَن يُعلمهُ الْمُسْتَدلّ على الْوَجْه الَّذِي يدل عَلَيْهِ قبل علمه بالمدلول
فَأَما مَا يُمكن أَن يعرف صِحَة الْإِجْمَاع قبل الْمعرفَة بِهِ فَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا من أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخر من أُمُور الدّين فَالْأول نَحْو أَن يجتمعوا أَنه لَا يجوز الْحَرْب فِي مَوضِع معِين ذكر قَاضِي الْقُضَاة أَنه يجوز لمن بعدهمْ مخالفتهم فِي ذَلِك لِأَن حَالهم فِي ذَلِك لَيست بأعظم من حَال النَّبِي ﷺ وَمَعْلُوم أَنه ﷺ لَو رأى رَأيا فِي الْحَرْب لساغ مُرَاجعَته فِيهِ وَلَيْسَ إِجْمَاعهم على إِمَامَة أبي بكر من هَذَا الْقَبِيل لِأَن ذَلِك من أُمُور الدّين وَذكر فِي كتاب النِّهَايَة أَنه لَا يجوز مخالفتهم لِأَن أَدِلَّة الْإِجْمَاع منعت من الْخلاف عَلَيْهِم وَلم يفصل بَين أَن يكون قد اتَّفقُوا على أَمر ديني أَو دنياوي ويفارقون النَّبِي ﷺ لِأَن الَّذِي منع من جَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِ هُوَ المعجز وَذَلِكَ لَا يتَعَلَّق بِأُمُور الدُّنْيَا وَلَيْسَ كَذَلِك الْأمة فَأَما أُمُور الدّين فانه يكون اتِّفَاقهم حجَّة فِيهِ سَوَاء كَانَ عقليا نَحْو
[ ٢ / ٣٥ ]
رُؤْيَة الله تَعَالَى لَا فِي جِهَة وَنفي ثَان مثله أَو كَانَ شرعيان لِأَنَّهُ يُمكن الْعلم بِصِحَّة الْإِجْمَاع قبل الْعلم بذلك إِذْ الشَّك فِي ذَلِك لَا يخل بِالْعلمِ بِاللَّه تَعَالَى وحكمته وَصدق نبيه وَلَا فرق بَين أَن يكون القَوْل صادرا عَن اجْتِهَاد عَن أَمَارَات أَو اسْتِدْلَالا بأدلة وَلَا فرق بَين أَن يكون قد تقدم ذَلِك الْإِجْمَاع اخْتِلَاف أَو لم يتقدمه اخْتِلَاف وسنتكلم فِي كلا الْمَوْضِعَيْنِ إِن شَاءَ الله - ﷺ َ - بَاب فِي أَن الْإِجْمَاع إِذا انْعَقَد عَن اجْتِهَاد كَانَ حجَّة - ﷺ َ -
ذكر قَاضِي الْقُضَاة عَن الْحَاكِم صَاحب الْمُخْتَصر أَنه قَالَ إِذا انْعَقَد الْإِجْمَاع لأهل الْعَصْر عَن اجْتِهَاد جَازَ لمن بعدهمْ ان يخالفهم فِيهِ وَعِنْدنَا أَنه حجَّة يحرم خِلَافه لقَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ فاذا اجْتَمعُوا على الحكم بِالِاجْتِهَادِ فخلافه لَيْسَ هُوَ سبيلهم فَلم يجز اتِّبَاعه
فان قيل إِنَّمَا لم يكن سبيلهم لِأَنَّهُ لم يؤد الِاجْتِهَاد إِلَيْهِ فاذا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد كَانَ سبيلهم وَإِن كَانَ ذَلِك الِاجْتِهَاد اجْتِهَاد غَيرهم وَالْجَوَاب أَن ذَلِك شَرط لَا دَلِيل عَلَيْهِ فَلم يجز إثْبَاته وَلَو جَازَ مَا ذَكرُوهُ لجَاز أَن يُقَال فِيمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ عَن دَلِيل إِنَّه سبيلهم بِشَرْط أَن يُؤَدِّي الِاسْتِدْلَال إِلَيْهِ وخلافه لَيْسَ هُوَ سبيلهم إِن لم يؤد الِاسْتِدْلَال إِلَيْهِ فَإِن أدّى الِاسْتِدْلَال إِلَيْهِ كَانَ سبيلهم وَإِن كَانَ ذَلِك الِاسْتِدْلَال اسْتِدْلَال غَيرهم فَيبْطل التَّعَلُّق بِالْإِجْمَاع أصلا
فان قيل أَلَيْسَ لَو اتَّفقُوا على الحكم اجْتِهَادًا وَلم يعلم كل وَاحِد مِنْهُم أَن غَيره قد وَافقه جَازَ لكل وَاحِد مِنْهُم مُخَالفَة ذَلِك الحكم وَلَا يَأْثَم من خَالفه فقد صَار جَوَاز مُخَالفَة ذَلِك الحكم سبيلهم بأجمعهم قيل هَذَا لَازم فيهم إِذا أَجمعُوا على الحكم بالأدلة
[ ٢ / ٣٦ ]
وَالْجَوَاب فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِد وَهُوَ أَنه إِذا كَانَت الْحَال هَذِه فانه إِنَّمَا جوز كل وَاحِد مِنْهُم مُخَالفَة قَوْلهم بِشَرْط كَونه غير مجمع عَلَيْهِ أَلا ترى أَنه لَو علم أَنه مجمع عَلَيْهِ لم يجز ذَلِك فاذا علمنَا أَن الحكم مُتَّفق عَلَيْهِ لم يجز أَن نخالفهم
فَأَما من قَالَ إِن الْحق فِي وَاحِد فانه يمْنَع من مُخَالفَة قَوْله سَوَاء اتّفق عَلَيْهِ أَو لم يتَّفق عَلَيْهِ وَيدل عَلَيْهِ قَوْله ﷺ أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ وَمِمَّا اتَّفقُوا عَلَيْهِ أَنه لَا يجوز مخالفتهم وَلقَائِل أَن يَقُول لم زعمتم أَنهم اجْتَمعُوا على ذَلِك وَإِذا كَانَ فِي النَّاس من يجوز مخالفتهم لم يُؤمن أَن يكون فِي المجمعين عَن اجْتِهَاد من يجوز مخالفتهم فَلَا يَصح ادِّعَاء الْإِجْمَاع فالمخالف يقيس القَوْل الْمجمع عَلَيْهِ بِاجْتِهَاد على الْمُخْتَلف فِيهِ بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا صادر عَن اجْتِهَاد وَالْجَوَاب أَن الْعلَّة فِي الأَصْل أَنه قَول لم يقْتَرن بِهِ دَلِيل مَقْطُوع بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك مَا اجْتمع عَلَيْهِ ثمَّ تعارضهم فيقيس الْمَسْأَلَة على مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ مِمَّا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا قَول مُتَّفق عَلَيْهِ - ﷺ َ - بَاب فِي الِاتِّفَاق بعد الِاخْتِلَاف وَبعد الِاتِّفَاق وَفِي الِاخْتِلَاف بعد الِاتِّفَاق - ﷺ َ -
اعْلَم أَن أهل الْعَصْر إِذا اتَّفقُوا على حكم من الْأَحْكَام فانه يجوز أَن يتَّفق من بعدهمْ على متابعتهم وَهُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِم وَيجوز أَن يخالفهم بعض أهل الْعَصْر الثَّانِي وَلَا يحل ذَلِك لَهُم لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِيل من بعض الامة أَن يعدل عَن الْحق وَلَا يجوز أَن يتَّفق أهل الْعَصْر الثَّانِي على مخالفتهم
وَحكى قَاضِي الْقُضَاة عَن الشَّيْخ أبي عبد الله أَنه قَالَ إِنَّمَا لم يجز أَن يتفقوا على مخالفتهم لِأَن أهل الْعَصْر الأول أَجمعُوا على أَنه لَا يجوز أَن يَقع الْإِجْمَاع من بعد على مخالفتهم وَلَو لم يجمعوا على ذَلِك لجَاز أَن يتفقوا على مخالفتهم وَيكون الْإِجْمَاع الثَّانِي فِي حكم النَّاسِخ للْأولِ وَحكي عَن الشَّيْخ أبي عَليّ أَنه قَالَ
[ ٢ / ٣٧ ]
لَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يخالفهم رجل وَاحِد ولجاز أَن يَنْضَم إِلَيْهِ غَيره إِلَى أَن يتَّفق أهل الْعَصْر الثَّانِي على خلاف قَول الْأَوَّلين وَقَوله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ يمْنَع من أَن يتبع أهل الْعَصْر الثَّانِي غير سبيلهم وَلِأَن الْمَسْأَلَة إِن لم تكن من مسَائِل الِاجْتِهَاد فخلاف مَا اجْتمع عَلَيْهِ أهل الْعَصْر الأول فِيهَا ضَلَالَة والامة لَا تَجْتَمِع على ضَلَالَة فَأَما إِذا اخْتلف أهل الْعَصْر فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ فانه يجوز أَن يتَّفق من بعدهمْ على أَحدهمَا فاذا اتَّفقُوا كَانَ صَوَابا وَحجَّة مُحرمَة للأخذ بالْقَوْل الآخر
وَفِي كلا الْمَوْضِعَيْنِ اخْتِلَاف أما جَوَاز اتِّفَاق من بعدهمْ على أحد الْقَوْلَيْنِ فقد منع مِنْهُ قوم ظنا مِنْهُم أَن اخْتِلَاف من تقدم فِي ضمنه الْإِجْمَاع على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ على الاطلاق فأدخلوا فِي الْإِجْمَاع مَا لَيْسَ مِنْهُ وَهَذَا سَنذكرُهُ عِنْد الْكَلَام فِيمَا ألحق بِالْإِجْمَاع وَلَيْسَ هُوَ مِنْهُ وَأما إِذا اتَّفقُوا على أحد الْقَوْلَيْنِ فقد حكى قَاضِي الْقُضَاة فِي الْعمد عَن بعض الْمُتَكَلِّمين وَبَعض أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ أَنه لَا يكون حجَّة فِي تَحْرِيك القَوْل الآخر وَحكي عَن شَيخنَا أبي عبد الله وَأبي الْحسن وَبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي أَنه يكون حجَّة فِي تَحْرِيم القَوْل الآخر وَذكر فِي الشَّرْح أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي ذَلِك فَمنهمْ من جعل ذَلِك محرما للْخلاف على كل حَال وَمِنْهُم من لم يَجعله محرما للْخلاف على كل حَال وَلم يفصل بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمِنْهُم من جعله محرما للْخلاف فِي حَال دون حَال وَالْحَال الَّتِي يحرم فِيهَا الْخلاف هِيَ أَن يكون المتفقون على أحد الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَة هم الَّذين اخْتلفُوا فِيهَا سَوَاء كَانَ ذَلِك عصر الصَّحَابَة أَو غَيرهم وَالْحَال الَّتِي لَا يكون اتِّفَاقهم مَعهَا حجَّة مزيلة للْخلاف هِيَ أَن يخْتَلف أهل عصر ويتفق من بعدهمْ على أحد قوليهم
وَالدَّلِيل على أَن الِاتِّفَاق يحرم الِاخْتِلَاف على جَمِيع الْأَحْوَال قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾
[ ٢ / ٣٨ ]
وَقد بَينا أَن ذَلِك يتَنَاوَل كل عصر وَلم يفصل فِي تَحْرِيم اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ بَين أَن يكون قد تقدم اخْتِلَاف أَو لم يتَقَدَّم
وَاسْتدلَّ قَاضِي الْقُضَاة بقوله ﷺ أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ فَيجب كَون مَا اتّفق عَلَيْهِ أهل الْعَصْر الثَّانِي غير خطأ
فان قيل لَيْسَ هُوَ خطأ وَلَيْسَ يحرم بعدهمْ أَن يخالفهم قيل قد أَجمعُوا على أَنه لَا يجوز أَن يخالفهم وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَا يُمكن ادِّعَاء الْإِجْمَاع على ذَلِك لِأَن الْأمة مُخْتَلفَة فِي اتِّفَاق أهل الْعَصْر على أحد الْقَوْلَيْنِ هَل يجوز مُخَالفَته أم لَا
وَاسْتدلَّ أَيْضا بِأَن الْإِجْمَاع الْمُبْتَدَأ لَا يجوز خِلَافه وَكَذَلِكَ إِذا اخْتلفت الصَّحَابَة ثمَّ اتّفقت فَيجب مثله فِي التَّابِعين إِذا اتَّفقُوا بعد اخْتِلَاف الصَّحَابَة وَلقَائِل أَن يَقُول إِن أوجبتم ذَلِك لدُخُول اتِّفَاقهم تَحت أَدِلَّة الْإِجْمَاع فَذَلِك رُجُوع إِلَى الْأَدِلَّة الْمُتَقَدّمَة وَإِن أوجبتم ذَلِك بِالْقِيَاسِ فَمَا الْعلَّة الجامعة فان قُلْتُمْ الْعلَّة فِي ذَلِك أَنه إِجْمَاع قيل لكم لَيست هَذِه عِلّة مَعْلُومَة وَالْأَصْل فِي الْجَمَاعَة أَنه يجوز اتفاقها على الْخَطَأ وَإِنَّمَا امتنعنا من ذَلِك للأدلة فَيجب اعْتِبَارهَا دون الْقيَاس لِأَنَّهُ لَا يظفر فِي ذَلِك بعلة مَعْلُومَة وَلَيْسَ لكم أَن تجْعَلُوا الْعلَّة فِي الأَصْل كَونه إِجْمَاعًا بِأولى من أَن نَجْعَلهَا كَونه إِجْمَاعًا مُبْتَدأ على انه قد حكى قَاضِي الْقُضَاة فِي الدَّرْس أَن قوما قَالُوا إِن اتِّفَاق الصَّحَابَة بعد اختلافها لَا يحرم الْخلاف
وَاحْتج الْمُخَالف بِأُمُور
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ فَشرط التَّنَازُع فِي وجوب الرَّد والتنازع قد حصل وَلَيْسَ يخرج بالِاتِّفَاقِ الْوَاقِع
[ ٢ / ٣٩ ]
من أَن يكون قد تقدم حُصُوله فَوَجَبَ الرَّد وَالْجَوَاب أَن الرَّد إِلَى الْإِجْمَاع والتعلق بِهِ رد إِلَى الله وَالرَّسُول كَمَا أَن الْأَخْذ بِكِتَاب الله بِحكم الْقيَاس رد إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَأَيْضًا فَأهل الْعَصْر الثَّانِي إِذا اتَّفقُوا وَلم يَكُونُوا متنازعين فَلم يجب عَلَيْهِم الرَّد على قَول من يسْتَدلّ بِهَذِهِ الْآيَة على صِحَة الْإِجْمَاع
