- ﷺ َ - بَاب فِي الْأَشْيَاء هَل هِيَ قبل الشَّرْع على الْحَظْر أَو على الْإِبَاحَة - ﷺ َ -
اعْلَم أَن أَفعَال الْمُكَلف فِي الْعقل ضَرْبَان قَبِيح وَحسن فالقبيح كالظلم وَالْجهل وَالْكذب وَكفر النِّعْمَة وَغير ذَلِك وَالْحسن ضَرْبَان أَحدهمَا يتَرَجَّح فعله على تَركه وَالْآخر لَا يتَرَجَّح فعله على تَركه فَالْأول مِنْهُ مَا الأولى أَن نَفْعل كالإحسان والتفضل وَمِنْه مَا لَا بُد من فعله وَهُوَ الْوَاجِب كالإنصاف وشكر الْمُنعم وَأما الَّذِي لَا يتَرَجَّح فعله على تَركه فَهُوَ الْمُبَاح وَذَلِكَ كالانتفاع بالمآكل والمشارب وَهَذَا مَذْهَب الشَّيْخَيْنِ أبي عَليّ وَأبي هَاشم وَالشَّيْخ ابي الْحسن وَذهب بعض شُيُوخنَا البغداديين وَقوم من الْفُقَهَاء إِلَى أَن ذَلِك مَحْظُور وَتوقف آخَرُونَ فِي حظر ذَلِك وإباحته
وَقد تقدم معنى الْمُبَاح والمحظور فَلَا معنى لإعادته غير أَنه قد يُوصف الْفِعْل بِأَن الْإِقْدَام عَلَيْهِ فَقَط مُبَاح وَإِن كَانَ مَحْظُورًا تَركه كوصفنا الْمُرْتَد بِأَنَّهُ مُبَاح الدَّم وَمَعْنَاهُ أَنه لَا ضَرَر على من اراق دَمه وَلَا تبعة وَإِن كَانَ الإِمَام ملوما بترك إراقته وَدَلِيلنَا على أَن الِانْتِفَاع بالمآكل مُبَاح فِي الْعقل هُوَ أَن الِانْتِفَاع بهَا مَنْفَعَة لَيْسَ فِيهِ وَجه من وُجُوه الْقبْح وكل مَا هَذِه سَبيله فحسنه مَعْلُوم وَالْعلَّة فِي حسن مَا هَذِه سَبيله هِيَ أَن الْمَنْفَعَة تَدْعُو إِلَى الْفِعْل وتسوغه إِذْ هِيَ غَرَض من الْأَغْرَاض فاذا انْتَفَى وُجُوه عَنْهَا تجرد مَا يَقْتَضِي الْحسن أما أَن أكل الْفَاكِهَة مَنْفَعَة فَلَا شُبْهَة فِيهِ وَلَا شُبْهَة فِي انْتِفَاء وُجُوه الْقبْح عَنهُ نَحْو الْكَذِب وَالْجهل وَكفر النِّعْمَة أَو مضرَّة على النَّفس أَو على الْغَيْر لأَنا إِنَّمَا تكلمنا فِي أكل مَا لَا مضرَّة فِيهِ وَلَو كَانَ فِيهِ مفْسدَة لدلنا الله عَلَيْهَا
[ ٢ / ٣١٥ ]
وَلَيْسَ فِي الْعقل دَلِيل عَلَيْهَا وَلَا فِي السّمع
إِن قيل جَوَاز كَونه مفْسدَة يُغني فِي قبحه كَمَا يُغني جَوَاز كَون الْخَبَر كذبا فِي قبحه وَإِذا قبح مَعَ الْجَوَاز لم يجب فِي الْحِكْمَة تَعْرِيف كَونه مفْسدَة قيل قد أُجِيب عَن السُّؤَال بأَشْيَاء
مِنْهَا أَنا كَمَا نعلم قبح خبر لَا نَأْمَن كَونه كذبا فانا نعلم حسن مَنْفَعَة لَا نعلم فِيهَا وَجها من وُجُوه الْقبْح أَلا ترى أَنا نعلم حسن التنفس فِي الْهَوَاء أَو التَّصَرُّف فِيهِ وَلَيْسَ يضرنا أَن لَا نَعْرِف الْفرق بَين ذَلِك وَبَين الْخَبَر الَّذِي يقبح إِذا جَوَّزنَا كَونه كذبا وَهَذَا الْجَواب لَا يَصح لِأَن الْمُسْتَدلّ رام أَن يثبت حسن هَذَا التَّصَرُّف بِانْتِفَاء وُجُوه الْقبْح عَنهُ وَاسْتدلَّ على انْتِفَاء كَونه مفْسدَة بِأَنَّهُ لَو كَانَ مفْسدَة للَزِمَ فِي الْجُمْلَة تعريفنا كَونه مفْسدَة وَهَذَا الْجَواب يَنْفِي وُجُوه الْقبْح عَنهُ تبعا للْعلم بِأَنَّهُ حسن فَهُوَ مُخَالف لموضوع الدّلَالَة وَهُوَ انْتِقَال إِلَى دلَالَة أُخْرَى وَهِي قِيَاس سَائِر الْمَنَافِع على التنفس فِي الْهَوَاء وَسَيَجِيءُ الْكَلَام على هَذَا الْقيَاس
وَمِنْهَا أَن الْكَذِب يقبح على كل وَجه وَإِن اخْتصَّ بنفع وَدفع ضَرَر وَلَيْسَ كَذَلِك الْمَنَافِع والمضار وَلقَائِل أَن يَقُول وَلم إِذا افْتَرقَا من هَذِه الْجِهَة وَجب إِذا قبح أَحدهمَا لتجويز كَونه كذبا لَا يقبح الآخر لتجويز كَونه مفْسدَة وَأَيْضًا فان الْمفْسدَة لَا تحسن على وَجه وَإِن اخْتصّت بنفع أَو دفع ضَرَر كَمَا أَن الْكَذِب لَا يحسن مَعَ النَّفْع وَرفع الضَّرَر فَهَلا كَانَ تَجْوِيز الْمفْسدَة كتجويز كَون الْخَبَر كذبا فِي تقبيح الْفِعْل
وَمِنْهَا أَن الأَصْل فِي النَّفْع أَن يكون حسنا وَأَن يكون خَالِصا إِذا لم يعلم فِيهِ مضرَّة وَوجه قبح فاذا كَانَ كَذَلِك وَجب مَتى لم يخبرنا الله أَن الْفِعْل مفْسدَة أَن نقطع على أَنه لَيْسَ بمفسدة وَلَيْسَ كَذَلِك الْخَبَر لِأَنَّهُ لَيْسَ الأَصْل فِيهِ كَونه صدقا وَلقَائِل أَن يَقُول إِن أردتم بِهَذَا الْكَلَام أَن النَّفْع الَّذِي لَا يعلم
[ ٢ / ٣١٦ ]
فِيهِ وَجه قبح يجب الْقطع على أَنه لَيْسَ فِيهِ وَجه قبح فَفِي ذَلِك تخالفون لِأَن مخالفكم يَقُول مَتى لم نعلم فِيهِ وَجه قبح فَنحْن نجوزه وَإِن أردتم ان الْغَالِب فِيمَا هَذِه سَبيله أَنه لَيْسَ فِيهِ وَجه قبح قيل لكم لم زعمتم أَن الْغَالِب مَا ذكرْتُمْ وَلم إِذا كَانَ الْغَالِب ذَلِك لم يكن تَجْوِيز وَجه الْقبْح كَافِيا فِي الْقبْح
وَيُمكن الِاسْتِدْلَال بالنفع على وَجه آخر فَيُقَال إِن النَّفْع يَدْعُو إِلَى الْفِعْل وَيَقْتَضِي حسنه إِذا خلا من وُجُوه الْقبْح وخلا من أَمارَة الضَّرَر والمفسدة وَالِانْتِفَاع بالمآكل هَذِه سَبيله فِي الْعقل فَكَانَ حسنا وَالدّلَالَة على أَن الْمُعْتَبر هُوَ بأمارة الضَّرَر والمفسدة هِيَ أَن الْعُقَلَاء يلومون من امْتنع عَن الْفِعْل لتجويز الضَّرَر بِلَا أَمارَة ويعذرونه إِذا كَانَت فِيهِ أَمارَة أَلا تراهم يلومون من قَامَ من تَحت حَائِط لَا ميل فِيهِ لجَوَاز سُقُوطه لفساد فِي اساسه وَفِي بَاطِنه وَلَا يلومونه إِذا كَانَ مائلا وَلَا يلومون من امْتنع من أكل طَعَام شهي لأمارة دلّت على أَنه مَسْمُوم ويلومونه من جِهَة الْعقل إِذا امْتنع مِنْهُ لتجويز كَونه مسموما وَلَيْسَ يلومونه على ذَلِك لِأَنَّهُ خَالف الشَّرْع فِي امْتِنَاعه من ذَلِك بل رُبمَا لَا يخْطر الشَّرْع ببالهم فِي ذَلِك الْوَقْت وَلِأَن لومهم على ذَلِك لَيْسَ كلومهم من امْتنع من أكل لحم الْحَيَوَان وَلِأَن البراهمة يلومونه على ذَلِك وَلَا يعْرفُونَ الشَّرْع وَأما أَن الِانْتِفَاع بالمأكل هَذِه سَبيله فُلَانُهُ ظَاهر خلوه من كَونه كذبا وجهلا وَكفر نعْمَة وَكَونه تَصرفا فِي ملك الْغَيْر إِنَّمَا يقبح الْفِعْل إِذا استضر بِهِ الْغَيْر على مَا سنشرحه وَأما كَونه مفْسدَة ومضرة فاستبعاد الْعُقَلَاء لَهُ كاستبعادهم أَن يكون الطَّعَام مسموما وَأَن الْحَائِط الَّذِي لَا ميل فِيهِ يسْقط وَأما الْأَخْبَار إِذا لم يُؤمن كذبهَا فقد علمنَا قبحها وَإِن لم نشْهد أَمارَة بكذبها كَمَا نعلم حسن نفع لَا أَمارَة فِيهِ بِكَوْنِهِ مفْسدَة ومضرة وَلَا يضرنا أَن لَا نَعْرِف الْعلَّة فِي ذَلِك وَأَيْضًا فالنفع وَجه يحسن وَلَيْسَ كَون الْخَبَر خَبرا وَجه حسن وَلَا الْأَظْهر أَن يكون صدقا
جَوَاب آخر لَو قبح الْإِقْدَام على الْمَنَافِع لتجويز كَونهَا مفْسدَة لقبح
[ ٢ / ٣١٧ ]
الإحجام عَنْهَا لتجويز كَونه مفْسدَة وَفِي ذَلِك وجوب الانفكاك مِنْهُمَا وَذَلِكَ وجوب مَا لَا يُطَاق فَبَطل أَن يكون تَجْوِيز كَون الْفِعْل مفْسدَة وَجه قبح وَلَا يلْزم إِذا قبح الْخَبَر لجَوَاز كَونه كذبا أَن يقبح تَركه لِأَن تَركه لَيْسَ بِخَبَر فَيجوز كَونه كذبا وَلَا يلْزمنَا وجوب فعل الْخَبَر لجَوَاز كَونه صدقا لِأَن الْقطع على كَونه صدقا لَا يُوجب فعله فضلا عَن جَوَاز كَونه صدقا
فان قيل لَيْسَ بِأَن يقبح لجَوَاز كَونه كذبا بِأولى من أَن يحسن لجَوَاز كَونه صدقا قيل اعْتِبَار وَجه الْقبْح أولى لأَنا إِذا فعلنَا الْخَبَر لم نَأْمَن كَونه كذبا قبيحا فاذا تَرَكْنَاهُ لم نَكُنْ خَائِفين من الْوُقُوع فِي الْقبْح
فان قيل لَيْسَ بِأَن يقبح الْخَبَر لجَوَاز كَونه كذبا باولى من أَن يجب لجَوَاز كَون الْإِخْلَال بِهِ مفْسدَة قيل كَيفَ يلْزمنَا ذَلِك وَنحن نقُول إِن تَجْوِيز كَون الْفِعْل مفْسدَة من غير أَمارَة لَا يَقْتَضِي قبح الْفِعْل وَلَو لم يدل على ذَلِك إِلَّا هَذَا الْوَجْه لكفى
فان قيل إِن تَجْوِيز الْمفْسدَة وَجه الْقبْح وَهُوَ إِن حصل فِي الْإِقْدَام على الْمَنْفَعَة وَفِي الإحجام عَنْهَا فانا نتخلص من هَذَا الْفساد بِالتّرْكِ لِأَن الشَّرْع لَا يَنْفَكّ مِنْهُ الْعقل فيبين هَل فِي ذَلِك مفْسدَة أم لَا قيل إِنَّا لم نتكلم فِي الْعقل لَا يَنْفَكّ من الشَّرْع وَإِنَّمَا تكلمنا على أَنه لَو انْفَرد الْعقل هَل كَانَ يقبح هَذَا الْإِقْدَام على الْمَنَافِع أم لَا وَقد بَان أَنه لَا وَجه يُوجب قبحه ثمَّ يُقَال لَهُم كَيفَ تستدلون بذلك على وجوب اقتران الْعقل بِالشَّرْعِ فان قَالُوا بِأَن نقُول لَو انْفَرد الْعقل عَن الشَّرْع لم يحسن الْإِقْدَام على الْمَنَافِع والإحجام عَنْهَا لجَوَاز كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا مفْسدَة وَلم يقبح الْإِقْدَام والإحجام تبعا لِاسْتِحَالَة الانفكاك مِنْهُمَا ومحال إنفكاك الْمَنَافِع من هَذِه الْأَقْسَام فانفكاك الْعقل عَن سمع قد أدّى إِلَى هَذَا الْفساد فَلم يجز أَن يَنْفَكّ من سمع قيل لَهُم أَرَأَيْتُم لَو انْفَكَّ الْعقل عَن سمع أَكَانَ يجب الانفكاك من الْإِقْدَام على الْمَنَافِع وَمن الإحجام فان قَالُوا لَيْسَ بِأَن لَا يجب ذَلِك لِاسْتِحَالَة بِأولى من أَن يجب
[ ٢ / ٣١٨ ]
لقبح الْإِقْدَام والإخلال قيل لَهُم ارأيتم لَو أقدم الْمُكَلف على الْمَنَافِع أَو أخل بهَا كَانَ يحسن ذمه فان قَالُوا لَا نَدْرِي كَانُوا قد جوزوا حسن الذَّم على مَا لَا يُمكن انفكاك مِنْهُ وَمَعْلُوم بطلَان ذَلِك وَإِن قَالُوا كَانَ لَا يحسن الذَّم قيل لَهُم فاذا لم يَنْفَكّ الشَّرْع عَن عقل حسن من الْمُكَلف الْإِقْدَام وَحسن الإحجام وَأَيْضًا فَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يَقُولُوا إِن الْمُكَلف يلْزمه الْإِخْلَال بالمنافع قبل الشَّرْع لأَنهم قد أقرُّوا بِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَن يقبح الْإِقْدَام بِأولى من أَن يقبح الإحجام وَأَيْضًا فان الانفكاك من شرع لَا يُؤَدِّي إِلَى الْفساد الَّذِي ذَكرُوهُ لِأَن الْمُكَلف يَقُول إِن لي إِلَهًا حكيما وَلَيْسَ يجوز أَن يجب عَليّ الانفكاك من الْإِقْدَام على الْمَنَافِع وَمن الإحجام عَنْهَا لِأَن ذَلِك يَسْتَحِيل فاذا لَيْسَ يجْتَمع الْإِقْدَام والإخلال بهَا فِي الْقبْح وَلَو انْفَرد أَحدهمَا بالْحسنِ دون الآخر لوَجَبَ فِي حِكْمَة الْمُكَلف أَن يفرق لي بَينهمَا بِدَلِيل عَقْلِي أَو سَمْعِي إِذْ كنت لَا أعرف ذَلِك ضَرُورَة وَلَيْسَ فِي الْعقل تَجْوِيز كَون أَحدهمَا مفْسدَة دون الآخر وَإِذا لم يفرق لي بَينهمَا فَلَيْسَ ينْفَرد أَحدهمَا بالْحسنِ دون الْقبْح وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْقبْح فاذن يَجْتَمِعَانِ فِي الْحسن وَأَيْضًا فان كَانَ انفكاك الْعقل من سمع يُؤَدِّي إِلَى هَذَا الْمحَال فَمَا يصنع النَّاظر عِنْد ابْتِدَائه بِالنّظرِ قبل وُصُوله إِلَى النّظر فِي النبوات
فإمَّا القَوْل بِأَن الْإِقْدَام على الْمَنَافِع قَبِيح لِأَنَّهُ تصرف فِي ملك الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه فان قاسوه على تصرف بَعْضنَا على ملك بَعْص بِغَيْر إِذْنه فَبَاطِل لِأَن فِي الِامْتِنَاع عَنْهَا إِضْرَار بِالنَّفسِ وَهُوَ تصرف فِي ملك الله بِغَيْر إِذْنه فَيجب قبح الْإِقْدَام وَذَلِكَ محَال وَأَيْضًا فَمَعْنَى الْملك فِينَا وَفِي ملك الله تَعَالَى يخْتَلف وَالْجمع بِهِ بَين ملك الله تَعَالَى وملكنا جمع بِغَيْر عِلّة وَاحِدَة وَذَلِكَ أَن معنى كوننا مالكين للشَّيْء هُوَ أَنا أَحَق بِالِانْتِفَاعِ بِهِ من غَيرنَا على الْإِطْلَاق وَذَلِكَ مُسْتَحِيل على الله تَعَالَى وَمعنى كَونه مَالِكًا للشَّيْء هُوَ أَنه قَادر على إيجاده وإفنائه فان قَالُوا بل معنى كَونه مَالِكًا للمنافع هُوَ أَنه لَيْسَ لغيره التَّصَرُّف فِيهَا إِلَّا بلإذنه وَله الْمَنْع مِنْهَا قيل هَذَا تَعْلِيل الحكم بِنَفسِهِ وَمَعَ ذَلِك فَلم نسلم
[ ٢ / ٣١٩ ]
مَا ذكرتموه وَأَيْضًا فان الْإِنْسَان إِنَّمَا يكون مَالِكًا للشَّيْء وأحق بِهِ من غَيره بِالشَّرْعِ لِأَن عنْدكُمْ أَن الْعقل لَا يَقْتَضِي جَوَاز تصرف الْإِنْسَان فِي الشَّيْء فاذا لم يكن هَذَا الأَصْل ثَابتا فِي الْعقل عنْدكُمْ وَكَانَ كلامنا فِيمَا يَقْتَضِيهِ مَا يثبت فِي الْعقل سقط مَا قُلْتُمْ وَأَيْضًا فانه إِنَّمَا يقبح تصرفنا فِي ملك غَيرنَا لِأَنَّهُ يضرّهُ لَا لِأَنَّهُ مَالِكه فَقَط أَلا ترى أَنه يحسن منا الاستظلال بحائط غَيرنَا وَالنَّظَر فِي مرآته والتقاط مَا تناثر من حب غَلَّته بِغَيْر إِذْنه مَا لم يضرّهُ ذَلِك وَالْمَنَافِع والمضار يستحيلان على الله تَعَالَى
