- ﷺ َ - بَاب فِي ذكر فُصُول الْمُجْمل والمبين - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْكَلَام فِي الْمُجْمل والمبين يَقع فِي موضِعين أَحدهمَا الْعبارَة وَالْآخر الْمَعْنى أما الْعبارَة فبأن نذْكر مَا معنى قَوْلنَا مُجمل وَبَيَان ومبين ومفسر وَظَاهر وَنَصّ وَأما الْمَعْنى فَمِنْهُ مَا يرجع إِلَى الْمُجْمل وَمِنْه مَا يرجع إِلَى الْبَيَان أما الرَّاجِع إِلَى الْمُجْمل فَيدْخل فِيهِ ذكر مَا يحْتَاج إِلَى بَيَان وَمَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَيدخل فِي ذَلِك الْوُجُود الَّتِي يحْتَاج فِيهَا إِلَى بَيَان وَيدخل فِيهِ مَا يحْتَاج من الْأَفْعَال إِلَى بَيَان وَيدخل فِيهِ مَا أخرج من الْمُجْمل وَهُوَ دَاخل فِيهِ كالاسم الْمُشْتَرك وَمَا أَدخل فِيهِ وَهُوَ خَارج عَنهُ وَأما الْكَلَام فِي الْبَيَان فضربان أَحدهمَا مُخْتَصّ بِالْبَيَانِ وَالْآخر يتَعَلَّق بالمبين لَهُ أما الأول فَيدْخل فِيهِ ابواب مِنْهَا الْأُمُور الَّتِي يَقع بهَا الْبَيَان وَيدخل فِي ذَلِك الْبَيَان بالأفعال وَمِنْهَا تَرْجِيح القَوْل على الْفِعْل فِي وُقُوع الْبَيَان وَمِنْهَا هَل يجب أَن يكون الْبَيَان كالمجمل فِي الْقُوَّة أم لَا وَأما مَا يتَعَلَّق بالمبين لَهُ فوجوه مِنْهَا تَأْخِير التَّبْلِيغ وَمِنْهَا تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة وَمِنْهَا تَأْخِيره عَن وَقت الْخطاب وَمِنْهَا من الَّذِي يجب أَن يبين لَهُ الْخطاب وَمِنْهَا هَل يجوز أَن يسمع الْمُكَلف لفهم الْخطاب الْعَام قبل أَن يسمع بَيَانه أم لَا وَأما دَلِيل الْخطاب فَلَيْسَ بداخل فِي أَبْوَاب الْمُجْمل والمبين لِأَن النَّاس لم يَخْتَلِفُوا فِيهِ هَل هُوَ دَلِيل مُجمل أَو مُبين وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِيهِ هَل هُوَ دَلِيل أم لَا
[ ١ / ٢٩٢ ]
- ﷺ َ - بَاب فِي ذكر أَلْفَاظ تسْتَعْمل فِي الْكَلَام فِي الْمُجْمل وَالْبَيَان - ﷺ َ -
فَمن ذَلِك الْمُجْمل وَالْبَيَان والمبين والمفسر والمفصل وَالنَّص وَالظَّاهِر
أما قَوْلنَا مُجمل فقد يُرَاد بِهِ مَا أَفَادَ جملَة من الْأَشْيَاء وَمن ذَلِك قَوْلهم أجملت الْحساب وعَلى هَذَا يُوصف الْعُمُوم بِأَنَّهُ مُجمل بِمَعْنى أَن المسميات قد أجملت تَحْتَهُ وَقد يُرَاد بِهِ مَا لَا يُمكن معرفَة المُرَاد بِهِ وَيُمكن أَن يُقَال الْمُجْمل هُوَ مَا أَفَادَ شَيْئا من جملَة أَشْيَاء هُوَ مُتَعَيّن فِي نَفسه وَاللَّفْظ لَا يُعينهُ وَلَا يلْزم عَلَيْهِ قَوْلك اضْرِب رجلا لِأَن هَذَا اللَّفْظ أَفَادَ ضرب رجل وَلَيْسَ هُوَ بمتعين فِي نَفسه بل أَي رجل ضَربته جَازَ وَلَيْسَ كَذَلِك اسْم الْقُرْء لِأَنَّهُ يُفِيد إِمَّا الطُّهْر وَحده أَو الْحيض وَحده وَاللَّفْظ لَا يُعينهُ وَقَول الله سُبْحَانَهُ ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ يُفِيد وجوب فعل يتَعَيَّن فِي نَفسه غير شَائِع
وَأما الْبَيَان فانه يكون عَاما وَيكون خَاصّا أما الْعَام فَهُوَ الدّلَالَة تَقول بَين لي فلَان كَذَا وَكَذَا بَيَانا حسنا وبيانا وَاضحا فتوصف دلَالَته وكشفه بِأَنَّهُ بَيَان وَيُقَال دللت فلَانا على الطَّرِيق وبينته لَهُ فَلَمَّا اطرد ذَلِك كَانَ حَقِيقَة
وَأما الْخَاص فَهُوَ مَا يتعارفه الْفُقَهَاء وَهُوَ كَلَام أَو فعل دَال على المُرَاد بخطاب لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي الدّلَالَة على المُرَاد وَيدخل فِي ذَلِك بَيَان الْعُمُوم والمحكي عَن شيخينا أبي على وَأبي هَاشم رحمهمَا الله أَن الْبَيَان هُوَ الدّلَالَة وأرادا بذلك الْبَيَان الْعَام وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله إِن الْبَيَان هُوَ الْعلم الْحَادِث
[ ١ / ٢٩٣ ]
لِأَن الْبَيَان هُوَ مَا بِهِ يتَبَيَّن الشَّيْء وَالَّذِي بِهِ يتَبَيَّن هُوَ الْعلم الْحَادِث كَمَا أَن مَا بِهِ يَتَحَرَّك الشَّيْء هُوَ الْحَرَكَة وَلِهَذَا لَا يُوصف الله سُبْحَانَهُ متبين لما كَانَ عَالما لذاته لَا بِعلم حَادث وَالصَّحِيح هُوَ الأول لِأَن الْبَيَان الْعَام هُوَ الْكَشْف والإيضاح أَلا ترى أَنه يُقَال بَين لي فلَان كَذَا وَكَذَا إِذا دلّ عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ أظهر فِي الْعرف من الْعلم لِأَنَّهُ لَا يُوصف الْعلم بِأَنَّهُ بَيَان وَإِنَّمَا يُوصف بِأَنَّهُ تبين وَقَالَ الشَّافِعِي الْبَيَان اسْم جَامع لمعان مجتمعة الْأُصُول متشعبة الْفُرُوع وَأَقل مَا فِيهِ أَنه بَيَان لمن نزل الْقُرْآن بِلِسَانِهِ وَهَذَا لَيْسَ بِحَدّ وَإِنَّمَا هُوَ وصف للْبَيَان بِأَنَّهُ يجمعه أَمر جَامع وَهُوَ أَنه يتبينه أهل اللُّغَة وَأَنه يتشعب إِلَى أَقسَام كَثِيرَة فَإِن حَده بِأَنَّهُ بَيَان لمن نزل الْقُرْآن بلغته كَانَ قد حد الْبَيَان بِأَنَّهُ بَيَان وَذَلِكَ حد الشَّيْء بِنَفسِهِ وَإِن كَانَ قد حد الْبَيَان الْعَام فانه يخرج مِنْهُ الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة وَإِن حد الْبَيَان الْخَاص الَّذِي يتعارفه الْفُقَهَاء فانه يدْخل فِيهِ الْكَلَام الْمُبْتَدَأ إِذا عرف بِهِ المُرَاد كالعموم وَالْخُصُوص وَغَيرهمَا وَهَذَا لَيْسَ هُوَ الْعَام وَالْخَاص وَقَالَ قوم الْبَيَان هُوَ الْكَلَام والخط وَالْإِشَارَة وَهَذَا لَيْسَ بِحَدّ وَإِنَّمَا هُوَ تعديد وَلَيْسَ هُوَ بمستوف لجَمِيع أعداده لِأَنَّهُ يخرج مِنْهُ الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة وَقَالَ الصَّيْرَفِي الْبَيَان هُوَ إِخْرَاج الشَّيْء من حيّز الْإِشْكَال إِلَى حيّز التجلي والوضوح وَهَذَا قريب إِذا كَانَ حد للْبَيَان الْعَام وَإِن كَانَ حدا لما تعارفه الْفُقَهَاء فَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ يدْخل فِيهِ الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة والأدلة السمعية المبتداة على أَن إِخْرَاج الشَّيْء من حيّز الْإِشْكَال إِلَى حيّز التجلي هُوَ حد للتبيين لَا حد للْبَيَان
فَأَما الْمُبين فقد يُرَاد بِهِ مَا احْتَاجَ إِلَى بَيَان وَقد ورد عَلَيْهِ بَيَانه وَقد يُرَاد بِهِ الْخطاب الْمُبْتَدَأ المستغني عَن بَيَان
وَقَوْلنَا مُفَسّر قد يُرَاد بِهِ مَا احْتَاجَ إِلَى تَفْسِير وَقد ورد تَفْسِيره وَيُرَاد بِهِ الْخطاب الْمُبْتَدَأ المستغني عَن تَفْسِير لوضوحه فِي نَفسه
وَأما النَّص فقد حَده الشَّافِعِي بِأَنَّهُ خطاب يعلم مَا أُرِيد بِهِ من الحكم
[ ١ / ٢٩٤ ]