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن فِي ضمن اخْتِلَاف أهل الْعَصْر فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ اتِّفَاق مِنْهُم على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا فِي كل حَال لِأَنَّهُ لَا يخْتَص حَالا دون حَال فَلَو كَانَ اتِّفَاق من بعدهمْ على أحد الْقَوْلَيْنِ محرما للأخذ بالْقَوْل الآخر لم يخل إِمَّا أَن يكْشف عَن تَحْرِيمه فِي الْمُسْتَقْبل فَيكون نسخا وَذَلِكَ لَا يكون بعد انْقِطَاع الْوَحْي وَإِمَّا أَن يكْشف عَن تَحْرِيمه فِي الْمَاضِي والمستقبل فَيدل على خطأ من تقدمه وَذَلِكَ لَا يجوز وَهَذَا هُوَ معنى قَوْلهم لَو حرم الْخلاف فِي الْمُسْتَقْبل لحرمه فِي الْمَاضِي وَالْجَوَاب أَن الْقَائِلين بِأَن الْحق فِي وَاحِد لَا يجوز أَن يحتجوا بِهَذَا الْكَلَام لِأَن عِنْدهم أَن الْمُجْتَهد لَا يجوز أَن يَأْخُذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا يجب عَلَيْهِ أَن يَأْخُذ بِالْحَقِّ مِنْهُمَا والعامي إِنَّمَا يجوز لَهُ أَن يُقَلّد من يفتيه فاذا أَجمعُوا على أَحدهمَا لم يجد من يفتيه بِالْآخرِ فَيُقَال قد حرم عَلَيْهِ الْأَخْذ بِهِ بعد أَن كَانَ حَلَالا وَأما الْقَائِلُونَ بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب فجوابنا لَهُم إِن احْتَجُّوا بذلك هُوَ أَن الْمُخْتَلِفين فِي الْمَسْأَلَة إِنَّمَا سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا لِأَن الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا وَهِي من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَيبين ذَلِك أَنهم لَو سئلوا عَن جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا لعللوا بذلك فعلى هَذَا الْمُسْتَدلّ أَن يبين أَن الْمَسْأَلَة بعد الِاتِّفَاق هِيَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَأما نَحن فاذا بَينا أَنهم إِذا اتَّفقُوا عَلَيْهَا فقد تناولهم أَدِلَّة الْإِجْمَاع وَحرم خلافهم علمنَا أَن الشَّرْط المجوز للأخذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ قد زَالَ فَزَالَ حكمه وَلَا يُسمى ذَلِك نسخا لِأَن الحكم إِذا وقف على شَرط يعلم زَوَاله وثبوته لَا بِالشَّرْعِ فانه لَا يكون زَوَاله بِزَوَال شَرطه نسخا أَلا ترى أَن زَوَال وجوب الصّيام بِدُخُول اللَّيْل لَا يكون نسخا فان قيل لَسْتُم بِأَن تجْعَلُوا اجْتِمَاع الْمُخْتَلِفين على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ مَشْرُوطًا بِثُبُوت الِاخْتِلَاف بِأولى من أَن نجْعَل نَحن كَون
[ ٢ / ٤٠ ]
الِاتِّفَاق حجَّة مَشْرُوطًا بِنَفْي تقدم الْخلاف قيل مَا ذَكرْنَاهُ أولى لأَنا قد بَينا أَن الْمُخْتَلِفين سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بِالشّرطِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَكَانَ الأولى مَا قُلْنَاهُ على أَن مَا ذَكرُوهُ ينْتَقض عَلَيْهِم باجماع أهل الْعَصْر بعد النّظر والفحص الطَّوِيل لِأَن ذَلِك اتِّفَاق مِنْهُم على جَوَاز التَّوَقُّف فِي الْمَسْأَلَة وَلَا يسوغ بعد اتِّفَاقهم التَّوَقُّف فِيهَا وينتقض على قَول بَعضهم إِن الصَّحَابَة إِذا اتّفقت بعد مَا اخْتلفت حرم الْأَخْذ بالْقَوْل الآخر ثمَّ يُقَال لَهُم إِذا لم تجْعَلُوا اتِّفَاق أهل الْعَصْر الثَّانِي حجَّة مَعَ أَنه اتِّفَاق صَرِيح فَهَلا قُلْتُمْ إِن اتِّفَاق أهل الْعَصْر الأول على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ بِحجَّة فِي جَوَاز الْأَخْذ بِهِ مَعَ أَنه اتِّفَاق لَيْسَ بِصَرِيح وَهُوَ مَعَ ذَلِك مَبْنِيّ على القَوْل بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كَانَ قَوْلهم إِذا اتَّفقُوا بعد الِاخْتِلَاف حجَّة لَكَانَ قَول إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ حجَّة إِذا مَاتَت الطَّائِفَة الْأُخْرَى وَفِي ذَلِك كَون قَوْلهم حجَّة بِالْمَوْتِ وَالْجَوَاب أَنا نتبين لمَوْت إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَن قَول الْأُخْرَى حجَّة لدُخُول تَحت أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا أَن الْمَوْت يُوجب كَون قَوْلهم حجَّة على أَن مَسْأَلَتنَا جَمِيع الْمُخْتَلِفين قَالُوا باخذ الْقَوْلَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا مَاتَت إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كَانَ اتِّفَاق أهل الْعَصْر الثَّانِي حجَّة لكانوا قد صَارُوا إلبه بِدَلِيل وَحجَّة وَلَو كَانَ كَذَلِك لما خَفِي على الصَّحَابَة وَالْجَوَاب أَنه لَا يجوز أَن يخفى هَذَا وَمثله على جَمِيعهم فَأَما أَن يخفى على بَعضهم فَيجوز لِأَن بَعضهم لَيْسَ بِحجَّة - ﷺ َ - بَاب فِي انْقِرَاض الْعَصْر هَل هُوَ شَرط فِي كَون الْإِجْمَاع حجَّة - ﷺ َ -
اعْلَم أَن كثيرا من النَّاس لم يعتبروا انْقِرَاض الْعَصْر أصلا واعتبره بَعضهم وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَقَالَ بَعضهم هُوَ طَرِيق إِلَى انْعِقَاد الْإِجْمَاع وَسَيَجِيءُ القَوْل
[ ٢ / ٤١ ]
فِيهِ وَمِنْهُم من جعله شرطا فِي كَون الْإِجْمَاع حجَّة وَجوز لبَعض المجمعين أَن يُخَالف قَوْله
وَدَلِيل الْأَوَّلين قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء﴾ وَقَوله ﷺ أمتِي لَا تَجْتَمِع على ضلال وكل ذَلِك يُوجب الرُّجُوع إِلَى الْإِجْمَاع وَلَا يفرق بَين انْقِرَاض الْعَصْر وَنفي انقراضه
دَلِيل لَيْسَ يَخْلُو إِمَّا أَن تكون الْحجَّة هِيَ انْقِرَاض الْعَصْر أَو اتِّفَاقهم بِشَرْط انْقِرَاض الْعَصْر أَو اتِّفَاقهم فَقَط وَالْأول يَقْتَضِي أَن يكون الْعَصْر لَو انقرض من دون اتِّفَاقهم أَن يكون حجَّة وَالثَّانِي يَقْتَضِي أَن يكون لموتهم تَأْثِير فِي كَون قَوْلهم حجَّة وَذَلِكَ لَا يجوز كَمَا لَا يكون لمَوْت النَّبِي ﷺ تَأْثِير فِي كَون قَوْله حجَّة
وَلقَائِل أَن يَقُول أَلَيْسَ موت النَّبِي لَا يصير مَعَه قَوْله حجَّة والامة عنْدكُمْ إِذا اخْتلفت فِي الْمَسْأَلَة على فرْقَتَيْن ثمَّ مَاتَت إِحْدَاهمَا كَانَ قَول الْأُخْرَى حجَّة ففارقت الْأمة النَّبِي ﵇ فِي ذَلِك فَهَلا جَازَ أَن تفترقا فِي الْوَجْه الآخر
دَلِيل آخر لَو اعْتبرنَا انْقِرَاض الْعَصْر لم ينْعَقد الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ قد حدث من التَّابِعين فِي زمن الصَّحَابَة قوم من أهل الِاجْتِهَاد وَذَلِكَ يجوز مخالفتهم لَهُم لِأَن الْعَصْر مَا انقرض وَيجب اعْتِبَار انْقِرَاض عصر التَّابِعين وَمَعْلُوم أَنه لم ينقرض عصرهم إِلَّا بعد أَن حدث من تابعيهم من هُوَ من أهل الِاجْتِهَاد فَجَاز أَن يخالفوهم وَيعْتَبر انْقِرَاض عصرهم ثمَّ كَذَلِك القَوْل فِي كل عصر
وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَا يمْتَنع أَن يكون الْمُعْتَبر هُوَ انْقِرَاض عصر من كَانَ
[ ٢ / ٤٢ ]
مُجْتَهدا عِنْد حُدُوث الْحَادِثَة لَا من يَتَجَدَّد بعد ذَلِك فَلَا يلْزم اعْتِبَار عصر التَّابِعين إِذا حدث فيهم مُجْتَهد بعد حُدُوث الْحَادِثَة
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن عليا ﵇ سُئِلَ عَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فَقَالَ كَانَ رَأْيِي ورأي عمر أَن لَا يبعن ثمَّ رَأَيْت بيعهنَّ فَقَالَ لَهُ عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ الْجَمَاعَة أحب إِلَيّ من رَأْيك وَحدك فَدلَّ على أَنه كَانَ الْإِجْمَاع قد سبق وَالْجَوَاب أَنه قد رُوِيَ أَن جَابر بن عبد الله كَانَ يرى فِي زمن عمر جَوَاز بيعهنَّ فَلم يكن الْإِجْمَاع قد انْعَقَد وَقَول عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ الْجَمَاعَة أحب إِلَيّ من رَأْيك وَحدك يدل على أَنه قد كَانَ على قَول عمر جمَاعَة وَلَيْسَ قَول كل جمَاعَة هُوَ إِجْمَاع وَإِنَّمَا اخْتَار أَن يَنْضَم قَول عَليّ إِلَى قَول عمر لِأَنَّهُ رجح قَول الْأَكْثَر على قَول الْأَقَل
وَمِنْهَا أَن أَبَا بكر الصّديق كَانَ يرى التَّسْوِيَة فِي الْقِسْمَة وَلم يُخَالِفهُ أحد من الصَّحَابَة ثمَّ خَالفه عمر لما صَار الْأَمر إِلَيْهِ ففضل فِي الْقِسْمَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ السّلف وَالْجَوَاب أَن عمر ﵁ قد كَانَ خَالفه فِي زَمَانه وناظره فَقَالَ لَهُ أَتجْعَلُ من جَاهد فِي سَبِيل الله بِمَالِه وَنَفسه كمن دخل فِي الاسلام كرها فَقَالَ إِنَّمَا عمِلُوا لله وَإِنَّمَا أُجُورهم على الله وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغ وَلم يرو أَن عمر رَجَعَ إِلَى قَول أبي بكر فَلَا يمْتَنع أَنه كَانَ يرى التَّفْضِيل فَلَمَّا صَار الْأَمر إِلَيْهِ فضل
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْإِجْمَاع لَا يسْتَقرّ قبل انْقِرَاض الْعَصْر لِأَن النَّاس يكونُونَ فِي حَال تَأمل وفحص فَوَجَبَ وُقُوعه على انْقِرَاض الْعَصْر وَالْجَوَاب إِن أَرَادوا بِنَفْي الِاسْتِقْرَار نفي كَونه حجَّة فَذَلِك نفس الْمَسْأَلَة وَإِن أَرَادوا أَنه لَا ينْعَقد فَهُوَ خَارج عَمَّا نَحن بسبيله لأَنا إِنَّمَا تكلمنا على من قَالَ إِنَّه ينْعَقد وَلَا يكون حجَّة على أَن الْفَصْل بَين حَال التَّأَمُّل وَحَال الْقطع على الشَّيْء لَا يفْتَقر إِلَى
[ ٢ / ٤٣ ]
انْقِرَاض الْعَصْر لأَنا نفصل بَين النَّاظر المتأمل المتوقف وَبَين الْقَاطِع المناضل لِأَن الْإِنْسَان إِذا أخبر عَن نَفسه أَنه مُعْتَقد للشَّيْء فَهُوَ بِخِلَاف أَن يخبر عَن نَفسه أَنه متأمل مُتَوَقف - ﷺ َ - بَاب فِيمَا أخرج من الْإِجْمَاع وَهُوَ مِنْهُ - ﷺ َ -
أعلم أَن أهل الْعَصْر إِذا اخْتلفُوا فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ متنافيين فَإِنَّهُ يتَضَمَّن اتِّفَاقهم على تخطئة مَا سواهُمَا فَلَا يجوز لمن بعدهمْ إِحْدَاث قَول آخر وَحكي عَن بعض أهل الظَّاهِر أَنه لم يَجْعَل ذَلِك اتِّفَاقًا على تخطئة مَا سواهُمَا فَأجَاز لمن بعدهمْ إِحْدَاث قَول آخر ثَالِث وَالْقَوْل فِي ذَلِك فرع على إِمْكَان إِحْدَاث قَول ثَالِث فَيجب بَيَانه أَولا
فَنَقُول إِن الْقَوْلَيْنِ المتنافيين فِي الْمَسْأَلَة لَا يُمكن أَن يكون بَينهمَا قَول ثَالِث إِلَّا أَن يكون فِيهِ بعض الْمُوَافقَة لكل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ أَو لأَحَدهمَا مِثَاله أَن يَقُول بعض الْأمة النِّيَّة وَاجِبَة فِي الطهارات كلهَا وَيَقُول الْبَاقُونَ لَيست بواجبة فِي شَيْء من الطهارات فَيمكن أَن يَقُول قَائِل هِيَ وَاجِبَة فِي بعض الطهارات دون بعض ومثاله أَيْضا أَن يَقُول بعض الْأمة النِّيَّة وَاجِبَة فِي كل طَهَارَة وَيَقُول بَعضهم هِيَ وَاجِبَة فِي بعض الطهارات دون بعض فَيمكن أَن يَقُول قَائِل لَيست بواجبة فِي شَيْء من الطهارات ومثاله أَيْضا قَول بعض الْأمة الْجد يَرث جَمِيع المَال مَعَ الْأَخ وَفِي قَول البَاقِينَ يقاسم الْأَخ فَيمكن أَن يَقُول قَائِل لَا يَرث شَيْئا أصلا مَعَ الْأَخ فَيكون قد وَافق من قَالَ يقاسم الْأَخ بعض الْمُوَافقَة لِأَنَّهُمَا قد اشْتَركَا فِي أَن منعا الْجد من بعض المَال
وَاحْتج من أجَاز إِحْدَاث قَول ثَالِث بِأَن الْمَمْنُوع مِنْهُ هُوَ مُخَالفَة الْإِجْمَاع وَلَيْسَ مَعَ هَذَا الإختلاف إِجْمَاع وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ فِي امْرَأَة وأبوين إِن للْأُم ثلث جَمِيع المَال وَأَن لَهَا ثلث مَا يبْقى فِي زوج وأبوين
[ ٢ / ٤٤ ]