وَقد أُجِيب عَن ذَلِك بِأَن إِبَاحَة ذَلِك فِي الْعقل تجْرِي مجْرى إِذن سَمْعِي وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا نعلم أَن الله تَعَالَى قد أَبَاحَهُ فِي الْعقل إِذا أفسدتم أَن يكون كَون التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر وَجه قبح وَمَتى جوز ذَلِك لم نعلم إِبَاحَة الله تَعَالَى لذَلِك
دَلِيل خلق الله تَعَالَى الطعوم فِي الْأَجْسَام مَعَ إِمْكَان أَن لَا يخلقها فِيهَا يَقْتَضِي أَن يكون لَهُ فِيهَا غَرَض يَخُصهَا وَإِلَّا كَانَت عَبَثا ويستحيل أَن يعود إِلَيْهِ ذَلِك الْغَرَض بنفع أَو دفع ضَرَر لاستحالتهما عَلَيْهِ وَلَا يجوز أَن يعود على غَيره بِضَرَر لِأَنَّهُ قد لَا يكون فِيهَا ضَرَر وَلِأَنَّهَا إِنَّمَا تضر بادراكها وَفِي ذَلِك إِبَاحَة إِدْرَاكهَا وَلِأَنَّهُ لَا يحسن أَن يكون غَرَضه الْإِضْرَار الْخَالِص بِمن لَا يسْتَحق الْإِضْرَار فَوَجَبَ أَن يكون الْغَرَض بادراكها نفعا يعود إِلَى غَيره إِمَّا بِأَن يُدْرِكهَا أَو بِأَن يجتنبها لكَون تنَاولهَا مفْسدَة فَيسْتَحق الثَّوَاب بادراكها وَإِمَّا بِأَن يسْتَدلّ بهَا وَفِي ذَلِك إِبَاحَة إِدْرَاكهَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يسْتَحق الثَّوَاب بتجنبها إِذا دعت النَّفس إِلَى إِدْرَاكهَا وَفِي ذَلِك تقدم إِدْرَاكهَا وَإِنَّمَا يسْتَدلّ بهَا إِذا عرفت والمعرفة بهَا مَوْقُوفَة على إِدْرَاكهَا لِأَن الله تَعَالَى لم يخلق فِينَا الْمعرفَة بهَا من دون الْإِدْرَاك فصح أَنه لَا فَائِدَة فِيهَا إِلَّا الْإِبَاحَة للِانْتِفَاع بهَا وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يركب الله فِي الْعُقُول إِبَاحَة الِانْتِفَاع بِتِلْكَ الْأَجْسَام ليعلم حُصُول الطعوم فِيهَا فينتفع بهَا بِأحد هَذِه الْوُجُوه
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وَقد قيل لَو خلقهَا ليستدل بهَا لَا لينْتَفع بهَا بِالْأَكْلِ لَكَانَ قد خلق مَا يُمكن أَن ينْتَفع بِهِ من وَجْهَيْن وَقصد الِانْتِفَاع بِأَحَدِهِمَا فَقَط مَعَ إِمْكَان الِانْتِفَاع بِالْوَجْهِ الآخر وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَونهَا عَبَثا من الْوَجْه الَّذِي لم يَقْصِدهُ لِأَن كلا الْوَجْهَيْنِ يجريان مجْرى فعلين متميزين فَكَمَا أَنه لَو فعل أَحدهمَا لغَرَض وَفعل الآخر لَا لغَرَض لَكَانَ عَبَثا فَكَذَلِك الْوَجْهَانِ وَلَا يلْزم على ذَلِك أَن يقْصد الِانْتِفَاع للْمَلَائكَة بِأَكْل المأكولات وَأَن يقْصد اسْتِدْلَال اهل الْجنَّة بِمَا يخلقه لَهُم لِأَن استدلالهم بذلك على الله لَا يُمكن مَعَ علمهمْ بِهِ ضَرُورَة وَكَذَلِكَ انْتِفَاع الْمَلَائِكَة من جِهَة الْعقل وَلقَائِل أَن يَقُول وَلَا يجوز أَن يقْصد انتفاعنا بالطعوم من جِهَة الْأكل لِأَن ذَلِك مفْسدَة وَلَو حسن أَن يقْصد لم يمْتَنع أَن يقْصد الِانْتِفَاع بالطعوم من أحد الْوَجْهَيْنِ دون الآخر لِأَن الْأَصْلَح فِي الدُّنْيَا غير وَاجِب على قَول الشَّيْخ وَقَوْلهمْ إِن الْوَجْهَيْنِ يجريان مجْرى الْفِعْلَيْنِ إِن أَرَادوا بِهِ أَنَّهُمَا كالفعلين فِي وجوب حُصُول غَرَض فيهمَا لم نسلمه وَلنَا أَن نقُول إِن الْفِعْلَيْنِ المتميزين إِذا فعل الْفَاعِل أَحدهمَا لَا لغَرَض فقد أوجد فعلا لَا غَرَض فِيهِ وَكَانَ عَبَثا فَأَما الْفِعْل الْوَاحِد إِذا أمكن الِانْتِفَاع بِهِ من وَجْهَيْن فقصد أَحدهمَا فانه قد فعل الْفِعْل لغَرَض فَلم يكن عَبَثا
دَلِيل وَقد اسْتدلَّ على ذَلِك بِأَنَّهُ يحسن من الْعُقَلَاء التنفس فِي الْهَوَاء وَأَن يدخلُوا مِنْهُ أَكثر مِمَّا تحْتَاج إِلَيْهِ الْحَيَاة وَمن رام أَن يقدر على نَفسه ذَلِك وَلَا يزِيد على قدر مَا تحْتَاج إِلَيْهِ الْحَيَاة عده الْعُقَلَاء من المجانين وَالْعلَّة فِي حسن ذَلِك أَنه انْتِفَاع لَا يعلم فِي مفْسدَة وَلَا مضرَّة وَهَذَا قَائِم فِي غير ذَلِك وَلَيْسَ لأحد أَن يَجْعَل عِلّة حسن ذَلِك أَن فِيهِ بَقَاء الْحَيَاة وَفِي تَركه هلاكها مَعَ أَنَّهَا ملك الْغَيْر وَأَن الْإِنْسَان ملْجأ إِلَى ذَلِك لأَنا فَرضنَا الْمَسْأَلَة فِي قدر يَنْفِي الْحَيَاة من دونه على أَن الْكَفّ عَن التنفس إِن أتلف الْحَيَاة فَلَيْسَ يجب أَن يقبح من الْإِنْسَان على قَوْلكُم لِأَنَّهُ لَيْسَ يجب على الْإِنْسَان أَن يصلح ملك غَيره وَإِنَّمَا يجب عَلَيْهِ أَن لَا يتلفه
[ ٢ / ٣٢١ ]
فان قيل إِنَّمَا يحسن من الْإِنْسَان أَن يتنفس ليندفع عَن قلبه الْحَرَارَة وَذَلِكَ مُحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْحَيَاة وَمَا زَاد عَلَيْهِ يضر وَلَا يحسن قيل لَيْسَ يجب أَن يكون مَا زَاد على مَا تحْتَاج إِلَيْهِ الْحَيَاة مضرا بل لَا يمْتَنع أَن يكون نَافِعًا ملذا كَمَا لَا يمْتَنع أَن لَا يكون مَا زَاد على مَا يثبت مَعَه الْحَيَاة من المأكل مضرا بل يكون نَافِعًا ملذا يَقْتَضِي خصب الْبدن فَلم يلْزم مَا ذكره السَّائِل من قبح هَذِه الزِّيَادَة وَهَذِه الدّلَالَة ترجع إِلَى الدّلَالَة الْمُتَقَدّمَة وَهِي أَن الْمَنَافِع لَا يقْدَح فِي حسنها تَجْوِيز الْمفْسدَة والمضرة وَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن من استنشاق الْهَوَاء هُوَ مِثَال لما ذَكرْنَاهُ أَن من الْعُقَلَاء يستحسنون أَمْثَال هَذِه الْمَنَافِع فَأَما من توقف فَقَالَ لَا أَدْرِي هَل الْأَشْيَاء على الْحَظْر أَو على الْإِبَاحَة فَقَوله بَاطِل بِمَا ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يَقُول لَو انْفَرد الْعقل لَاسْتَحَقَّ من أقدم على الْمَنَافِع الذَّم فنجعلها محظورة أَو يَقُول لَا يسْتَحق الذَّم فنجعلها مُبَاحَة فاذا صَحَّ أَن من الْأَشْيَاء مَا هُوَ على الْحَظْر وَمِنْهَا مَا هُوَ على الْإِبَاحَة كَانَ ذَلِك أصلا فِي الدّلَالَة على إِبَاحَة الْمُبَاح مِنْهَا وحظر الْمَحْظُور إِذا لم تنقلنا عَنهُ الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة - ﷺ َ - بَاب فِي فُصُول طرق الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة - ﷺ َ -
اعْلَم أَنه لَا يَنْبَغِي أَن نتكلم فِي شُرُوط الِاسْتِدْلَال على الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إِلَّا بعد أَن نبين أَنه لَا بُد فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من طرق عقلية أَو شَرْعِيَّة نفيا كَانَ الحكم أَو إِثْبَاتًا ونبين الْفَصْل بَين مَا هُوَ طَرِيق فِي ذَلِك وَمَا لَيْسَ بطرِيق ليعمد الْمُسْتَدلّ إِلَى مَا هُوَ طَرِيق فيستدل بِهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن نبين أَنه لَا بُد فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من طَرِيق إِمَّا عَقْلِي وَإِمَّا شَرْعِي وَيدخل فِي الطَّرِيق الْعقلِيّ فصلان أَحدهمَا أَن يبين الْفَصْل بَين الِاسْتِدْلَال بِالْبَقَاءِ على حكم الْعقل وَبَين مَا يلتبس بذلك من اسْتِصْحَاب الْحَال وَالْآخر أَن يبين الْفَصْل بَين مَا يَصح أَن يسْتَدلّ عَلَيْهِ بِالْعقلِ وَمَا لَا يَصح وَيدخل فِي الطَّرِيق السمعي فصلان أَحدهمَا
[ ٢ / ٣٢٢ ]
أَن يبين أَن السّمع الدَّال على الحكم يجب أَن يتَنَاوَلهُ إِمَّا صَرِيحًا وَإِمَّا غير صَرِيح وَلَا يجوز أَن يُقَال للمكلف احكم فانك لَا تحكم إِلَّا بِالصَّوَابِ وَالْآخر أَن ذَلِك السّمع فِي شرعنا هُوَ الْقُرْآن دون غَيره من الْكتب الْمُتَقَدّمَة - ﷺ َ - بَاب فِي أَن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لَا يجوز إِثْبَاتهَا إِلَّا بطرِيق - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الحكم الشَّرْعِيّ يجب كَونه مَعْلُوما وَإِلَّا لم يُؤمن كَونه خطأ وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الْعلم بِهِ فِي البديهة أَو لَا يكون فِيهَا فَلَو كَانَ فِيهَا لاشترك الْعُقَلَاء فِيهِ ولأنا نعلم أَنه لَيْسَ فِي البديهة الْعلم بِوُجُوب صَوْم أول يَوْم من شهر رَمَضَان وَسُقُوط وجوب مَا قبله وَإِذا لم يكن الْعلم بِهِ فِي البديهة لم يجز حُصُوله لنا إِلَّا بِأَمْر يوصلنا إِلَيْهِ إِمَّا إِدْرَاك أَو خبر متواتر أَو دَلِيل يجوز كَونهَا مدركة وَالْخَبَر الْمُتَوَاتر إِنَّمَا يُفْضِي إِلَى الْعلم إِذا كَانَ الْمخبر مدْركا لما أخبر بِهِ فَبَقيَ أَن يكون الْموصل إِلَى الْعلم بِهِ هُوَ الدَّلِيل
فَأَما من لَا يثبت الحكم فِي الشَّيْء فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون شاكا فِي إثْبَاته أَو مُعْتَقدًا أَو ظَانّا لنفيه فان اعْتقد أَو ظن نَفْيه وَأقر أَنه لم يصر إِلَى اعْتِقَاده أَو ظَنّه بطريقة فقد أقرّ أَنه منحت وَأَن ظَنّه جَار مجْرى ظن السوداوي وَإِن ادّعى أَنه صَار إِلَى ذَلِك بطريقة ودعا إِلَى اعْتِقَاده وظنه فَلَا بُد من أَن يذكر طَرِيقَته الَّتِي أدته إِلَى ذَلِك الِاعْتِقَاد أَو الظَّن لِأَنَّهُ إِن ألزم غَيره الْمصير إِلَيْهِ من غير أَنه يُمكنهُ من طَرِيقَته الَّتِي أوصلت إِلَى الْمَذْهَب فقد ألزمهُ مَا لَا يطيقه
والطريقة إِلَى الْمَذْهَب ضَرْبَان إِثْبَات وَنفي أما الْإِثْبَات فبأن ينص الله تَعَالَى أَو النَّبِي ﷺ على ذَلِك الحكم أَو تجمع الْأمة عَلَيْهِ أَو يدل الْقيَاس عَلَيْهِ وَأما النَّفْي فبأن يفقد النَّاظر بعد الفحص الشَّديد دَلِيلا على ذَلِك الحكم مَعَ أَنه لَو كَانَ ثَابتا لَكَانَ عَلَيْهِ دَلِيل وَهَذِه الطَّرِيقَة لَا بُد من الْبَيِّنَة عَلَيْهَا غير أَنه لَا يُمكن النَّافِي للْحكم أَو يُوقف المناظر لَهُ على دَلِيل من أَدِلَّة
[ ٢ / ٣٢٣ ]
الْعقل أَو الشَّرْع ويعرفه أَنه لَا دَلِيل فِيهِ على ذَلِك الحكم وَالْوَاجِب على مخالفه أَن يرِيه دَلِيلا على إِثْبَات مَا نَفَاهُ ليَقَع الْكَلَام فِيهِ فان كَانَ الدَّلِيل إِثْبَاتًا وَجب أَن يُعينهُ
وَإِن كَانَ مِمَّن لَا يثبت الحكم فِي الشَّيْء شاكا فِيهِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون شاكا فِيهِ لطريقة أفضت بِهِ إِلَى الشَّك أَو لَا لطريقة فان شكّ لَا لطريقة بل لِأَنَّهُ لم يكن اسْتدلَّ عَلَيْهِ فَهَذَا لَيْسَ لَهُ مَذْهَب فَيُقَال أَنه صَار إِلَيْهِ لطريقة يجب عَلَيْهِ ذكرهَا إِذا استدعى غَيره إِلَى مذْهبه وَإِن كَانَ صَار إِلَى الشَّك لطريقة فاما أَن يكون فقد دلَالَة على الْمَذْهَب بعد الفحص الشَّديد مَعَ أَن ذَلِك الشَّيْء لَا يجوز أَن يكون ثَابتا وَلَا يدل عَلَيْهِ دَلِيل وَإِمَّا أَن يكون قد دلّ على فقد الدّلَالَة على ذَلِك الْمَذْهَب دَلِيل مُبْتَدأ نَحْو أَن يَقُول النَّبِي ﷺ لَا دَلِيل على هَذَا الشَّيْء وَفِي كلا الْقسمَيْنِ يكون الشاك مُعْتَقدًا أَنه لَا دَلِيل على ذَلِك الْمَذْهَب فيعتقد وجوب الشَّك فِيهِ وَله فِي الْحَالين مَذْهَب قد صَار إِلَيْهِ بطريقة فَمَتَى دَعَا إِلَيْهِ غَيره فَالْوَاجِب أَن يذكر لَهُ طَريقَة لتؤديه إِلَى مثل مَا أدته إِلَيْهِ
وَإِن كَانَت طَرِيقَته الْإِثْبَات عَنْهَا وَإِن كَانَت طَرِيقَته فقد الدّلَالَة بعد شدَّة الفحص أخبرهُ بذلك وَوَقفه على طرق الدّلَالَة على الْجُمْلَة ونبهه على التَّفْصِيل بافساد كل مَا يَدعِي أَنه دَلِيل على ذَلِك الْمَذْهَب إِذا استرشده المسترشد فاذا ثَبت ذَلِك فَمن قَالَ لَيْسَ على النَّافِي دَلِيل إِن أَرَادَ بِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيل هُوَ إِثْبَات فقد بَينا أَنه لَيْسَ عِلّة ذَلِك إِلَّا أَن يكون دَلِيل إثْبَاته وَإِن أَرَادَ أَنه لَا يجب عَلَيْهِ ذكر طَرِيقه أصلا فقد بَينا وجوب ذَلِك وَلما تقدم علمنَا كذب الْمُدَّعِي للنبوة إِذا لم يدل على صدقه دلَالَة من معجز أَو غَيره لِأَنَّهُ لَو كَانَ صَادِقا لما أخلاه الله من دلَالَة وَإِلَّا كَانَ قد كلفنا مَا لَا نطيقه وَكَذَلِكَ مَا لم يدل على إثْبَاته دَلِيل من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَجب نَفْيه
وَاحْتج الْقَائِلُونَ بِأَن النَّافِي لنبوة مدعي النُّبُوَّة لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الدَّلِيل
[ ٢ / ٣٢٤ ]