سَوَاء كَانَ مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ أَو علم المُرَاد بِهِ بِغَيْرِهِ وَكَانَ يُسَمِّي الْمُجْمل نصا وَبِهَذَا حَده الشَّيْخ أَبُو الْحسن وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن النَّص هُوَ خطاب يُمكن أَن يعرف المُرَاد بِهِ وَاعْلَم أَن النَّص يجب أَن يشْتَمل على ثَلَاث شَرَائِط أَحدهَا أَن يكون كلَاما وَالْآخر أَن لَا يتَنَاوَل إِلَّا مَا هُوَ نَص فِيهِ وَإِن كَانَ نصا فِي عين وَاحِدَة وَجب أَن لَا يتَنَاوَل سواهَا وَإِن كَانَ نصا فِي أَشْيَاء كَثِيرَة وَجب أَن لَا يتَنَاوَل سواهَا وَالْآخر أَن تكون إفادته لما يفِيدهُ ظَاهرا غير مُجمل وَأما اشْتِرَاط كَون النَّص عبارَة فَلِأَن أَدِلَّة الْعُقُول وَالْأَفْعَال لَا تسمي نصوصا وَأما اشْتِرَاط ظُهُور دلَالَته فَلِأَن الْمَفْهُوم من قَوْلنَا إِن الْعبارَة نَص فِي هَذَا الحكم أَنَّهَا تفيده على جِهَة الظُّهُور وَلِأَن النَّص فِي اللُّغَة مَأْخُوذ من الظُّهُور وَمن ذَلِك قَوْلهم منصة الْعَرُوس لما ظَهرت وَارْتَفَعت وَأما اشْتِرَاط إِفَادَة مَا هُوَ نَص فِيهِ فَقَط فَلِأَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لغيره اضْرِب عَبِيدِي لم يقل أحد إِنَّه قد نَص على ضرب زيد من عبيده لما أَفَادَهُ وَأفَاد غَيره وَيُقَال إِن كَلَامه نَص فِي ضرب جملَة عبيده لما لم يفد سواهُم فاذا ثَبت أَن هَذَا هُوَ الْمَعْقُول من النَّص وَجب بِأَن يحد بِأَنَّهُ كَلَام تظهر إفادته لمعناه لَا يتَنَاوَل أَكثر مِمَّا قيل إِنَّه نَص فِيهِ فَإِن قيل أَلَيْسَ يُقَال إِن الله قد نَص على وجوب الصَّلَاة وَإِن كَانَ قَوْله ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ مُجملا قيل إِنَّه لَيْسَ بمجمل فِي إِفَادَة الْوُجُوب وَإِنَّمَا هُوَ مُجمل فِي إِفَادَة الصَّلَاة وَلَا يجوز أَن يُسمى مَعَ الْبَيَان نصا فِي إِفَادَة الصَّلَاة لِأَن قَوْلنَا نَص عبارَة عَن خطاب وَاحِد دون مَا يقْتَرن بِهِ وَلِأَن الْبَيَان قد يكون غير لفظ وَقَوْلنَا نَص عبارَة عَن الْأَقْوَال
وَأما الظَّاهِر فَهُوَ مَا لَا يفْتَقر فِي إِفَادَة مَا هُوَ ظَاهر فِيهِ إِلَى غَيره وَهُوَ مفارق للنَّص من هَذِه الْجِهَة ويشاركه فِي وجوب كَونه كلَاما وَفِي اخْتِصَاصه بالكشف وَنفي الْعُمُوم وَقَالَ قوم إِن الظَّاهِر هُوَ مَا ظهر المُرَاد بِهِ وَظهر فِيهِ غير المُرَاد إِلَّا أَن المُرَاد أظهر وَالْأول أصح لِأَن الْكَلَام مَتى وضح المُرَاد بِهِ فقد ظهر سَوَاء كَانَ مُحْتملا لغيره أَن لم يكن مُحْتملا لغيره
[ ١ / ٢٩٥ ]
- ﷺ َ - بَاب فِيمَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى بَيَان وَمَا لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى بَيَان - ﷺ َ -
قد ذكرنَا أَن الْبَيَان مِنْهُ عَام وَهُوَ الدّلَالَة الْمُطلقَة وَمِنْه خَاص وَهُوَ الدّلَالَة الشَّرْعِيَّة على المُرَاد بأدلة الشَّرْع فان كَانَ فِي الأول فَالَّذِي نحتاج فِي الْعلم بِهِ إِلَى الدّلَالَة وَهُوَ مَا صَحَّ الْعلم بِهِ وَلم نعلمهُ باضطرار لِأَن مَا لَا يعلم باضطرار لَا سَبِيل إِلَى الْعلم بِهِ إِلَّا بِالدَّلِيلِ وَمَا علمناه باضطرار فقد استغنينا عَن الْعلم بِهِ لِأَن الْإِنْسَان مستغن عَن تَحْصِيل مَا هُوَ حَاصِل لَهُ
وَإِن كَانَ الْكَلَام فِي النَّوْع الثَّانِي من الْبَيَان فانا نقُول فِيهِ إِن الدّلَالَة الشَّرْعِيَّة فِيهِ ضَرْبَان مستنبطة وَغير مستنبطة أما المستنبطة كالقياس فَلَا إِجْمَال فِيهَا فَيُقَال إِنَّه يحْتَاج إِلَى بَيَان وَأما الدّلَالَة غير المستنبطة فَهِيَ أَقْوَال وأفعال وَالْأَفْعَال كلهَا لَا تنبيء عَن الْوُجُوه الَّتِي وَقعت عَلَيْهَا إِلَّا أَن مِنْهَا مَا يقْتَرن بِهِ دلَالَة تدل على الْوَجْه الَّذِي وَقعت عَلَيْهِ فَلَا تحْتَاج مَعَ ذَلِك إِلَى بَيَان آخر وَمِنْهَا مَا لم يقْتَرن بِهِ دَلِيل فَيحْتَاج إِلَى بَيَان أما الأول فنحو صَلَاة النَّبِي ﷺ بِأَذَان وَإِقَامَة فان ذَلِك قد تقرر فِي الشَّرْع أَنه أَمارَة لوُجُوب الصَّلَاة وَيجوز أَن يتَعَمَّد أفعالا كَثِيرَة فِي الصَّلَاة فيركع ركوعين قبل السَّجْدَة فنعلم أَن ذَلِك من أَفعَال الصَّلَاة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتَعَمَّد فِي الصَّلَاة أفعالا كَثِيرَة لَيست مِنْهَا فَأَما الثَّانِي فنحو أَن يقوم النَّبِي ﷺ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة وَلَا يجلس قدر التَّشَهُّد فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون قدسها فِي ذَلِك وَيجوز أَن يكون قد تعمد ذَلِك ليدل على جَوَاز ترك هَذِه الجلسة
وَأما الْأَقْوَال فضربان أَحدهمَا يَكْفِي نَفسه وصريحه فِي معرفَة المُرَاد بِهِ فَلَا يحْتَاج إِلَى بَيَان لِأَنَّهُ لَو احْتَاجَ إِلَى بَيَان لنقض قَوْلنَا إِنَّه يَكْفِي نَفسه فِي معرفَة المُرَاد وَذَلِكَ نَحْو قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَكَانَ الله بِكُل شَيْء عليما﴾
[ ١ / ٢٩٦ ]
وَالْآخر لَا يَكْفِي نَفسه وصريحه فِي معرفَة المُرَاد وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا لَا يخْتل بَيَانه على السَّامع وَالثَّانِي قد يخْتل بَيَانه على السَّامع فَالْأول ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون بَيَانه بِالتَّعْلِيلِ وَالْآخر لَا بِالتَّعْلِيلِ أما التَّعْلِيل فضربان أَحدهمَا بطرِيق الأولى وَالْآخر لَا بطرِيق الأولى أما الأول من هذَيْن فَقَوْل الله ﷿ ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ فِي دلَالَته على الْمَنْع من ضربهما لِأَن كل عَاقل يعلم أَن ذَلِك يخرج مخرج التَّعْظِيم وَالْإِكْرَام فَعلم أَن الْمَنْع من التأفيف إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ أَذَى وَالضَّرْب قد شَارك التأفيف فِي الْأَذَى وَزَاد عَلَيْهِ ومقرر فِي الْعقل أَن من منع من شَيْء لغَرَض فَإِنَّهُ يمْنَع مِمَّا سواهُ وَزَاد عَلَيْهِ فِي معنى ذَلِك الْغَرَض وَهَذِه الْأُمُور فِي النَّفس لَا تختل على عَاقل وَالْكَلَام يدل مَعهَا على الْمَنْع من الضَّرْب وَإِن كَانَ الْكَلَام مَا وضع لَهُ وَأما الثَّانِي وَهُوَ التَّعْلِيل لَا بطرِيق الأولى فَقَوْل النَّبِي ﷺ فِي الْهِرَّة إِنَّهَا لَيست بِنَجس إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات نعلم بذلك أَنه عِلّة فِي طَهَارَتهَا ونعلم أَن كل مَا هَذِه سَبيله فَظَاهر لِأَن الْعلَّة يتبعهَا حكمهَا
وَأما الْبَيَان الَّذِي لَا يخْتل وَلَيْسَ هُوَ بتعليل فضربان أَحدهمَا أَن يكون الْخطاب أمرا بِشَيْء فَيعلم وجوب مَا لَا يتم إِلَّا بِهِ لما تقرر فِي الْعقل أَن وجوب الشَّيْء يتبعهُ وجوب مَا لَا يتم إِلَّا بِهِ وَإِلَّا كَانَ إِيجَابا لما لَا يُطَاق وَلِهَذَا يعلم كل عَاقل أَن أَمر السَّيِّد غُلَامه بشري اللَّحْم من السُّوق يدل على وجوب مَشْيه إِلَى السُّوق وَالْآخر أَن يظْهر فِي الْعقل كَون ظَاهر الْخطاب غير مُرَاد وَيعلم بِالْعَادَةِ أَنه مُسْتَعْمل فِي وَجه من وُجُوه الْمجَاز فَيعلم أَنه مُرَاد الْمُتَكَلّم نَحْو قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ وَلَو قيل إِن ذَلِك حَقِيقَة عرفية لجَاز
فَأَما الْخطاب الَّذِي يحْتَاج إِلَى بَيَان وَقد يخْتل بَيَانه على السَّامع فضربان أَحدهمَا يحْتَاج إِلَى بَيَان لوضع اللُّغَة وَالْآخر لَا لوضع اللُّغَة وَالْأول ضَرْبَان
[ ١ / ٢٩٧ ]