ففصل بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلم يُنكر عَلَيْهِ مَعَ أَن الصَّحَابَة ﵄ لم تفصل بَينهمَا بل قَالَ بَعضهم فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لَهَا ثلث مَا بَقِي وَقَالَ آخَرُونَ لَهَا ثلث جَمِيع المَال وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ إِن الْأكل نَاسِيا لَا يفْطر وَالْجِمَاع نَاسِيا يفْطر وَمن تقدمه مِنْهُم من فطر بهما وَمِنْهُم من لم يفْطر بهما وَهَذَا الِاحْتِجَاج من الْمُخَالف يدل على أَنه أجَاز إِحْدَاث قَول ثَالِث فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة
وَاحْتج قَاضِي الْقُضَاة للْمَنْع من إِحْدَاث قَول ثَالِث بِأَن الْأمة أَجمعت على الْمَنْع من ذَلِك كَمَا أَجمعت على الْمَنْع من إِحْدَاث قَول يُخَالف الْإِجْمَاع الْمُصَرّح والاتفاق على ذَلِك سَابق أَلا تراهم منعُوا من إِحْدَاث قَول آخر فِي الْجد مَعَ الْأَخ حَتَّى يُقَال المَال كُله للْأَخ قَالَ وَلنَا أَن ندعي الْإِجْمَاع فِي ذَلِك مُطلقًا وَلنَا أَن ندعيه فِي الْجد خَاصَّة ونحمل عَلَيْهِ غَيره فَنَقُول إِنَّمَا منعُوا من ذَلِك فِي الْجد لِأَنَّهُ إِحْدَاث قَول آخر لم يقل بِهِ أحد من الْأمة لِأَنَّهُ لَا وَجه لَهُ يُمكن أَن يُعلل فِيهِ إِلَّا بِمَا ذَكرْنَاهُ إِذْ لَا يُمكن أَن يُقَال إِنَّمَا لم يجز أَن يُقَال المَال كُله للْأَخ لِأَنَّهُ لَا أَمارَة لذَلِك لِأَن الأمارة على ذَلِك إِن لم تكن أقوى من الأمارة الدَّالَّة على أَن المَال كُله للْجدّ لم تكن أَضْعَف مِنْهَا
وَلقَائِل أَن يَقُول لَا اسْلَمْ أَن فِي الْمَنْع من إِحْدَاث قَول ثَالِث إِجْمَاعًا سَابِقًا وَلَا سَبِيل لكم إِلَى الْعلم بذلك فَأَما مَسْأَلَة الْجد فَلَا يجوز تَجْدِيد قَول آخر فِيهَا لَيْسَ لأَنهم أَجمعُوا على الْمَنْع من ذَلِك بل لِأَن القَوْل بِأَن المَال كُله للْأَخ يتَضَمَّن مَا أَجمعُوا على خِلَافه
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الْأمة إِذا اخْتلفت على قَوْلَيْنِ فقد أَجمعت فِي الْمَعْنى على الْمَنْع من إِحْدَاث قَول ثَالِث لِأَن كل طَائِفَة تحرم الْأَخْذ إِلَّا بِمَا قالته أَو قَالَه مخالفها فَقَط فجواز إِحْدَاث قَول ثَالِث يَقْتَضِي جَوَاز الْأَخْذ بِهِ وَقد منعُوا مِنْهُ
وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا حظروا الْأَخْذ إِلَّا بِمَا قَالُوهُ بِشَرْط أَن لَا يُؤَدِّي
[ ٢ / ٤٥ ]
اجْتِهَاد غَيرهم إِلَى إِحْدَاث قَول ثَالِث كَمَا يَقُولُونَ إِنَّهُم سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بِشَرْط أَن لَا يَقع الإتفاق على أَحدهمَا فَخرج الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد فَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِن كَانَ اخْتلَافهمْ على قَوْلَيْنِ هُوَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ فَالْقَوْل فِي ذَلِك يَأْتِي نَحْو أَن يَقُول بَعضهم كل طَهَارَة تحْتَاج إِلَى نِيَّة وَيَقُول الْبَاقُونَ لَيْسَ شَيْء من الطهارات يحْتَاج إِلَى نِيَّة فَيَقُول قَائِل آخر بَعْضهَا تحْتَاج إِلَى النِّيَّة دون بعض وَإِن كَانَ اخْتلَافهمْ فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة نَحْو مَسْأَلَة الْجد مَعَ الْأَخ لم يجز إِحْدَاث قَول ثَالِث لِأَنَّهُ مُخَالف لصريح إِجْمَاعهم كالقول بِأَن المَال كُله للْأَخ لِأَن فِي ذَلِك سلب المَال كُله عَن الْجد والمختلفون فِي مَسْأَلَة الْجد قد اتَّفقُوا على أَن للْجدّ قسطا من المَال من قَالَ مِنْهُم إِنَّه أَحَق بِجَمِيعِ المَال وَمن قَالَ إِنَّه يقاسم الْإِخْوَة وَهَذَا الْوَجْه يفْسد قَوْلهم إِن الْمَمْنُوع مِنْهُ هُوَ مُخَالفَة الْإِجْمَاع وَلَا إِجْمَاع مَعَ الإختلاف لأَنا قد بَينا أَن إِحْدَاث قَول ثَالِث فِيهِ خلاف لما أَجمعُوا عَلَيْهِ وَأما المحكى عَن ابْن سِيرِين وَالثَّوْري فَلَيْسَ هُوَ من هَذِه الْمَسْأَلَة بل من مَسْأَلَة أُخْرَى وَهِي التَّفْرِقَة بَين مَا أَجمعُوا على أَنه لَا فرق بَينهمَا
واحتجاج أهل الظَّاهِر بقول ابْن سِيرِين وَالثَّوْري يدل على أَنهم جوزوا إِحْدَاث قَول ثَالِث فِي هَذِه الْمسَائِل وأشباهها دون مَا ذَكرْنَاهُ من مَسْأَلَة الْجد وأمثالها وَسَنذكر الْآن القَوْل فِي التَّفْرِقَة بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَفِي غَيرهمَا مِمَّا ألحق بِالْإِجْمَاع وَلَيْسَ مِنْهُ بعون الله - ﷺ َ - بَاب فِي أهل الْعَصْر إِذا لم يفصلوا بَين مَسْأَلَتَيْنِ هَل لمن بعدهمْ أَن يفصل بَينهمَا أم لَا - ﷺ َ -
اعْلَم أَنهم إِذا لم يفصلوا بَينهمَا فَذَلِك ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يَقُولُوا لَا فصل بَين هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي كل الْأَحْكَام أَو فِي الحكم الْفُلَانِيّ وَالْآخر أَن لَا ينصوا
[ ٢ / ٤٦ ]
على ذَلِك لَكِن لَا يكون فيهم من فرق بَينهمَا فِي الحكم فَالْأول لَا يجوز لأحد أَن يفصل بَينهمَا لِأَن الْفَصْل بَينهمَا خلاف لما نصوا عَلَيْهِ واعتقدوه وَلِأَن قَوْلهم لَا فصل بَينهمَا ظَاهره يَقْتَضِي أَنَّهُمَا قد اشْتَركَا فِيمَا يَقْتَضِي الحكم من غير وَجه يفرق بَينهمَا فَمن فصل بَينهمَا فقد خالفهم فِي ذَلِك
وَهَذَا الضَّرْب يَنْقَسِم أقساما ثَلَاثَة أَحدهمَا أَن يرْوى اتِّفَاق الْأمة على حكم الْمَسْأَلَتَيْنِ نَحْو أَن يحكموا فيهمَا بِالتَّحْرِيمِ أَو بالتحليل وَالْآخر أَن يرْوى اخْتِلَاف الْأمة فيهمَا فيحكى عَن طَائِفَة أَنَّهَا حكمت فيهمَا بِالتَّحْرِيمِ وَعَن البَاقِينَ أَنهم حكمُوا فيهمَا بِالْإِبَاحَةِ وَالْآخر أَن لَا يرْوى لنا عَنْهُم اخْتِلَاف فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَا اتِّفَاق فَمَتَى كَانَ كَذَلِك وَدلّ الدَّلِيل فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ على تَحْرِيم أَو إِبَاحَة وَجب أَن يحكم فِي الْمَسْأَلَة الْأُخْرَى بذلك وَلَا يفرق بَينهمَا
فَأَما إِذا لم ينصوا على أَنه لَا فصل بَينهمَا بل لَا يكون فيهم من فرق بَينهمَا نَحْو أَن يحكم بعض الْأمة فِي كلا الْمَسْأَلَتَيْنِ بِحكم وَيحكم الْبَاقُونَ فيهمَا بنقيضه وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يشيروا إِلَى حكم وَاحِد فيثبته أحد الْفَرِيقَيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وينفيه الْآخرُونَ عَنْهُمَا نَحْو أَن يحرم شطر الْأمة كلا الْمَسْأَلَتَيْنِ ويبيحهما الْبَاقُونَ وَالضَّرْب الآخر أَن يشيروا فيهمَا إِلَى حكمين مُخْتَلفين نَحْو أَن يُوجب بعض الْأمة النِّيَّة فِي الْوضُوء وَلَا يَجْعَل الصَّوْم من شَرط الِاعْتِكَاف وَلَا يُوجب الْبَاقُونَ النِّيَّة فِي الْوضُوء ويجعلون الصَّوْم من شَرط الِاعْتِكَاف
أما الْقسم الأول فَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الدَّرْس وَالشَّرْح أَنه إِن كَانَ الْمَعْلُوم أَن طَريقَة الحكم فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدَة لَا يجوز كَونهَا مُتَغَايِرَة فَذَلِك جَار مجْرى أَن يَقُولُوا لَا فصل بَينهمَا لأَنا نعلم أَنهم قد اعتقدوا أَنه لَا يفرق بَينهمَا وَأَنه قد نظمهما طَريقَة وَاحِدَة وَمن فصل بَينهمَا فقد خَالف مَا اعتقدوه من ذَلِك فَأَما إِن جَازَ أَن لَا تكون الطَّرِيقَة فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدَة وَأَنَّهُمْ سووا بَينهمَا لطريقين فَإِنَّهُ يجوز لمن بعدهمْ أَن يفرق بَينهمَا فَيحرم إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ ويبيح الْأُخْرَى فيوافق فِي كل قَول أحد الْفَرِيقَيْنِ لِأَنَّهُ بذلك لَا يكون مُخَالفا لما
[ ٢ / ٤٧ ]
أَجمعُوا عَلَيْهِ لَا فِي حكم وَلَا فِي تَعْلِيل لأَنا قد بَينا أَن الْعلَّة يجوز أَن لَا تكون وَاحِدَة وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ إِذا قَالَ بعض الْأمة بِتَحْرِيم مَسْأَلَتَيْنِ متباينتين فِي الْعلَّة وَقَالَ الْبَاقُونَ بإباحتهما قد أَجمعُوا على أَن لَا فصل بَينهمَا لوَجَبَ إِذا حرم بَعضهم إِحْدَى مَسْأَلَتَيْنِ متباينتين وأباح اخرى وَحرم الْبَاقُونَ مَا أَبَاحَهُ هَؤُلَاءِ وأباحوا مَا حظروه أَن يَكُونُوا قد أَجمعُوا على أَن بَينهمَا فرقا فَلَا يجوز لأحد أَن يحرمهما مَعًا أَو يبيحهما مَعًا وَلَو لم يجز ذَلِك لوَجَبَ على من وَافق الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة أَن يُوَافقهُ فِي جَمِيع مذْهبه وَيسْقط عَنهُ الِاجْتِهَاد وَالْأمة مجمعة على خلاف ذَلِك وَمَا حكى عَن ابْن سِيرِين من أَنه فرق بَين زوج وأبوين وَامْرَأَة وأبوين وَأَن الثَّوْريّ فرق بَين جماع الصَّائِم نَاسِيا وَبَين أكله نَاسِيا فَإِن كَانَت طَريقَة الْمَسْأَلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فرقا بَينهمَا مُتَغَايِرَة فَمَا فعلاه جَائِز وَإِلَّا لم يجز على أَن ابْن سِيرِين قد عاصر بعض الصَّحَابَة فَلَا يمْتَنع أَن يكون حَاضرا حِين اخْتلفُوا فِي زوج وأبوين وَامْرَأَة وأبوين
وَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الْعمد أَنه لَا يجوز الْفَصْل بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلم يفصل هَذَا التَّفْصِيل ذكر ذَلِك فِي أَن الْأمة لَا يجوز أَن تخطىء فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَذكر فِي شرح هَذَا الْبَاب أَمْثِلَة احْتج بهَا
فَمِنْهَا أَن يعْقد شطر الْأمة لرجل الْإِمَامَة ويسكت الْبَاقُونَ فَلَو لم يكن ذَلِك الرجل مُسْتَحقّا للْإِمَامَة لَكَانَ العاقدون قد اخطأوا بِالْعقدِ وَالْبَاقُونَ قد أخطأوا بِالسُّكُوتِ وَلقَائِل أَن يَقُول إِن تِلْكَ مَسْأَلَة وَاحِدَة وَهِي إِمَامَة ذَلِك الشَّخْص وَالْكل قد رَضوا بهَا وَأَجْمعُوا على ترك إِنْكَار العقد لَهُ من غير مَانع فَلَو كَانَ خطأ لما أَجمعُوا على ترك إِنْكَاره
وَمِنْهَا أَن يتَّفق نصف الْأمة على مَذْهَب المرجئة فِي غفران مَا دون الشّرك من كَبِير وصغير ويتفق الْبَاقُونَ على مَذْهَب الْخَوَارِج فِي الْمَنْع من غفران جَمِيع الْمعاصِي وَهَذَا الِاتِّفَاق على الْخَطَأ فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَلقَائِل أَن يَقُول إِن ذَلِك خطأ فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة لِأَن الْقَائِلين بِهَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ متفقون على أَن الصَّغِيرَة لَا يجب
[ ٢ / ٤٨ ]
سُقُوط عقابها لِأَن المرجىء يَقُول إِن غفرانها بِفضل وَجوز عِقَاب فاعلها والخارجي لم يُوجب سُقُوط عقابها فقد اتَّفقُوا على الْبَاطِل وَهُوَ أَن عقابها لَا يجب سُقُوطه
وَمِنْهَا أَن يتَّفق نصف الْأمة على أَن العَبْد يَرث وَالْقَاتِل لَا يَرث ويتفق الْبَاقُونَ على عكس ذَلِك على أَن العَبْد لَا يَرث وَالْقَاتِل يَرث فَيَكُونُوا قد اتَّفقُوا على الْخَطَأ فِي إِرْث العَبْد وَالْقَاتِل إِذْ الصَّوَاب أَنَّهُمَا جَمِيعًا لَا يرثان وَالنَّبِيّ ﷺ منع من اجْتِمَاعهم على الْخَطَأ سَوَاء كَانَ ذَلِك فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة أَو فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه كَانَ لَا يمْتَنع أَن تخْتَلف الْأمة فِي الْقَاتِل وَالْعَبْد على مَا ذكرتموه لِأَن الْخَطَأ إِمَّا أَن يكون هُوَ القَوْل بِإِرْث العَبْد أَو بِإِرْث الْقَاتِل أَو بإرثهما جَمِيعًا وَلم يَقع الِاتِّفَاق على إِرْث أَحدهمَا على انْفِرَاده وَلَا على إرثهما جَمِيعًا لِأَن كل وَاحِد من الْأمة لم يقل بإرثهما جَمِيعًا فَيثبت أَن اتِّفَاق نصف الْأمة على الْخَطَأ فِي مَسْأَلَة واتفاق النّصْف الآخر على الْخَطَأ فِي مَسْأَلَة أُخْرَى لَا يُفِيد اتِّفَاق جَمِيعهم على الْخَطَأ