على من اثْبتْ نبوته وَالْجَوَاب عَنهُ مَا تقدم وَقَالَ أَيْضا الْمُدَّعِي لدار فِي يَد غَيره عَلَيْهِ الْبَيِّنَة وَلَا بَيِّنَة على الْمُنكر فَذا لم يكن على الْمُنكر بَيِّنَة فَلَيْسَ عَلَيْهِ دلَالَة لِأَن الْبَيِّنَة دلَالَة يُقَال لَهُم لم أردتم بِهَذَا الْكَلَام أَنه يجوز لمن الدَّار بِيَدِهِ أَن يعْتَقد كَونه مَالِكًا لَهَا من غير طَريقَة كإرث أَو غَيره فَلَيْسَ كَذَلِك بل لَيْسَ لَهُ اعْتِقَاد ذَلِك إِلَّا بطريقة من الطّرق وَإِن أردتم أَنه لَيْسَ عَلَيْهِ أَن يذكر طَرِيقه فَصَحِيح لِأَنَّهُ لَيْسَ يَدْعُو النَّاس إِلَى أَن يعتقدوا كَونه مَالِكًا لَهَا فَيلْزمهُ أَن يذكر لَهُم حجَّته كَمَا يلْزم صَاحب الْمَذْهَب إِذا دَعَا النَّاس إِلَى مذْهبه أَن يذكر لَهُم حجَّته وَإِن أردتم أَن الَّذِي الدَّار فِي يَده يَدْعُو الْحَاكِم إِلَى أَن يحكم لَهُ بهَا من غير طَرِيقه يذكرهَا فَبَاطِل بل إِنَّمَا يَدعُوهُ إِلَى ذَلِك لطريقة وَهِي الْيَد وَلَيْسَ للْحَاكِم أَن يحكم لَهُ بذلك إِلَّا لدلَالَة فقد بَان أَنه لَا بُد من طَريقَة فِي كل هَذِه الْوُجُوه - ﷺ َ - بَاب القَوْل فِي اسْتِصْحَاب الْحَال - ﷺ َ -
اعْلَم أَن اسْتِصْحَاب الْحَال هُوَ أَن يكون حكم ثَابت فِي حَالَة من الْحَالَات ثمَّ تَتَغَيَّر الْحَالة فيستصحب الْإِنْسَان ذَلِك الحكم بِعَيْنِه مَعَ الْحَالة المتغيرة وَيَقُول من ادّعى تغير الحكم فَعَلَيهِ إِقَامَة الدَّلِيل وَقد ذهب قوم من أهل الظَّاهِر وَغَيرهم إِلَى الِاحْتِجَاج بذلك
وَقد يكون الحكم المستصحب عقليا وَقد يكون شَرْعِيًّا فالشرعي أَن يَقُول الْإِنْسَان الْمُتَيَمم إِذا رأى المَاء قبل صلَاته وَجب عَلَيْهِ التوضوء بِهِ وَكَذَلِكَ إِذا رَآهُ بعد دُخُوله فِي الصَّلَاة وَمن زعم أَن فرض الْوضُوء يتَغَيَّر بِالدُّخُولِ فِي الصَّلَاة فَعَلَيهِ الدَّلِيل وَهَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ إِن شرك بَين الْحَالَتَيْنِ فِي وجوب الْوضُوء لاشْتِرَاكهمَا فِيمَا دلّ على وجوب الْوضُوء فَلَيْسَ باستصحاب حَال الَّذِي ننكره ويذهبون إِلَيْهِ وَإِن شرك بَينهمَا فِي الحكم لاشْتِرَاكهمَا فِي علته فَهَذَا
[ ٢ / ٣٢٥ ]
قِيَاس وَإِن شرك بَينهمَا بِغَيْر دلَالَة وَلَا عِلّة فَلَيْسَ هُوَ بِأَن يجمع بَينهمَا بِأولى من أَن لَا يجمع بَينهمَا أَو بِأَن يجمع بَين الْمَسْأَلَة وَغَيرهَا وَلِأَن ذَلِك قِيَاس بِغَيْر عِلّة وَأهل الظَّاهِر المانعون من الْقيَاس بعلة أولى أَن يمنعوا من ذَلِك
فان قيل حُدُوث الْحَادِث لَا يُغير الْأَحْكَام فحدوث الصَّلَاة إِذن لَا يُغير وجوب الْوضُوء قيل لَيْسَ يمْتَنع أَن تخْتَلف الْمصَالح بحدوث الْحَوَادِث وَلِهَذَا جَازَ وُرُود النَّص باسقاط الْوضُوء عَن الرَّائِي للْمَاء فِي الصَّلَاة مَعَ وُجُوبه على من رَآهُ قبل الصَّلَاة
فان قيل لَو لم يَتَعَدَّ الحكم من حَالَة إِلَى حَالَة لوَجَبَ قصره على الزَّمَان الْوَاحِد قيل كَذَلِك يجب إِلَّا أَن يكون دَلِيل الحكم وعلته قد عَم الْأَزْمِنَة فان قيل فقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الشَّيْطَان يَأْتِي أحدكُم فيخيل أَنه أحدث فَلَا ينصرفن حَتَّى يجد ريحًا أَو يسمع صَوتا فَأوجب اسْتِدَامَة الحكم قيل إِنَّا لَا نمْنَع من تعدى الحكم من حَالَة إِلَى حَالَة لدلَالَة وَإِنَّمَا نمْنَع من ذَلِك لَا لدلَالَة وَقَول النَّبِي ﷺ هُوَ دلَالَة فان قيل أَلَيْسَ بعض الْفُقَهَاء قد جعل حكم الشاك فِي الْحَدث بعد تَيَقّن الطَّهَارَة كحكمه قبل الشَّك فِيهَا فِي إِسْقَاط الْوضُوء قيل إِن هَؤُلَاءِ إِن جمعُوا بَينهمَا لدلَالَة أَو عِلّة وَإِلَّا فَهُوَ مَوضِع الْخلاف على أَن ذَلِك خَارج عَمَّا نَحن بسبيله لِأَن الأَصْل فِي الْعقل أَن لَا وضوء فاذا لم يدل على وُجُوبه على الشاك فِي الْحَدث دَلِيل شَرْعِي فَالْوَاجِب الْبَقَاء على حكم الأَصْل لِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا لدل الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك وجوب الْوضُوء على من رأى المَاء لِأَن الْوضُوء لَيْسَ هُوَ حكم الْعقل حَتَّى يلْزم الْبَقَاء عَلَيْهِ مَا لم تدل على خِلَافه دلَالَة
فان قيل الْيَسْ إِذا اخْتلفُوا فِي الْمَسْأَلَة على اقاويل يجوز الْأَخْذ بِأَقَلّ مَا قيل إِذا لم تدل على الزِّيَادَة دلَالَة قيل لِأَن أقل مَا قيل مُتَّفق عَلَيْهِ وَالزِّيَادَة إِذا كَانَت حكما شَرْعِيًّا فَيجب نَفيهَا إِذا لم يدل عَلَيْهَا دَلِيل وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الِاسْتِدْلَال بِبَرَاءَة الذِّمَّة
[ ٢ / ٣٢٦ ]
فَأَما إِذا كَانَ المستدام عقليا فمثاله أَن يَقُول الْقَائِل الْمُتَيَمم الْمُصَلِّي إِذا لم ير المَاء لم يلْزمه الطَّهَارَة الْأُخْرَى وَوَجَب أَن يمْضِي فِي صلَاته فَكَذَلِك إِذا رأى المَاء وَهَذَا يَصح من وَجه دون وَجه أما الْوَجْه الَّذِي لَا يَصح مِنْهُ فَهُوَ أَن يسْقط عَنهُ طَهَارَة أُخْرَى لأجل سُقُوطهَا إِذا لم ير المَاء لِأَن هَذَا جمع بَين حالتين بِغَيْر دلَالَة وَلَا عِلّة وَأما إِذا أسقط عَنهُ الْوضُوء بعد رُؤْيَة المَاء لِأَن إِيجَابه شَرْعِي فَلَو كَانَ ثَابتا لَكَانَ عَلَيْهِ دَلِيل شَرْعِي وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيل شَرْعِي على مَا بَينا فِي الِاسْتِدْلَال بِالنَّفْيِ فَصَحِيح وَإِن عورض هَذَا فَقيل الأَصْل فِي الشَّرْع وجوب الطَّهَارَة فَلَو سَقَطت عَن الرَّائِي للْمَاء فِي الصَّلَاة وَهُوَ متيمم لَكَانَ عَلَيْهِ دَلِيل شَرْعِي لم يسلم الْخصم أَن الطَّهَارَة وَاجِبَة فِي كل حَال وَإِن رأى الْمُتَيَمم المَاء فان اسْتدلَّ على وجوب ذَلِك لعُمُوم الْخطاب كَانَ اسْتِدْلَالا بِالْعُمُومِ - ﷺ َ - بَاب فِيمَا يعلم بأدلة الْعقل وَمَا يعلم بأدلة الشَّرْع - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْأَشْيَاء الْمَعْلُومَة بِالدَّلِيلِ إِمَّا أَن يَصح أَن تعلم بِالْعقلِ فَقَط وَإِمَّا بِالشَّرْعِ فَقَط وَإِمَّا بِالشَّرْعِ وبالعقل وَأما الْمَعْلُومَة بِالْعقلِ فَقَط فَكل مَا كَانَ فِي الْعقل دَلِيل عَلَيْهِ وَكَانَ الْعلم بِصِحَّة الشَّرْع مَوْقُوفا على الْعلم بِهِ كالمعرفة بِاللَّه وبصفاته وَأَنه غَنِي لَا يفعل الْقَبِيح وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْعلم بِصِحَّة الشَّرْع مَوْقُوف على الْعلم بذلك لأَنا إِنَّمَا نعلم صِحَة الشَّرْع إِذا علمنَا صدق الْأَنْبِيَاء ﵈ وَإِنَّمَا نعلم صدقهم بالمعجزات إِذا علمنَا أَنه لَا يجوز أَن يظهرها الله على يَد كَذَّاب وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك إِذا علمنَا أَن إظهارها عَلَيْهِ قَبِيح وَأَنه لَا يفعل الْقَبِيح وَإِنَّمَا نعلم أَنه لَا يفعل الْقَبِيح إِذا علمنَا أَنه عَالم بقبح الْقَبِيح عَالم باستغنائه عَنهُ وَالْعلم بذلك فرع على الْمعرفَة بِهِ فَيجب تقدم هَذِه المعارف للشَّرْع فَلم يجز كَون الشَّرْع طَرِيقا إِلَيْهَا
[ ٢ / ٣٢٧ ]
فَأَما مَا يَصح أَن يعرف بِالشَّرْعِ وبالعقل فَهُوَ كل مَا كَانَ فِي الْعقل دَلِيل عَلَيْهِ وَلم تكن الْمعرفَة بِصِحَّة الشَّرْع مَوْقُوفَة على الْمعرفَة بِهِ كَالْعلمِ بِأَن الله وَاحِد لَا ثَانِي لَهُ فِي حكمته لِأَنَّهُ إِذا ثبتَتْ حكمته فَلَو كَانَ مَعَه حَكِيم آخر لم يجز أَن يرسلا أَو يُرْسل أحد مِنْهُمَا من يكذب فاذا أخبر الرَّسُول أَن الْإِلَه وَاحِد لَا قديم سواهُ علمنَا صدقه وَكَذَلِكَ وجوب رد الْوَدِيعَة وَالِانْتِفَاع بِمَا لَا مضرَّة فِيهِ على أحد
فَأَما مَا يعلم بِالشَّرْعِ وَحده فَهُوَ مَا فِي السّمع دَلِيل عَلَيْهِ دون الْعقل كالمصالح والمفاسد الشَّرْعِيَّة وَمَا لَهُ تعلق بهما أما الْمصَالح والمفاسد الشَّرْعِيَّة فَهِيَ كالأفعال الَّتِي تعبدنا بِفِعْلِهَا أَو تَركهَا بالشريعة نَحْو كَون الصَّلَاة وَاجِبَة وَشرب الْخمر حَرَامًا وَغير ذَلِك وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه لَيْسَ فِي الْعقل دَلِيل على ذَلِك لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي الْعقل دَلِيل على ذَلِك لَكَانَ ذَلِك الدَّلِيل إِمَّا حكما مُوجبا عَن وُجُوبهَا أَو وَجها مُوجبا لَهَا وَالْحكم الْمُوجب عَن وُجُوبهَا هُوَ الذَّم والمدح وَمَعْلُوم أَنا لَا نعلم بِالْعقلِ اسْتِحْقَاق من أخر الصَّوْم عَن أول يَوْم من رَمَضَان للذم دون الَّذِي قبله وَلَا نعلم بالعقول مباينة أول يَوْم من رَمَضَان لليوم الَّذِي قبله فِي وَجه يَقْتَضِي تباينهما فِي الْوُجُوب سَوَاء وقف ذَلِك على أَمارَة مظنونة أَو لم يقف على ذَلِك وَقد دخل فِي ذَلِك القَوْل بِأَن الْعِبَادَات يعرف وُجُوبهَا بأمارات من جِهَة الْعَادَات تتَعَلَّق بالمنافع والمضار لِأَن وجوب مَا هَذِه سَبيله مَعْلُوم وَإِن تعلق بِشَرْط مظنون وَمَعْلُوم أَيْضا أَنا لَا نعلم بالعقول فِي هَذِه الْعِبَادَات مَنَافِع وَدفع مضار عاجله فَيُقَال إِنَّهَا تجب لأجل ذَلِك وَأما مَا لَهُ تعلق بالمصالح والمفاسد الشَّرْعِيَّة فَهِيَ طرق الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة كالأدلة والأمارات وَأَسْبَاب هَذِه الْأَحْكَام وعللها وشروطها أما ألأدلة فكون الْإِجْمَاع حجَّة وَأما الأمارات فكون الْقيَاس وَخبر الْوَاحِد حجَّتَيْنِ على قَول من قَالَ لَا نعلم ذَلِك بِالْعقلِ وَأما الْأَسْبَاب فكون زَوَال الشَّمْس سَببا للصَّلَاة وَأما الْعِلَل فالكيل الَّذِي هُوَ عِلّة الرِّبَا وَأما الشُّرُوط فضربان أَحدهمَا شُرُوط فِي أَحْكَام مَعْلُومَة بِالْعقلِ كالشروط الَّتِي شرطتها الشَّرِيعَة فِي
[ ٢ / ٣٢٨ ]
الْبياعَات لِأَن وُقُوع التَّمْلِيك بِالْبيعِ مَعْلُوم بِالْعقلِ وَالْآخر شُرُوط فِي أَحْكَام شَرْعِيَّة كستر الْعَوْرَة فِي الصَّلَاة وَالطَّهَارَة وَغير ذَلِك
وَقد فرق بَين الْعلَّة وَالسَّبَب بأَشْيَاء مِنْهَا أَن الْعلَّة لَا يجب تكررها وَالسَّبَب قد يجب تكرره وَلِهَذَا كَانَ الْإِقْرَار سَببا للحد لِأَنَّهُ يتَكَرَّر وَمِنْهَا أَن الْعلَّة تخْتَص الْمُعَلل وَالسَّبَب لَا يختصه كزوال الشَّمْس الَّذِي هُوَ سَبَب الصَّلَاة وَمِنْهَا أَن السَّبَب يشْتَرك فِي جمَاعَة وَلَا يشتركون فِي حكمه كزوال الشَّمْس يشْتَرك فِيهِ الْحَائِض والطاهر وَلَا يشتركون فِي وجوب الصَّلَاة وَلَيْسَ يشتركون فِي الْعلَّة إِلَّا ويشتركون فِي حكمهَا - ﷺ َ - بَاب فِي أَنه لَا يجوز أَن يُقَال للرسول أَو الْعَالم احكم فانك لَا تحكم إِلَّا بِالصَّوَابِ - ﷺ َ -
اعْلَم أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي جَوَاز ان يُفَوض الله تَعَالَى إِلَى الْمُكَلف أَن يحرم وَيُوجب ويبيح بِاخْتِيَارِهِ فَمنع أَكثر النَّاس من ذَلِك على كل حَال وَأَجَازَهُ آخَرُونَ فالشيخ أَبُو عَليّ أجَاز ذَلِك للنَّبِي ﷺ خَاصَّة وَذكر ذَلِك فِي قَول الله تَعَالَى ﴿كل الطَّعَام كَانَ حلا لبني إِسْرَائِيل إِلَّا مَا حرم إِسْرَائِيل على نَفسه﴾ ثمَّ رَجَعَ عَن هَذَا القَوْل وَأَجَازَ مويس بن عمرَان أَن يُقَال ذَلِك للنَّبِي ﷺ وَلغيره من الْعلمَاء وَذكر الشَّافِعِي فِي كتاب الرسَالَة مَا يدل على أَن الله تَعَالَى لما علم أَن الصَّوَاب يتَّفق من نبيه جعل ذَلِك لَهُ وَلم يقطع عَلَيْهِ بل جوزه وَجوز خِلَافه وَاحْتج قَاضِي الْقُضَاة للْمَنْع من ذَلِك بَان الشَّرَائِع إِنَّمَا يتعبد الله بهَا لكَونهَا مصَالح وَالْإِنْسَان قد يخْتَار الصّلاح وَقد يخْتَار الْفساد فَلَو اباح الله تَعَالَى للْإنْسَان الحكم بِمَا يختاره لَكَانَ فِيهِ إِبَاحَة الحكم بِمَا لَا يَأْمَن من كَونه فَسَادًا
[ ٢ / ٣٢٩ ]
إِن قيل إِنَّه يَأْمَن ذَلِك لقَوْل الله لَهُ إِنَّك لَا تحكم إِلَّا بِالْحَقِّ وَالصَّوَاب قيل لَا يجوز أَن يَقُول لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يسْتَمر بالمكلف اخْتِيَار الصّلاح دون الْفساد من غير علم بأعيان الصّلاح وَالْفساد كَمَا لَا يجوز اتِّفَاق الْأَفْعَال الْكَثِيرَة المحكمة من غير علم وكما لَا يجوز أَن يتَّفق من الْإِنْسَان الصدْق فِي الْأَخْبَار الْكَثِيرَة من غير أَن يتخللها كذب من غير علم وَلَو جَازَ ذَلِك لَخَرَجت الْأَخْبَار عَن الغيوب من أَن تكون دلَالَة على نبوتهم ولجاز أَن يُكَلف تَصْدِيق نَبِي دون من لَيْسَ بِنَبِي من غير علم وَلَو جَازَ اتِّفَاق اخْتِيَار الصَّوَاب من الْعَالم جَازَ اتفاقه من الْعَاميّ فيتعبده الله بالحكم بِاخْتِيَارِهِ وَلَيْسَ للمخالف أَن يَقُول إِن الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء قد أكْرمهم الله وخصهم بذلك لِأَن إِمْكَان اتِّفَاق ذَلِك لَا يفْتَرق فِيهِ الْعَاميّ والعالم