أَحدهمَا أَن يكون الْكَلَام مُفِيدا لشَيْء مَا لَا تفِيد صفته نَحْو قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ فَإِن اسْم الْحق يُفِيد شَيْئا مَا لَهُ صفة وَلَا يُفِيد تِلْكَ الصّفة بِعَينهَا فاحتجنا إِلَى بَيَانهَا وَالْآخر أَن يكون الْكَلَام مَوْضُوعا لشَيْء على صفة ولشيء آخر على صفة أُخْرَى وَلَيْسَ بموضوع لَهما مَعًا بل يُفِيد كل وَاحِد مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ وَهُوَ الِاسْم الْمُشْتَرك كاسم الْقُرْء وَذَلِكَ أَنه مَوْضُوع للطهر ويفيد فِيهِ صفة وَهُوَ كَونه طهرا وَهُوَ مَوْضُوع للْحيض ويفيد فِيهِ أَنه حيض فقد أَفَادَ كل وَاحِدَة من الصفتين غير أَنه يفيدها على الْبَدَل فاحتجنا فِيهِ إِلَى بَيَان وَلَو كَانَ مَوْضُوعا لَهما مَعًا وَوَجَب إِذا انْفَرد أَن يحمل عَلَيْهِمَا يجْرِي مجْرى الْعُمُوم وَلما احتجنا فِيهِ إِلَى بَيَان فَأَما الَّذِي يحْتَاج إِلَى بَيَان لَا لوضع اللُّغَة فَهُوَ مَا كَانَ غير مُجمل إِلَّا أَنه قد اسْتعْمل لَا لما وضع لَهُ وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون قد اسْتعْمل فِي بعض مَا وضع لَهُ وَالْآخر أَن يكون قد اسْتعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ أصلا أما الأول فكالعام الْمَخْصُوص وَالْمُطلق الْمَنْسُوخ وَالْعَام الْمَخْصُوص ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون قد علمنَا مَا خص مِنْهُ بِعَيْنِه وَالْآخر أَن لَا نعلم ذَلِك بِعَيْنِه فَمَا علمناه بِعَيْنِه فَإنَّا قبل الْعلم بِهِ نحتاج إِلَى بَيَان مَا لم يرد منا دون مَا أُرِيد وَإِذا علمنَا مَا لم يرد منا بِعَيْنِه استغنينا عَن الْبَيَان فَأَما مَا لم نعلم مَا خص بِعَيْنِه فانا قبل بَيَان تَخْصِيصه نحتاج إِلَى بَيَان مَا لم يرد منا فاذا خص هَذَا النَّوْع من التَّخْصِيص احتجنا إِلَى بَيَان مَا أُرِيد منا وَمَا لم يرد أَيْضا وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون باجمال الْمُخَصّص وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون الْمُخَصّص مُتَّصِلا بِالْخِطَابِ وَالتَّقْيِيد بِالصّفةِ المجهولة فالتقييد بِالصّفةِ المجهولة كَقَوْل الله سُبْحَانَهُ ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم أَن تَبْتَغُوا بأموالكم﴾ لَو اقْتصر على ذَلِك لم يحْتَج فِيهِ إِلَى بَيَان فَلَمَّا قَيده بقوله ﴿محصنين﴾ وَلم يدر مَا الْإِحْصَان لم ندر مَا أُبِيح
[ ١ / ٢٩٨ ]
لنا فَأَما الِاسْتِثْنَاء الْمَجْهُول فَقَوْل الله سُبْحَانَهُ ﴿أحلّت لكم بَهِيمَة الْأَنْعَام إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم﴾ لما كَانَ الِاسْتِثْنَاء مَجْهُولا كَانَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ كَذَلِك فاحتجنا فِيهِ إِلَى بَيَان وَأما مَا كَانَ تَخْصِيصه مُنْفَصِلا فنحو أَن يَقُول النَّبِي ﷺ إِن قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ مَخْصُوص لَيْسَ المُرَاد بِهِ بعض الْمُشْركين وَلَا نعلم مَا المُرَاد بِهِ لِأَنَّهُ لَا مُشْرك إِلَّا وَقد تنَاوله قَوْله اقْتُلُوا الْمُشْركين وتناوله قَول النَّبِي ﷺ لَيْسَ المُرَاد بِالْآيَةِ بعض الْمُشْركين فَلَيْسَ بِأَن يدْخل تَحت أَحدهمَا بِأولى من أَن يدْخل تَحت الآخر فافتقرنا فِيهِ إِلَى بَيَان
وَأما الْخطاب الْمُسْتَعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ أصلا فضربان أَحدهمَا أَن يكون الشَّرْع قد ورد بِاسْتِعْمَالِهِ فِي ذَلِك الشَّيْء وَالْآخر لم يرد الشَّرْع بذلك أما الأول فالأسماء الشَّرْعِيَّة كَقَوْلِنَا صَلَاة فَمَتَى أمرنَا بِالصَّلَاةِ وَنحن لَا نعلم بِالشَّرْعِ انْتِقَال هَذَا الِاسْم إِلَى هَذِه الْأَفْعَال احتجنا فِيهِ إِلَى بَيَان وَأما الثَّانِي فالأسماء المستعملة فِي مجازها وبيانها غير ظَاهر نَحْو كثير من الْآيَات الَّتِي ظَاهرهَا التَّشْبِيه والجبر وَصِيغَة الْأَمر المستعملة فِي التهديد إِلَى غير ذَلِك
وَقد ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الْعمد وَالشَّرْح قسْمَة غير هَذِه الْقِسْمَة وَقد ذَكرنَاهَا فِي شرحنا لكتاب الْعمد
وَقد دخل فِي هَذِه الْجُمْلَة أَنه لَا يجوز أَن يُرَاد بِالِاسْمِ الْمُشْتَرك كلا معنييه وَأَنه مُجمل يحْتَاج إِلَى بَيَان فَيجب ذكر ذَلِك إِذْ كَانَ من يَقُول إِنَّه يجوز أَن ينْفَرد فيراد بِهِ كلا الْمَعْنيين قد أخرجه عَن الْمُجْمل وَدخل فِيهَا أَن فحوى القَوْل قِيَاس وَالْكَلَام فِي ذَلِك يَأْتِي فِي بَاب الْقيَاس إِن شَاءَ الله
[ ١ / ٢٩٩ ]
- ﷺ َ - بَاب فِيمَا أخرج من الْمُجْمل وَهُوَ مِنْهُ كإرادة الْمَعْنيين الْمُخْتَلِفين بِالِاسْمِ الْمُشْتَرك - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الِاسْم الْوَاحِد إِذا كَانَ اسْما لِأَشْيَاء فإمَّا أَن يُفِيد فِيهَا فَائِدَة وَاحِدَة أَو أَكثر من فَائِدَة وَاحِدَة فَالْأول لَا خلاف فِي جَوَازهَا كلهَا فِي حَالَة وَاحِدَة بِالِاسْمِ وَاخْتلف النَّاس فِي الثَّانِي فَقَالَ الشُّيُوخ أَبُو هَاشم وابو الْحسن وَأَبُو عبد الله ﵏ بِالْمَنْعِ من ذَلِك سَوَاء أفادت الْعبارَة تِلْكَ الْأَشْيَاء كلهَا على الْحَقِيقَة أَو أفادت بَعْضهَا على الْحَقِيقَة وَبَعضهَا على الْمجَاز كَالنِّكَاحِ الْمُفِيد للوطىء حَقِيقَة وللعقد مجَازًا وكناية وَشرط الشَّيْخ أَبُو عبد الله فِي الْمَنْع من ذَلِك شُرُوطًا أَرْبَعَة أَحدهَا أَن يكون الْمُتَكَلّم وَاحِدًا وَالْآخر أَن تكون الْعبارَة وَاحِدَة وَالْآخر أَن يكون الْوَقْت وَاحِدًا وَالْآخر أَن يكون أَرَادَ الْمَعْنيين الْمُخْتَلِفين لَا تنظمهما فَائِدَة وَاحِدَة فَمَتَى انخرم شَرط من هَذِه الشُّرُوط جَازَ أَن يُرَاد وَلأَجل اشْتِرَاط كَون الْمُتَكَلّم وَاحِدًا نَحْو أَن يتَكَلَّم الْإِنْسَان بالقرء وَيُرِيد بِهِ الْحيض وَيتَكَلَّم بِهِ آخر وَيُرِيد بِهِ الطُّهْر وَلأَجل اشْتِرَاط الفائدتين جَازَ أَن يُرِيد الله ﷿ بقوله ﴿فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾ المَاء القراح والنبيذ لِأَنَّهُ يحمعهما فَائِدَة وَاحِدَة عِنْده وَهِي المائية وَلِهَذَا الْوَجْه لم يسم مَاء وَلأَجل اشْتِرَاط الْوَقْت جوز أَن يتَكَلَّم الله سُبْحَانَهُ بالقرء فيريد بِهِ الطُّهْر وَيتَكَلَّم بِهِ فِي وَقت آخر فيريد بِهِ الْحيض وَلأَجل اشْتِرَاط كَون مَا يُريدهُ بالمعنيين الْمُخْتَلِفين عبارَة وَاحِدَة جوز أَن يُرِيد النَّبِي ﷺ الْفَخْذ وَبَعض الرّكْبَة عِنْد قَوْله الْفَخْذ عَورَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الْفَخْذ بِهَذِهِ الْكَلِمَة وَأَرَادَ بعض الرّكْبَة لما تعذر عِنْد الْعقل من أَن ستر الْفَخْذ لَا يُمكن إِلَّا بستر بعض الرّكْبَة وَأَن الشَّيْء يجب إِذا لم يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَقَالَ إِن النَّبِي ﷺ لم يكره تَحْرِيم الْأَشْيَاء المقيسة على السِّتَّة بنصه على السِّتَّة بل أَرَادَ السِّتَّة بِالنَّصِّ وَأَرَادَ مَا يُقَاس عَلَيْهَا
[ ١ / ٣٠٠ ]
بِدَلِيل الْقيَاس وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ وقاضي الْقُضَاة إِن اللَّفْظَة الْوَاحِدَة إِذا كَانَت مَوْضُوعَة لكل وَاحِد من شَيْئَيْنِ حَقِيقَة أَو لأَحَدهمَا حَقِيقَة وَللْآخر مجَازًا وَلم تفد فيهمَا فَائِدَة وَاحِدَة فانه يجوز أَن يُرِيدهُمَا الْمُتَكَلّم بهَا فِي حَالَة وَاحِدَة إِلَّا أَن يتنافى ذَلِك نَحْو اسْتِعْمَال لَفْظَة افْعَل فِي الْأَمر بالشَّيْء والتهديد عَنهُ وَذَلِكَ أَن اسْتِعْمَالهَا فِي التهديد لَا يكون إِلَّا بِكَرَاهَة ذَلِك الْفِعْل واستعمالها فِي الْأَمر بِهِ لَا يكون إِلَّا بارادته وَإِرَادَة الشَّيْء وكراهته تتضادان وَكَذَلِكَ لَا يجوز اسْتِعْمَال اللَّفْظَة الْوَاحِدَة فِي الِاقْتِصَار على الشَّيْء ومجازته إِلَى غَيره نَحْو اسْتِعْمَال قَوْله ﴿وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق﴾ من الِاقْتِصَار على الْمرَافِق ومجاوزتها لِأَن ذَلِك إِمَّا أَن يُفِيد إِرَادَة مجاوزتها أَو يُفِيد إِرَادَة مجاوزتها وكراهته وَنَحْو الْخَبَر عَن وجوب الشَّيْء وَكَونه ندبا لِأَن الْخَبَر عَن وُجُوبه يُفِيد كَرَاهَة تَركه وَالْخَبَر عَن كَونه ندبا يُفِيد ترك هَذِه الْكَرَاهَة من البارىء ﷿ وَكَذَلِكَ الْخَبَر عَن إِبَاحَته وَعَن كَونه ندبا يدل أَحدهمَا على إِرَادَة الله سُبْحَانَهُ وَيدل الآخر على نفي هَذِه الْإِرَادَة