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الْأمة إِذا حرم نصفهَا كلا مَسْأَلَتَيْنِ وأباحهما الْآخرُونَ فقد اتَّفقُوا على أَن لَا فصل بَينهمَا وَإِن لم ينصوا على ذَلِك وَلَيْسَ يقْدَح فِي وُقُوع الِاتِّفَاق على ذَلِك أَن تكون أدلتهم مُخْتَلفَة وَإِذا كَانَ كَذَلِك دخل ذَلِك تَحت أَدِلَّة الْإِجْمَاع وَالْجَوَاب أَن قَول هَذَا المحتج إِن الْأمة قد اعتقدت أَنه لَا فرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ يفهم مِنْهُ أُمُور
مِنْهَا أَنهم اعتقدوا أَن بَينهمَا تعلقا واشتراكا يَقْتَضِي التَّسْوِيَة فِي الحكم وَأَنه لَيْسَ بَينهمَا مَا يَقْتَضِي التَّفْرِقَة فِي الحكم وَهَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتفقوا على ذَلِك فِي مَسْأَلَتَيْنِ قد فَرضنَا أَنه لَا تعلق بَينهمَا
وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا قد نصوا على أَنه لَا فرق بَينهمَا وَهَذَا بَاطِل لِأَن كلامنا مَفْرُوض فِي أَنهم لم ينصوا على ذَلِك
وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا قد اتَّفقُوا على اسْتِوَاء الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الحكم فِي الْجُمْلَة وَإِن
[ ٢ / ٤٩ ]
افْتَرَقُوا فِي تَفْصِيله وَلَا يُمكن أَن يُقَال ذَلِك هَا هُنَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَال اتَّفقُوا على اسْتِوَاء حكم الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْجُمْلَة إِذا دلّ الدَّلِيل على أَن حكم الْمَسْأَلَتَيْنِ حكم وَاحِد إِمَّا التَّحْرِيم وَإِمَّا التَّحْلِيل ثمَّ يَحْتَاجُونَ إِلَى أَن ينْظرُوا فِي حكمهَا على التَّفْصِيل وَإِنَّمَا يدل الدَّلِيل على ذَلِك من حَال الْمَسْأَلَتَيْنِ إِذا كَانَ بَينهمَا تعلق يَقْتَضِي ذَلِك وكلامنا فِي مَسْأَلَتَيْنِ لَا تعلق بَينهمَا وَمَا هَذَا سَبيله لَا يعْتَقد فيهمَا أَنه لَا فرق بَينهمَا يبين ذَلِك أَن شطر الْأمة إِذا أوجب النِّيَّة فِي الْوضُوء لدَلِيل وَأوجب غسل النَّجَاسَة لدَلِيل آخر فَإِنَّهُ لَا يُقَال إِنَّهُم قد اعتقدوا أَنه لَا يجوز افتراقهما فِي الْوُجُوب بل عِنْدهم أَنه يجوز أَن تدل الدّلَالَة على وجوب أَحدهمَا دون الآخر وَإِنَّمَا اتّفق إِن دلّ على وجوب هَذَا دَلِيل وعَلى وجوب ذَلِك دَلِيل فَكَذَلِك لَو دلّ دَلِيل على وجوب النِّيَّة فِي الْوضُوء وَدلّ دَلِيل آخر على نفي وجوب غسل النَّجَاسَة لم يجز أَن يُقَال قد وَجب افتراقهما وَأَن الْأمة أَجمعت على وجوب افتراقهما لِأَن الْمَعْقُول من ذَلِك ثُبُوت تعلق يَقْتَضِي وجوب افتراقهما لَا أَنه اتّفق إِن دلّ على وجوب أَحدهمَا دَلِيل وعَلى نفي وجوب الآخر دَلِيل آخر وَلَو وَجب أَن يفرق بَينهمَا لوَجَبَ على من أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى قَول الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة أَن يُوَافقهُ فِي جَمِيع مسَائِله وَإِن لم يكن بَينهمَا تعلق وَإِذا لم يكن من الْأمة بأجمعها فِيمَا نَحن بسبيله اتِّفَاق على حكم وَلَا على عِلّة لم يدْخل مَا ذَكرُوهُ تَحت أَدِلَّة الْإِجْمَاع وَلَو دخل تَحت قَوْله ﷺ أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ لدل ذَلِك على أَن مَا قَالُوهُ لَيْسَ بخطأ وَلَا يدل على أَن الْفرق بَينهمَا خطأ إِذا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاد مُجْتَهد على قَول من قَالَ إِن كل مُجْتَهد مُصِيب
وَاحْتج أَيْضا بِأَن الْأمة إِذا اخْتلفت على قَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ فقد أوجبت كل طَائِفَة مِنْهَا على غَيرهَا أَن تَقول بقولِهَا أَو بقول الطَّائِفَة الْأُخْرَى وحظرت مَا سوى ذَلِك وَذَلِكَ يمْنَع من إِحْدَاث قَول مفرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَالْجَوَاب أَنهم إِنَّمَا أوجبوا ذَلِك بِشَرْط أَن لَا يفرق بعض الْمُجْتَهدين بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ فَلَا نسلم أَنهم
[ ٢ / ٥٠ ]
حظروا ذَلِك إِلَّا بِهَذَا الشَّرْط كَمَا أَنهم جوزوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بِشَرْط أَن لَا يَقع الِاتِّفَاق على أحد الْقَوْلَيْنِ
فَأَما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ إِذا أشارت الْأمة إِلَى حكمين متباينين فِي مَسْأَلَتَيْنِ كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي إِيجَاب النِّيَّة فِي الطَّهَارَة وَجعل الصَّوْم شرطا فِي الِاعْتِكَاف فَإِنَّهُ إِن جَازَ أَن يكون بَينهمَا فرق يذهب إِلَيْهِ مُجْتَهد جَازَت التَّفْرِقَة بَينهمَا وَإِن لم يجز أَن يكون بَينهمَا فرق بل كَانَ ينظمهما طَريقَة وَاحِدَة تَقْتَضِي فيهمَا الْحكمَيْنِ المتباينين على بعد ذَلِك لم يجز أَن يُخَالف بَين حكميهما بل الْوَاجِب أَن يُقَال فيهمَا مَا قَالُوهُ - ﷺ َ - بَاب فِي أهل الْعَصْر إِذا تأولوا الْآيَة بِتَأْوِيل أَو استدلوا على الْمَسْأَلَة بِدَلِيل أَو اعتلوا فِيهَا بعلة هَل يجوز لمن بعدهمْ إِحْدَاث تَأْوِيل أَو دَلِيل أَو عِلّة غير مَا ذَكرُوهُ أم لَا - ﷺ َ -
إعلم أَن الْإِنْسَان إِذا اسْتدلَّ بطريقة على حكم من الْأَحْكَام أَو على فَسَاد شُبْهَة أَمارَة كَانَت تِلْكَ الطَّرِيقَة أَو دلَالَة فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يكون أهل الْعَصْر الأول قد نصوا على فَسَاد تِلْكَ الطَّرِيقَة أَو على صِحَّتهَا أَو لم ينصوا على صِحَّتهَا وَلَا على فَسَادهَا فَإِن نصوا على فَسَادهَا أَو على صِحَّتهَا فَهُوَ على مَا نصوا عَلَيْهِ وَإِن لم ينصوا على ذَلِك لم يمْتَنع صِحَة تِلْكَ الطَّرِيقَة إِلَّا أَن يكون فِي صِحَّتهَا إبِْطَال حكم أَجمعُوا عَلَيْهِ وَالدَّلِيل على مَا قُلْنَاهُ أَن النَّاس فِي كل عصر يستخرجون أَدِلَّة وعللا وَلَا يُنكر عَلَيْهِم فَكَانَ ذَلِك إِجْمَاعًا وَلِأَنَّهُ لَو لم يجز ذَلِك لَكَانَ إِمَّا أَن لَا يجوز لِأَنَّهُ مُخَالف للْإِجْمَاع الْمُتَقَدّم وَمَعْلُوم أَن الْأمة لم تحكم بِفساد الدَّلِيل الثَّانِي نصا وَلَا حكمهَا بِصِحَّة دليلها يَقْتَضِي فَسَاد غَيره إِذْ لَا يمْتَنع أَن يكون على الْمَذْهَب الْوَاحِد أَكثر من دَلِيل وَاحِد
وَيُمكن من منع من ذَلِك أَن يسْتَدلّ بأَشْيَاء
[ ٢ / ٥١ ]
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَالدَّلِيل الثَّانِي غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ فالوعيد لَاحق بِمن اتبعهُ وَالْجَوَاب أَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ خرج مخرج الذَّم لمن اتبع غير سبيلهم فالمفهوم مِنْهُ من اتبع مَا نَفَاهُ الْمُؤْمِنُونَ وحكموا بإبطاله دون مَا لم يحكموا بفساده بل لَو اتّفق لَهُم لجَاز أَن يَقُولُوا بِهِ أَلا ترى أَنه لَو لم تحدث الْمَسْأَلَة فِي الْعَصْر الأول وَحدثت فِي الْعَصْر الثَّانِي جَازَ أَن يَقُول أهل الْعَصْر الثَّانِي فِيهَا قولا وَلَا يُقَال إِن ذَلِك اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ مِمَّن تقدم لما لم يَكُونُوا قد نفوه وحكموا بإبطاله
وَمِنْهَا أَن قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ يدل على أَنهم يأمرون بِكُل مَعْرُوف لأجل لَام الْجِنْس فَلَو كَانَ الدَّلِيل الثَّانِي مَعْرُوفا لأمروا بِهِ وَالْجَوَاب أَن قَوْله وتنهون عَن الْمُنكر يَقْتَضِي أَيْضا أَن ينهوا عَن كل مُنكر فَلَو كَانَ الدَّلِيل الثَّانِي بَاطِلا لَكَانَ مُنْكرا ولنهوا عَنهُ فلنا فِي الظَّاهِر مثل مَا لَهُم
وَمِنْهَا أَن قَوْله ﷺ أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ يدل على أَن مَا ذَهَبُوا عَنهُ لَيْسَ بخطأ وَقد ذَهَبُوا على الدَّلِيل الثَّانِي فَلم يكن ذهابهم عَنهُ خطأ وَإِذا لم يكن خطأ لم يكن مَا ذَهَبُوا عَنهُ دَلِيلا وَالْجَوَاب إِن أردتم بقولكم ذَهَبُوا عَن الدَّلِيل الثَّانِي أَنهم حكمُوا بفساده لم يُوجد ذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا وَإِن أردتم أَنهم لم ينصوا على أَنه دَلِيل أَو لم يستدلوا بِهِ فَذَلِك صَحِيح وتركهم الِاسْتِدْلَال بِهِ وَالنَّص على كَونه دَلِيلا لَيْسَ بخطأ وَلَا يجب من ذَلِك فَسَاد الدَّلِيل لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ تَركهم الِاسْتِدْلَال بِهِ غير خطأ لاستغنائهم بدليلهم عَنهُ
وَمِنْهَا قَوْلهم إِنَّه لَو جَازَ أَن يذهب على أهل الْعَصْر الأول الدَّلِيل الثَّانِي جَازَ أَن يوحي الله تَعَالَى إِلَى نبيه ﷺ دَلِيلين على حكم وَاحِد فَيسنّ النَّبِي ﷺ ذَلِك الحكم لأجل أحد الدَّلِيلَيْنِ دون الآخر وَالْجَوَاب أَن يُقَال لَهُم قد
[ ٢ / ٥٢ ]
جمعتم بَين الْأَمريْنِ بِغَيْر عِلّة وَأَيْضًا فَإِن أوحى الله تَعَالَى إِلَى نبيه بِأحد الدَّلِيلَيْنِ فَيسنّ الحكم عَقِيبه ثمَّ أوحى إِلَيْهِ بِالدَّلِيلِ الثَّانِي فَإِنَّهُ إِنَّمَا يسن الحكم لمَكَان الدَّلِيل الأول لِأَنَّهُ لم يكن سواهُ حِين سنّ الحكم وَيكون الدَّلِيل الثَّانِي تَأْكِيدًا وَإِن كَانَ قد أوحى إِلَيْهِ بهما مَعًا فَلَا بُد من أَن يكلفه فهم المُرَاد بهما وَلَا بُد من أَن يفهم المُرَاد بهما فَلَا يجوز أَن يَدعُوهُ أَحدهمَا إِلَى أَن يسن الحكم دون الآخر لِأَن فِي ذَلِك رفضا للْآخر وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا بُد من أَن يكلفه أَن يفهم المُرَاد بهما لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يخاطبه بِمَا لَا يفهم المُرَاد مِنْهُ وَلِأَنَّهُ إِن كلفه أَن يبلغ كلا الدَّلِيلَيْنِ إِلَى أمته وَجب أَن يفهم المُرَاد بِهِ لِأَنَّهُ لَا يُؤمن أَن يسْأَل عَنهُ وَإِذا لم يعرف المُرَاد بِهِ نفر عَنهُ
وَمِنْهَا أَنه لَو كَانَ الدَّلِيل الثَّانِي صَحِيحا لما جَازَ أَن يذهب عَن الصَّحَابَة مَعَ تقدمها فِي الْعلم وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن يذهب عَنْهُم إِذا لم يطلبوه اسْتغْنَاء بِمَا ظفروا بِهِ من الدَّلِيل وَأهل الْعَصْر الثَّانِي إِنَّمَا ظفروا بِهِ لأَنهم تنبهوا بِمَا ذكره الْأَولونَ واستغنوا عَن طلب الدَّلِيل الأول فشغلوا أفكارهم وزمانهم فِي طلب غَيره
فَإِن قيل أفكلف الْأَولونَ طلب الدَّلِيل الثَّانِي قيل كلفوا ذَلِك على سَبِيل التَّطَوُّع وَترك ذَلِك جَائِز وَالْقَوْل فِي الْعلَّة كالقول فِي الدّلَالَة لِأَن الْعلَّة دلَالَة على الحكم فِي الْفَرْع إِلَّا أَن تعود الْعلَّة بِالنَّقْضِ على مَا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ بِأَن يُوجد فِي مَوضِع أَجمعت الْأمة فِيهِ على نقيض حكمهَا نَحْو أَن يُعلل مُعَلل تَحْرِيم الْبر بِأَنَّهُ جسم لِأَن ذَلِك مَوْجُود فِيمَا أَجمعُوا على إِبَاحَته فَمن لم يقل بتخصيص الْعلَّة لَا يُجِيز ذَلِك