فان قيل إِنَّمَا يمْتَنع اتِّفَاق اخْتِيَار الصَّوَاب الْكثير من غير دلَالَة فَأَما الْقَلِيل فَلَا يمْتَنع اتِّفَاق الصَّوَاب فِيهِ فَيجوز أَن يُفَوض الله تَعَالَى إِلَى بعض الْمُكَلّفين الحكم بِاخْتِيَارِهِ فِي الْفِعْل والفعلين وَالثَّلَاثَة قيل قد أُجِيب عَن ذَلِك بِأَن الْوَاجِب فِي التَّكْلِيف أَن يكون الْمُكَلف عَالما بِحسن مَا يقدم عَلَيْهِ من الْأَفْعَال قبل إقدامه وَهُوَ لَا يعلم ذَلِك إِذا علق الْفِعْل بِاخْتِيَارِهِ لِأَنَّهُ كَمَا يجوز أَن يخْتَار الصّلاح يجوز أَن يخْتَار الْفساد وَلِأَن حسن اخْتِيَاره للْفِعْل تَابع لحسن الْفِعْل فَلم يجز أَن يعلم حسنه لعلمه بِحسن اخْتِيَاره لَهُ
وَلقَائِل أَن يَقُول إِن مَا ذكره من أَنه لَا يجوز اسْتِمْرَار اخْتِيَار الْمصلحَة دون الْمفْسدَة من غير علم بِالْمَصْلَحَةِ صَحِيح إِذا كَانَ الْفِعْل مصلحَة من دون الِاخْتِيَار فَيمْتَنع أَن يتَّفق اختيارنا للْمصْلحَة دون الْمفْسدَة فَأَما إِذا كَانَ كَونه مصلحَة هُوَ فعلنَا لَهُ وَنحن مختارون لَهُ فَلَيْسَ يبطل بِمَا ذكره لِأَنَّهُ وَالْحَال هَذِه لم يتَّفق تنَاول الِاخْتِيَار لما هُوَ مصلحَة فِي نَفسه من دون الِاخْتِيَار بل الْمصلحَة هُوَ مَجْمُوع الْفِعْل وَالِاخْتِيَار فَلَو صَحَّ مَا ذكره لصَحَّ أَن يَقُول من نفى الْقيَاس إِن الأمارات قد تخطىء وتصيب وَلَيْسَ يتَّفق فِيهَا الصَّوَاب أبدا
[ ٢ / ٣٣٠ ]
فالعامل بحسبها عَامل بِمَا لَا يَأْمَن كَونه مفْسدَة
فان قُلْتُمْ إِن الْمصلحَة هِيَ علمنَا بِحَسب مَا ظنناه من الأمارة وَلَيْسَ كَونهَا مصلحَة ينْفَصل من ذَلِك إِن الأمارة الدَّالَّة عَلَيْهِ لَا يجب ان تصيب ابدا قيل وَلَيْسَ يَقُول الله للنَّبِي ﷺ احكم فانك لَا تحكم إِلَّا بِالصَّوَابِ إِلَّا وَقد علم أَن مصْلحَته أَن يفعل مَا يختاره
وَأما قَوْله إِن الْمُكَلف يجب أَن يعلم حسن مَا يقدم عَلَيْهِ وَهَذَا الْمُكَلف لَا يعلم ذَلِك فَالْجَوَاب عَنهُ أَنه يعلم ذَلِك لقَوْل الله لَهُ إِنَّك لَا تحكم بِغَيْر الصَّوَاب كَمَا يعلم الْأَنْبِيَاء أَن مَا يقدمُونَ عَلَيْهِ من الْمعاصِي غير كَبَائِر وَأما قَوْله إِن حسن الِاخْتِيَار تَابع لحسن الْفِعْل فَلَا يجوز أَن يتبع حسن الْفِعْل الِاخْتِيَار فَالْجَوَاب عَنهُ أَن حسن الْفِعْل هَا هُنَا غير تَابع للاختيار بل هُوَ مصلحَة فِي نَفسه بِالِاخْتِيَارِ وَهَذَا جَوَاب من يُجِيز أَن يُفَوض الله تَعَالَى إِلَى الْمُكَلف بِاخْتِيَارِهِ فِي الشَّيْء الْوَاحِد والشيئين وَالثَّلَاثَة دون الْأَشْيَاء الْكَثِيرَة
وللخصم أَيْضا أَن يَقُول لَيْسَ يمْتَنع أَن تكون مصلحَة الْإِنْسَان أَن يفعل بِاخْتِيَارِهِ كَمَا أَن مصْلحَته فِي وَقت التَّشْدِيد وَفِي وَقت التسهيل وَله ان لَا يسلم أَن الِاخْتِيَار لَا يحسن إِلَّا أَن يكون الْفِعْل حسنا من دونه بل يكون حسنا إِذا كَانَ الْفِعْل مَعَه مصلحَة
وَنحن نرتب الدّلَالَة فَنَقُول إِن من أجَاز هَذَا التَّكْلِيف إِمَّا أَن يَقُول إِن الِاخْتِيَار بِهِ يتم كَون الْفِعْل مصلحَة حَتَّى تكون مصلحَة الْإِنْسَان مَا يختاره فِي الْحَادِثَة من فعل أَو ترك أَو يَجْعَل الْمصلحَة مُنْفَصِلَة عَن ذَلِك وَيَقُول إِن الله تَعَالَى قد علم أَن الْمُكَلف لَا يخْتَار إِلَّا مَا هُوَ مصلحَة فان قَالَ بِالْأولِ اسقط التَّكْلِيف لِأَن قَول الْمُكَلف للمكلف إِن شِئْت أَن تفعل فافعل وَإِن شِئْت أَن لَا تفعل فَلَا تفعل هُوَ مَحْض الاباحة فان قيل بل هُوَ إِيجَاب أَن لَا يَخْلُو من الْفِعْل والإخلال بِهِ قيل لَا يُمكن الْخُلُو من ذَلِك وَلَا يحسن إِيجَاب مَا لَا يُمكن
[ ٢ / ٣٣١ ]
خِلَافه وَلِهَذَا إِذا كَانَ الْعَاميّ مُخَيّرا بَين فَتْوَى من أفتاه بِالْإِيجَابِ وَمن أفتاه بِالْإِبَاحَةِ فقد سقط عَنهُ التَّكْلِيف وَصَارَ الْفِعْل مُبَاحا لِأَنَّهُ إِن اخْتَار أَن لَا يَفْعَله جَازَ لَهُ ذَلِك وَإِن قَالَ إِن الْفِعْل يكون مصلحَة من دون الِاخْتِيَار فإمَّا أَن يُخَيّر تَكْلِيف الله الْإِنْسَان أَن يفعل بِحَسب اخْتِيَاره أفعالا كَثِيرَة أَو أفعالا قَليلَة فَالْأول بَاطِل لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتَّفق اخْتِيَار الصّلاح فِي الْأَفْعَال الْكَثِيرَة كَمَا لَا يجوز أَن يتَّفق الصدْق فِي الْأَخْبَار الْكَثِيرَة وَالْأَحْكَام فِي الْأَفْعَال الْكَثِيرَة من غير علم فان قيل أَلَيْسَ النَّبِي ﷺ لَا يخْتَار من الْمعاصِي إِلَّا مَا يكون صَغِيرا قيل فَمن أَيْن أَنه يكثر ذَلِك مِنْهُ وَمَا أنكرتم ان الْوَاجِب أَن يُقَال إِن مَا يَقع مِنْهُ قَلِيل وَأَيْضًا فَلَو صَادف اخْتِيَار الْعَالم الْمصلحَة لم يكن لتكليفه الِاجْتِهَاد معنى فان قيل الْفَائِدَة فِيهِ أَن يكثر ثَوَابه قيل التَّكْلِيف لَا يحسن لمُجَرّد الثَّوَاب فان قيل إِذا اجْتهد تَغَيَّرت الْمصلحَة قيل إِن كَانَت هَذِه الْمصلحَة مُسَاوِيَة لمصلحته إِذا لم ينظر فَلَا فَائِدَة لتكليف النّظر وَإِن كَانَت زَائِدَة وَجب تَكْلِيفه الِاجْتِهَاد
وَأما الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ القَوْل بِأَنَّهُ إِنَّمَا يحسن أَن يُفَوض الله تَعَالَى إِلَى الْمُكَلف الحكم بِاخْتِيَارِهِ فِي الْأَفْعَال الْيَسِيرَة فَالَّذِي يُفْسِدهُ وَيفْسد الْوَجْه الأول أَيْضا هُوَ أَنه إِمَّا أَن يكون الله تَعَالَى قد أوجب عَلَيْهِ الْمصلحَة من الْفِعْل أَو تَركه من غير أَن يُعينهُ لَهُ فَيكون قد كلفه مَا لَا يطيقه وَإِمَّا أَن يكون قد خَيره بَينه وَبَين غَيره مِمَّا لَيْسَ بمصلحة فَيكون قد خَيره بَين الْمصلحَة والمفسدة لِأَنَّهُ قد قَالَ لَهُ افْعَل أَيهمَا شِئْت من الاختيارين والفعلين وَهَذَا تَخْيِير بَين الْمصلحَة والمفسدة وَذَلِكَ بَاطِل
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء مِنْهَا مَا احْتَجُّوا بِهِ على جَوَاز اسْتِمْرَار اخْتِيَار الصَّوَاب دون الْخَطَأ وَمِنْهَا مَا احْتَجُّوا بِهِ على جَوَاز وُرُود التَّعَبُّد بِمَا ذَكرُوهُ وَمِنْهَا مَا احْتَجُّوا بِهِ على وُرُود التَّعَبُّد بذلك
أما الأول فَقَوْلهم إِذا جَازَ أَن يتَّفق اخْتِيَار الْأَنْبِيَاء للصغائر دون الْكَبَائِر
[ ٢ / ٣٣٢ ]
وَإِن لم يكن لَهُم على عينهَا دَلِيل جَازَ اتِّفَاق اختيارهم الصَّوَاب دون الْخَطَأ وَإِن لم يكن لَهُم على عينه دَلِيل فَالْجَوَاب مَا تقدم
وَأما مَا استدلوا بِهِ على الثَّانِي فَمن وُجُوه
مِنْهَا قَوْلهم إِذا جَازَ أَن يُفَوض الله إِلَى الْمُكَلف أَن يخْتَار وَاحِدَة من الْكَفَّارَات جَازَ أَن يُفَوض إِلَيْهِ الحكم بِوَاحِد من الْأَحْكَام بِحَسب اخْتِيَاره وَالْجَوَاب إِن ذَلِك يلْزم من قَالَ إِن الْمصلحَة وَالْوَاجِب من الْكَفَّارَات وَاحِدَة فَقَط وَقد جعل إِلَى الْمُكَلف اخْتِيَارهَا لعلم الله سُبْحَانَهُ أَنه لَا يخْتَار سواهَا واما من قَالَ إِن الْكَفَّارَات الثَّلَاث تتساوى فِي الْوُجُوب والمصلحة فَلم يقل إِنَّه إِذا اخْتَار وَاحِدَة مِنْهَا فقد وَقع اخْتِيَاره على الْوَاجِب دون مَا لَيْسَ بِوَاجِب فَيلْزمهُ مثله فِي جَمِيع الْأَحْكَام على أَن الْعَاميّ يجوز لَهُ ان يخْتَار وَاحِدَة من الْكَفَّارَات فَيجب أَن يجوز أَن يُفَوض إِلَيْهِ الحكم بِمَا شَاءَ
وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا جَازَ أَن يتعبد الْعَاميّ أَن يخْتَار الْعَمَل على فَتْوَى أحد الفقيهين وَيتَعَيَّن ذَلِك بِاخْتِيَارِهِ جَازَ مثله فِي أصل التَّعَبُّد فَالْجَوَاب يُقَال لَهُم فَيَنْبَغِي أَن يجوز تَفْوِيض الحكم بِالِاخْتِيَارِ إِلَى الْعَاميّ وَأَيْضًا فان وجوب أَخذ الْعَاميّ بفتوى الْفَقِيه مَعْلُوم لَهُ لِأَنَّهُ يعلم من دين الْإِسْلَام وجوب رُجُوع من لَا معرفَة لَهُ إِلَى الْعلمَاء فِيمَا ينويه من الشرعيات فاذا اخْتلف فِيهِ فقيهان وافتاه أَحدهمَا بِخِلَاف مَا أفتاه الآخر كَانَا واجبين عَلَيْهِ على التَّخْيِير وَالْقَوْل فِي ذَلِك كالقول فِي الْكَفَّارَات فَإِن حرم أَحدهمَا عَلَيْهِ الْفِعْل وأوجبه الآخر كَانَ مُخَيّرا بَين فعله وَتَركه إِن تَسَاويا عِنْده وَقد قُلْنَا إِن ذَلِك يرجح إِلَى الْإِبَاحَة وَإِسْقَاط التَّكْلِيف إِذْ لَو اخْتَار ترك الْفِعْل جَازَ لَهُ ذَلِك
وَمِنْهَا أَنه إِذا جَازَ أَن يُكَلف الْإِنْسَان الْعَمَل على الأمارات مَعَ أَنَّهَا قد تخطر جَازَ أَن يُكَلف الْإِنْسَان الْعَمَل على اخْتِيَاره وَإِن كَانَ الْإِنْسَان قد يخْتَار الصَّوَاب كَمَا يخْتَار الْفساد الْجَواب إِن الْمصلحَة أَن نعمل بِحَسب مَا ظنناه من الأمارة فالأمارة كالوجه فِي الْمصلحَة على مَا بَيناهُ إِلَّا أَنَّهَا مُمَيزَة للْمصْلحَة من
[ ٢ / ٣٣٣ ]
غَيرهَا فَيلْزم مَا ذكرْتُمْ وَلَيْسَ كَذَلِك الِاخْتِيَار لأَنا قد أفسدنا أَن يكون وَجه الْمصلحَة وأفسدنا أَن يكون مُمَيّزا لَهَا من الْمفْسدَة
وَمِنْهَا ان الْوَاجِب فِي التَّكْلِيف أَن يَجْعَل للمكلف طَرِيق إِلَى مَا كلف إِمَّا على جملَة وَإِمَّا على تَفْصِيل لنا من الْخَطَأ فِيمَا نَفْعل وَإِذا قَالَ الله للمكلف احكم فانك لَا تحكم إِلَّا بِالصَّوَابِ فقد جعل لَهُ طَرِيق مَقْطُوع بِهِ على صِحَة مَا يحكم بِهِ وَالْجَوَاب أَنا قد بَينا أَنه لَا يجوز ان يَجْعَل الله تَعَالَى إِلَيْهِ ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون اخْتِيَار الْمُكَلف هُوَ وَجه الْمصلحَة وَلَا يجوز اسْتِمْرَار وُقُوع اخْتِيَاره على الصَّوَاب والمصلحة وَبينا أَن الله ﷿ لَو قَالَ ذَلِك لَكَانَ قد خَيره بَين الْمصلحَة والمفسدة
وَأما مَا استدلوا بِهِ على وُرُود التَّعَبُّد بذلك فوجوه
مِنْهَا قَول الله ﷿ ﴿كل الطَّعَام كَانَ حلا لبني إِسْرَائِيل إِلَّا مَا حرم إِسْرَائِيل على نَفسه﴾ فَالْجَوَاب إِن الْآيَة تشهد بِأَن الطَّعَام كَانَ حلا لِبَنِيهِ وَإِسْرَائِيل لَيْسَ بداخل فِي بنيه وَيجوز أَن يكون حرم على نَفسه بِالِاجْتِهَادِ أَو بِالنذرِ وَأَن يكون فِي شريعتهم إِثْبَات التَّحْرِيم بِالنذرِ كَمَا ثَبت الْإِيجَاب فِي شريعتنا بِالنذرِ
وَمِنْهَا أَن السّنة مُضَافَة إِلَى النَّبِي ﷺ وَحَقِيقَة الاضافة تَقْتَضِي أَنه من قبله وَالْجَوَاب إِنَّه إِنَّمَا اضيفت إِلَيْهِ لِأَنَّهَا بقوله وَجَبت وَهُوَ السفير فِيهَا وَلِهَذَا يُضَاف إِلَيْهِ جَمِيع السّنَن وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ جَمِيعهَا بِاخْتِيَارِهِ
وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ لما قَالَ فِي مَكَّة لَا يختلي خَلاهَا قَالَ الْعَبَّاس إِلَّا الْإِذْخر فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِلَّا الْإِذْخر وَمَعْلُوم أَن الْوَحْي لم يرد فِي تِلْكَ الْحَال وَالْجَوَاب أَنه قد قيل إِن الْإِذْخر لَيْسَ من الخلا وَإِنَّمَا اسْتثِْنَاء الْعَبَّاس
[ ٢ / ٣٣٤ ]
تَأْكِيدًا وَلَا يمْتَنع أَن يكون النَّبِي ﷺ أَرَادَ استثناءه فَسبق الْعَبَّاس إِلَى سُؤال النَّبِي ﷺ بذلك
وَمِنْهَا قَول النَّبِي ﷺ لَو قلت نعم لَوَجَبَتْ يَعْنِي الْحَج فعلق وُجُوبه بقوله فَالْجَوَاب أَنه لَو قَالَ نعم لَوَجَبَتْ من حَيْثُ كَانَ قَوْله دَلِيلا على وُجُوبه وَلَيْسَ فِي الْكَلَام مَا يدل على أَن قَوْله صادر عَن اخْتِيَاره أَو عَن وَحي
وَمِنْهَا قَول النَّبِي ﷺ لَوْلَا أَن أشق على امتي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة وَقَوله لَوْلَا أخْشَى أَن يفْرض السِّوَاك لاستكت قَالُوا فَبين ان أمره بِالسِّوَاكِ مَوْقُوف على اخْتِيَاره فَالْجَوَاب إِنَّه لَا يمْتَنع أَن يكون عَنى أَنه لَوْلَا أَن أشق على امتي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ على طَرِيق التَّكْلِيف وَلَا يمْتَنع أَن يكون الله قد أعلمهُ أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يَأْمُرهُم بِهِ لأجل الْمَشَقَّة وَأَنه أَن يكون الله قد اعلمه أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يَأْمُرهُم بِهِ لأجل الْمَشَقَّة وَأَنه لَا يحصل على صفة الْمصلحَة لأمته إِلَّا إِذا فعله عِنْد كل صَلَاة وَإِذا لم يَفْعَله عِنْد كل صَلَاة لم يكن مصلحَة
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن مُوسَى ﵇ اثْبتْ الْأَحْكَام من جِهَته إِلَّا تسع آيَات أنزلهَا الله تَعَالَى عَلَيْهِ فَالْجَوَاب أَنا لَا نعلم ذَلِك وَلَو علمنَا ذَلِك لم نعلم أَن مَا عدا التسع الايات لم يُوح إِلَيْهِ