وَعِنْدنَا أَن الِاسْم الْمُشْتَرك بَين شَيْئَيْنِ حقيقتين أَو مجازين أَو أَحدهمَا حَقِيقَة وَالْآخر مجَازًا يجوز فِي الْإِمْكَان أَن يُرَاد بِهِ وَلَا يجوز فِي اللُّغَة وَالدَّلِيل على إِمْكَان ذَلِك أَنه لَيْسَ بَين إِرَادَة اعْتِدَاد الْمَرْأَة بِالْحيضِ وَبَين إِرَادَة اعتدادها بِالطُّهْرِ مَا يمنه من اجْتِمَاعهمَا لَو لم يكن المريد بذلك متكلما باسم الْقُرْء فَيجب أَن لَا يكون فيهمَا مَا يمْنَع من اجْتِمَاعهمَا إِذا تكلم الْمُتَكَلّم بِهَذَا الِاسْم لِأَن الْكَلَام لَا يَجْعَل مَا لَيْسَ بممتنع مُمْتَنعا إِذا كَانَ لَا يكْسب الإرادات وَغَيرهَا تنافيا وَلَا مَا يجْرِي مجْرَاه وَكَذَلِكَ القَوْل فِي اسْتِعْمَال لفظ النِّكَاح فِي الْوَطْء وَالْعقد
وَاحْتج الشَّيْخ أَبُو عبد الله بِأَن الْإِنْسَان يجد من نَفسه تعذر اسْتِعْمَال اللَّفْظَة فِي مجازها وحقيقتها مَعًا قَالَ وَجرى ذَلِك مجْرى تَعْظِيم زيد وَالِاسْتِخْفَاف بِهِ فِي حَالَة وَاحِدَة وَالْجَوَاب أَن مَا ذكره من تعذر ذَلِك دَعْوَى بل الْمَعْلُوم من
[ ١ / ٣٠١ ]
أَنْفُسنَا صِحَة ذَلِك وإجراؤه ذَلِك مجْرى تَعْظِيم زيد وَالِاسْتِخْفَاف بِهِ دَعْوَى أَيْضا على أَن تَعْظِيم زيد وَالِاسْتِخْفَاف بِهِ مفارقان لما نَحن بسبيله لِأَنَّهُ يُجِيز أَن يُرِيد الْمُتَكَلّم الْحَقِيقَة وَالْمجَاز بخطابين فِي وَقت وَاحِد وَلَا يُجِيز أَن يعظم عمرا ويستخف بِهِ بفعلين فِي وَقت وَاحِد وعَلى أَن الْفرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ أَن الاستخفاف ينبىء عَن إيضَاع حَال الْغَيْر والتعظيم ينبىء عَن ارْتِفَاع حَاله ومحال أَن يكون الْإِنْسَان فِي حَالَة وَاحِدَة مُرْتَفع الْحَال متضع الْحَال فَيمْتَنع أَن يحصل الدَّاعِي إِلَيْهِمَا فِي حَالَة وَاحِدَة مَعَ الْعلم بتنافيهما وَلَيْسَ كَذَلِك إِرَادَة الِاعْتِدَاد بالأطهار وَإِرَادَة الِاعْتِدَاد بِالْحيضِ
وَاحْتج أَيْضا بِأَن الْمُتَكَلّم لَو اسْتعْمل الْكَلِمَة الْوَاحِدَة فِي حَقِيقَتهَا ومجازها لَكَانَ قد أَرَادَ اسْتِعْمَالهَا فِيمَا وضعت لَهُ وَأَرَادَ الْعُدُول بهَا عَمَّا وضعت لَهُ وَذَلِكَ يتنافى كَمَا يَسْتَحِيل إِرَادَة الِاقْتِصَار على الشَّيْء والمجاوزة عَنهُ إِلَى غَيره وَالْجَوَاب أَن الْمُتَكَلّم إِذا اسْتعْمل اسْم النِّكَاح فِي العقد وَفِي الوطىء فانه يكون قد أَرَادَ بِهِ الوطىء وَأَرَادَ بِهِ العقد فان عَنى بقوله إِنَّه قد أَرَادَ الْمُتَكَلّم الْعُدُول بِالْكَلِمَةِ عَمَّا وضعت لَهُ أَنه أَرَادَ اسْتِعْمَالهَا فِي غير مَا وضعت لَهُ كَمَا أَرَادَ اسْتِعْمَالهَا فِيمَا وضعت لَهُ فَذَلِك صَحِيح وَإِن أَرَادَ بذلك أَنه قد أَرَادَ أَن لَا يستعملها فِيمَا وضعت لَهُ وَهُوَ الْمَفْهُوم من كَلَامه فَذَلِك لَا نقُول بِهِ فان قَالَ يلزمكم أَن تَقولُوا بِهِ قيل وَمن ايْنَ يلْزمنَا إِذا قُلْنَا قد اراد معنى الْحَقِيقَة وَأَرَادَ معنى الْمجَاز أَن يكون قد أَرَادَ أَن يستعملها فِي الْحَقِيقَة وَهل هَذَا إِلَّا أَنَّك ألزمتنا على قَوْلنَا قد أَرَادَ شَيْئَيْنِ أَنه لم يرد أَحدهمَا
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْمُسْتَعْمل للكلمة فِيمَا هِيَ مجَاز فِيهِ لَا بُد أَن يضمر فِيهَا كَاف التَّشْبِيه والمستعمل لَهَا فِيمَا هِيَ حَقِيقَة فِيهِ فَلَا يضمر كَاف التَّشْبِيه فِيهَا ومحال أَن يضمر الشَّيْء وَلَا يضمره وَالْجَوَاب أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ رَأَيْت السبَاع وَأَرَادَ بِهِ أَنه رأى أسدا ورجالا شجعانا فانه لَا يمْتَنع أَن يضمر كَاف التَّشْبِيه فِي بَعضهم دون بعض لِأَن معنى إِضْمَار كَاف التَّشْبِيه هُوَ أَن يقْصد بإسم
[ ١ / ٣٠٢ ]
الْأسد إِلَى مَا هُوَ كالأسد فَأَما الْكَلَام فِي أَنه لَا يجوز من جِهَة اللُّغَة أَن يُرِيد بِالِاسْمِ الْوَاحِد الْمَعْنيين الْمُخْتَلِفين فَهُوَ أَن الِاسْم إِمَّا أَن يكون مُفردا أَو مجموعا فان كَانَ مُفردا فالدلالة على أَن اللُّغَة يحظر أَن يُرَاد بِهِ كلا معنييه أَن أهل اللُّغَة وضعُوا قَوْلهم حمَار للبهيمة الْمَخْصُوصَة وَحدهَا ويجوزنه فِي البليد وَحده وَلم يستعملوه فِيهَا مَعًا أَلا ترى أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ رَأَيْت حمارا لم يفهم مِنْهُ أَنه رأى الْبَهِيمَة والبليد مَعًا وَلَو قَالَ رايت حِمَارَيْنِ لم يعقل مِنْهُ أَنه رأى أَرْبَعَة أشخاص بهيمتين وبليدين وَكَذَلِكَ قَوْلنَا قرء وضعوه للْحيض وَحده وللطهر وَحده وَلم يضعوه لَهما لأَنهم لَو وضعوه لَهما مَعًا لَكَانَ الْمُسْتَعْمل لَهُ فِي أَحدهمَا متجوزا لِأَنَّهُ لم يَسْتَعْمِلهُ على مَا وضع لَهُ على التَّحْقِيق وَكَانَ يجب أَن نفهم من قَول الْقَائِل قرءان أَرْبَعَة طهرين وحيضين وَمن ثَلَاثَة أَقراء سِتَّة وَالْأَمر بِخِلَاف ذَلِك فصح أَن الْمُتَكَلّم إِذا قَالَ للْمَرْأَة اعْتدي بقرء لَا يكون مرِيدا مِنْهَا أَن تَعْتَد بِالطُّهْرِ وَالْحيض مَعًا وَإنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَحدهمَا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون أَرَادَ مِنْهَا أَن تَعْتَد إِمَّا بِالطُّهْرِ أَو بِالْحيضِ بِحَسب اخْتِيَارهَا وَإِمَّا أَن يكون أَرَادَ الْحيض فَقَط أَو أَرَادَ الطُّهْر فَقَط وَيجْرِي مجْرى أَن يَقُول لَهَا قد أردْت مِنْك الِاعْتِدَاد بِالطُّهْرِ وَأَرَدْت مِنْك الِاعْتِدَاد بِالْحيضِ وَالْأول بَاطِل ثمَّ لِأَن لَفظه الْقُرْء لم تُوضَع للطهر وَالْحيض وَإِنَّمَا وضعت للطهر وَحده وللحيض وَحده وَيُفَارق ذَلِك قَول الْقَائِل لغيره اضْرِب رجلا لِأَنَّهُ إِذا قَالَ ذَلِك كَانَ مرِيدا مِنْهُ أَن يضْرب أَي رجل شَاءَ إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا لِأَن قَوْلنَا رجل لم يوضع لهَذَا الشَّخْص وَحده وَلِهَذَا وَحده وَإِنَّمَا وضع لما اخْتصَّ بِمَعْنى الرجولية وَهُوَ معنى وَاحِد شَائِع فِي كل شخص من أشخاص الرِّجَال فَكَأَنَّهُ قَالَ اضْرِب شخصا مِمَّن اخْتصَّ بِمَعْنى الرجولية وَلَو قَالَ ذَلِك لدل على أَنه قد أَرَادَ مِنْهُ ضرب الرِّجَال على الْبَدَل وَلَيْسَ كَذَلِك اسْم الْقُرْء لِأَنَّهُ لَيْسَ يُفِيد فِي الطُّهْر وَالْحيض فَائِدَة وَاحِدَة فَيكون دَالا على أَن الْمُتَكَلّم بِهِ قد أَرَادَ مَا اخْتصَّ بِتِلْكَ الْفَائِدَة من الطُّهْر وَالْحيض فان قيل أَيجوزُ أَن يَقُول الرجل لغيره اضْرِب
[ ١ / ٣٠٣ ]
رجلا وَهُوَ يُرِيد ضرب رجل معِين قيل لَا يجوز ذَلِك إِلَّا أَن يدل عَلَيْهِ دَلِيل وَيكون قد عدل بِاللَّفْظِ إِلَى غير مَوْضُوعه فِي الأَصْل لِأَن قَوْلنَا رجل لم يوضع لرجل مَخْصُوص دون غَيره فَإِن قيل أَلَيْسَ يجوز أَن يَقُول الرجل لغيره رَأَيْت رجلا وَإِن كَانَ قد اراد رجلا بِعَيْنِه فَكيف قُلْتُمْ إِن هَذَا الإسم لَا يُفِيد شخصا معينا قيل هَذَا دليلنا على أَنه لَا يُفِيد شخصا معينا أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ ذَلِك لم يفهم مِنْهُ الرجل الَّذِي رَآهُ بِعَيْنِه وَإِنَّمَا سَاغَ أَن يَقُول رَأَيْت رجلا وَإِن كَانَ قد رأى رجلا بِعَيْنِه لِأَن اسْم الرجل يُفِيد مَا يخْتَص بِالْمَعْنَى الَّذِي يتَمَيَّز بِهِ الرجل مِمَّا لَيْسَ بِرَجُل وَمن رأى رجلا بِعَيْنِه فقد رأى مَا اخْتصَّ بِمَعْنى الرجولية وَزِيَادَة فصح أَن يخبر عَن ذَلِك الْمَعْنى بقوله رايت رجلا وَلَا يخبر عَن الزِّيَادَة الَّتِي اخْتصَّ بهَا ذَلِك الرجل بِعَيْنِه فَأَما إِذا قَالَ الْمُتَكَلّم للْمَرْأَة لَا تعتدي بقرء فانه يُفِيد أَنه أَرَادَ أَن لَا تَعْتَد بِوَاحِد معِين إِمَّا أَن يكون أَرَادَ الطُّهْر وَإِمَّا أَن يكون أَرَادَ الْحيض لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ مجموعهما كَانَ قد أَرَادَ مَا لم يوضع لَهُ اللَّفْظ وَإِن أَرَادَ أَن لَا تَعْتَد بِمَا يَقع عَلَيْهِ اسْم قرء بِمَا فِيهِ معنى من مَعَاني الْقُرْء فان ذَلِك لَيْسَ فِي ظَاهر الْكَلَام لِأَنَّهُ إِنَّمَا علق الحكم بالقرء لَا بِمَا سمي قرء وَلَا بِمَا فِيهِ معنى من مَعَاني الْقُرْء