وَأما إِذا تأولت الْأمة الْآيَة بِتَأْوِيل فَإِنَّهُم إِن نصوا على فَسَاد مَا عداهُ لم يجز إِحْدَاث تَأْوِيل سواهُ وَإِن لم ينصوا على ذَلِك فَمن النَّاس من منع من تاويل زَائِد وأجراه مجْرى الْمَذْهَب الزَّائِد وَمِنْهُم من أجَازه وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن التَّابِعين وَمن بعدهمْ قد أَحْدَثُوا تأويلات لم يكن ذكرهَا السّلف وَلم يُنكر عَلَيْهِم وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إِحْدَاث تَأْوِيل آخر مُخَالفَة لإجماعهم لأَنهم لم ينصوا على إِبْطَاله وَلَيْسَ فِي
[ ٢ / ٥٣ ]
إِجْمَاعهم على التَّأْوِيل الأول إبِْطَال الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون الله تَعَالَى قد أَرَادَ كلا التَّأْويلَيْنِ وَأَرَادَ أَن يفهم بِالْخِطَابِ شَيْئا مَا إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا وَإِمَّا كِلَاهُمَا وكل ذَلِك مُخَيّر فِيهِ فَإِذا فهمت الْأمة أَحدهمَا فقد خرجت عَمَّا كلفته لأَنهم كلفوا فهم كلا التَّأْويلَيْنِ بِشَرْط أَن يطلبوه - ﷺ َ - بَاب فِي أهل الْعَصْر إِذا اخْتلفُوا فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ هَل يجوز وُقُوع الِاتِّفَاق على أَحدهمَا أم لَا - ﷺ َ -
حكى قَاضِي الْقُضَاة عَن الصَّيْرَفِي أَنه منع من اتِّفَاق أهل الْعَصْر الثَّانِي على أحد قولي أهل الْعَصْر الأول وَأَجَازَهُ أَكثر النَّاس وَلم يجْعَلُوا الِاخْتِلَاف الْمُتَقَدّم متضمنا على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ على كل حَال وَوَجهه انه إِن أُرِيد بِجَوَاز انْعِقَاد الْإِجْمَاع إِمْكَانه فَلَا شُبْهَة فِي أَن الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة يُمكنهَا أَن تتفق على مُوجب الدّلَالَة وَلِهَذَا جَازَ انْعِقَاد الْإِجْمَاع الْمُبْتَدَأ وَإِن أُرِيد بِهِ الْحسن فَلَا شُبْهَة أَيْضا فِي حسن إِجْمَاع الْجَمَاعَة على مُقْتَضى الدّلَالَة وَإِن أُرِيد بِالْجَوَازِ الشَّك فمعلوم أَنه لَا دَلِيل يدل على الْقطع على نفي إِجْمَاعهم على حكم من الْأَحْكَام حَتَّى لَا يشك فِي ذَلِك وَمِمَّا يدل على إِمْكَان ذَلِك وَحسنه أَن الصَّحَابَة توقفت فِي الامامة ثمَّ أطبقت على إِمَامَة أبي بكر ﵁ وَاتفقَ التابعون على الْمَنْع من بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد بعد اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِيهِ
والمخالف يحْتَج بِأَن اخْتِلَاف أهل الْعَصْر الأول فِي ضمنه اتِّفَاق مِنْهُم على جَوَاز تَقْلِيد الْعَاميّ لكل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وَجَوَاز أَخذ الْمُجْتَهد بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا إِذا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَيْهِ فَلَو أجمع أهل الْعَصْر الثَّانِي على أحد الْقَوْلَيْنِ لَكَانَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَصح الإجماعان أَو يفسدا أَو يَصح احدهما وَيفْسد الآخر وَلَيْسَ يجوز أَن يفْسد أَولا أَحدهمَا لِأَن الْأمة لَا تَجْتَمِع على خطأ وَلَو كَانَا صَحِيحَيْنِ لَكَانَ الثَّانِي مِنْهُمَا نَاسِخا للْأولِ والنسخ بعد ارْتِفَاع الْوَحْي محَال وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يتَّفق أهل الْعَصْر على قَول ويتفق أهل الْعَصْر الثَّانِي على
[ ٢ / ٥٤ ]
خِلَافه وَفَسَاد هَذِه الْأَقْسَام يمْنَع من اتِّفَاقهم على أحد الْقَوْلَيْنِ وَالْجَوَاب أَن الْقَائِلين بِأَن الْحق فِي وَاحِد لَا يجوز لَهُم أَن يحتجوا بِهَذَا الْكَلَام لِأَن عِنْدهم أَن الْمُجْتَهد لَا يجوز أَن يَأْخُذ إِلَّا بِالْحَقِّ من الْقَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا يجوز للعامي أَن يُقَلّد من يفتيه فَإِذا اتَّفقُوا على أَحدهمَا لم يجد الْعَاميّ من يفتيه بِالْآخرِ فَلَا يُمكن أَن يُقَال قد حرم عَلَيْهِ الْأَخْذ بِهِ إِذا أُفْتِي بِهِ بعد أَن كَانَ حَلَالا وَأما الْقَائِلُونَ بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب فجوابهم إِن احْتَجُّوا بذلك هُوَ أَن الْمُخْتَلِفين فِي الْمَسْأَلَة إِنَّمَا سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ لِأَن الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا وَهِي من مسَائِل الإجتهاد لأَنهم لَو سئلوا عَن جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا لعللوا بذلك فعلى هَذَا المحتج أَن يبين أَن الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَإِن وَقع الِاتِّفَاق عَلَيْهَا حَتَّى يَصح دَلِيله وَقد سلف استقصاء هَذَا الْجَواب من قبل فِي بَاب مُتَقَدم
وَأما قَوْلهم لَو جَازَ أَن يجْتَمع أهل الْعَصْر الثَّانِي على خلاف مَا اجْتمع عَلَيْهِ الْأَولونَ من جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ لجَاز اتِّفَاق أهل الْعَصْر الأول على قَول واتفاق أهل الْعَصْر الثَّانِي على قَول خِلَافه فَلَا يسْتَقرّ إِجْمَاع فَبَاطِل لأَنا قد بَينا أَن الْمُخْتَلِفين قد سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بِشَرْط قد زَالَ وَأهل الْعَصْر الثَّانِي قد اجْمَعُوا على الْمَنْع من ذَلِك مَعَ زَوَال الشَّرْط فَلم يجمع الْآخرُونَ على خلاف مَا أجمع عَلَيْهِ الْأَولونَ وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا أجمع الْأَولونَ على قَول وَأجْمع الْآخرُونَ على خِلَافه - ﷺ َ - بَاب فِي الْإِجْمَاع إِذا عارضته الْأَدِلَّة - ﷺ َ -
اعْلَم أَنهم قد يجمعُونَ على القَوْل وعَلى الْفِعْل وعَلى الرِّضَا واتفاقهم على الْفِعْل لَا يَقْتَضِي أَن غَيرهم مثلهم فِيهِ إِلَّا لدلَالَة وَإِذا رَضوا بِكَوْن القَوْل قولا لَهُم ولغيرهم كَانَ صَوَابا مِنْهُم وَمن غَيرهم فَأَما إِذا قَالُوا قولا وعارضه قَول
[ ٢ / ٥٥ ]
النَّبِي ﷺ فَلَا يجوز أَن نعلم أَن قصد النَّبِي ﷺ بِكَلَامِهِ هُوَ ظَاهره ونعلم أَن قصدهم بكلامهم ظَاهره مَعَ تعَارض الْكَلَامَيْنِ لِأَن الْأَدِلَّة لَا تتناقض ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن نعلم أَن قصد النَّبِي ﷺ ظَاهره أَو نعلم أَن قصد الامة بكلامهم هُوَ ظَاهره أَو لَا نعلم قصد النَّبِي ﷺ وَلَا قصد الامة فان علمنَا قصد النَّبِي ﷺ وَجب تَأْوِيل كَلَام الامة على مُوَافقَة كَلَام النَّبِي ﷺ وَإِن علمنَا قصد الامة بكلامهم وَجب تَأْوِيل قَوْله ﷺ وَإِن لم نعلم قصد أَحدهمَا فان كَانَ أَحدهمَا أخص من الآخر خصصنا الْأَعَمّ بالأخص وَإِن لم يكن أَحدهمَا أخص من الآخر فانهما يتعارضان لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن تكون الامة قد عرفت أَن النَّبِي ﷺ قصد بِكَلَامِهِ غير ظَاهره وَيحْتَمل أَن تكون عرفت أَنه قصد ظَاهر كَلَامه وأرادت هِيَ بكلامها غير ظَاهره وَيحْتَمل أَو يُقَال لَو علمت أَن النَّبِي أَرَادَ بِكَلَامِهِ ظَاهره لما أطلقت كلَاما يُفِيد ظَاهره مُخَالفَته فَلَا بُد وَالْحَال هَذِه من أَن تكون قد علمت أَنه أَرَادَ بِكَلَامِهِ غير ظَاهره
وَأما نسخ أَحدهمَا بِالْآخرِ فَلَا يَصح وَقد تكلمنا فِي ذَلِك فِي بَاب النَّاسِخ والمنسوخ - ﷺ َ - بَاب فِي أَن الْأمة لَا تَجْتَمِع إِلَّا عَن طَرِيق - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْأمة لَا تَجْتَمِع إِلَّا عَن دلَالَة أَو أَمارَة وَلَا تَجْتَمِع عَبَثا ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَن قوما أَجَازُوا انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَن توفيق لَا توفيق بِأَن يوفقهم الله تَعَالَى لاختيار الصَّوَاب وَإِن لم يكن لَهُم دلَالَة وَلَا أَمارَة وَالدَّلِيل على الْمَنْع من ذَلِك أَن مَعَ فقد هَذِه الدّلَالَة والأمارة لَا يجب الْوُصُول إِلَى الْحق وَلِأَنَّهُم لَيْسُوا بآكد حَالا من النَّبِي ﷺ وَمَعْلُوم أَن النَّبِي ﷺ لَا يَقُول الا عَن وَحي فالامة أولى أَن لَا تَقول إِلَّا أَن عَن دَلِيل وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ لَهُم ذَلِك لَكَانَ قد جَازَ لكل وَاحِد مِنْهُم أَن يَقُول بِغَيْر دلَالَة لأَنهم إِنَّمَا يَجْتَمعُونَ على القَوْل بِأَن
[ ٢ / ٥٦ ]
يَقُول كل وَاحِد مِنْهُم بِهِ وَإِذ جَازَ ذَلِك لآحادهم لم يكن للمجمعين مزية فِي ذَلِك
فان قيل مزية الْإِجْمَاع فِي ذَلِك أَنه يكون حجَّة وكل وَاحِد مِنْهُم لَهُ أَن يَقُول عَن غير دلَالَة وَلَا يكون قَوْله حجَّة فاذا أجتمعوا كَانَ حجَّة قيل إِنَّمَا أردنَا أَن لَا يكون للْإِجْمَاع مزية فِي جَوَاز القَوْل بِغَيْر دلَالَة وَالْخلاف فِي ذَلِك يرجع إِلَى قَول مويس بن عمرَان من أَنه يجوز للْعَالم أَن يَقُول بِغَيْر دلَالَة بِأَن يعلم الله تَعَالَى أَنه لَا يَقُول إِلَّا بِالصَّوَابِ
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن الْإِجْمَاع حجَّة فَلَو لم ينْعَقد إِلَّا عَن دلَالَة لكَانَتْ الدّلَالَة هِيَ الْحجَّة وَلم يكن فِي كَون الْإِجْمَاع حجَّة فَائِدَة وَالْجَوَاب أَن هَذَا يبطل بقول النَّبِي ﷺ فانه حجَّة وَلَا يَقُول إِلَّا عَن دلَالَة وَلَا يلْزم إِذا صدر الْإِجْمَاع عَن حجَّة أَن لَا يكون فِي كَونه حجَّة فَائِدَة وعَلى أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون قَوْلهَا حجَّة وَمَا صدر قَوْلهَا عَنهُ حجَّة فَيكون فِي الْمَسْأَلَة حجتان وَأَيْضًا فالفائدة فِي ذَلِك أَن يسْقط عَنَّا الْبَحْث عَن الْحجَّة وَيسْقط عَنْهَا نقلهَا وَيحرم علينا الْخلاف الَّذِي كَانَ سائغا فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد على قَول من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب
وَمِنْهَا أَن الْإِجْمَاع قد انْعَقَد من غير دَلِيل نَحْو إِجْمَاعهم على بيع المراضاة من غير عقد والاستصناع واجرة الْحمام وَغير ذَلِك وَأخذ الْخراج وَأخذ الزَّكَاة من الْخَيل وَالْجَوَاب أَن كل ذَلِك مَا وَقع إِلَّا عَن دَلِيل وَإِن جَازَ أَن لَا ينْقل لما ذَكرْنَاهُ من أَن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد إِلَّا عَن دَلِيل وَأما الاستصناع وَعقد المراضاة فقد كَانَا على عهد النَّبِي ﷺ وَلم يُنكره فَدلَّ على جَوَازه على أَن بيع المراضاة لما جرت الْعَادة بِهِ جرى الْأَخْذ والإعطاء فِي الدّلَالَة على الرِّضَا مجْرى القَوْل وَكَذَلِكَ اجرة الْحمام وَأما قسْمَة أَرض الْعَدو فللإمام أَن يقسمها وَأَن لَا يقسمها وَيعْمل فِيهَا بِحَسب الْمصلحَة وَلِهَذَا لم يقسم النَّبِي ﷺ =
[ ٢ / ٥٧ ]
منَازِل مَكَّة وَلَا آبار هوَازن ومياههم وَأما أَخذ الزَّكَاة من الْخَيل فَلَيْسَ باجماع وَلَوْلَا أَنه قد علم من أوجبهَا من النَّبِي ﷺ مِمَّا دلّ على أَخذ الزَّكَاة مِنْهَا إِذا كثرت لَكَانَ إِيجَابه لَهَا نسخا للشريعة وَلما ترك النكير عَلَيْهِ - ﷺ َ - بَاب فِي الْأمة إِذا أَجمعت على مُوجب الْخَيْر هَل يكون الْخَبَر طَرِيقا إِلَى مَا أَجمعت عَلَيْهِ الْأمة أم لَا - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْأمة إِذا أَجمعت على حكم كَانَ فِي الْأَخْبَار مَا يدل عَلَيْهِ فاما أَن يكون خبر وَاحِد أَو متواترا فان كَانَ متواترا فاما أَن يكون نصا لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى اسْتِدْلَال طَوِيل واجتهاد أَو يحْتَاج مَعَه إِلَى ذَلِك فان كَانَ نصا علمنَا أَنهم أَجمعُوا لأَجله لِأَنَّهُ لَا يجوز مَعَ تواتره أَن لَا يقفوا عَلَيْهِ مَعَ طَلَبهمْ لما يدل على الحكم وَلَا يجوز مَعَ ظُهُوره أَن لَا يَدعُوهُم إِلَى الحكم فَيكون طريقهم إِلَيْهِ سَوَاء ظهر فيهم خبر مثله أَو لم يظْهر وَإِن كَانَ يحْتَاج فِي الِاسْتِدْلَال بِهِ إِلَى اجْتِهَاد طَوِيل وَبحث لم يمْتَنع أَن يَكُونُوا اجْمَعُوا لأَجله وَلم يمْتَنع أَجمعُوا لأجل خبر متواتر هُوَ أجلى مِنْهُ لم ينْقل اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع إِذا اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم وَاسْتدلَّ الْبَاقُونَ بِخَبَر آخر أَو بِقِيَاس