وَمِنْهَا قَوْله ﷺ عَفَوْت لكم عَن صدقه الْخَيل وَالرَّقِيق فَالْجَوَاب أَنه إِنَّمَا أضَاف الْعَفو إِلَى نَفسه لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى اخذها وَهُوَ الَّذِي لم يَأْخُذهَا الْآن وَإِن كَانَ ذَلِك بِوَحْي على أَن كل هَذَا أَخْبَار آحَاد لَا يحْتَج بهَا فِي مثل هَذَا الْموضع
وَمِنْهَا أَن الصَّحَابَة لَو حكمت فِي الْحَوَادِث عَن دلَالَة لما اضيفت إِلَى رأيها فَالْجَوَاب إِن الرَّأْي هُوَ القَوْل الصَّادِر عَن اجْتِهَاد وَنظر فِي أَمارَة أَو دلَالَة
[ ٢ / ٣٣٥ ]
مستنبطة وَلَيْسَ هُوَ القَوْل من غير نظر لِأَن ذَلِك لَيْسَ هُوَ بِرَأْي بل هُوَ تنحيت وتشهي
وَمِنْهَا انهم لَو حكمُوا بِدَلِيل لما تَرَكُوهُ لِأَن الْحق لَا يتْرك وَالْجَوَاب إِن الْأَدِلَّة إِذا دَخَلتهَا الشُّبْهَة تركت والأمارات بِجَوَاز ذَلِك اولى على انهم إِنَّمَا يتركون اقوالهم إِذا تغير اجتهادهم لِأَن الْوَاجِب يتَغَيَّر بِحَسب تغير اجتهادهم عِنْد من يَقُول وغن كل مُجْتَهد مُصِيب فَيكون الْحق هُوَ القَوْل الثَّانِي دون القَوْل الأول
وَمِنْهَا أَنهم قَالُوا فِي حكمهم إِن كَانَ صَوَابا فَمن الله وَإِن كَانَ خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان فَلَو كَانَ ذَلِك عَن دَلِيل لم يَقُولُوا بذلك فَالْجَوَاب إِنَّه لَو كَانَ ذَلِك عَن اخْتِيَار قد ابيح لَهُم الْعَمَل بِهِ لما شكوا فِي كَونه صَوَابا على أَن من يَقُول إِن الْحق فِي وَاحِد يجوز ان يخطئوا فَلَا سُؤال عَلَيْهِ وَمن قَالَ إِن الْمُجْتَهد مُصِيب يَقُول إِنَّمَا قَالُوا وَإِن كَانَ خطأ فَمن الشَّيْطَان لخوفهم أَن يكون عَن النَّبِي ﷺ نَص خلاف حكمهم لم يَقع إِلَيْهِم
وَمِنْهَا قَوْلهم إِنَّهُم لَو قَالُوا عَن نظر وَقِيَاس لنقلت عَنْهُم التعليلات والاصول وَالْجَوَاب إِنَّه قد نقل عَنْهُم ذَلِك على ضرب من التَّنْبِيه على مَا بَيناهُ فِي الْقيَاس - ﷺ َ - بَاب فِي جَوَاز تعبد النَّبِي الثَّانِي بشريعة الأول وَفِي أَن نَبينَا ﷺ لم يكن متعبدا قبل النُّبُوَّة وَلَا بعْدهَا بشريعة من تقدم لَا هُوَ وَلَا امته - ﷺ َ -
اعْلَم أَنه لَو امْتنع أَن يتعبد النَّبِي الثَّانِي بشريعة الأول لَكَانَ إِنَّمَا امْتنع لوجه مَعْقُول وَلَا وَجه لذَلِك إِلَّا ان يُقَال إِنَّه يمْتَنع أَن تكون مصلحَة النَّبِي الثَّانِي ومصلحة امته مصلحَة النَّبِي الأول أَو يُقَال إِن مَجِيء النَّبِي الثَّانِي بشريعة الأول
[ ٢ / ٣٣٦ ]
عَبث وَالْأول بَاطِل لِأَنَّهُ كَمَا لَا يمْتَنع فِي الْعقل أَن تكون مصلحَة النَّبِي الثَّانِي مَعَ امته مُخَالفَة الأول كَذَلِك لَا يمْتَنع أَن تكون مُوَافقَة لمصْلحَة الأول لَا فرق فِي الْعُقُول بَين الْأَمريْنِ واما الثَّانِي فَبَاطِل أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يتعبد النَّبِي الثَّانِي بِالرُّجُوعِ إِلَى دُعَاء النَّبِي الأول ويوحى إِلَيْهِ بعبادات زَائِدَة اَوْ بِشُرُوط زَائِدَة على الْعِبَادَات الَّتِي علمهَا من النَّبِي الأول أَو يُوحى إِلَيْهِ بشريعة الأول لِأَنَّهَا قد درست أَو يُوحى إِلَيْهِ بهَا وَيبْعَث إِلَى غير من بعث إِلَيْهِ النَّبِي الأول وَمَعَ كل هَذِه الْوُجُوه لَا يحصل الْعَبَث
فَأَما كَون نَبينَا ﷺ متعبدا قبل الْبعْثَة بشريعة من تقدمه فقد منع قوم مِنْهُ وَقَالَ بِهِ قوم وَتوقف فِيهِ آخَرُونَ وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن الشَّيْخ أَبَا هِشَام توقف فِيهِ فِي بعض الْمَوَاضِع وَاخْتلفُوا بعد النُّبُوَّة فَقَالَ قوم كَانَ متعبدا بشريعة من قبله إِلَّا مَا اسْتثِْنَاء الدَّلِيل وَقَالَ آخَرُونَ مَا كَانَ متعبدا بذلك وَاخْتلف من قَالَ كَانَ متعبدا بذلك قبل النُّبُوَّة وَبعدهَا فَقَالَ قوم كَانَ متعبدا بشريعة إِبْرَاهِيم وَقَالَ آخَرُونَ بل بشريعة مُوسَى ﵇
وَالدّلَالَة على انه لم يكن متعبدا قبل النُّبُوَّة بذلك أَنه لَو كَانَ متعبدا بذلك لَكَانَ يفعل مَا تعبد بِهِ وَلَو فعل ذَلِك لَكَانَ يخالط من ينْقل ذَلِك الشَّرْع من النَّصَارَى وَغَيرهم فيفعل فعلهم وَقد نقلت أَفعاله قبل الشَّرِيعَة والبعثة وَعرفت أَحْوَاله وَلم ينْقل أَنه كَانَ يفعل مَا كَانَت النَّصَارَى تَفْعَلهُ وَلَا يخالطهم أَو يخالط غَيرهم ويسألهم عَن شرعهم
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَنَّهُ قد كَانَ قبل الْبعْثَة يحجّ ويعتمر وَيَطوف بِالْبَيْتِ ويعظمه ويزكي وَيَأْكُل اللَّحْم ويركب الْبَهَائِم وَيحمل عَلَيْهَا وكل ذَلِك لَا يحسن إِلَّا شرعا فَالْجَوَاب إِنَّه لَو يثبت أَنه حج وَاعْتمر قبل الْبعْثَة وَتَوَلَّى التَّزْكِيَة بِنَفسِهِ وَلَا أَمر بهَا واما اكل اللَّحْم المزكى فَحسن فِي الْعقل لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرَر على اُحْدُ وَفِيه مَنْفَعَة للآكل وَأما ركُوب الْبَهَائِم وَالْحمل عَلَيْهَا فَحسن فِي الْعقل عِنْد الشَّيْخ أبي هَاشم لِأَنَّهُ ضَرَر يُؤَدِّي إِلَى نفع أعظم
[ ٢ / ٣٣٧ ]
مِنْهُ وَهُوَ الْقيام بمصالحها وإيصال النَّفْع إِلَيْهَا واما الطّواف بِالْبَيْتِ فَيحْتَمل أَن يكون إِنَّمَا فعله ليتشاغل كَمَا يتشاغل الْإِنْسَان بِالْمَشْيِ ويستروح إِلَيْهِ إِذا كَانَ مفكرا وعَلى أَنه لَيْسَ يجب أَن يكون فعله لذَلِك كثيرا حَتَّى يمْتَنع عَلَيْهِ واما تَعْظِيمه للبيت فَيحْتَمل أَن يكون عظمه لِأَن إِبْرَاهِيم ﵇ عظمه وَالْعقل يَقْتَضِي حسن تَعْظِيم أَمَاكِن الْأَنْبِيَاء وتمييزها وتعظيم مَا عظموه مَا لم يثبت نسخه
وَأما الدّلَالَة على انه مَا كَانَ متعبدا من قبله بعد الْبعْثَة هِيَ أَن الْقَائِل كَانَ متعبدا بذلك لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُرِيد أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَيْهِ بِلُزُوم الْعِبَادَات الَّتِي تعبد بهَا من قبله وَأوحى إِلَيْهَا بصفاتها فَلَا يرجع فِي كلا الْأَمريْنِ إِلَى النَّقْل عَمَّن تقدم أَو يَقُول إِنَّه يرجع فِي وجوب شرع من تقدم وَفِي صِفَاته إِلَى النَّقْل كَمَا نفعله نَحن فِي شَرعه أَو يَقُول إِنَّه أوحى إِلَيْهِ بِوُجُوب الْعِبَادَات الَّتِي هِيَ شرع من تقدم وَأمر بِالرُّجُوعِ إِلَى النَّقْل عَمَّن تقدم فِي معرفَة صفاتها فَهُوَ يرجع فِي وُجُوبهَا إِلَى الْوَحْي فِي صفاتها إِلَى النَّقْل أَو يَقُول إِنَّه يرجع فِي وُجُوبهَا إِلَى النَّقْل الْمُتَوَاتر وَفِي معرفَة صفاتها إِلَى الْوَحْي الْمنزل عَلَيْهِ فان أَرَادَ الأول فَلَا يَخْلُو أَن يَقُول إِن جَمِيع مَا أُوحِي إِلَيْهِ هُوَ شرع نَبِي تقدم إِمَّا مُوسَى وَإِمَّا غَيره أَو يَقُول إِن بعض مَا أوحى إِلَيْهِ هُوَ شرع نَبِي تقدم وَالْأول بَاطِل لِأَن كثيرا من شَرعه لَا يُوَافق شرع مُوسَى والمسيح وَغَيرهمَا وَإِن اراد الثَّانِي لم نأباه وَلَا يجوز أَن يُقَال لأجل مَا وَقع الِاتِّفَاق فِيهِ إِنَّه متعبد فِيهِ بشرع من تقدمه لِأَنَّهُ إِنَّمَا علمه بِالْوَحْي فاضافة ذَلِك إِلَى الْوَحْي الْمنزل عَلَيْهِ أولى وَأما الْوُجُوه الثَّلَاثَة فباطلة من وُجُوه
مِنْهَا أَنه ﷺ كَانَ ينْتَظر الْوَحْي عِنْد الْحَوَادِث كالظهار وَاللّعان والإفك وَغير ذَلِك وَلَا يسْأَل عَن التَّوْرَاة فَلَو كَانَ متعبدا بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا أَو إِلَى غَيرهَا فِي معرفَة الْعِبَادَات وَفِي معرفَة صفاتها لرجع إِلَيْهَا فان قيل إِنَّمَا لم يرجع إِلَيْهَا فِي معرفَة هَذِه الْأَحْكَام وَغَيرهَا لِأَنَّهَا مُسْتَثْنَاة مِمَّا تعبد فِيهِ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا فَكَأَنَّهُ تعبد بِالرُّجُوعِ إِلَى التَّوْرَاة إِلَّا فِي هَذِه الْأَحْكَام قيل إِنَّه لم يرجع
[ ٢ / ٣٣٨ ]
إِلَيْهَا إِلَّا فِي الرَّجْم فَكَانهُ مَا تعبد بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا إِلَّا فِي ذَلِك فَقَط وَهَذَا رُجُوع إِلَى مَا قُلْنَاهُ من أَنه لم يكن متعبدا بِالتَّوْرَاةِ فِي الأَصْل وَيبقى الْخلاف فِي الرَّجْم وسنبين أَنه لم يرجع إِلَيْهَا ليستفيد الحكم مِنْهَا وَلَو ثَبت أَنه أَرَادَ الاستفادة للْحكم مِنْهَا لوَجَبَ أَن لَا يكون متعبدا بِالرُّجُوعِ إِلَى التَّوْرَاة إِلَّا فِي الرَّجْم فَقَط وَأَيْضًا فان السّلف لم يرجِعوا فِي شَيْء من الْحَوَادِث إِلَى نقل أهل الْملَل وَلم يسألوهم عَن شرعهم فِيهَا وَلَو كَانُوا متعبدين بذلك لجرت كتب الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين مجْرى الْقُرْآن وَالسّنة فِي وجوب الرُّجُوع إِلَيْهَا فان قيل إِنَّمَا كَانُوا متعبدين بِمَا تَوَاتر من شرع من تقدم دون مَا نقل بالآحاد لِأَن نقل الْوَاحِد والاثنين من الْكفَّار لَا يجوز الْعَمَل بِهِ وَلم يفحصوا عَن شرعهم لِأَن مَا تَوَاتر نَقله يبلغهم من غير فحص قيل لَيْسَ كَذَلِك لِأَن كثيرا مِمَّا تَوَاتر نَقله لَا يعرفهُ إِلَّا من خالط النقلَة وفحص عَن نقلهم أَلا ترى أَن كثيرا من فَتَاوَى السّلف وَمَا شجر بَينهم يعرف بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر وَلَا يعرفهُ من لم يخالط النقلَة وَأَيْضًا فالنبي ﷺ لما قَالَ لَهُ معَاذ أحكم بِكِتَاب الله وَسنة رَسُول الله وَقَالَ من بعد أجتهد رَأْيِي صَوبه وَلم يعرفهُ أَنه يجب عَلَيْهِ الحكم بِمَا فِي التوارة وَالْإِنْجِيل فان قيل فقد دخلت التَّوْرَاة فِي قَوْله أحكم بِكِتَاب الله قيل إِن إِطْلَاق قَوْله كتاب الله لَا يعقل مِنْهُ فِي الشَّرِيعَة إِلَّا الْقُرْآن أَلا ترى أَنه الْمَفْهُوم من قَوْله قَرَأت كتاب الله ورأينا كتاب الله وحكمنا بِكِتَاب الله دَلِيل وَأَيْضًا لَو كَانَ ﷺ مُخَاطبا بشرع من سلف لم يخل إِمَّا أَن يكون مُخَاطبا بشرع مُوسَى أَو الْمَسِيح أَو شرع من تقدمهما وَلَا يجوز كَونه مُخَاطبا بشرع مُوسَى لِأَنَّهُ كَانَ مَنْسُوخا بشرع الْمَسِيح وَلَا يجوز أَن يكون مُسْتَعْملا لشرع الْمَسِيح لِأَنَّهُ لَيْسَ اُحْدُ من الْأمة قَالَ بذلك لِأَن الْأمة على ثَلَاثَة أقاويل مِنْهُم من قَالَ لم يكن متعبدا بشرائع من سلف وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّمَا تعبد بشرع مُوسَى ﵇ وَلِهَذَا يرجع إِلَى التَّوْرَاة وَمِنْهُم قَالَ إِنَّه تعبد بشرائع من سلف إِلَّا مَا منع مِنْهُ الدَّلِيل دَلِيل آخر لَو كَانَ متعبدا بشرع من سلف لم ينْسب جَمِيع شَرعه إِلَيْهِ كَمَا لَا ينْسب شَرعه إِلَى بعض أمته لما كَانَت أمته
[ ٢ / ٣٣٩ ]
استفادت مِنْهُ شَرعه ﷺ
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا قَول الله ﷿ ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ قَالُوا وشرعه من هدَاهُم فَوَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعه فَالْجَوَاب إِن الله ﷿ أمره بِاتِّبَاع هدى مُضَاف إِلَى جَمَاعَتهمْ وَالْهدى الْمُضَاف إِلَى جَمَاعَتهمْ هُوَ الْعدْل والتوحيد دون الشَّرَائِع الَّتِي لم يجتمعوا عَلَيْهَا
وَمِنْهَا قَول الله ﷿ ﴿إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ﴾ الْآيَة قَالُوا فَبين أَنَّهَا منزلَة ليحكم بهَا نَبينَا ﷺ إِذا هُوَ من جملَة النَّبِيين ﵈ فَالْجَوَاب أَن ظَاهر ذَلِك يَقْتَضِي أَن يحكم بهَا كل النَّبِيين وَذَلِكَ يُوجب حمله على الحكم بِالتَّوْحِيدِ وَالْعدْل ليدْخل جَمِيع النَّبِيين فِيهِ فَنحْن إِذا حملنَا الْآيَة على ذَلِك أمكننا أَن يكون المُرَاد جَمِيع النَّبِيين وَإِذا حملوه على الحكم بالشرائع لم يُمكن دُخُول جَمِيع النَّبِيين فِيهِ لِأَن بَعضهم قد نسخ بعض مَا فِي التَّوْرَاة فاذا كُنَّا تاركين لأحد ظاهري الْآيَة وَهُوَ الحكم بجميعها ومتمسكين بِالظَّاهِرِ الآخر وَهُوَ حكم جَمِيع النَّبِيين والمستدل بِالْآيَةِ كَذَلِك يفعل ساويناه وَسقط استدلاله
وَمِنْهَا قَول الله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْك كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نوح والنبيين من بعده﴾ الْآيَة وَالْجَوَاب إِنَّه ﷿ لم يقل إِنَّه أُوحِي إِلَيْهِ بِمَا اوحى إِلَى نوح والنبيين من بعده وَإِنَّمَا قَالَ إِنَّه أُوحِي إِلَيْهِ كَمَا أوحى إِلَى غَيره ليزيل تعجب من تعجب بِأَن يوحي الله ﷿ إِلَيْهِ كَمَا أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لغيره كَيفَ راسلني بك فَقَالَ كَمَا راسلك بفلان وَفُلَان لم يفد ذَلِك أَنه راسله بِمَا راسله على لِسَان فلَان وَفُلَان يبين ذَلِك أَنه قَالَ فِي آخر الْكَلَام
[ ٢ / ٣٤٠ ]
﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ فَبين أَن إرْسَاله الرُّسُل غير مُنكر وَلَا مستطرف على أَنه لَو دلّت الْآيَة على أَنه أوحى إِلَيْهِ بِمَا أوحى إِلَى غَيره لدل ذَلِك على أَنه تعبد بشرائع من قبله بِأَمْر مُبْتَدأ
وَمِنْهَا قَول الله تَعَالَى ﴿ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ فَالْجَوَاب إِن اسْم الْملَّة لَا يَقع إِلَّا على الاصول من التَّوْحِيد وَالْعدْل وَالْإِخْلَاص لله بِالْعبَادَة دون الْفُرُوع لِأَنَّهُ لَا يُقَال مِلَّة أبي حنيفَة وملة الشَّافِعِي وَيُرَاد مَذْهَبهمَا وَلَا يُقَال ملتهما مُخْتَلفَة وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ فَعلمنَا أَنه أَرَادَ بالملة أصل الدّين وَلِأَن شَرِيعَة إِبْرَاهِيم قد كَانَ انْقَطع نقلهَا وَلَا يجوز أَن يحثه الله ﷿ على اتِّبَاع مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى﴾ الْآيَة فَالْجَوَاب إِن اسْم الدّين يَقع على الاصول دون الْفُرُوع وَلِهَذَا لَا يُقَال دين الشَّافِعِي وَيُرَاد بِهِ مذْهبه وَلَا يُقَال دينه وَدين أبي حنيفَة مُخْتَلف على أَن قَوْله ﴿أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا﴾ دلَالَة على أَن الَّذِي شَرعه لنا مِمَّا وصّى بِهِ نوحًا هُوَ ترك التَّفَرُّق وَأَن نتمسك بِمَا شرع وَلَو دلّت الْآيَة على أَنه ﷺ تعبد بشرع من قبله لدلت على أَنه تعبد بذلك بِأَمْر مُبْتَدأ
وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ رَجَعَ إِلَى التَّوْرَاة فِي رجم الْيَهُودِيين يُقَال لَهُم وَلم قُلْتُمْ إِنَّه رَجَعَ إِلَيْهَا ليستفيد الحكم مِنْهَا وهلا قُلْتُمْ إِنَّه رَجَعَ إِلَيْهَا ليقررهم على صدقه فِي حكايته أَن الرَّجْم مَذْكُور فِيهَا وَلَو رَجَعَ ليستفيد الحكم مِنْهَا لرجع إِلَيْهَا فِي غير ذَلِك من الْأَحْكَام ولرجع إِلَيْهَا فِي شَرَائِط الرَّجْم كالإحصان وَغَيره وَلما اعْتمد على من أخبرهُ فِي تِلْكَ الْحَال لأَنهم لم يَكُونُوا
[ ٢ / ٣٤١ ]
بِصُورَة المتواترين وأخبار آحَاد الْكفَّار غير مَعْلُوم بهَا وَأَيْضًا فكون التَّوْرَاة محرفة يمْنَع من الرُّجُوع إِلَيْهَا وَمن استفادة الحكم مِنْهَا - ﷺ َ - بَاب فِي ذكر فُصُول كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال على الْأَحْكَام - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الِاسْتِدْلَال على الْأَحْكَام ضَرْبَان اسْتِدْلَال بِدَلِيل شَرْعِي كالخطاب وَالْأَفْعَال وَالْقِيَاس واستدلال بِالْبَقَاءِ على حكم الْعقل وَكِلَاهُمَا يفتقران إِلَى الْمعرفَة بحكمة الْمُكَلف ويفتقر الِاسْتِدْلَال بِالْخِطَابِ إِلَى معرفَة مَا يفِيدهُ الْخطاب وَقد تقدم بَيَان فَوَائِد الْخطاب
فالاستدلال بالأدلة يخْتَلف بِحَسب تجردها عَن قرينَة وبحسب اقتران الْقَرَائِن بهَا وَالْخطاب من الْأَدِلَّة مِنْهُ مُشْتَرك بَين حقيقتين وَمِنْه غير مُشْتَرك وَحَقِيقَة الْخطاب قد تكون لغوية وَقد تكون شَرْعِيَّة وَقد تكون عرفية والقرائن قد تعدل بِالْخِطَابِ عَن ظَاهره وَقد تكون مكملة لظاهره وَيَنْبَغِي أَن نذْكر صفة الْمُكَلف الَّتِي يُمكن مَعهَا الِاسْتِدْلَال على الْأَحْكَام وَنَذْكُر كَيْفيَّة التَّوَصُّل إِلَى الْأَحْكَام فِي الْجُمْلَة وَنَذْكُر الْخطاب الَّذِي لَيْسَ بمشترك وَهُوَ متجرد وَكَيف يسْتَدلّ بِهِ على حقائقه اللُّغَوِيَّة والعرفية والشرعية وَنَذْكُر كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال مَعَ الْقيَاس المكمل وَنَذْكُر كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بِالْخِطَابِ الَّذِي لَيْسَ بمشترك على مجازه إِذا اقترنت بِهِ الْقَرَائِن وَنَذْكُر كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بِالْخِطَابِ الْمُشْتَرك إِذا اقترنت بهَا الْقَرَائِن وَإِذا لم تقترن بِهِ وَنَذْكُر مَا يشبه بالقرائن مِمَّا لَيْسَ بِقَرِينَة على الْحَقِيقَة وَنَذْكُر من الَّذِي يجب أَن يبين لَهُ مَدْلُول الْخطاب حَتَّى نحمله على ظَاهره
[ ٢ / ٣٤٢ ]
- ﷺ َ - بَاب فِي صفة الْمُكَلف الَّتِي مَعهَا يُمكن الِاسْتِدْلَال على الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَفِي كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال على الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة - ﷺ َ -
اعْلَم أَن صفة الْمُكَلف الَّتِي مَعهَا يُمكن الِاسْتِدْلَال على الْأَحْكَام هِيَ كَونه عَالما بقبح الْقَبِيح وبوجوب الْوَاجِب وَبِأَنَّهُ عَالم غَنِي عَن فعل الْقَبِيح وَعَن الْإِخْلَال بِالْوَاجِبِ فَمَتَى علم الْمُسْتَدلّ ذَلِك علم أَنه لَا يجوز أَن لَا يعرفنا البارىء ﷿ مصالحنا ومفاسدنا لِأَن تَعْرِيف الألطاف وَاجِب والحكيم لَا يخل بِوَاجِب وَيعلم أَيْضا انه لَا يجوز ان يدلنا ويخاطبنا بِمَا يُفِيد فِي الْمُوَاضَعَة شَيْئا مَا إِلَّا وَهُوَ عَالم بَان مَا يفِيدهُ الْخطاب على مَا يفِيدهُ إِمَّا أَن يفِيدهُ بِمُجَرَّدِهِ أَو بِقَرِينَة لِأَنَّهُ لَو لم يعلم ذَلِك لَكَانَ قد لبس علينا ودلنا على خلاف الْحق وَذَلِكَ قَبِيح
أما التَّوَصُّل إِلَى الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَهُوَ أَن الْمُجْتَهد إِذا أَرَادَ معرفَة حكم الْحَادِثَة فَيجب أَن ينظر مَا حكمهَا فِي الْعقل ثمَّ ينظر هَل يجوز أَن يتَغَيَّر حكم الْعقل فِيهَا وَهل فِي أَدِلَّة الشَّرْع مَا يَقْتَضِي تقدم ذَلِك الحكم أم لَا فَإِن لم يجد مَا يَنْقُلهُ عَن الْعقل قضي بِهِ وَالشّرط فِي ذَلِك هُوَ علمه بانه لَو كَانَت الْمصلحَة قد تَغَيَّرت عَمَّا يَقْتَضِيهِ الْعقل لما جَازَ أَن لَا يدلنا الله تَعَالَى على ذَلِك فَإِن وجد فِي الشَّرْع مَا يدل على نَقله قضي بانتقاله لِأَن الْعُقُول إِنَّمَا دلّت على تِلْكَ الْأَحْكَام بِشَرْط أَن لَا ينقلنا عَنهُ دَلِيل شَرْعِي
وَالدّلَالَة الشَّرْعِيَّة ضَرْبَان خطاب وَغير خطاب وَهُوَ الْأَفْعَال وَالْقِيَاس والاستنباط وَالشّرط فِي الِاسْتِدْلَال بِأَفْعَال النَّبِي ﷺ هُوَ علمنَا بِأَنَّهُ ﷺ لَا يفعل على وَجه الْعِبَادَة مَا لَيْسَ بِطَاعَة وان نعلم أَن مَا هُوَ وَاجِب عَلَيْهِ أَو ندب مِنْهُ فَهُوَ وَاجِب علينا أَو ندب منا إِلَّا أَن يدل دَلِيل على خِلَافه وَالشّرط فِي الِاسْتِدْلَال بِالْقِيَاسِ هُوَ أَن نعلم أَنا متعبدون بِهِ وَأَن حِكْمَة الله
[ ٢ / ٣٤٣ ]
تَقْتَضِي أَنا مَا تعبدنا بِهِ إِلَّا وَذَلِكَ مصلحتنا
وَأما الْأَدِلَّة الَّتِي هِيَ الْخطاب فَهُوَ خطاب الله وخطاب رَسُوله ﷺ وخطاب الْأمة وَقد يسْتَدلّ على الحكم بِالْخِطَابِ وبالإمساك عَن الْخطاب وَعَن غَيره من الْأَدِلَّة وَالشّرط فِي الإستدلال بخطاب الله أَن نعلم مَا يفِيدهُ الْخطاب بِمُجَرَّدِهِ وَمَا يفِيدهُ مَعَ قرينَة وَأَن الله تَعَالَى لَا يجرد خطابا يُفِيد فِي الْمُوَاضَعَة شَيْئا مَا إِلَّا وَقد علم أَن فَائِدَته على مَا أَفَادَهُ الْخطاب إِمَّا بِمُجَرَّدِهِ وَإِمَّا مَعَ قرينَة وَالشّرط فِي الِاسْتِدْلَال بإمساكه عَن أَن يدلنا على الحكم أَن نعلم أَنه لَو كَانَ الحكم حَاصِلا لدلنا على حُصُوله وَالشّرط فِي الِاسْتِدْلَال بخطاب النَّبِي ﷺ هُوَ أَن نعلم فَائِدَة الْخطاب ونعلم أَن الله سُبْحَانَهُ لَا يبْعَث من يخبر بِالْكَذِبِ وَلَا يُنْهِي عَن حسن وَلَا يَأْمر بقبيح وَالشّرط فِي الِاسْتِدْلَال بِتَرْكِهِ أَن يُؤَدِّي إِلَيْنَا الْعِبَادَة هُوَ علمنَا أَنه مَعَ حكمته لَا يجوز أَن يبْعَث من يعلم أَنه يخفي عَنَّا مصالحنا وَالشّرط فِي الِاسْتِدْلَال بِالْإِجْمَاع هُوَ أَن نعلم أَن الله ﷿ أَو رَسُوله قد شهد أَنهم لَا يجمعُونَ على خطأ - ﷺ َ - بَاب فِي كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بِالْخِطَابِ الْمُجَرّد على حقائقه اللُّغَوِيَّة والعرفية والشرعية - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْخطاب إِذا كَانَ يسْتَعْمل فِي شَيْء على سَبِيل الْحَقِيقَة وَيسْتَعْمل فِي شَيْء آخر على سَبِيل الْمجَاز وتجرد عَن قرينَة فَالْوَاجِب حمله على حَقِيقَته دون الْمجَاز لِأَن الْغَرَض بِهِ الإفهام والمخاطب إِنَّمَا يفهم من الْخطاب حَقِيقَته وَيحْتَاج إِلَى قرينَة لفهم مجازه فَلَو كلفه الله تَعَالَى أَن يفهم مِنْهُ الْمجَاز من غير قرينَة لم يكن قد جعل لَهُ السَّبِيل إِلَى مَا كلفه
وَحَقِيقَة الْخطاب ضَرْبَان أَحدهمَا حَقِيقَة أَصْلِيَّة وَهِي اللُّغَوِيَّة وَالْأُخْرَى طارئة وَهِي ضَرْبَان إِحْدَاهمَا طارئة بمواضعة عرفية وَالْأُخْرَى بمواضعة
[ ٢ / ٣٤٤ ]
شَرْعِيَّة فَمَتَى كَانَ الْخطاب مُسْتَعْملا فِي شَيْء من جِهَة اللُّغَة ومستعملا فِي غَيره من جِهَة الْعرف وَلم يخرج بِالْعرْفِ من أَن يكون حَقِيقَة فِيمَا كَانَ مُسْتَعْملا فِيهِ من جِهَة اللُّغَة بل كَانَ حَقِيقَة فِي الْمَعْنى اللّغَوِيّ وَفِي الْمَعْنى الْعرفِيّ فَلَا يكون أَحدهمَا إِلَى الْفَهم أسبق عِنْد سَماع الْخطاب فَهُوَ مُشْتَرك بَينهمَا وَسَيَجِيءُ القَوْل فِي الِاسْم الْمُشْتَرك لِأَنَّهُ هُوَ الْمَفْهُوم من الْخطاب فَجرى مجْرى الْمجَاز
والحقيقة اللُّغَوِيَّة وَنَظِير ذَلِك اسْم الْغَائِط كَانَ حَقِيقَة فِي الْمَكَان المطمئن من الأَرْض ثمَّ صَار فِي الْعرف حَقِيقَة فِي قَضَاء الْحَاجة ومجازا فِي الْمَكَان المطمئن وَإِذا اسْتعْمل الْخطاب فِي الْعرف أَو اللُّغَة فِي شَيْء وَاسْتعْمل فِي الشَّرْع فِي شَيْء آخر وَكَانَ حَقِيقَة فِي الشَّرْعِيّ واللغوي أَو الْعرفِيّ فَهُوَ مُشْتَرك بَينهمَا وَإِن كَانَ مجَازًا فِي الْعرفِيّ أَو فِي اللّغَوِيّ وَجب حمله على الشَّرْعِيّ لِأَنَّهُ الْمَفْهُوم عِنْد سَماع الْخطاب وَذَلِكَ اسْم الصَّلَاة كَانَ حَقِيقَة فِي الدُّعَاء ثمَّ صَار مجَازًا فِيهِ حَقِيقَة فِي الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة لَا يفهم من إِطْلَاقه سواهَا فَصَارَ حمل الْخطاب على مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ أولى من حمله على الْعرفِيّ ثمَّ على الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة وَحمله على الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة أولى من حمله على مجازها فَإِذا تعذر ذَلِك حمل على مجازها فَإِن خطاب الله طائفتين بخطاب هُوَ حَقِيقَة عِنْد إِحْدَاهمَا فِي شَيْء وَعند الْأُخْرَى فِي شَيْء آخر فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَن يحملهُ كل وَاحِدَة من الطَّائِفَتَيْنِ على مَا تتعارفه لِأَنَّهُ السَّابِق إِلَى إفهامنا فَلَو أَرَادَ أحد الْمَعْنيين من كلا الطَّائِفَتَيْنِ لدل الطَّائِفَة الَّتِي لَا تعرف ذَلِك الْمَعْنى على أَنه قد أَرَادَهُ
فَإِن قيل فَمَا قَوْلكُم لَو حرم الله علينا أَن نسمي الدُّعَاء صَلَاة وَأوجب أَن نسمي الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة بذلك وعصينا فِي ذَلِك وَلم نتعارف من اسْم الصَّلَاة إِلَّا الدُّعَاء ثمَّ قَالَ لنا أقِيمُوا الصَّلَاة على مَاذَا كَانَ يَنْبَغِي لنا أَن نحمله عَلَيْهِ قيل إِن كَانَ قد أخبرنَا أَنه لَا يسْتَعْمل هَذَا الِاسْم إِلَّا فِي الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ يُرِيد بِهِ الشَّرْعِيَّة وَإِن لم يخبرنا بذلك فَإِنَّهُ لَا يُرِيد بِهِ إِلَّا الدُّعَاء لِأَنَّهُ الْمَفْهُوم عندنَا وَلَيْسَ يجب إِذا قبح منا اسْتِعْمَال هَذَا الِاسْم فِي الدُّعَاء أَن يقبح من الله تَعَالَى ذَلِك
[ ٢ / ٣٤٥ ]
- ﷺ َ - بَاب فِي كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بِالْخِطَابِ مَعَ الْقَرَائِن المكملة لظاهره - ﷺ َ -
اعْلَم أَن هَذِه الْقَرَائِن مِنْهَا مَا ترجع إِلَى حَال الْمُخَاطب وَمِنْهَا مَا لَا ترجع إِلَى حَاله فَالْأول كاستدلالنا بِكَلَام النَّبِي ﷺ وبكونه منتصبا لتعليم الشَّرْع على انه عَنى بخطابه حكما شَرْعِيًّا وَهَذَا إِذا كَانَ خطابه مترددا بَين حكم شَرْعِي وعقلي لِأَنَّهُ منتصب لتعليم الشَّرْع فَأَما إِذا كَانَ ظَاهر خطابه يُفِيد حكما عقليا ومجازه يُفِيد الشَّرْعِيّ فَالْوَاجِب حمله على ظَاهره لأَنا إِنَّمَا نرجح حمله على الشَّرْعِيّ بِكَوْن النَّبِي ﷺ منتصبا لتعليم الشَّرْع وَذَلِكَ إِنَّمَا يتم مَعَ تردد خطابه بَين الشَّرْعِيّ والعقلي على سَوَاء فَأَما إِذا كَانَ ظَاهره مَعَ احدهما فَلَا تَرْجِيح وَكَذَلِكَ إِذا تردد خطابه بَين تَعْلِيم اسْم لغَوِيّ وشرعي فَإِنَّهُ يجب حمله على تَعْلِيم الِاسْم الشَّرْعِيّ لِأَن اللّغَوِيّ يعرف من دونه ﷺ