فَأَما الِاسْم الْمُشْتَرك الْمَجْمُوع نَحْو قَوْلنَا أَقراء فاما أَن يكون قد علق عَلَيْهِ إِثْبَات أَو نفي فالإثبات نَحْو قَول الْقَائِل للْمَرْأَة اعْتدي بِالْأَقْرَاءِ وَذَلِكَ يُفِيد أَنه قد اراد مِنْهَا إِمَّا ثَلَاث حيض أَو ثَلَاثَة أطهار أَو أَرَادَ مِنْهَا أَن تَعْتَد بِثَلَاثَة بَعْضهَا أطهار وَبَعضهَا حيض وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن جمع الِاسْم يُفِيد جمع مُقْتَضَاهُ وَإِذا كَانَ قَوْلنَا قرء مَوْضُوعا للْحيض وَحده وللطهر وَحده وَيدل على أَن الْمُتَكَلّم بِهِ إِمَّا أَن يكون قد اراد الْحيض أَو أَرَادَ الطُّهْر فَيجب أَن يكون قَوْلنَا أَقراء يُفِيد أَنه قد أَرَادَ إِمَّا جمعا من الْحيض أَو جمعا من الطُّهْر أَو جمعا مِنْهُمَا وَيجْرِي مجْرى أَن يَقُول اعْتدى بقرء وبقرء وبقرء فِي أَنه يجوز أَن يكون أَرَادَ بِالْكُلِّ الْحيض أَو أَرَادَ بِالْكُلِّ الطُّهْر أَو أَرَادَ بِبَعْضِهَا الطُّهْر وببعضها الْحيض
[ ١ / ٣٠٤ ]
وَيُفَارق ذَلِك قَول الْقَائِل لغيره اضْرِب رجَالًا فِي أَنه يُفِيد ضرب أَي ثَلَاثَة من الرِّجَال شَاءَ من الْعَرَب أَو من الْعَجم أَو مِنْهُمَا وَلَا يكون مرِيدا لثَلَاثَة من الْعَجم فَقَط أَو ثَلَاثَة من الْعَرَب فَقَط لِأَن قَوْلنَا رجال يُفِيد جمع فَائِدَة قَوْلنَا رجل وَقد قُلْنَا إِن قَوْلنَا اضْرِب رجلا يُفِيد أَن الْمُتَكَلّم بِهِ أَرَادَ ضرب مَا اخْتصَّ بِمَعْنى الرجولية أَي رجل كَانَ فَيجب أَن يكون جمعه يُفِيد جمعا من الْأَشْخَاص يخْتَص كل وَاحِد مِنْهَا بِمَعْنى الرجولية أَي جمع من ذَلِك كَانَ وَلَيْسَ كَذَلِك الاقراء لما بَيناهُ من قبل فان قيل أَلَيْسَ لَو قَالَ الرجل للْمَرْأَة اعْتدي بِمَا يُسمى أَقراء جَازَ أَن تَعْتَد بِالْحيضِ وَجَاز أَن تَعْتَد بِالطُّهْرِ قيل أجل وَيُفَارق مَسْأَلَتنَا لِأَنَّهُ قد علق الِاعْتِدَاد بِمَا يُسمى أَقراء وَالطُّهْر وَالْحيض متفقان فِي فَائِدَة وَصفنَا لَهما بِأَنَّهُمَا يسميان أَقراء وَغير مُخْتَلفين فِي ذَلِك فَجرى مجْرى قَوْله اضْرِب رجلا فِي أَنه أَمر بِضَرْب مَا اخْتصَّ بِمَعْنى الرجولية وَلَيْسَ كَذَلِك قَوْلنَا اعْتدى بِالْأَقْرَاءِ لِأَن معنى الْأَقْرَاء فِي الطُّهْر وَالْحيض مُخْتَلف وَكَذَلِكَ لَو أمكنت الْإِشَارَة إِلَى الطُّهْر وَالْحيض فَقَالَ للْمَرْأَة اعْتدي من هَذَا بِثَلَاثَة لِأَن قَوْله من هَذَا وَاقع عَلَيْهِمَا لَا على سَبِيل الِاشْتِرَاك أَلا ترى أَنه لَا يُفِيد فيهمَا فائدتين مختلفتين وَلَيْسَ كَذَلِك اسْم الْقُرْء
فَأَما إِذا علق على الِاسْم الْمُشْتَرك الْمَجْمُوع حكما منفيا نَحْو أَن يَقُول الْقَائِل للْمَرْأَة لَا تعتدي بِالْأَقْرَاءِ فانه يُفِيد أَنه كره أَن تَعْتَد بِجمع من الْأَقْرَاء إِمَّا حيض كُله وَإِمَّا طهر كُله أَو بعضه طهر وَبَعضه حيض لِأَن ذَلِك يجْرِي مجْرى أَن يَقُول لَهَا لَا تعتدي بقرء وَلَا بقرء وَلَا بقرء فَكَمَا أَنه يجوز أَن يَعْنِي بهَا أجمع الْحيض وَيجوز أَن يعْنى بهَا أجمع الطُّهْر وَيجوز أَن يعْنى بِبَعْضِه الْحيض وببعضه الطُّهْر على مَا بَيناهُ فَكَذَلِك جمعه فِي هَذَا الْقسم بعض الِاشْتِبَاه وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ لَهَا لَا تعتدي بقرء لِأَنَّهُ يجوز أَن يُقَال إِن ذَلِك يُفِيد نفي الِاعْتِدَاد بِالْحيضِ وَالطُّهْر مَعًا وَالْأول أشبه
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
[ ١ / ٣٠٥ ]
مِنْهَا أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ إِن قَول الْقَائِل لغيره الويل لَك خبر وَدُعَاء فَجعله مُفِيدا لِكِلَا الْأَمريْنِ وَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ فِي وضع اللُّغَة ذَلِك فِي كلا الْأَمريْنِ مَا يدل على أَن اسْم الْقُرْء مَوْضُوع للطهر وَالْحيض مَعًا وَأَيْضًا فَلَيْسَ ذَلِك دلَالَة على أَنه مُسْتَعْمل فِي كلا الْأَمريْنِ مَعًا بل لَا يمْتَنع أَن يكون هَذَا الْكَلَام مَوْضُوعا للْخَبَر مُسْتَعْملا على سَبِيل الْمجَاز فِي الدُّعَاء وَلم يقل سِيبَوَيْهٍ أَن يجوز أَن يسْتَعْمل فيهمَا
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن عمر ﵁ قَالَ إِن قبْلَة الرجل امْرَأَته تنقض الطُّهْر وَقَالَ إِن الْجنب يلْزمه التَّيَمُّم وَهَذَا يدل على أَنه عقل من قَول الله ﷿ ﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾ الوطىء والمباشرة بِالْيَدِ وَالْجَوَاب أَن هَذَا لَا يمْتَنع أَن يكون علم وجوب التَّيَمُّم على الْجنب من السّنة لَا من الْآيَة
وَمِنْهَا أَن قَول الله ﷿ ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ قد أُرِيد بِهِ الْحيض وَالطُّهْر لِأَن للْمَرْأَة تَقْلِيد من يرى الِاعْتِدَاد بالأطهار وتقليد من يرى الِاعْتِدَاد بِالْحيضِ وَأي ذَلِك فعلت فقد أَرَادَهُ الله مِنْهَا فَإِذن قد أرادهما الله سُبْحَانَهُ على الْبَدَل بِشَرْط أَن تخْتَار أَي الْمُجْتَهدين شَاءَت وَكَذَلِكَ قد أَرَادَ مِنْهَا الِاعْتِدَاد بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا إِذا كَانَت من أهل الِاجْتِهَاد بِشَرْط أَن يُؤَدِّيهَا اجتهادها إِلَى هَذَا وَإِلَى هَذَا وَالْجَوَاب أَن الشَّيْخ أَبَا هَاشم ﵀ يَقُول إِن الله ﷿ تكلم بِالْآيَةِ مرَّتَيْنِ فَأَرَادَ مرّة الطُّهْر مِمَّن يُؤَدِّيه اجْتِهَاده إِلَى ذَلِك أَو تَقْلِيد من يرى ذَلِك واراد فِي الْأُخْرَى الِاعْتِدَاد بِالْحيضِ مِمَّن يُؤَدِّيه اجْتِهَاده إِلَى ذَلِك أَو يخْتَار تَقْلِيد من يرى ذَلِك وَكره فِي كل وَاحِد من الدفعتين ترك الِاعْتِدَاد بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا وَلَيْسَ يجب إِذا تكلم بهَا مرَّتَيْنِ أَن تثبت فِي الْمُصحف مرَّتَيْنِ على أَنه لَا يمْتَنع أَن يُرِيد كلا الْمَعْنيين فِي وَقت وَاحِد بعبارتين مثلين يفعلهما فِي مكانين على أَنه لَا يمْتَنع أَن
[ ١ / ٣٠٦ ]
يكون الله قد أَرَادَ بِهِ كلا الِاثْنَيْنِ فِي دفْعَة وَاحِدَة وَيكون قيام الدّلَالَة على ذَلِك دلَالَة على الشَّرِيعَة قد جَاءَت بِنَقْل هَذَا الِاسْم إِلَى مَجْمُوع الْأَمريْنِ كَمَا ينْقل الشَّرْع الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة إِلَى معَان غير مَعَانِيهَا فِي اللُّغَة فاذا صَحَّ أَن الِاسْم الْمُشْتَرك لم يوضع لِكِلَا معنييه لم يجب أَن يُرِيدهُمَا الْمُتَكَلّم بذلك الِاسْم وَاحْتَاجَ إِلَى بَيَان إِذْ كَانَ لَا يدل على المُرَاد وَلَا يجوز أَن يُقَال تجرده عَن دلَالَة يدل على أَنه قد أُرِيد بِهِ كلا الْمَعْنيين على الْبَدَل أَو على الْجمع لِأَن اللَّفْظ إِذا لم يكن مَوْضُوعا للْجمع وَلَا للتَّخْيِير لم يجز تجرده عَن قرينَة وَإِنَّمَا يتجرد عَن قرينَة إِذا كَانَ مَوْضُوعا لأمر يَكْفِي ظَاهره فِي الدّلَالَة عَلَيْهِ - ﷺ َ - بَاب فِيمَا الْحق بالمجمل وَلَيْسَ مِنْهُ - ﷺ َ -