وَإِن كَانَ الْخَبَر مَنْقُولًا بالآحاد لم يخل إِمَّا أَن يروي لنا أَنه ظهر فيهم أَو لَا يروي ذَلِك فان لم يرو ذَلِك جَوَّزنَا أَن يكون ظهر فيهم فَلم ينْقل إِلَيْنَا ظُهُوره فَأَجْمعُوا لأَجله وجوزنا أَن يكون ظهر فيهم خبر آخر أَجمعُوا أَو بَعضهم لأَجله وَلم ينْقل إِلَيْنَا اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يكون ذَلِك الْخَبَر كَانَ ظَاهرا فيهم فَلم ينْقل ظُهُوره إِلَيْنَا جَازَ أَن يظْهر فيهم خَبرا آخر فَلَا ينْقل إِلَيْنَا أصلا وَإِن كَانَ قد روى أَن ذَلِك الْخَبَر قد كَانَ ظهر فيهم فإمَّا أَن يروي بالتواتر أَو بالآحاد فان كَانَ قد روى بالآحاد وجوزنا صدق الرَّاوِي وَأَن يَكُونُوا أَجمعُوا لأَجله وجوزنا كذبه فَلَا يقطع على أَنهم أَجمعُوا لأَجله
[ ٢ / ٥٨ ]
وَلَكِن يغلب صدقه على الظَّن
وَإِن نقل ظُهُور الْخَبَر فيهم بالتواتر جَازَ أَن يَكُونُوا أَجمعُوا لأَجله وَيقطع على ذَلِك من حَاله إِن قَالُوا أجمعنا لأَجله أَو كَانُوا متوقفين عَن الحكم بأجمعهم أَو كَانَ بَعضهم قد حكم بِخِلَافِهِ فَلَمَّا سمعُوا الْخَبَر قَالُوا بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه يجوز أَن يجمعوا لأجل خبر الْوَاحِد لِأَن خبر الْوَاحِد طَرِيق إِلَى الحكم وَلَيْسَ يمْتَنع فِي الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة أَن يجمعا على الحكم طَرِيق من طرقه وَإِن لم يَقُولُوا أجمعنا لأَجله وَلَا نقل رجوعهم إِلَيْهِ بعد توقفهم جَوَّزنَا أَن يَكُونُوا حكمُوا بِغَيْرِهِ وَلم ينْقل اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع وَبِالْجُمْلَةِ مَتى جَوَّزنَا أَن لَا ينْقل الْخَبَر الْمُتَوَاتر اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع على مُوجبه لم يجز الْقطع على أَن السّلف أَجمعُوا لأجل خبر الْوَاحِد وَلَا خبر متواتر مُحْتَمل إِلَّا أَن يَقُولُوا إِنَّا حكمنَا لأَجله أَو يجمعوا على مُوجبه عِنْد سماعهم لَهُ
فان قيل فاذا أَجمعُوا على مُقْتَضى خبر الْوَاحِد أيقطعون على صدق الْمخبر قيل لَا لِأَنَّهُ يجوز أَن تكون الْمصلحَة أَن نحكم بِمَا ظننا صدقه من الْأَخْبَار سَوَاء كَانَت صَادِقَة فِي أَنْفسهَا أَو كَاذِبَة - ﷺ َ - بَاب فِي جَوَاز وُقُوع الْإِجْمَاع عَن اجْتِهَاد - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْقَائِلين بِأَن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد إِلَّا عَن طَرِيق اتَّفقُوا على جَوَاز انْعِقَاده عَن دلَالَة لِأَنَّهُ لَو لم يجز انْعِقَاده عَن دلَالَة لم يجز عَن أَمارَة وَفِي ذَلِك تعذر انْعِقَاده وَأَن يكون الله تَعَالَى قد أمرنَا بِاتِّبَاع مَا يتَعَذَّر وُقُوعه وَاخْتلفُوا فِي انْعِقَاده عَن أَمارَة فَمنع قوم من أهل الظَّاهِر من ذَلِك خفيت الدّلَالَة أم ظَهرت وَأَجَازَ أَكثر الْفُقَهَاء انْعِقَاده عَن الْجَلِيّ والخفي من الأمارات وَأَجَازَ قوم انْعِقَاده عَن الْجَلِيّ دون الْخَفي
[ ٢ / ٥٩ ]
وَدَلِيلنَا أَن الأمارة طَرِيق إِلَى الحكم كَمَا أَن الدّلَالَة طَرِيق إِلَى الحكم وَلَا مَانع من انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَنْهَا كَمَا لَا مَانع من انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَن الْأَدِلَّة خفيها وجليها فَكَمَا جَازَ مَا أمكن انْعِقَاده عَن جلي الْأَدِلَّة وخفيها جَازَ مثله فِي الأمارات
فان قيل لم قُلْتُمْ لَا مَانع من ذَلِك قيل لِأَنَّهُ لَو منع مَانع من ذَلِك كَانَ معقولا وَكَانَ لَهُ تعلق مَعْقُول وَمَا يعقل من ذَلِك إِمَّا أَن يرجع إِلَى الدَّوَاعِي والصوارف وَإِمَّا أَن يرجع إِلَى أَحْكَام متنافية وَمَا يرجع إِلَى الدَّوَاعِي شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن يُقَال إِن الْأمة على كثرتها وَاخْتِلَاف همها وأغراضها لَا يجوز أَن يجمعها الأمارة مَعَ خفائها وَلِأَن أَمارَة الحكم الْوَاحِد قد تكون متغائرة فَتكون أَمارَة بَعضهم غير أَمارَة الآخرين فَلَا تكون الأمارة الْوَاحِدَة دَاعِيَة لَهُم إِلَى ذَلِك وَلَو جَازَ مَعَ تعذر كَون الأمارة دَاعِيَة لجميعهم إِلَى الحكم أَن يجمعوا عَلَيْهِ جَازَ أَن يجتمعوا على مأكل وَاحِد وعَلى الْكَذِب فِي شَيْء وَاحِد
وَيُفَارق ذَلِك اجْتِمَاعهم عَن دلَالَة أَو شُبْهَة لِأَن الْأَدِلَّة ظَاهِرَة والشبه تتقدر بِتَقْدِير الْأَدِلَّة عِنْد من صَار إِلَيْهَا وَيُفَارق إِجْمَاع الْخلق الْعَظِيم لحضور الأعياد لِأَن الدَّاعِي إِلَى ذَلِك ظَاهر فيهم الْجَواب أَن قَوْلهم إِن كَثْرَة عدد الامة وَاخْتِلَاف اغراضها يمْنَع من اجتماعها على حكم الأمارة مَعَ خفائها دَعْوَى وَلَيْسَ يمْتَنع أَن تجمعهم الأمارة الْوَاحِدَة أَو الأمارات على الحكم الْوَاحِد وَإِن اخْتلفت الْأَغْرَاض وَكثر الْعدَد لأَنهم قد اتَّفقُوا على وجوب الْمصير إِلَى الأمارة فاذا ظَهرت الأمارة لجميعهم دخلت فِي الْجُمْلَة الَّتِي اعتقدوها وَلذَلِك اتّفق اصحاب أبي حنيفَة فِي كثير من الْمسَائِل وهم خلق عَظِيم ويتفق كثير من أهل الحروب فِي كثير من الْحَالَات فِي الآراء وَاتفقَ الْخلق الْعَظِيم على الْمصير إِلَى مَوضِع الأعياد لما تقدم مِنْهُم اعْتِقَاد الْمصير إِلَى ذَلِك
وَيُفَارق ذَلِك اتِّفَاقهم على الْكَذِب فِي شَيْء معِين لِأَنَّهُ لَا دَاعِي لَهُم إِلَى ذَلِك
[ ٢ / ٦٠ ]
وَقد بَينا أَن لما ذَكرْنَاهُ دَاعيا وَلِأَنَّهُ لَا يخْطر ببالهم كلهم الشَّيْء الَّذِي يكذبُون فِيهِ إِلَّا بِأَن يتراسلوا فَأَما استنباط الحكم بالأمارة فَلَا يحْتَاج إِلَى تراسل لِأَن الأمارات سَائِغَة فِي الْمُجْتَهدين لَا يَحْتَاجُونَ فِيهَا إِلَى تراسل
وَأما اتِّفَاق جَمِيعهم على مأكل وَاحِد فانما لم يجز لِأَن ذَلِك تَابع لتساوي شهواتهم وتساوي إمكانهم وَقد علمنَا أَنهم مُخْتَلفُونَ فِي الشَّهَوَات وَإِمْكَان نيل مشتهاها فَمنهمْ من يَشْتَهِي مَا ينفر طبع الآخر عَنهُ وَمِنْهُم من تقوى شَهْوَته لما تنقص شَهْوَة الآخر لَهُ فتدعوه قُوَّة شَهْوَته إِلَى تنَاوله دون الآخر وَقد يتَّفق الِاثْنَان فِي شَهْوَة الشَّيْء ويتعذر على أَحدهمَا تَحْصِيله أَو يشق عَلَيْهِ ذَلِك وَلَا يتَعَذَّر على الآخر وَلَا يشق فلهذه الامور لم يتفقوا على مأكل وَاحِد
وَقَوْلهمْ إِن الحكم الْوَاحِد لَا يكون لَهُ إِلَّا أَمارَة بَاطِل لِأَنَّهُ قد يجوز أَن تكون لَهُ أَمارَة وَاحِدَة فَتكون دَاعِيَة لجميعهم إِلَى حكمهَا وَقد تكون لَهُ أمارتان إِحْدَاهمَا أظهر من الْأُخْرَى فتدعو أظهرهمَا جَمِيعهم إِلَى حكمهَا وَقد تتساويان فيستدل بَعضهم باحداهما ويستدل الْبَاقُونَ بالاخرى أَو يسْتَدلّ كل وَاحِد مِنْهُم بكلتيهما فيتفقون فِي الحكم وَإِن تغايرت الأمارات وتفرقتهم بَين الأمارات والشبهة لَا تصح لِأَن الشُّبْهَة لَا تعلق لَهَا والأمارات لَهَا تعلق فاذا جَازَ أَن يجْتَمع الْخلق الْعَظِيم على الْخَطَأ لما لَا تعلق بِهِ فبأن يجوز أَن يجتمعوا لما لَهُ تعلق أولي
وَالْوَجْه الآخر من الدَّوَاعِي هُوَ قَوْلهم إِن من الامة من يعْتَقد بطلَان الحكم بالأمارة وَذَلِكَ يصرفهُ عَن الحكم بهَا وَلَيْسَ فِي مُقَابلَة ذَلِك دَاع فيدعوه إِلَى حكمهَا وَذَلِكَ يمْنَع من اجْتِمَاع كل الامة على حكمهَا وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْخلاف حَادث عندنَا وَالصَّحَابَة كَانَت مجمعة على صِحَة الِاجْتِهَاد فَهَذِهِ الشُّبْهَة لَا تتَنَاوَل عصر الصَّحَابَة وَقد أُجِيب عَن ذَلِك بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع فِيمَن اعْتقد بطلَان الحكم بالأمارة أَن يصير إِلَى حكمهَا إِذا كَانَت ظَاهِرَة لاعْتِقَاده كَونهَا دلَالَة فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى اتِّفَاق الْكل على حكمهَا وَهَذَا الْجَواب لَا يتَوَجَّه إِلَى من منع
[ ٢ / ٦١ ]
من اجْتِمَاعهم على الأمارة الْخفية لهَذِهِ الشُّبْهَة وَأَيْضًا فان من اعْتقد قبح الحكم بالأمارة ثمَّ حكم بهَا لاعْتِقَاده فِيهَا أَنَّهَا دلَالَة فقد أقدم على اعْتِقَاد لَا يَأْمَن كَونه قبيحا وَذَلِكَ قَبِيح وغذا كَانَ كَذَلِك لم تكن كل الْأمة قد أَصَابُوا فِي ذَلِك الحكم وَلَا يجوز أَن تجمع الامة فَلَا يكون كل وَاحِد مِنْهُم مصيبا فِيمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ
وَبِهَذَا يُجَاب من انْفَصل عَن الشُّبْهَة بِأَن قَالَ لَا يمْتَنع فِيمَن اعْتقد قبح الحكم بالأمارة أَن يحكم بهَا وَإِن علم أَنَّهَا أَمارَة إِذا لم يجد سواهَا إِذْ لَا يمْتَنع فِي بعض الامة أَن يُنَاقض
وَأما الْمَنْع من انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَن اجْتِهَاد لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى اجْتِمَاع أَحْكَام متنافية فَهُوَ أَن يُقَال إِن الحكم الصَّادِر عَن اجْتِهَاد لَا يفسق مُخَالفَة وَيجوز مُخَالفَته فَلَا يَجْعَل أصلا وَلَا يقطع عَلَيْهِ وَلَا على تعلقه بالأمارة وَالْحكم الْمجمع عَلَيْهِ لَا يجوز مُخَالفَته ويفسق مخالفه وَيجْعَل أصلا وَيقطع عَلَيْهِ وعَلى تعلقه بطريقه فَلَو صدر الْإِجْمَاع عَن اجْتِهَاد لأجتمعت فِيهِ هَذِه الْأَحْكَام على تنافيها وَالْجَوَاب أما قَوْلهم إِن الحكم الْمُجْتَهد فِيهِ يجوز مُخَالفَته فان الْقَائِلين بِأَن الْحق فِي وَاحِد لَا يجوزون لأحد مُخَالفَة الْحق فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد أَلا تراهم يخطئون من خالفهم وَإِن أسقطوا عَنهُ المأثم وَكثير مِنْهُم يجوز للمقلد أَن يُقَلّد من يفتيه بِخِلَاف الْحق وَلَا يجوز ذَلِك فِيمَا اتّفق عَلَيْهِ وَيَقُول إِن ذَلِك من حق الِاجْتِهَاد إِلَّا أَن يصدر عَنهُ الْإِجْمَاع فان صدر عَنهُ الْإِجْمَاع لم يجز التَّقْلِيد فِي خِلَافه فَأَما الْقَائِلُونَ بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب فانهم يجوزون لغَيرهم من الْمُجْتَهدين أَن يخالفوهم فِي الحكم الَّذِي قَالُوهُ عَن اجْتِهَاد وَلَا يجوزون مثله فِيمَا اتّفق عَلَيْهِ وَيَقُولُونَ إِن جَوَاز الْمُخَالفَة من حكم الِاجْتِهَاد إِذا لم يقْتَرن بِهِ إِجْمَاع وَلَيْسَ هُوَ من حكمه على الْإِطْلَاق فَيلْزم التَّنَافِي كَمَا أَن ذَلِك من حكم الِاجْتِهَاد إِذا لم يقْتَرن بِهِ تصويب النَّبِي ﷺ لِأَن الْمُجْتَهد لَو اجْتهد مَعَ غيبَة النَّبِي ﷺ فَبَلغهُ ذَلِك فصوبه وَحكم بِهِ فانه لَا يجوز مُخَالفَته فَبَان أَن جَوَاز
[ ٢ / ٦٢ ]