وَاعْلَم أَن كل خطاب فَإِنَّهُ لَا بُد فِي الِاسْتِدْلَال بِهِ من اعْتِبَار حَال الْمُتَكَلّم بِهِ أَلا ترى أَنا نعتبر حكمته وَإِنَّمَا أردنَا الْأَحْوَال الَّتِي لَهَا نعدل بِالْخِطَابِ من معنى إِلَى معنى مَعَ كَونه مترددا بَينهمَا
وَأما الْقَرِينَة الَّتِي لَيست بِحَال الْمُتَكَلّم فضربان أَحدهمَا أَن تكون الْقَرِينَة خطابا آخر وَالْآخر أَن تكون الْقَرِينَة تعلقا بَين مَا تنَاوله الْخطاب وَبَين مَا لم يتَنَاوَلهُ
أما الضَّرْب الأول فأشياء
مِنْهَا أَن يكون أحد الخطابين يدل على أَن الشَّيْء صفة وَالْآخر يدل على اخْتِصَاص تِلْكَ الصّفة بِحكم من الْأَحْكَام فنعلم أَن ذَلِك الشَّيْء يخْتَص بذلك الحكم وَذَلِكَ مثل قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ وَذَلِكَ يدل على أَن الْقُرْآن ذكر وَقَوله تَعَالَى ﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث إِلَّا استمعوه وهم يَلْعَبُونَ﴾
[ ٢ / ٣٤٦ ]
يدل على حدث الذّكر فَوَجَبَ من كلا الِاثْنَيْنِ كَون الْقُرْآن مُحدثا
وَمِنْهَا مَا يدل الْخطاب على اخْتِصَاص حكم بشيئين وَيدل خطاب آخر على أَن أحد الشَّيْئَيْنِ يخْتَص بِبَعْض ذَلِك الحكم فنعلم أَن الشَّيْء الآخر يخْتَص بِبَقِيَّة ذَلِك الحكم كَقَوْل الله سُبْحَانَهُ ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ يدل على أَن مُدَّة الْحمل وَمُدَّة الرَّضَاع ثَلَاثُونَ شهرا وَدلّ قَوْله ﴿وفصاله فِي عَاميْنِ﴾ على أَن الْحمل يكون سِتَّة أشهر لِأَن الفصال يكون فِي عَاميْنِ
وَمِنْهَا أَن يكون أحد الخطابين طَرِيقا إِلَى أَن لشَيْء من الْأَشْيَاء حكما وَأَنه لَيْسَ لغيره وَيدل خطاب على أَن ذَلِك الحكم الْمَذْكُور لبَعض الْأَشْيَاء فنعلم أَنه هُوَ الأول أَو جُزْء مِنْهُ نَحْو قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿شهر رَمَضَان الَّذِي أنزل فِيهِ الْقُرْآن﴾ يدل على أَن ابْتِدَاء نزُول الْقُرْآن فِي شهر رَمَضَان لعلمنا أَن كثيرا مِنْهُ قد نزل فِي غير شهر رَمَضَان وَقَوله ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر﴾ يدل على أَن ابْتِدَاء نُزُوله فِي لَيْلَة الْقدر وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا وَلَيْلَة الْقدر هِيَ جُزْء من هر رَمَضَان وَهَذَا إِنَّمَا يَصح مَتى ثَبت بِالْإِجْمَاع أَن قَوْله ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر﴾ يُفِيد أَن ابْتِدَاء نُزُوله فِي لَيْلَة الْقدر
فَأَما إِذا كَانَت الْقَرِينَة تعلقا بَين فَائِدَة الْخطاب وَبَين غَيره فضربان أَحدهمَا أَن يكون بَينهمَا تعلق التَّعْلِيل وَهَذَا هُوَ الْقيَاس وَقد تقدم القَوْل فِيهِ وَالْآخر لَا يكون تعلق التَّعْلِيل إِلَّا أَنه لَا يثبت أَحدهمَا إِلَّا مَعَ الآخر وَهُوَ ضَرْبَان احدهما هَذَا حكمه لمَكَان الْإِجْمَاع وَإِن لم يعلم التَّعَلُّق بَينهمَا وَالْآخر هَذَا حكمه لِأَنَّهُ لَا يُمكن انفكاك كل وَاحِد مِنْهُمَا من صَاحبه أما الأول فمثاله أَن
[ ٢ / ٣٤٧ ]
يدل الظَّاهِر على ان الْخَال يَرث وَتجمع الْأمة على أَن الْخَالَة بمثابته فِي إِثْبَات الْإِرْث ونفيه فنحكم بذلك وَإِن لم نَعْرِف وَجه التَّعَلُّق بَينهمَا وَأما الثَّانِي فضربان أَحدهمَا ان يكون ذَلِك الْمَعْنى وصلَة إِلَى فَائِدَة الْآيَة كالأمر بِالطَّهَارَةِ يَقْتَضِي وجوب اسْتِيفَاء المَاء وَالْآخر أَن لَا يكون وصلَة إِلَيْهِ وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون الحكم إِبَاحَة فَيعلم إِبَاحَة مَا لَا يتم الْفِعْل الْمُبَاح إِلَّا مَعَه وَالْآخر أَن يكون الحكم وجوبا فَيعلم وجوب مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا مَعَه فَالْأول قَول الله تَعَالَى ﴿فَالْآن باشروهن وابتغوا مَا كتب الله لكم وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر﴾ فأباح الله الْأكل وَالْجِمَاع إِلَى الْفجْر وَلَيْسَ يُمكن إِبَاحَة الوطيء إِلَى الْفجْر إِلَّا وَالْغسْل وَاقع بعد الْفجْر فَدلَّ على إِبَاحَة تَأَخره عَن الْفجْر وَأما إِذا كَانَ الحكم إِيجَابا فمثاله ايجاب ستر جَمِيع الْفَخْذ لَا يُمكن إِلَّا بستر جُزْء من الرّكْبَة فَدلَّ على وجوب ستر جُزْء من الرّكْبَة - ﷺ َ - بَاب فِي كَيْفيَّة حمل خطاب الْحَكِيم على غير ظَاهره إِذا اقترنت بِهِ الْقَرَائِن - ﷺ َ -
اعْلَم ان خطاب الله وخطاب رَسُوله لَا بُد من أَن يُفِيد أَشْيَاء وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون مُحْتملا لأكْثر من حَقِيقَة وَاحِدَة فَيكون مُشْتَركا بَينهمَا وَإِمَّا أَن لَا يحْتَمل أَكثر من حَقِيقَة وَاحِدَة وَهَذَا الْقسم إِمَّا أَن يكون عَاما أَو خَاصّا فان كَانَ خَاصّا فاما أَن يتجرد عَن قرينَة أَو لَا يتجرد عَن قرينَة فان تجرد عَن قرينَة حمل الْخطاب على ظَاهره وَإِن لم يتجرد عَنْهَا فإمَّا أَن تدل الْقَرِينَة على أَن المُرَاد لَيْسَ هُوَ ظَاهره أَو تدل على ان المُرَاد هُوَ ظَاهره أَو تدل على ان المُرَاد ظَاهر الْخطاب وَغير ظَاهره فَإِن دلّت على أَن المُرَاد لَيْسَ هُوَ ظَاهره خرج ظَاهره من أَن يكون مرَادا وَلَا يَخْلُو ذَلِك الْخطاب إِمَّا أَن يكون متجوزا
[ ٢ / ٣٤٨ ]
بِهِ فِي غير ظَاهره أَو غير متجوز بِهِ فِي غير ظَاهره فان لم يكن متجوزا بِهِ فِي غير ظَاهره على تعذر ذَلِك وَجب أَن يقْتَرن بِهِ قرينَة تدل على المُرَاد لِأَن الْخطاب لَيْسَ يتَنَاوَل غير ظَاهره فَيحمل عَلَيْهِ وَإِن كَانَ قد تجوز بِهِ فِي غير ظَاهره لم يخل وَجه الْمجَاز الَّذِي يسْتَعْمل الْخطاب فِيهِ إِمَّا أَن يكون وَاحِدًا أَو أَكثر من وَاحِد فان كَانَ وَاحِدًا حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ من غير افتقار إِلَى دلَالَة زَائِدَة لِأَن الْحَكِيم إِذا خلا خطابه من قرينَة تدل على أَنه أَرَادَ غير فَائِدَته اللُّغَوِيَّة فَلَا بُد من أَن يُرِيد مَا يعنيه بِهِ أهل اللُّغَة فان لم يعن بِهِ الْحَقِيقَة فَلَيْسَ إِلَّا الْمجَاز وَإِن كَانَ وَجه الْمجَاز الَّذِي يسْتَعْمل فِيهِ الْخطاب أَكثر من وَاحِد لم يخل من أَن تدل دلَالَة مُبتَدأَة على المُرَاد بِعَيْنِه أَو لَا تدل دلَالَة على ذَلِك فان دلّت دلَالَة مُبتَدأَة على المُرَاد بِعَيْنِه لم تخل وُجُوه الْمجَاز إِمَّا أَن تكون محصورة أَو غير محصورة فان لم تكن محصورة فَلَا بُد من أَن تدل دلَالَة على مَا أُرِيد مِنْهَا
هَكَذَا ذكر قَاضِي الْقُضَاة قَالَ لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يريدها الْمُخَاطب كلهَا مَعَ تعذر حصرها علينا وَيُمكن أَن يُقَال إِنَّه أرادها كلهَا على الْبَدَل لِأَن ذَلِك يُمكن مَعَ فقد الْحصْر وَمَعَ فقد دلَالَة على التَّعْيِين وَلَا يُمكن سواهُ يبين ذَلِك أَنه يحسن أَن نؤمر بِذبح بقرة فنكون مخيرين فِي ذبح أَي بقرة شِئْنَا وَإِن لم يمكنا حصر الْبَقر فَبَان أَن التَّخْيِير يُمكن مَعَ فقد الْحصْر
فَأَما من لم يجز أَن يُرَاد بِالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَة المعنيان المختلفان فانه يَجِيء على مذْهبه أَنه لَا بُد من دلَالَة تدل على المُرَاد بِعَيْنِه لِأَن اللَّفْظَة مَا وضعت للتَّخْيِير فان كَانَت وُجُوه الْمجَاز محصورة فانه لَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون مُتَسَاوِيَة فِي الْقرب من الْحَقِيقَة وَقُوَّة الشّبَه بهَا أَو لَا تكون مُتَسَاوِيَة فِي ذَلِك فان كَانَ بَعْضهَا أشبه بِالْحَقِيقَةِ من بعض حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ لِأَن أسبق إِلَى الإفهام لقُوَّة شبهه وَيخرج الْبَاقِي من أَن يكون مرَادا كَمَا أَن الْخطاب إِذا حمل على حَقِيقَته لم يحمل على مجازه إِلَّا بِدَلِيل وَهَذَا يتم على قَول الْفَرِيقَيْنِ وَإِن كَانَت وُجُوه الْمجَاز مُتَسَاوِيَة
[ ٢ / ٣٤٩ ]
لم يخل إِمَّا أَن تدل دلَالَة على أَن بَعْضهَا غير مُرَاد أَو لَا تدل دلَالَة على ذَلِك فان لم تدل دلَالَة على ذَلِك حمل اللَّفْظ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضهَا لحمل الْخطاب عَلَيْهِ أولى من بعض فَلَو أَرَادَ الْحَكِيم بَعْضهَا لدل عَلَيْهِ فاذا حمل الْخطاب عَلَيْهِ فان كَانَت غير متنافية وَأمكن أَن يُرَاد بِالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَة حمل الْخطاب عَلَيْهَا أجمع وَإِن لم يُمكن أَن يُرَاد بِالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَة مَعًا حمل عَلَيْهَا على الْبَدَل وَالْأولَى أَن يُقَال على مَذْهَب هَؤُلَاءِ إِنَّه يَنْبَغِي أَن الْخطاب عَلَيْهَا على الْبَدَل وَإِن أمكن الْجَمِيع بَينهمَا لِأَن الْخطاب لَيْسَ بعام فَيتَنَاوَل الْجَمِيع
وَمِثَال الْمعَانِي الَّتِي تتنافى أَن ترَاد بِالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَة قَول الْقَائِل لغيره افْعَل إِذا دلّت الدّلَالَة على أَنه غير امْر فانه يَصح أَن يكون إِبَاحَة وَيصِح أَن يكون تهديدا واستعماله فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا مجَاز وَلَا يجوز أَن يسْتَعْمل فيهمَا على الْجمع مَعَ أَنه متناول لفعل وَاحِد فَأَما من يمْنَع أَن يُرَاد المعنيان بالعبارة الْوَاحِدَة فانه يَقُول لَا بُد فِي تَسَاوِي وُجُوه الْمجَاز من أَن يكون مُرَاد الْمُتَكَلّم وَاحِدًا مِنْهُمَا وَلَا بُد من أَن يدل على مُرَاده مِنْهَا فَأَما إِن دلّت الدّلَالَة على أَن بعض وُجُوه الْمجَاز لم يرد فانه يجب حمل الْخطاب على الْوَجْه الآخر إِن لم يبْق إِلَّا وَجه وَاحِد وَإِن بَقِي أَكثر من وَجه وَاحِد حمل عَلَيْهَا إِمَّا على الْجمع وَإِمَّا على الْبَدَل على قَول من أجَاز ذَلِك وَمن لم يجز ذَلِك يَقُول لَا بُد من قرينَة فان دلّت الدّلَالَة على أَن غير الظَّاهِر مُرَاد فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تعينه أَو لَا تعينه فان لم تعينه فَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِي الْقَرِينَة الدَّالَّة على أَن المُرَاد لَيْسَ هُوَ الظَّاهِر وَإِن عينته وَجب حمله على ذَلِك الْمعِين
وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة فِي الدَّرْس إِنَّه لَا تخرج الْحَقِيقَة من أَن تكون مُرَادة لِأَنَّهُ لَا يتنافى أَن تكون مُرَادة مَعَ أَن غَيرهَا مُرَاد إِلَّا أَن تدل دلَالَة على أَن المُرَاد شَيْء غير الظَّاهِر فَيخرج الظَّاهِر من كَونه مرَادا لِأَن قَوْلنَا إِن المُرَاد هُوَ غير الظَّاهِر أوجب أَن جَمِيع المُرَاد هُوَ غير الظَّاهِر فَأَما إِن دلّت الدّلَالَة على أَن ظَاهر الْخطاب مُرَاد وَغير ظَاهره أَيْضا مُرَاد فان عينت ذَلِك الْغَيْر
[ ٢ / ٣٥٠ ]
وَجب حمله عَلَيْهِمَا فَيكون الْخطاب مُسْتَعْملا فيهمَا من جِهَة اللُّغَة على قَول من اجاز ذَلِك فِي اللُّغَة وَمن منع ذَلِك فِي اللُّغَة يَقُول إِن الشَّرِيعَة قد وضعت تِلْكَ الْملَّة لَهما أَو يَقُول إِن الْمُتَكَلّم تكلم بِتِلْكَ الْكَلِمَة مرَّتَيْنِ اراد فِي إِحْدَاهمَا ظَاهر الْخطاب وَأَرَادَ فِي الْمرة الْأُخْرَى غير ظَاهره وَإِن لم تعين الْقَرِينَة ذَلِك الْغَيْر فَالْكَلَام فِي ذَلِك الْغَيْر كَالْكَلَامِ إِذا دلّت الدّلَالَة على أَن المُرَاد لَيْسَ هُوَ الظَّاهِر وَلم تعينه
فَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِي الْخطاب الْخَاص فَأَما إِن كَانَ الْخطاب عَاما فانه إِن تجرد عَن قرينَة حمل على عُمُومه وَإِن لم يتجرد فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تدل الْقَرِينَة على أَن المُرَاد هُوَ ظَاهره وَغير ظَاهره أَو تدل على أَن المُرَاد غير ظَاهره أَو لَيْسَ هُوَ ظَاهره أَو تدل على أَنه قد أُرِيد بعضه أَو تدل على أَن بعضه لَيْسَ بِمُرَاد فان دلّت على أَن المُرَاد ظَاهره وَغير ظَاهره حمل على ظَاهره وعَلى غير ظَاهره إِن كَانَت الدّلَالَة قد عينته على مَا تقدم تَفْصِيله على قَول الْفَرِيقَيْنِ وَإِن لم تعينه فَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِي الْخَاص إِذا دلّت الدّلَالَة على أَن المُرَاد غير ظَاهره وَلم تعينه وَإِن دلّت الدّلَالَة على أَن المُرَاد بِهِ لَيْسَ هُوَ ظَاهره أَو أَن المُرَاد غير ظَاهره وَلم تعينه لم يجز تجرد هَذِه الْقَرِينَة لِأَنَّهُ إِذا لم يكن المُرَاد ظَاهره جَازَ أَن يكون المُرَاد هُوَ بعض مَا تنَاوله الْخطاب وَجَاز أَن يكون المُرَاد شَيْئا لم يتَنَاوَلهُ الْخطاب فاذا انقسم إِلَيْهِمَا وَلم يَصح اجْتِمَاعهمَا احتجنا إِلَى دلَالَة تعين المُرَاد وَيُمكن أَن تدل الدّلَالَة فِي الْعَام على أَن بعضه مُرَاد وَمَتى دلّت الدّلَالَة على ذَلِك لم يخرج الْبَعْض الآخر أَن يكون مرَادا لِأَنَّهُ لَا يتنافى ذَلِك فان دلّت الدّلَالَة على أَن المُرَاد هُوَ الْبَعْض خرج الْبَعْض الآخر من كَونه مرَادا لِأَن ذَلِك إِخْبَار بِأَن كَمَال المُرَاد هُوَ الْبَعْض فان دلّت الدّلَالَة على أَن بعض الْعُمُوم لَيْسَ بِمُرَاد خرج ذَلِك من كَونه مرَادا وَبَقِي مَا عداهُ تَحت الْخطاب وَالله أعلم