من ذَلِك التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم المتعلقين بالأعيان كَقَوْل الله سُبْحَانَهُ ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ ذكر الشَّيْخ ابو الْحسن ﵀ وَأَبُو عبد الله ﵀ أَن ذَلِك مُجمل لَا يَصح التَّعَلُّق بِظَاهِرِهِ لِأَن التَّحْرِيم مُتَعَلق بِنَفس الْأُمَّهَات وَلَيْسَ ذَلِك فِي مقدورنا لَو كَانَ مَعْدُوما فَكيف وَهُوَ مَوْجُود فَلم يجز أَن تحرم علينا وَوَجَب أَن يكون المُرَاد بِهِ فعل من أفعالنا يتَعَلَّق بالأمهات وَإِذا لم يكن ذَلِك الْفِعْل مَذْكُورا فِي الْآيَة لم يُمكن أَن يسْتَدلّ بهَا على تَحْرِيم فعل دون فعل وَلِأَن الْآيَة لَو اقْتَضَت تَحْرِيم فعل معِين لَكَانَ المُرَاد بتعليق التَّحْرِيم بالأعيان تَحْرِيم ذَلِك الْفِعْل بِعَيْنِه وَلَا يخْتَلف ذَلِك الْفِعْل بِحَسب اخْتِلَاف الْأَعْيَان وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك لِأَن المُرَاد بقوله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ تَحْرِيم الِاسْتِمْتَاع وَالْمرَاد بقوله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ تَحْرِيم الْأكل فأحد الْفِعْلَيْنِ مُخَالف للْآخر
وَقَالَ أَبُو عَليّ وابو هَاشم وقاضي الْقُضَاة ﵏ إِن ذَلِك لَيْسَ
[ ١ / ٣٠٧ ]
بمجمل بل هُوَ ظَاهر من جِهَة الْعرف فِي تَحْرِيم الِاسْتِمْتَاع بالأمهات وَتَحْرِيم أكل الْميتَة لِأَن قَوْله ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ وَإِن كَانَ التَّحْرِيم فِيهِ مُتَعَلقا بِنَفس الْأُمَّهَات فانه يُفِيد بِالْعرْفِ تَحْرِيم الِاسْتِمْتَاع لأَنا عِنْد سَماع هَذِه اللَّفْظَة نفهم تَحْرِيم الِاسْتِمْتَاع وَعند سَماع قَول الْقَائِل حرمت عَلَيْك طَعَامي وَحرمت الْميتَة نفهم أكلهَا وَهَذِه أَمارَة كَون الِاسْم منتقلا بِالْعرْفِ أَلا ترى أَنا لما فهمنا الْخَيل عِنْد سَمَاعنَا اسْم الدَّوَابّ قُلْنَا إِنَّه يفيدها وَحدهَا من جِهَة الْعرف وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يكون الْعرف قد نقل التَّحْرِيم الْمُتَعَلّق بالأعيان فَجعله حَقِيقَة فِي تَحْرِيم أَفعَال مُخْتَلفَة بِحَسب اخْتِلَاف الْأَسْمَاء فيفهم بِالْعرْفِ من قَول الْقَائِل حرمت عَلَيْك فُلَانَة الِاسْتِمْتَاع بهَا وَيفهم من قَوْله حرمت عَلَيْك طَعَامي أكله
وَمن ذَلِك قَول الْعِرَاقِيّين إِن قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ مُجمل لِأَنَّهُ يحْتَمل مسح جَمِيع الرَّأْس وَيحْتَمل مسح بعضه فاذا احْتمل مسح كل وَاحِد مِنْهُمَا بَدَلا من الآخر افْتقر إِلَى بَيَان فاذا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ مسح بناصيته كَانَ ذَلِك بَيَانا لِلْآيَةِ وَوَجَب مسح ذَلِك الْمِقْدَار من الرَّأْس وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن ظَاهر الْبَاء فِي اللُّغَة للإلصاق وَقَوله ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ يُفِيد من جِهَة اللُّغَة مسح جَمِيع الرَّأْس لِأَن الْبَاء المفيدة للإلصاق دخلت على الْمسْح وقرنته بِالرَّأْسِ وَالَّذِي يُسمى رَأْسا هُوَ الْجَمِيع لَا الْبَعْض لِأَنَّهُ لَا تُوصَف الناصية رَأْسا فَكَانَت الْآيَة إِيجَابا لمسح جَمِيع الرَّأْس من جِهَة اللُّغَة قَالَ وَالْعرْف قَالَ مسحت يَدي بالمنديل عقل مِنْهُ أَنه ألصق الْمسْح بالمنديل وَيجوز السَّامع أَنه مَسحه بِجَمِيعِهِ وَيجوز أَنه مَسحه بِبَعْضِه وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ الْإِنْسَان الغيره امسح يدك بالمنديل فانه يعقل مِنْهُ أَنه قد أوجب عَلَيْهِ إلصاق يَده بالمنديل إِن شَاءَ بِجَمِيعِهِ وَإِن شَاءَ
[ ١ / ٣٠٨ ]
بِبَعْضِه وَأيهمَا فعل سقط عَنهُ الْأَمر وَإِذا أفادت هَذِه اللَّفْظَة فِي الْعرف مَا ذَكرْنَاهُ حملت الْآيَة عَلَيْهِ
وَمن ذَلِك حرف النَّفْي إِذا دخل على الْفِعْل مَتى لم يكن الْفِعْل على صفة من الصِّفَات وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا يُمكن انْتِفَاء الْفِعْل مَتى لم تحصل تِلْكَ الصّفة وَالْآخر لَا يُمكن انْتِفَاء ذَلِك الْفِعْل فمثال الأول قَول النَّبِي ﷺ لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب فحرف النَّفْي دخل على الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة لِأَن كَلَام النَّبِي ﷺ يحمل على مَعَانِيه الشَّرْعِيَّة فَظَاهره إِذا يَقْتَضِي نفي الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة مَعَ انْتِفَاء الْفَاتِحَة وَذَلِكَ مُمكن فَوَجَبَ حمل الْكَلَام عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَون قِرَاءَة الْفَاتِحَة شرطا وَيَقْتَضِي أَن يكون قَوْلنَا صَلَاة فَاسِدَة مجَازًا أَعنِي وَصفنَا لَهَا بِأَنَّهَا صَلَاة وَيكون المُرَاد أَنَّهَا على صُورَة الصَّلَاة وَكَذَلِكَ قَول النَّبِي ﷺ لَا صِيَام لمن لم يبيت الصّيام من اللَّيْل وَقَوله لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله يَجْعَل هَذِه الْأَلْفَاظ مجملة قَالَ لِأَن الْمَنْفِيّ مَوْجُود مَعَ انْتِفَاء الشَّرْط فَعلمنَا أَنه أَرَادَ نفي أَحْكَامه وَلَيْسَ بعض الْأَحْكَام بِأَن يكون هُوَ الْمَنْفِيّ أولى من حكم آخر إِذْ اللَّفْظ لَا يتَنَاوَل الْأَحْكَام على جِهَة الْعُمُوم وَلَا على جِهَة الْخُصُوص وَلِأَنَّهُ يتناقض حمل ذَلِك على نفي الْكَمَال وَنفي الْإِجْزَاء لِأَن فِي ضمن نفي الْكَمَال إِثْبَات الْإِجْزَاء وَالَّذِي ذكره إِنَّمَا يَصح لَو لم يَصح أَن يكون الْمَنْفِيّ هُوَ الَّذِي دخل عَلَيْهِ حرف النَّفْي وَقد بَينا ذَلِك وَأما مِثَال الْقسم الثَّانِي فَقَوْل النَّبِي ﷺ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ أعظم متأول هَذَا الْكَلَام أَن يجْرِي مجْرى قَوْله لَا عمل إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ يخرج الْعَمَل من كَونه عملا إِذا فقدت النِّيَّة فَعلمنَا أَن المُرَاد بِهِ أَحْكَام الْعَمَل من الْإِجْزَاء أَو الْكَمَال وَلَيْسَ بِأَن يحمل على أَحدهمَا أولى من الآخر وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول إِن قَوْله الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ يُفِيد فِي الْعرف نفي كَونه عملا مجزئا إِذا لم يكن نِيَّة لأَنا لَا نعقل ذَلِك من جِهَة الْعرف أَلا ترى أَنا قد حملنَا كثيرا من هَذَا النَّفْي على نفي الْفضل والكمال وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول الْمَعْقُول فِي الْعرف من قَول الْقَائِل لَا عمل إِلَّا بنية هُوَ لَا عمل مجزىء وَلَا كَامِل إِلَّا بنية لِأَنَّهُ إِذا لم يجزء لم
[ ١ / ٣٠٩ ]
يكمل وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يكون قد عقل مِنْهُ نفي الْكَمَال تبعا لنفي الْإِجْزَاء فقد عَاد الْكَلَام إِلَى الأول وَكَذَلِكَ قَول النَّبِي ﷺ رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان لِأَن الْخَطَأ وَاقع مِنْهُم فاذا الْمَرْفُوع هُوَ أَحْكَام الْخَطَأ فَاحْتَاجَ إِلَى بَيَان ذَلِك الحكم وَقد علمنَا أَنه لم يرد الْإِثْم لِأَنَّهُ لَا مزية لأمته فِي ذَلِك على سَائِر الْأُمَم