الْمُخَالفَة لَيْسَ بِحكم الِاجْتِهَاد على الْإِطْلَاق فاذا صوب النَّبِي ﷺ المجمعين كَانَ كتصويبه الْمُجْتَهد فِي الْمَنْع من مُخَالفَة ذَلِك الحكم والعامي لَا يجوز لَهُ مُخَالفَة الحكم الْمُجْتَهد فِيهِ إِذا لم يجد من يفتيه بِغَيْرِهِ وَلَا يجوز للمجتهد أَن يُخَالف مَا حكم بِهِ عَلَيْهِ القَاضِي وَلَا يخرج مِنْهُ فَبَان أَن جَوَاز الْمُخَالفَة لَيْسَ من حق الِاجْتِهَاد على الْإِطْلَاق وَأَيْضًا فالمخالف يجوز أَن ينْعَقد الْإِجْمَاع عَن خبر الْوَاحِد مَعَ أَن الْإِجْمَاع لَا يجوز مُخَالفَته وَيجوز مُخَالفَة الحكم الَّذِي رَوَاهُ الْوَاحِد إِذا أدّى الِاجْتِهَاد فِي حَالَة إِلَى ترك حَدِيثه وترجيح غَيره عَلَيْهِ وَلم يؤد انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَنهُ إِلَى التَّنَافِي فَكَذَلِك انْعِقَاده عَن اجْتِهَاد
وَأما قَوْلهم إِنَّه لَا يفسق من خَالف حكم الِاجْتِهَاد ويفسق من خَالف الْإِجْمَاع فجواب الْفَرِيقَيْنِ عَنهُ أَن ذَلِك لَيْسَ من حكم الِاجْتِهَاد على الْإِطْلَاق بل هُوَ من حكمه إِذا لم يقْتَرن بِهِ إِجْمَاع كَمَا أَنه من حكمه إِذا لم يقْتَرن بِهِ تصويب من النَّبِي ﷺ
وَأما قَوْلهم إِن حكم الِاجْتِهَاد لَا يجوز أَن يَجْعَل أصلا يجوز ذَلِك فِي حكم الْإِجْمَاع فان من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب لَا يجوز لمن لم يؤده اجْتِهَاده إِلَى الحكم أَن يَجعله اصلا لِأَن الْوَاجِب عَلَيْهِ غير ذَلِك الحكم فَأَما إِذا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَيْهِ فان مِنْهُم من يَجعله أصلا ويقيس عَلَيْهِ فرعا آخر بعلة سوى الْعلَّة الَّتِي ثَبت بهَا الحكم فِي الْمَسْأَلَة الْمُجْتَهد فِيهَا وَمِنْهُم من لَا يَجعله أصلا لَا لِأَنَّهُ مُجْتَهد فِيهِ لَكِن لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُقَاس عَلَيْهِ إِلَّا بعلة وَتلك الْعلَّة يُمكن أَن يُقَاس الْفَرْع بهَا على الأَصْل الأول فَلَا يكون لجعل ذَلِك الْفَرْع أصلا معنى فَأَما الحكم الْمجمع عَلَيْهِ من جِهَة الِاجْتِهَاد فانه قد صَار مَقْطُوعًا بِهِ كالمنصوص عَلَيْهِ فَجَاز أَن يُقَاس عَلَيْهِ فرع من الْفُرُوع بِالْعِلَّةِ الَّتِي ثَبت بهَا الحكم فِيهِ وَيكون قِيَاس الْفَرْع عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْعلَّة كقياسه على الأَصْل الأول لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا طَرِيقه مَقْطُوع بِهِ وَأما الْقَائِلُونَ بِأَن الْحق فِي وَاحِد فانهم لَا يجوزون الْقيَاس على مَا هُوَ خطأ وَمَا لَيْسَ بخطأ فان قَوْلهم فِي جعله أصلا يَنْبَغِي أَن
[ ٢ / ٦٣ ]
يكون على مَا ذَكرْنَاهُ الْآن
وَأما قَوْلهم إِن الحكم الصَّادِر عَن اجْتِهَاد غير مَقْطُوع بِهِ وعَلى تعلقه بالأمارة فجواب أَكثر من يَقُول بِأَن الْحق فِي وَاحِد أَن ذَلِك هُوَ من حق الِاجْتِهَاد إِذا انْفَرد عَن إِجْمَاع أَو تصويب من النَّبِي ﷺ فاذا اقْترن بِهِ أَحدهمَا قطع بِهِ وعَلى تعلقه بالأمارة وَإِنَّمَا يعلم تعلقه بالأمارة بِمَا اقْترن بِهِ وَيجْرِي مجْرى أَن يكون وقُوف غُلَام زيد على بَاب الْأَمِير أَمارَة على كَون زيد فِي الدَّار فاذا شَاهَدْنَاهُ فِيهَا أَو أخبرنَا نَبِي قَطعنَا على كَونه فِيهَا وَأَن حكم الأمارة مُتَعَلق بهَا وَكَذَلِكَ إِذا علمنَا صِحَة الْإِجْمَاع ثمَّ أَجمعُوا عَن أَمارَة وَأما الْقَائِلُونَ إِن كل مُجْتَهد مُصِيب فانهم يَقُولُونَ إِن الْمُجْتَهدين يقطعون على لُزُوم الحكم لمن أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَيْهِ كَمَا يقطعون على لُزُوم الحكم الْمجمع عَلَيْهِ ويقطعون على أَنه غير لَازم لمن لم يؤده اجْتِهَاده إِلَيْهِ وَيَقُولُونَ هَذَا حكم الِاجْتِهَاد مَا لم يقْتَرن بِهِ إِجْمَاع وَلَا تصويب من النَّبِي ﷺ
وَذكر فِي الشَّرْح أَن الْأمة إِذا أَجمعت على حكم الأمارة لم يقطع على تعلق الحكم بهَا إِلَّا أَن تكون أَمارَة وَاحِدَة وَتجمع الامة على تعلق الحكم بهَا وَمَتى لم يجْتَمع كلا الشَّرْطَيْنِ لم يقطع على ذَلِك وَالْأولَى أَن يُقَال يقطع على تعلق الحكم بهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ لذَلِك معنى أَكثر من ثُبُوت حكمهَا كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي علمنَا بِأَن زيدا فِي دَار الْأَمِير إِذا شَاهَدْنَاهُ فِيهَا بعد مشاهدتنا لوقوف غُلَامه على الْبَاب وَيدل على جَوَاز وُقُوع الْإِجْمَاع عَن اجْتِهَاد أَنه قد وَقع ذَلِك وَلم يكن ليَقَع إِلَّا ووقوعه جَائِز وَيدل على وُقُوعه إِجْمَاع الصَّحَابَة من جِهَة الِاجْتِهَاد على مبلغ حد الشّرْب وإجماعهم على قتال أهل الرِّدَّة وإمامة أبي بكر وَذكرهمْ وَجه اجتهادهم فان أَبَا بكر قَالَ لَا أفرق بَين مَا جمع الله تَعَالَى فقاس الزَّكَاة على الصَّلَاة فِي وجوب قتال المخل بهَا وَلَو كَانَ مَعَهم فِي قتال مَا نعي الزَّكَاة نَص لنقلوه وَقد ذكرُوا فِي إِمَامَة أبي بكر تَقْدِيم النَّبِي ﷺ إِيَّاه فِي الصَّلَاة وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا احْتج أَبُو بكر بِالْآيَةِ على وجوب الزَّكَاة ثمَّ اسْتَفَادَ
[ ٢ / ٦٤ ]
وجوب قِتَالهمْ من أجل أَن إِنْكَار الْمُنكر يكون بالْقَوْل فان نفع وَإِلَّا فبالقتال - ﷺ َ - بَاب فِي الطَّرِيق إِلَى معرفَة الْإِجْمَاع - ﷺ َ -
اعْلَم أَنه إِذا لزمنا الْمصير إِلَى الْإِجْمَاع فَلَا بُد من أَن يكون لنا طَرِيق إِلَى الْعلم بِهِ وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الْإِجْمَاع مَعْلُوما بِالْعقلِ ضَرُورَة أَو اسْتِدْلَالا وَإِمَّا مَعْلُوما بالإدراك وَمَعْلُوم أَنا لَا نعلم بِأول الْعقل أَن الْأمة مجمعة على حكم من الْأَحْكَام وَلَا باستدلال عَقْلِي فَبَقيَ أَن الْإِدْرَاك هُوَ الطَّرِيق إِلَى ذَلِك إِمَّا أَن ندرك قَوْلهم بِالسَّمَاعِ أَو نشاهدهم يَفْعَلُونَ فعلا وَإِمَّا أَن نسْمع الْخَبَر عَنْهُم وَإِذا لم يجز أَن يكون الْمخبر عَنْهُم هُوَ الله وَرَسُوله لِأَن الْوَحْي مُرْتَفع كَانَ الْمخبر عَن الْأمة غَيرهمَا فَثَبت أَن طَرِيق الْإِجْمَاع هُوَ سَمَاعنَا اقاويلهم ومشاهدهم فاعلين أَو النَّقْل عَنْهُم وَالسَّمَاع إِمَّا أَن يتَنَاوَل قَول كل وَاحِد مِنْهُم أَو يتَنَاوَل قَول بَعضهم فان تنَاول قَول كل وَاحِد مِنْهُم كَانَ طَرِيقا كَافِيا وَإِن تنَاول قَول بَعضهم لم يكن طَرِيقا إِلَى إِجْمَاعهم إِلَّا بِأحد أَمريْن إِمَّا أَن ينْقل لنا ذَلِك القَوْل عَن البَاقِينَ وَإِمَّا أَن ينْقل سكُوت البَاقِينَ عَن النكير مَعَ انتشار القَوْل فيهم وارتفاع التقية وَالنَّقْل عَنْهُم إِمَّا أَن يكون نقلا عَن جَمِيعهم فيكتفى بِهِ وَإِمَّا أَن يكون نقلا عَن بَعضهم فَلَا يكون طَرِيقا إِلَّا بِأَن نسْمع من البَاقِينَ مثل ذَلِك القَوْل وَإِمَّا بِأَن نعلم سكُوت البَاقِينَ عَن النكير مَعَ انتشار القَوْل فيهم
وَالْخَبَر عَن المجمعين ضَرْبَان تَوَاتر وآحاد وكل وَاحِد مِنْهُمَا طَرِيق إِلَى الْإِجْمَاع وَنحن نذْكر القَوْل الْمُنْتَشِر فِي الصَّحَابَة لدُخُوله فِي الْجُمْلَة الَّتِي ذَكرنَاهَا ولتعلق شُبْهَة الْمُخَالف بِهِ فَنَقُول إِن قَول بعض أهل الْعَصْر إِذا انْتَشَر فِي جَمِيعهم وَسكت الْبَاقُونَ فَلم يظهروا خلافًا فَأَما أَن يعلم أَن سكوتهم سكُوت رَاض يكون ذَلِك القَوْل قولا لَهُ أَو لَا يعلم ذَلِك من حَالهم فان علم ذَلِك كَانَ إِجْمَاعًا لأَنهم لَو قَالُوا قد رَضِينَا بِهَذَا القَوْل وَنحن معتقدون لَهُ كَانَ
[ ٢ / ٦٥ ]
إِجْمَاعًا فاذا علمنَا ذَلِك ضَرُورَة فيهم على قَول من يجوز وُقُوع الْعلم بالمذاهب باضطرار كَانَ آكِد وَإِن لم نعلم باضطرار أَنهم رَضوا بذلك القَوْل قولا لَهُم فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون من مسَائِل الِاجْتِهَاد أَو لَا يكون من مسَائِل الِاجْتِهَاد فان لم يكن من مسَائِل الِاجْتِهَاد فإمَّا أَن يكون على النَّاس فِيهِ تَكْلِيف أَو لَا يكون عَلَيْهِم فِيهِ تَكْلِيف فَإِن لم يكن عَلَيْهِم فِيهِ تَكْلِيف كالقول بِأَن عمارا أفضل من حُذَيْفَة ﵄ جَازَ أَن يكون خطأ لَا يلْزم البَاقِينَ إِنْكَاره لِأَنَّهُ إِنَّمَا يلْزمهُم إِنْكَاره إِذا علمُوا أَنه مُنكر فاذا لم يلْزمهُم النّظر فِي كَونه مُنْكرا جَازَ أَن لَا ينْظرُوا فِيهِ فَلَا يعلمُونَ أَنه مُنكر فَلَا يلْزمهُم إِنْكَاره وَلَيْسَ بممتنع أَن يتطابقوا على ترك إِنْكَار مَا لَا يجب إِنْكَاره أَلا ترى أَنهم لَو سمعُوا من يخبر بِأَن زيدا فِي الدَّار لم يلْزمهُم أَن ينْظرُوا هَل أخبر عَن ثِقَة أَو على حسب ظَنّه أَو أخبر قطعا وَهُوَ لَا يَأْمَن كَونه كَاذِبًا وَإِذا لم يلْزمهُم ذَلِك لم يجب الْإِنْكَار عَلَيْهِم وَإِن كَانَ على النَّاس فِي الْمَسْأَلَة تَكْلِيف فانه إِذا لم يُنكر الْبَاقُونَ ذَلِك القَوْل يكون صَوَابا لِأَنَّهُ لَو كَانَ خطأ لكانوا قد تطابقوا على ترك مَا يجب عَلَيْهِم من إِنْكَار الْمُنكر وَإِذا كَانَ ذَلِك القَوْل صَوَابا فخلافه خطأ لِأَن الْمَسْأَلَة مِمَّا ألحق فِي وَاحِد مِنْهُ
فَإِن قيل أَيجوزُ مَعَ كَون ذَلِك القَوْل صَوَابا أَن يكون من سكت يتَوَقَّف فِيهِ غير قَائِل بِهِ قيل لَا يجوز ذَلِك لِأَن إطباقهم على ترك الْإِنْكَار يجْرِي مجْرى قَوْلهم إِنَّه لَيْسَ بمنكر فِي الدّلَالَة على أَن ذَلِك القَوْل غير مُنكر وَلَا يجوز أَن يَقُولُوا ذَلِك فَيكون القَوْل غير مُنكر إِلَّا لأَنهم بأجمعهم قَالُوهُ
وَأما إِذا كَانَت الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد فالقائلون بِأَن الْحق فِي وَاحِد وَمَا عداهُ يجب تَركه يَقُولُونَ فِي ذَلِك مَا قُلْنَاهُ الْآن فِيمَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد والقائلون بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب اخْتلفُوا فَقَالَ أَبُو عَليّ يكون ذَلِك إِجْمَاعًا إِذا انْتَشَر القَوْل فيهم ثمَّ انقرض الْعَصْر وَقَالَ أَبُو هَاشم لَا يكون إِجْمَاعًا وَلكنه يكون حجَّة وَقَالَ أَبُو عبد الله لَا يكون إِجْمَاعًا وَلَا حجَّة
[ ٢ / ٦٦ ]
وَحجَّة أبي عَليّ أَن المتعالم من أهل الِاجْتِهَاد إِذا سمعُوا الْحَادِثَة وَطَالَ بهم الزَّمَان أَن يفكروا فِيهَا فان اعتقدوا خلاف مَا انْتَشَر من القَوْل فِيهَا أظهروه إِذا لم تكن تقية وَلَا بُد إِذا كَانَت تقية أَن يظْهر سَببهَا وَأَيْضًا فانه إِن مَاتَ قبل من يتقيه صَارَت الْمَسْأَلَة إِجْمَاعًا وَإِن مَاتَ من يتقيه قبله وَجب أَن يظْهر قَوْله فَبَان أَنه لَا يجوز أَن ينقرض الْعَصْر من غير ظُهُور خلاف لما انْتَشَر إِلَّا وَهُوَ متفقون عَلَيْهِ وَأَيْضًا فان المتقي قد يظْهر قَوْله عِنْد ثقاته وخاصته فَلَا يلبث القَوْل أَن يظْهر
وَحجَّة من قَالَ إِنَّه لَا يكون حجَّة أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون من سكت لم يفكر فِي الْمَسْأَلَة لتشاغله بغَيْرهَا من الأشغال كالجهاد وسياسة النَّاس أَو الْفِكر فِي غَيرهَا من الْمسَائِل فَلَا يكون القَوْل الْمُنْتَشِر إِلَّا قَول بَعضهم وَلَيْسَ يُؤَدِّي ذَلِك إِلَّا أَن تذْهب الْأمة كلهَا عَن الْحق لِأَن ذَلِك القَوْل الْمُنْتَشِر هُوَ حق لِأَن الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وكل مُجْتَهد فِيهَا مُصِيب
وَحجَّة أبي هَاشم فِي أَن ذَلِك حجَّة هِيَ أَن النَّاس فِي كل عصر يحتجون بالْقَوْل الْمُنْتَشِر فِي الصَّحَابَة إِذا لم يعرف لَهُ مُخَالف