[ ٢ / ٣٥١ ]
- ﷺ َ - بَاب فِي كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بِالْخِطَابِ الْمُشْتَرك - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْخطاب إِذا كَانَ مُشْتَركا بَين حقيقتين فان من يمْنَع من إرادتهما يمْنَع من تجرد هَذَا الْخطاب عَن دلَالَة تدل على المُرَاد وَيَقُول إِن دلّت الدّلَالَة على أَنه قد أُرِيد بِهِ وَجب القَوْل بِأَنَّهُ قد تكلم بِهِ مرَّتَيْنِ أَو يَقُول إِن الشَّرْع قد وضع الِاسْم لمجموعهما وَمن لَا يمْنَع من ذَلِك يُجِيز أَن يتجرد عَن قرينَة وَيَقُول إِذا تجرد عَن قرينَة وَجب أَن يحمل الْخطاب على الْمَعْنيين على الْبَدَل إِن كَانَ اللَّفْظ وَاحِدًا نَحْو أَن يَقُول الْقَائِل للْمَرْأَة اعْتدي بقرء وَإِن كَانَ اللَّفْظ لفظ جمع وَجب أَن يحمل عَلَيْهِمَا على الْجمع إِن لم يتنافيا وعَلى الْبَدَل إِن تنافيا وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَنه لَو تجرد قَول الله ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ لأوجبنا على الْمُعْتَدَّة أَن تَعْتَد بِثَلَاثَة قُرُوء بَعْضهَا طهر وَبَعضهَا حيض لِأَن اللَّفْظ يفيدهما فَلَيْسَ بِأَن يحمل على أَحدهمَا أولى من الآخر
وَلقَائِل أَن يَقُول هلا أوجب عَلَيْهَا الاعتداء بِثَلَاثَة يَقع عَلَيْهَا اسْم أَقراء سَوَاء كَانَ بَعْضهَا طهرا وَبَعضهَا حيضا أَو كلهَا طهرا أَو كلهَا حيضا لِأَن ذَلِك يجْرِي مجْرى قَوْلنَا رجال يُفِيد جمعا من الرِّجَال أَي جمع كَانَ فَأَما إِذا اقْترن بِهَذَا الْخطاب قرينَة دلّت على أَن أحد الْمَعْنيين غير مُرَاد تعين بِأَن الآخر مُرَاد وَإِن دلّت على أَن أَحدهمَا مُرَاد قضي بِهِ
وَذكر فِي الْعمد أَن يخرج الآخر من أَن يكون مرَادا وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن الِاسْم الْمُشْتَرك الأَصْل فِيهِ أَن يحمل على أحد معنييه لِأَنَّهُ لَا يفِيدهُ على الْجمع وَإِنَّمَا يحمل عَلَيْهِمَا إِذا لم تقترن قرينَة تخص أَحدهمَا وَبِهَذَا فَارق لفظ الْعُمُوم
[ ٢ / ٣٥٢ ]
وَذكر فِي الدَّرْس أَن قيام الدّلَالَة على أَن أَحدهمَا مُرَاد لَا يمْنَع من كَون الآخر مرَادا فان دلّت الدّلَالَة على أَن لَيْسَ وَاحِد مِنْهُمَا مرَادا كَانَ القَوْل فِيهِ كالقول فِيمَا لَا يحْتَمل إِلَّا حَقِيقَة وَاحِدَة إِذا دلّت الدّلَالَة على أَنه لَيْسَ بِمُرَاد ظَاهره وَكَذَلِكَ إِذا دلّت الدّلَالَة على أَن المُرَاد غَيرهَا وَلم تعينه أَو دلّت على أَن المُرَاد كلا الحقيقتين وَغَيرهمَا فَلم تعين ذَلِك الْغَيْر أَو عينته
وَالْقَوْل فِي الْخطاب الْعرفِيّ والشرعي كالقول فِيمَا ذَكرْنَاهُ من الْقِسْمَة فِيمَا يتجرد وَلَا يتجرد وَأكْثر هَذِه الْأَقْسَام إِنَّمَا تتفرع على قَول من قَالَ إِنَّه يُرَاد بِالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَة الْحَقِيقَة وَالْمجَاز والحقيقتان فَأَما من أَبى ذَلِك فانه يَقُول إِن كَانَ الْخطاب لَا يحْتَمل وَكَانَ خَاصّا ودلت الدّلَالَة على أَن المُرَاد لَيْسَ ظَاهره أَو هُوَ غير ظَاهره وَكَانَ لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي وَجه وَاحِد من وُجُوه الْمجَاز فانه يحمل عَلَيْهِ وَيخرج الْحَقِيقَة من أَن تكون مُرَادة وَإِن كَانَ يسْتَعْمل فِي أَكثر من وَجه وَاحِد من وُجُوه الْمجَاز وَجب أَن يكون المُرَاد وَاحِدًا مِنْهُمَا وَلَا بُد من أَن تدل دلَالَة عَلَيْهِ بِعَيْنِه وَكَذَلِكَ إِن كَانَ اللَّفْظ عَاما ودلت الدّلَالَة على أَن المُرَاد لَيْسَ شَيْئا مِمَّا تنَاوله اللَّفْظ فانه لَا بُد من أَن تدل عَلَيْهِ بِعَيْنِه وَلَا يجوز أَن تدل دلَالَة على أَن المُرَاد هُوَ ظَاهره وَغير ظَاهره لِأَن الْكَلِمَة الْوَاحِدَة لَا يُرَاد بهَا الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَإِن كَانَت اللَّفْظَة مُحْتَملَة لحقيقتين فَلَا بُد من أَن يُرَاد إِحْدَاهمَا أَو وَاحِدَة مِمَّا هِيَ مجَاز فِيهِ وَأي ذَلِك أُرِيد فَلَا بُد فِيهِ من دلَالَة وَإِن دلّت الدّلَالَة على أَنَّهُمَا قد أريدا أَو أَحدهمَا معما هِيَ مجَاز فِيهِ وَجب أَن يكون الْمُتَكَلّم قد تكلم بهَا مرَّتَيْنِ أَو يكون الِاسْم قد وضع لَهما فِي الشَّرْع - ﷺ َ - بَاب فِي أَن ثُبُوت حكم الْخطاب فِيمَا تنَاوله على وَجه الْمجَاز لَا يدل على أَنه قد أُرِيد الْمجَاز بِالْخِطَابِ - ﷺ َ -
اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله وَحَكَاهُ عَن أبي الْحسن إِنَّه يحكم بذلك قَالَاه فِي قَول الله تَعَالَى ﴿أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء﴾
[ ٢ / ٣٥٣ ]
إِن قيام الدّلَالَة على وجوب التَّيَمُّم على المجامع وَهُوَ الَّذِي يتَنَاوَلهُ اسْم الْمُلَامسَة على طَرِيق الْكِنَايَة يدل على أَنه مُرَاد بِالْآيَةِ وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله إِن الْخطاب إِذا علق على حكم من الْأَحْكَام على صفة من الصِّفَات وَدلّ الدَّلِيل على ثُبُوت ذَلِك الحكم مَعَ فقد تِلْكَ الصّفة فانه يعلم بذلك أَنه مُرَاد بِالْخِطَابِ نَحْو قَول الله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا جَزَاء بِمَا كسبا نكالا من الله﴾ فَلَمَّا أجمع الْمُسلمُونَ على أَن السَّارِق إِذا تَابَ يقطع لَا على جِهَة النكال علمنَا أَنه مُرَاد بِالْآيَةِ وَعند قَاضِي الْقُضَاة أَنه لَا يعلم ذَلِك فِي كلا المثالين إِلَّا بِدَلِيل زَائِد وَدَلِيله هُوَ أَن الْخطاب وَاجِب حمله على ظَاهره دون مجازه إِلَّا بِدلَالَة وَلَيْسَ فِي ثُبُوت حكم الْخطاب فِي مجازه دلَالَة على أَنه قد أُرِيد ذَلِك الْمجَاز بذلك الْخطاب لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون قد أَرَادَ ذَلِك بِدَلِيل آخر
فان قَالُوا إِنَّا علمنَا ذَلِك لِأَن الْأمة إِذا أَجمعت على ثُبُوت حكم الْآيَة فِي الْمجَاز وَكَانَت لَا تجمع إِلَّا عَن دلَالَة وَلم يكن فِي الشَّرْع مَا يجوز أَن يدل على ذَلِك الحكم إِلَّا ذَلِك الْخطاب علمنَا أَنَّهَا مَا أَجمعت على ذَلِك إِلَّا بِالْآيَةِ وَإِلَّا كَانَت قد أَجمعت لغير دلَالَة قيل هَذَا حجَّة عَلَيْكُم لِأَن الْخطاب لَا يكون حجَّة فِيمَا هُوَ مجَاز فِيهِ إِذا تجرد فَلَو أَجمعُوا على ثُبُوت الحكم فِي الْمجَاز لأجل الْخطاب لكانوا قد أَجمعُوا لَا لدلَالَة فان قَالُوا الْمجَاز يدل على مَا هُوَ مجَاز فِيهِ مَعَ الْقَرِينَة فاذا أَجمعُوا على الحكم لأجل دلَالَة الْخطاب مَعَ الْقَرِينَة كَانُوا قد أَجمعُوا على الحكم لدلَالَة قيل فَإِذن لَا بُد لكم من إِثْبَات أَمر زَائِد على الْخطاب ليَصِح الْإِجْمَاع على ثُبُوت الحكم فِي الْمجَاز فلستم بِأَن تَقولُوا بِأَن ذَلِك الْأَمر الزَّائِد هُوَ قرينَة اقترنت بِالْخِطَابِ بِأولى من أَن تَقولُوا بل هُوَ دلَالَة مُبتَدأَة على الحكم فان قَالُوا لَو أَجمعُوا لدلَالَة مُبتَدأَة لنقلوها قيل
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وَلَو أَجمعُوا لقَرِينَة لنقلوها فان قَالُوا لم ينقلوها اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع على ثُبُوت الحكم قيل وَلم ينقلوا الدَّلِيل الْمُبْتَدَأ اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع فان قَالُوا إِنَّمَا لم ينقلوا قرينَة لجَوَاز أَن يَكُونُوا اضطروا من قصد النَّبِي ﷺ إِلَى أَن المُرَاد بِالْخِطَابِ الْمجَاز وَلم تكن هُنَاكَ قرينَة تنقل قيل إِن جَازَ أَن يضطروا من قَصده إِلَى أَن المُرَاد بِالْآيَةِ هُوَ الْمجَاز جَازَ أَن يضطروا من قَصده إِلَى هَذَا الحكم من غير أَن يكون مرَادا بِالْآيَةِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَن ينقلوا إِلَيْنَا أَنهم علمُوا ذَلِك من قصد النَّبِي ﷺ إِذْ كَانَ هَذَا هُوَ دليلهم على المُرَاد بِالْآيَةِ على أَن هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِيمَا يثبت الحكم فِيهِ بِنَصّ نَحْو وجوب التَّيَمُّم على المجامع لِأَن فِي ذَلِك خبر عمار ﵁ وَغَيره فَلَا يُمكن أَن يُقَال فِي ذَلِك إِنَّه لَا وَجه لإجماعهم سوى الْآيَة - ﷺ َ - بَاب فِيمَن يجوز لَهُ أَن يقْضِي بِظَاهِر الْخطاب وعمومه وَمَتى يجوز لَهُ ذَلِك - ﷺ َ -
اعْلَم أَن قَول الله تَعَالَى إِذا تنَاول أَشْيَاء كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ وطرق سمع الْمُكَلف فانه لَا يجوز أَن يحملهُ على عُمُومه وَلَا يحكم بِثُبُوت التَّعَبُّد بفائدته إِلَّا بعد أَن ينظر فِيمَا يَخُصُّهُ أَو ينسخه فانه يجوز أَن يكون فِي الْأَدِلَّة مَا ينسخه ويخصه فاذا فحص وَوجد فِي ذَلِك مَا ينسخه أَو يَخُصُّهُ قضى بِمَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيل وَإِن لم يصب ذَلِك لم يخل ظَاهر الْخطاب إِمَّا أَن يتَنَاوَل ذَلِك الْمُكَلف أَو لَا يتَنَاوَلهُ فان تنَاوله قضى بشمول الْخطاب لَهُ وَقضى بِلُزُوم تِلْكَ الْأَفْعَال لَهُ لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يسمعهُ الله ﷿ خطابا عَاما لأفعال وَيُرِيد مِنْهُم فهم مُرَاده وَلَا يُمكنهُ من الْعلم بمراده وَينصب دلَالَة يتَمَكَّن من الظفر بهَا فاذا فحص وَلم يصب الدّلَالَة قطع على أَن الله لم يرد الْخُصُوص وَإِن كَانَ ظَاهر الْخطاب لَا يتَنَاوَل ذَلِك الْمُكَلف لم يخل السّنَن إِمَّا أَن تكون انتشرت انتشارا لَا يخفي مَعَه مَا فِيهَا على من طلبَهَا من الْعلمَاء أَو
[ ٢ / ٣٥٥ ]
لم تَنْتَشِر فان كَانَت قد انتشرت كعصرنا هَذَا فَالْوَاجِب أَن يقْضِي بِعُمُوم الْخطاب وَثُبُوت حكمه لِأَن السّنَن قد ظَهرت ظهورا لَا تخفي مَعَه على من التمسها وَإِن لم تكن السّنَن قد انتشرت فانه لَا يجوز أَن يقْضى بِعُمُوم الْخطاب لِأَنَّهُ لَا يَأْمَن أَن يكون فِي الشَّرْع مَا يَخُصُّهُ لكنه لَا يجب فِي الْحِكْمَة ان يُمكن مِنْهُ وَلَا اتّفق بانتشار الشَّرِيعَة أَن يتَمَكَّن مِنْهُ
وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَنه إِذا لم يجز لَهُ الْقطع على بَقَاء حكمه وَلَا عُمُومه لم يجز أَن يَجعله اصلا يقيس عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَثِق بِثُبُوتِهِ وَهَذَا لَا يتم لِأَن من كَانَ من أهل الِاجْتِهَاد ففرضه فهم الْخطاب لأجل غَيره إِمَّا فرضا معينا أَو على طَرِيق الْكِفَايَة فَيجب إِذا أمكن من فهم الْخطاب فاذا لم يجد دَلِيلا نَاسِخا أَو مُخَصّصا وَجب أَن يقْضِي بِظَاهِرِهِ ويقيس عَلَيْهِ وَالْوَاجِب أَن يُقَال إِن من كَانَ أهل الِاجْتِهَاد إِذا لم يجد مَا يعدل بالحكم عَن ظَاهره فَالْوَاجِب أَن يحمل على ظَاهره فِي تِلْكَ الْحَال لِأَنَّهُ قد كلف الِاسْتِدْلَال بِهِ إِمَّا ليفتي غَيره أَو ليفتي نَفسه ويفتي غَيره وَلَا يجوز أَن لَا يَجْعَل لَهُ طَرِيقا إِلَى مَا كلف سَوَاء انتشرت السّنَن أَو لم تَنْتَشِر إِلَّا أَنه إِن لم تَنْتَشِر السّنَن قطع الْمُكَلف أَن فَرْضه فِي الْحَال وَفرض من يستفتيه الْعَمَل بِظَاهِر ذَلِك الْخطاب وَجوز أَن يكون فِي السّنَن مَا يعدل بِالْخِطَابِ عَن ظَاهره إِذا بلغه تِلْكَ السّنة يُغير فَرْضه وَلِهَذَا يجب أَن يكون من عاصر النَّبِي ﷺ مِمَّن غَابَ عَنهُ يجوز أَن يكون مَا يلْزمه من الْعِبَادَات قد نسخه النَّبِي ﷺ وَإِن لم يبلغهُ النّسخ بعد وَأَنه إِذا بلغه النّسخ بِغَيْر فَرْضه وَيعْتَبر فرض قِيَاسه عَلَيْهِ فَأَما من لم يكن من أهل الِاجْتِهَاد فَلَا يجوز أَن يقْضِي بِظَاهِر الْخطاب إِذا سَمعه فِي كل هَذِه الْأَحْوَال لِأَنَّهُ لَا يَأْمَن أَن يكون فِي الْأَدِلَّة مَا يعدل بِالْخِطَابِ عَن ظَاهره وَلَا يجب فِي الْحِكْمَة أَن يبلغهُ وَلَا بُد مَعَ انتشار السّنَن أَن يبلغهُ
[ ٢ / ٣٥٦ ]