وَمن ذَلِك قَول بَعضهم إِن قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ مُجمل لِأَنَّهُ يحْتَمل الْيَد من الْمنْكب إِذْ جُمْلَتهَا تسمى يدا وَيحْتَمل قطعهَا من الْكُوع لِأَنَّهُ يُسمى هَذَا الْقدر يدا وَيحْتَمل قطعهَا من الْمرْفق لِأَن هَذَا يُسمى يدا وَيُمكن أَن يحتجوا لذَلِك ايضا بِأَنَّهُ قد يُقَال قطعت يَد فلَان وَيُرَاد بهَا إبانتها وَقد يُرَاد إِيصَال قطع بهَا وَإِن لم تنفصل من الْبدن كَمَا يُقَال بَرى فلَان الْقَلَم فَقطع يَده وَإِنَّمَا يعلم إبانة الْعُضْو إِذا قيد الْقطع بِالْجُمْلَةِ فَقيل قطعت يَد فلَان من جملَته كَمَا يُقَال قطعت الْغُصْن من الشَّجَرَة
وَالْجَوَاب عَن الأول أَن اسْم الْيَد يتَنَاوَل الْجُمْلَة إِلَى الْمنْكب فَيجب حمل الْيَد عَلَيْهِ لَوْلَا قيام الدّلَالَة على خِلَافه فَقبل قيام الدّلَالَة على ذَلِك تكون الْآيَة مجملة إِذْ قد أُرِيد بهَا غير ظَاهرهَا لِأَن اسْم الْيَد لَا يتَنَاوَل الْكَفّ وَحده حَقِيقَة لِأَنَّهُ لَا يُقَال قطعت يَد فلَان كلهَا وجميعها إِذا قطع الْكَفّ فَلَو كَانَ اسْم الْكَفّ يتَنَاوَل هَذَا الْمِقْدَار وَحده حَقِيقَة لصَحَّ أَن يُقَال ذَلِك لِأَن الْكَفّ كل وَجَمِيع وَلَو تنَاول الْكَفّ حَقِيقَة وَجَمِيع الْيَد حَقِيقَة لحمل على أقل مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم كَمَا أَن قَول الْقَائِل لغيره اضْرِب رجلا يُفِيد ضرب مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم رجل ولمفرق أَن يفرق بَينهمَا بِأَن معنى الرجولية قَائِم فِي كل شخص من الرِّجَال فالاسم قد تنَاول جَمِيعهم على الْبَدَل وَلَيْسَ كَذَلِك قَوْلنَا يَد لِأَنَّهُ لَو تنَاول الْكَفّ وَتَنَاول من أَطْرَاف الْأَصَابِع إِلَى المفرق لَكَانَ قد أَفَادَ فِي ذَلِك فَوَائِد مُخْتَلفَة ولكان اسْما مُشْتَركا
[ ١ / ٣١٠ ]
وَالْجَوَاب عَن الثَّانِي أَن الْقطع هُوَ الْإِبَانَة فاذا علق بِالْيَدِ أَفَادَ إبانة مَا يُسمى يدا والشق إذاحصل فِي الْجلد لم يكن الْمُسَمَّاة يدا قد أبينت فَلم يدْخل تَحت الظَّاهِر وَهَذَا يدلنا على أَن قَول الْقَائِل بريت الْقَلَم فَقطعت يَدي مجَاز وَيكون اقتران ذَلِك ببري الْقَلَم قرينَة تدل على الْمجَاز لِأَن الْعَادة مَا جريت بابانة عِنْد بري الْقَلَم - ﷺ َ - بَاب فِيمَا تكون للاحكام الشَّرْعِيَّة - ﷺ َ -
اعْلَم أَن بَيَانهَا يكون بِكُل مَا يَقع التَّبْيِين بِهِ وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا يكون دلَالَة بالمواضعة وَالْآخر لَا بالمواضعة أما الأول فَالْكَلَام وَالْعقد وَالْكِنَايَة وَالْبَيَان بالْكلَام فَأكْثر من أَن يُحْصى وَقد بَين النَّبِي ﷺ بِأَن كتب إِلَى عماله فِي الصَّدقَات وَبَين الله تَعَالَى لملائكته بِمَا كتبه فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَأما الضَّرْب الآخر فضربان أَحدهمَا تتبعه الْمُوَاضَعَة وَالْآخر يتبع الْمُوَاضَعَة فَالْأول هُوَ الْإِشَارَة لِأَن الْمُوَاضَعَة على الْكَلَام إِنَّمَا تكون بِالْإِشَارَةِ وَقد بَين النَّبِي ﷺ بِالْإِشَارَةِ حِين قَالَ الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا وَأَشَارَ بيدَيْهِ وَالثَّانِي ضَرْبَان أَحدهمَا أَمارَة الْقيَاس وَالْآخر الْأَفْعَال وَأما أَمارَة الْقيَاس فَهِيَ كَيْفيَّة ثُبُوت الحكم من نَحْو ثُبُوته عِنْد صفة ونفيه عَن نَفيهَا وَهَذَا إِنَّمَا يثبت بِالْخِطَابِ وَأما الْأَفْعَال فانها تتَعَلَّق بِمَا هِيَ بَيَان لَهُ بالْقَوْل نَحْو أَن يَقُول النَّبِي ﷺ هَذَا الْفِعْل بَيَان لهَذِهِ الْآيَة وَيَقُول صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي
وَقَالَ بعض النَّاس إِن الْأَفْعَال لَا تكون بَيَانا وَلَيْسَ يَخْلُو إِمَّا أَن يُرِيد أَنه لَا يَصح وُقُوع الْبَيَان بهَا أَو أَنه لَا يحسن أَن يبين بهَا الْمُجْمل من جِهَة الْحِكْمَة وَالْأول ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يُقَال إِن الْفِعْل لَا يُؤثر فِي وُقُوع الشَّيْء أصلا وَالْآخر أَن يُقَال إِنَّه لَا يُؤثر فِي ذَلِك إِلَّا مَعَ غَيره نَحْو أَن يَقُول النَّبِي ﷺ هَذَا بَيَان لهَذَا الْكَلَام أما إِذا قيل لَا يحسن أَن يَقع الْبَيَان بالأفعال فبأن
[ ١ / ٣١١ ]
يُقَال إِنَّه لَا يَقع عقيب الْكَلَام الْمُجْمل فان وَقع عَقِيبه فانه يطول وَفِي كلا الْحَالَتَيْنِ يتَأَخَّر الْبَيَان فان قَالُوا بِالْأولِ فقد أبطلوا لِأَن فعل النَّبِي ﷺ للصَّلَاة وللحج أدل على صفتهَا من وَصفه لَهَا لما فِي الْمُشَاهدَة للشَّيْء من المزية على الْخَبَر عَن الشَّيْء وَلِهَذَا بَين النَّبِي ﷺ الْحَج بِفِعْلِهِ وَقَالَ خُذُوا عني مَنَاسِككُم وَقَالَ صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَبَين أَصْحَاب النَّبِي ﷺ الْوضُوء بفعلهم وَإِن أَرَادوا أَنه لَا يَقع بِهِ الْبَيَان إِلَّا مَعَ غَيره نَحْو أَن يَقُول النَّبِي ﷺ إِن هَذَا بَيَان لِلْآيَةِ أَو يضْطَر من قَصده إِلَى ذَلِك أَو يَتْلُو كلَاما مُجملا ثمَّ يفعل فعلا يجوز أَن يكون بَيَانا لَهُ وَلَا تَجِد بَيَانا غَيره فَذَلِك مِمَّا لَا خلاف فِيهِ إِلَّا أَن الْبَيَان هُوَ الْفِعْل لِأَنَّهُ المتضمن لصفة الْفِعْل دون القَوْل الْمُعَلق للْفِعْل بالمبين وَإِن أَرَادوا الْوَجْه الثَّالِث من أَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى تَأْخِير الْبَيَان فَبَاطِل لِأَنَّهُ يُمكن أَن يتعقب الْفِعْل القَوْل كَمَا يتعقبه القَوْل وَالْفِعْل وَإِن طَال فَالْقَوْل قد يكون طَويلا أَيْضا فصح وُقُوع الْبَيَان بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا وَأما الْمُخَالف فَأَنَّهُ يحْتَج بِهَذِهِ الْأَقْسَام الَّتِي ذَكرنَاهَا - ﷺ َ - بَاب فِي تَقْدِيم القَوْل على الْفِعْل فِي الْبَيَان - ﷺ َ -
اعْلَم أَن هَذَا الْبَاب يتَضَمَّن مَسْأَلَتَيْنِ إِحْدَاهمَا أَن يُقَال إِذا كَانَ القَوْل بَيَانا وَالْفِعْل بَيَانا فَأَيّهمَا أكشف وَالْجَوَاب أَن الْفِعْل أكشف لِأَنَّهُ ينبىء عَن صفة الْمُبين مُشَاهدَة وَالْقَوْل إِخْبَار عَن صفته وَلَيْسَ الْخَبَر كالعيان وَالْأُخْرَى أَن يرد بعد الْآيَة المجملة فعل وَقَول يحْتَمل أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا بَيَانا لَهَا فَيُقَال أَيهمَا قصد بِهِ الْبَيَان وَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ يَخْلُو إِمَّا أَن يتنافى حكم البيانين أَو لَا يتنافى فان لم يتنافى فضربان أَحدهمَا علم تقدم أَحدهمَا على الآخر فَيكون الْمُتَقَدّم هُوَ الَّذِي قصد بِهِ الْبَيَان الْمُبْتَدَأ لِأَن الْبَيَان لَا يتَأَخَّر وَيكون الْمُتَأَخر تَأْكِيدًا للْبَيَان وَالْآخر لَا يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر
[ ١ / ٣١٢ ]
فَيجوز فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يكون هُوَ الْمُتَقَدّم وَهُوَ الَّذِي قصد بِهِ الْبَيَان ابْتِدَاء وَإِن يتنافى حكمهمَا فمثاله آيَة الْحَج وَقَوله ﷺ من قرن حجا إِلَى عمرته فليطف لَهما طَوافا وَاحِدًا وسعيا وَاحِدًا وَرُوِيَ أَنه ﷺ قرن فَطَافَ طوافين وسعى سعيين فَإِن كَانَ قَوْله هُوَ الْبَيَان فالطواف الثَّانِي غير وَاجِب وَإِن كَانَ فعله هُوَ الْبَيَان فالطواف الثَّانِي وَاجِب فَمَتَى علمنَا تقدم أَحدهمَا كَانَ هُوَ الْبَيَان لِأَن الْخطاب الْمُجْمل إِذا تعقبه مَا يجوز أَن يكون بَيَانا لَهُ كَانَ بَيَان لَهُ فان لم يجز تَأْخِير الْبَيَان فَالْأَمْر فِي كَون ذَلِك بَيَانا أكشف وَأظْهر وَإِن لم نعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر جعلنَا القَوْل هُوَ الْبَيَان لأَنا لَو جعلنَا الْفِعْل هُوَ الْبَيَان لأوجبنا إِثْبَات مَا تعلقه بالمبين من قَول النَّبِي ﷺ إِن هَذَا بَيَان لهَذَا وَإِن لم يعلم ذَلِك باضطرار من قَصده وَلَا يجوز إِثْبَات ذَلِك إِلَّا عَن ضَرُورَة وَلَا ضَرُورَة إِلَى ذَلِك مَعَ إِثْبَات قَول يُمكن أَن يكون بَيَانا وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول جوزوا أَن يكون الْفِعْل هُوَ الَّذِي قصد بِهِ الْبَيَان وَإِن لم تقطعوا عَلَيْهِ لأَنا لَا نجوز ذَلِك إِلَّا لضَرُورَة وَلَا ضَرُورَة وَلَيْسَ الْغَرَض بِمَا ذَكرْنَاهُ من الْمِثَال إِلَّا التَّمْثِيل دون تَصْحِيح مَسْأَلَة الطوافين لِأَن النَّبِي ﷺ قد قَالَ خُذُوا عني مَنَاسِككُم فقد علق بِهَذَا القَوْل فعله على الْآيَة - ﷺ َ - بَاب فِي أَن الْبَيَان كالمبين - ﷺ َ -