وَأَبُو عبد الله لَا يسلم هَذَا الْإِجْمَاع على أَن من يحْتَج بذلك يَجعله إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ يَقُول قد انْتَشَر هَذَا القَوْل وَلَا يعرف لَهُ مُخَالف فَكَانَ إِجْمَاعًا
وَأما نقل الْإِجْمَاع بِخَبَر الْوَاحِد فَمن النَّاس من لم يعْمل بِهِ وَمِنْهُم من عمل بِهِ وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن قَوْلهم حجَّة كَمَا أَن كَلَام النَّبِي ﷺ حجَّة فاذا لزمتنا الْأَحْكَام بِنَقْل كَلَام النَّبِي ﷺ من جِهَة الْآحَاد فَكَذَلِك يلْزمنَا أَن ينْقل كَلَام الامة من جِهَة الْآحَاد فَأَما من قَالَ إِنَّه لَا طَرِيق إِلَى معرفَة الْإِجْمَاع فَلهُ أَن يحْتَج فَيَقُول إِن المجمعين إِمَّا أَن يَكُونُوا هم الصَّحَابَة أَو غَيرهم من أهل الْأَعْصَار أما غَيرهم فان كثرتهم وتباعد دِيَارهمْ يمْنَع أَن نَعْرِف فِي الْحَوَادِث قَوْلهم بأجمعهم أَلا ترى أَن أهل بَغْدَاد لَا يعْرفُونَ أهل الْعلم بالمغرب فضلا أَن
[ ٢ / ٦٧ ]
يعرفوا أقاويلهم فِي الْحَوَادِث وَأما الصَّحَابَة فانا لم نشاهدهم فيشافهونا بالحكم وَلم ينْقل عَن كل وَاحِد مِنْهُم قَول فِي الْحَوَادِث لَا بالتواتر وَلَا بالآحاد وَلَيْسَ معنى إِلَّا أَن بَعضهم يَقُول وينتشر قَوْله فِي البَاقِينَ وَلَا يظْهر لَهُ مُخَالف وَلَيْسَ هَذَا باجماع على الصَّحِيح من قَول من قَالَ إِن كل مُجْتَهد مُصِيب وَلَيْسَ لكم أَن تَقولُوا إِنَّمَا تحصل الْمَسْأَلَة إِجْمَاعًا عِنْد سكُوت البَاقِينَ إِذا علمنَا أَنهم سكتوا سكُوت من يرضى أَن يكون ذَلِك القَوْل قولا لَهُ لِأَن السَّاكِت قد يسكت لهَذَا الْغَرَض وَلِأَنَّهُ لَا قَول لَهُ فِي الْمَسْأَلَة وَإِذا جَازَ كلا الْأَمريْنِ خرج السُّكُوت من أَن يكون طَرِيقا إِلَى أَن السَّاكِت قد رَضِي أَن يكون القَوْل قولا لَهُ وَلَيْسَ يجوز أَن يعلم باضطرار أَنهم يَعْتَقِدُونَ صِحَة ذَلِك القَوْل لأنكم لَا تضطرون من كل وَاحِد مِنْهُم أَنه مُعْتَقد لما يظهره من الْإِسْلَام فَكيف تَكُونُونَ مضطرين إِلَى أَنهم يَعْتَقِدُونَ فرعا من فروعه وَالْجَوَاب أَن هَذِه الشُّبْهَة لَا تمنع من الْعلم بِالْإِجْمَاع أصلا لِأَن من عاصر الصَّحَابَة يُمكنهُ أَن يلتقي بِكُل وَاحِد من الْمُجْتَهدين أَو ببعضهم ويروى لَهُ عَن البَاقِينَ لِأَن أهل الِاجْتِهَاد كَانُوا فِي ذَلِك الْوَقْت مَحْصُورين وَكَذَلِكَ التابعون وانتشار القَوْل فِي هَذَا الْعَصْر من غير مُخَالف دَلِيل على الْإِجْمَاع فِيمَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَفِي مسَائِل الِاجْتِهَاد أَيْضا على قَول من قَالَ إِن الْحق فِي وَاحِد مِنْهَا وعَلى قَول أبي عَليّ أَيْضا وَإِن كَانَ يَقُول إِن كل مُجْتَهد مُصِيب فَأَما غَيره فَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن مَا دلّ على الْإِجْمَاع يَقْتَضِي أَن يكون الله تَعَالَى عَنى بِالْإِجْمَاع القَوْل الْمُنْتَشِر لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُوجب علينا اتِّبَاع مَا لَا سَبِيل لنا إِلَيْهِ فاذا لم يُمكن إِلَّا هَذَا الْقدر علمنَا أَن الله تَعَالَى قد عناه
وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا أوجب الله تَعَالَى علينا اتِّبَاع الْإِجْمَاع إِذا تمَكنا مِنْهُ وَذَلِكَ يُمكن لمن عاصر الصَّحَابَة وَأمكن أَن يسألهم وَيُمكن أَيْضا فِي القَوْل الْمُنْتَشِر فِيمَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَهَذَا يَكْفِي فِي حسن إِيجَاب الله تَعَالَى اتِّبَاع الْإِجْمَاع إِذْ قد أمكن من بعض النَّاس وعَلى بعض الْوُجُوه
[ ٢ / ٦٨ ]
وَقد اجيب عَن الشُّبْهَة أَيْضا بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن نعلم باضطرار شَيْئا طَرِيقه الْخَبَر وَإِن لم نعلم طَرِيقه مفصلا أَلا ترى أَنا نعلم باضطرار اعْتِقَاد أهل بِلَاد الرّوم النَّصْرَانِيَّة وَأَن الْغَالِب على كثير من الْبِلَاد الْجَبْر والتشبيه وَإِن لم نعلم طَرِيق ذَلِك مفصلا وَكَذَلِكَ نَحن نعلم ضَرُورَة أَنه لَيْسَ فِي الصَّحَابَة ﵃ من جعل الْأَخ أولى بِالْمَالِ كُله من الْجد وَلَا يمْتَنع ذَلِك وَإِن لم يعلم طَرِيقه مفصلا
وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّا لَا نعلم أَن أهل بِلَاد الرّوم نَصَارَى كلهم لأَنا نجوز أَن يكون فيهم المتظاهر بالاسلام واليهودية بل يقطع على ذَلِك وَأَن يكون فيهم من يظْهر النَّصْرَانِيَّة ويعتقد غَيرهَا وَإِنَّمَا نعلم أَن الْغَالِب عَلَيْهِم إِظْهَار النَّصْرَانِيَّة وَذَلِكَ قد أخبرنَا بِهِ جمَاعَة نعلم صدقهم وَلَو كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِم إِظْهَار دين الاسلام لما حاربونا وَلما انكتم ذَلِك
وَأما تَشْبِيه مَسْأَلَة الْجد بِمَا نعلمهُ من أَن الْغَالِب على كثير من الْبِلَاد الْجَبْر والتشبيه فانه يَقْتَضِي أَن نعلم أَن الْغَالِب على الصَّحَابَة أَن الْأَخ لَا يَرث جَمِيع المَال مَعَ الْجد على أَنا نعلم أَنه لم يكن فِي الصَّحَابَة من يظْهر ذَلِك لِأَنَّهُ لَو أظهره مظهر لنقل وَلَكِن للمحتج بِهَذِهِ الشُّبْهَة أَن يَقُول لَعَلَّ من سكت عَن القَوْل فِي مَسْأَلَة الْجد وَالْأَخ لم يجْتَهد فِي الْمَسْأَلَة وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا قَول
وَقد اجيب عَن الشُّبْهَة بِجَوَاب آخر وَهُوَ انه لَا يمْتَنع أَن يضْطَر إِلَى أَن السَّاكِت عَن الْإِنْكَار رَاض بِكَوْن مَا سكت عَن إِنْكَاره قولا لَهُ فان لم يكن لنا إِلَى ذَلِك طَرِيق معِين كَمَا نعلم قصد الْمُتَكَلّم عِنْد كَلَامه وَإِن لم يكن لنا طَرِيق معِين إِلَى ذَلِك وَلَيْسَ لأحد ان يَقُول قد لَا يكون السَّاكِت رَاضِيا بذلك القَوْل لنَفسِهِ فَلَا يجوز أَن يحصل الْعلم بِأَنَّهُ قد رَضِي بالْقَوْل لنَفسِهِ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَن يَقُول لَا أعلم قصد الْمُتَكَلّم لِأَن مثل كَلَامه قد يُوجد وَلَا أعرف قَصده أَلا ترى أَنه قد تَجْتَمِع الْجَمَاعَة للرأي فيشير بَعضهم ويسكت الْبَاقُونَ ويفترقون فَيعلم أَنه رَأْي جَمِيعهم فاذا علمنَا باضطرار أَن مَذْهَب جَمِيع السّلف أَن الْأَخ لَيْسَ أولى بِجَمِيعِ المَال من الْجد علمنَا أَنه من هَذَا الْقَبِيل
[ ٢ / ٦٩ ]
وَلقَائِل أَن يَقُول لَيْسَ يجب إِذا علمنَا قصد بعض الْمُتَكَلِّمين فِي بعض الْأَحْوَال أَن نعلم قصد بعض الساكتين وَلَا يجب وَلَو علمنَا ذَلِك فِي بعض الْأَحْوَال أَن نعلم قصد من سكت فِي مَسْأَلَة الْجد وَغَيرهَا بل لَا يمْتَنع أَن يكون من سكت عَن النكير إِنَّمَا سكت لِأَنَّهُ لم يجْتَهد فِي الْمَسْأَلَة لِأَن الْفَرْض قد قَامَ بِهِ غَيره وَلَا يكون لَهُ فِي ذَلِك قَول
فاذا ثَبت أَن النَّقْل طَرِيق إِلَى الْإِجْمَاع وَجب على الامة إِظْهَار قَوْلهَا وَوَجَب على من سَمعه ان يَنْقُلهُ كَمَا يجب إِظْهَار الْفَرَائِض على الرَّسُول ﵇ وَيجب على من سَمعهَا مِنْهُ نقلهَا عَنهُ وَإِذا كَانَ من انْتَشَر من الْأَقَاوِيل فِي الْأمة وَلم يظْهر لَهُ مُخَالف حجَّة جَازَ تَخْصِيص الْعُمُوم بِهِ وَإِن لم يكن حجَّة لم يجز ذَلِك - ﷺ َ - بَاب فِي انْقِرَاض الْعَصْر هَل هُوَ طَرِيق إِلَى معرفَة الْإِجْمَاع أم لَا - ﷺ َ -
عِنْد الشَّيْخ أبي عَليّ أَن أنقراض الْعَصْر طَرِيق إِلَى معرفَة الْإِجْمَاع لِأَن الْعَصْر لَا ينقرض إِلَّا وَقد شاع القَوْل فِي جَمِيع أَهله فَلَو كَانَ فيهم مُخَالف لأظهر خِلَافه وَعند غَيره أَنه لَا اعْتِبَار بانقراض الْعَصْر فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ يَخْلُو أَبُو عَليّ إِمَّا أَن يَقُول لَا طَرِيق إِلَى الْإِجْمَاع سواهُ أَو يَقُول هُوَ طَرِيق وَغَيره طَرِيق وَالْأول لَا يَصح لِأَن المعاصر للصحابة لَو سمع القَوْل من كل وَاحِد من الْمُجْتَهدين أَو سمع من بَعضهم وَأخْبر عَن البَاقِينَ لعلم إِجْمَاعهم وَالثَّانِي أَيْضا لَا يَصح لِأَن مَا ذَكرُوهُ من انتشار القَوْل وَوُجُوب إِظْهَار الْخلاف مَوْقُوف على تمادي الزَّمَان انقرض الْعَصْر أَو لم ينقرض وَلَو كَانَ انتشار القَوْل فِي جَمِيع أهل الْعَصْر مَوْقُوفا على انْقِرَاض الْعَصْر لَكَانَ فِي كَونه طَرِيقا إِلَى الْإِجْمَاع مَا ذَكرْنَاهُ من الْخلاف فِي الْبَاب الْمُتَقَدّم
[ ٢ / ٧٠ ]
- ﷺ َ - بَاب فِي قَول بعض الصَّحَابَة إِذا لم ينتشر وَلم يعرف لَهُ مُخَالف - ﷺ َ -
اعْلَم أَن القَوْل إِذا لم ينتشر فيهم فإمَّا أَن يكون الْبلوى بِهِ عَاما أَو غير عَام فان لم يكن عَاما لم يكن إِجْمَاعًا وَلَا حجَّة وَلَا كَانَ مَقْطُوعًا على انه صَوَاب وَعند بعض النَّاس أَنه إِجْمَاع يحْتَج بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه لَيْسَ بِإِجْمَاع لِأَن القَوْل إِنَّمَا يكون مجمعا عَلَيْهِ إِذا اعتقده كل أهل الْعَصْر وَلَيْسَ يجوز أَن يَعْتَقِدهُ من لم يسمع بِهِ وَلم يخْطر بِبَالِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه لَيْسَ بِحجَّة لِأَنَّهُ لَو كَانَ حجَّة لَكَانَ حجَّة لِأَنَّهُ إِجْمَاع وَقد بَينا إِنَّه لَيْسَ بِإِجْمَاع أَو لِأَنَّهُ قَول بعض السّلف وَسَيَجِيءُ القَوْل فِي ذَلِك أَو لِأَن الامة أَجمعت على الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَيْسَ فِي ذَلِك إِجْمَاع لِأَن كثيرا من النَّاس يُنكر على من يحْتَج بذلك وَإِنَّمَا لم يقطع على أَنه صَوَاب لِأَن من يَقُول إِن الْحق فِي وَاحِد يجوز أَن يكون خطأ وَمن يَقُول إِن كل مُجْتَهد مُصِيب يجوز خطأ غَيره إِذا لم تكن الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَإِن كَانَت من مسَائِل الِاجْتِهَاد فانما يحكم بِأَنَّهُ مُصِيب إِذا استوفى الِاجْتِهَاد وَلم يقل بِأول خاطر وَلَيْسَ يعلم أحد من غَيره أَنه لم يضجع فِي اجْتِهَاده فَلذَلِك لم يقطع على أَن القَوْل صَوَاب على الْإِطْلَاق
فان قيل لَو لم يكن القَوْل صَوَابا لَكَانَ الصَّوَاب قد خرج عَن اقاويل الامة وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْكَلَام يُفِيد أَن للْأمة كلهَا فِي الْحَادِثَة أقاويل وَأَن الصَّوَاب سواهَا وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك لِأَن الْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي قَول لم يظْهر فِي الْأمة خِلَافه وَأَيْضًا فانه يجوز أَن لَا يكون للْأمة فِي الْمَسْأَلَة قَول هُوَ حق إِذا لم يكن عَلَيْهِم فِي ذَلِك تَكْلِيف أَلا ترى أَنه لَيْسَ لَهُم قَول مِمَّا لم يحدث فِي عصرهم وَجَاز ذَلِك لما لم يكن عَلَيْهِم فِي ذَلِك تَكْلِيف فَكَذَلِك لَا تَكْلِيف عَلَيْهِم فِيمَا لم يبلغهم
وَأما إِذا كَانَ الْبلوى بذلك القَوْل عَاما فان لم ينتشر فيهم ذَلِك القَوْل فَلَا بُد من أَن يكون لَهُم فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة قَول إِمَّا مُوَافق لما نقل إِلَيْنَا أَو مُخَالف
[ ٢ / ٧١ ]
وَلَا يجوز مَعَ اهتمام النقلَة بِالنَّقْلِ أَن يستفيض ذَلِك فَلَا ينْقل وَإِذا ثَبت أَن قَول بعض الصَّحَابَة إِذا لم ينتشر لَا يكون حجَّة فَجرى مجْرى قَول الْوَاحِد مِنْهُم إِذا خَالف فِيهِ غَيره فِي أَنه لَا يخص بِهِ الْعُمُوم
[ ٢ / ٧٢ ]