هَذَا الْبَاب يشْتَمل على شَيْئَيْنِ أَحدهمَا هَل الْبَيَان كالمبين فِي الْقُوَّة وَالْآخر هَل كالمبين فِي حكمه أم لَا أما الأول فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن إِن الْمُبين إِذا كَانَ لفظا مَعْلُوما وَجب كَون بَيَانه مثله وَإِلَّا لم يقبل وَلِهَذَا لم يقبل خبر الأوساق مَعَ قَول النَّبِي ﷺ فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر وَالصَّحِيح أَنه يجوز أَن يكون الْبَيَان والمبين دَلِيلين معلومين وَيجوز أَن يَكُونَا أمارتين وَيجوز أَن يكون
[ ١ / ٣١٣ ]
الْمُبين مَعْلُوما وَبَيَانه مظنونا كَمَا جَازَ تَخْصِيص الْقُرْآن بِخَبَر الْوَاحِد لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع تعلق الْمصلحَة بذلك وَأما الآخر وَهُوَ هَل إِذا كَانَ الْمُبين وَاجِبا كَانَ بَيَانه كَذَلِك وَقد قَالَ قوم بذلك فَإِن أَرَادوا بذلك أَنه إِذا كَانَ الْمُبين وَاجِبا فبيانه بَيَان لصفة شَيْء وَاجِب فَصَحِيح وَإِن أَرَادوا أَنه يدل على الْوُجُوب كَمَا يدل الْمُبين فَغير صَحِيح لِأَن الْبَيَان إِنَّمَا يتَضَمَّن صفة الْمُبين وَلَيْسَ يتَضَمَّن لفظا يُفِيد الْوُجُوب وَإِن أَرَادوا بِهِ أَنه إِذا كَانَ الْمُبين وَاجِبا كَانَ بَيَانه وَاجِبا على النَّبِي ﷺ فَإِذا لم يكن الْفِعْل الْمُبين وَاجِبا لم يكن بَيَانه وَاجِبا على النَّبِي ﷺ فَبَاطِل لِأَن بَيَان الْمُجْمل وَاجِب سَوَاء تضمن فعلا وَاجِبا أَو غير وَاجِب - ﷺ َ - بَاب فِي جَوَاز تَأْخِير التَّبْلِيغ - ﷺ َ -
اعْلَم أَنه يجوز أَن يُؤَخر النَّبِي ﷺ أَدَاء الْعِبَادَة إِلَى الْوَقْت الَّذِي يحْتَاج الْمُكَلف أَن يعرفهَا فِيهِ وَلَا يجب تَقْدِيم أَدَائِهَا عَلَيْهِ وَأوجب ذَلِك قوم وَلَيْسَ يَخْلُو أَن يوجبوا ذَلِك بِالْعقلِ أَو بِالسَّمْعِ وَلَو وَجب بِالْعقلِ لَكَانَ لَهُ وَجه وجوب يرجع إِلَى التَّكْلِيف إِمَّا لِأَنَّهُ تَمْكِين أَو لِأَنَّهُ لطف فَإِن كَانَ تمكينا لم يخل إِمَّا أَن يكون تمكينا من الْفِعْل أَو من فهم المُرَاد بِالْخِطَابِ وَمَعْلُوم أَنه لم يتَقَدَّم خطاب مُجمل يكون هَذَا بَيَانه وَلَيْسَ يقف إِمْكَان فعل الْعِبَادَة على تَقْدِيم أَدَائِهَا على الْوَقْت الَّذِي إِذا بلغت بِالْعبَادَة فِيهِ أمكن الْمُكَلف أَن يسْتَدلّ بِالْخِطَابِ على وُجُوبهَا فيفعلها فِي وَقتهَا وَأما كَون تقديمهم التَّبْلِيغ لفظا فَلَيْسَ فِي الْعقل طَرِيق إِلَيْهِ كَمَا أَنه لَيْسَ فِي الْعقل طَرِيق إِلَى كَون تَقْدِيم تَعْرِيف الله إيانا الْعِبَادَة الَّتِي يُرِيد أَن يعبدنا بهَا بعد سنة لطفا وَلِهَذَا لم يعرف الله على لِسَان نبيه ﷺ جَمِيع مَا يُرِيد أَن يتعبد بِهِ الْأمة فِي حَالَة وَاحِدَة
فان قَالُوا إِنَّا نعلم وجوب ذَلِك بِالسَّمْعِ فَلَيْسَ فِي السّمع مَا يجوز أَن
[ ١ / ٣١٤ ]
يدل على ذَلِك إِلَّا قَول الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته﴾ وَأَن الْأَمر على الْفَوْر وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن ذَلِك بِأَن هَذَا الْأَمر إِنَّمَا يُفِيد وجوب تبليغه على الْحَد الَّذِي أَمر أَن يبلغ عَلَيْهِ من تَقْدِيم أَو تَأْخِير وَلقَائِل أَن يَقُول الْوَجْه الَّذِي أَمر أَن يبلغ عَلَيْهِ هُوَ التَّعْجِيل بِدلَالَة هَذَا الْأَمر وَأجَاب أَيْضا بِأَن المُرَاد بذلك هوالقرآن لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُطلق عَلَيْهِ الْوَصْف بِأَنَّهُ منزل من الله تَعَالَى - ﷺ َ - بَاب فِي تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة - ﷺ َ -
اعْلَم أَنه لَا يجوز تَأْخِير بَيَان الْخطاب عَن الْوَقْت الَّذِي إِن أخر الْبَيَان عَنهُ لم يتَمَكَّن الْمُكَلف من الْمعرفَة بِمَا تضمنه الْخطاب وَلَا يتَمَكَّن من فعل مَا تضمنه فِي الْوَقْت الَّذِي كلف فعله فِيهِ لِأَن فِي تَأْخِير الْبَيَان عَن هَذَا الْوَقْت تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق إِذْ لَا سَبِيل لَهُ وَالْحَال هَذِه إِلَى فعل مَا كلف فِي الْحَال الَّتِي كلف أَن يفعل فِيهَا - ﷺ َ - بَاب فِي تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب - ﷺ َ -
ذهب بعض الْحَنَفِيَّة وَبَعض الشَّافِعِيَّة إِلَى جَوَاز تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل والعموم عَن وَقت الْخطاب وَمن الْفُقَهَاء من اخْتَار بَيَان الْمُجْمل دون بَيَان الْعُمُوم وَإِلَيْهِ ذهب الشَّيْخ أَبُو الْحسن ﵀ وَمِنْهُم من اخْتَار تَأْخِير بَيَان الْأَمر دون الْخَبَر وَمنع شيخانا أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم وقاضي الْقُضَاة من تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل والعموم عَن وَقت الْخطاب أمرا كَانَ أَو خَبرا وأجازوا تَأْخِير بَيَان النّسخ
[ ١ / ٣١٥ ]
وَاعْلَم أَن تَأْخِير الْبَيَان يَنْقَسِم أقساما تخْتَلف الْأَدِلَّة عَلَيْهَا والشبه الْوَارِدَة فِيهَا بِحَسب اخْتِلَاف أقسامه فَوَجَبَ أَن نقسم ونتكلم على كل قسم على انْفِرَاده فَنَقُول إِن الْخطاب الَّذِي يحْتَاج إِلَى بَيَان ضَرْبَان أَحدهمَا أَنه ظَاهر قد اسْتعْمل فِي خِلَافه وَالثَّانِي لَا ظَاهر لَهُ كالأسماء الْمُشْتَركَة وَالْأول يَنْقَسِم أقساما مِنْهَا تَأْخِير بَيَان التَّخْصِيص وَمِنْهَا تَأْخِير بَيَان النّسخ وَمِنْهَا تَأْخِير بَيَان الْأَسْمَاء المنقولة إِلَى الشَّرْع وَمِنْهَا اسْم النكرَة إِذا أُرِيد بِهِ شَيْء معِين وكل هَذِه الْأَقْسَام لَا يجوز تَأْخِير بَيَانهَا بل لَا بُد من أَن يبين الْخطاب الْوَارِد فِيهَا إِمَّا بَيَانا مفصلا أَو مُجملا وَأما مَا لَا ظَاهر لَهُ فَيجوز تَأْخِير بَيَانه عَن وَقت الْخطاب وَالْكَلَام يَقع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع أَحدهَا تَأْخِير بَيَان مَا لَهُ ظَاهر وَقد اسْتعْمل فِي خِلَافه وَالْآخر فِي جَوَاز كَون بَيَان ذَلِك مُجملا وَالْآخر فِي جَوَاز تَأْخِير بَيَان مَا لَا ظَاهر لَهُ
وَالدّلَالَة على الْمَنْع من تَأْخِير بَيَان مَا لَهُ ظَاهر إِذا اسْتعْمل فِي غَيره أَن الْعُمُوم خطاب لنا فِي الْحَال بِالْإِجْمَاع وَلَا يَخْلُو الْمُخَاطب بِهِ إِمَّا أَن يقْصد إفهاما فِي الْحَال أَو لَا يقْصد ذَلِك بِهِ فان لم يقْصد إفهامنا انْتقض كَونه مُخَاطبا لنا لِأَن الْمَعْقُول من قَوْلنَا أَنه مُخَاطب لنا أَنه قد وَجه الْخطاب نحونا وَلَا معنى لذَلِك إِلَّا أَنه قصد إفهامنا وَلِأَنَّهُ لَو لم يقْصد إفهامنا فِي الْحَال مَعَ أَن ظَاهره يَقْتَضِي كَونه خطابا لنا فِي الْحَال لَكَانَ قد أغرانا بِأَن نعتقد أَنه قد قصد إفهامنا فِي الْحَال فَيكون قد قصد أَن نجهل لِأَن من خَاطب قوما بلغتهم فقد أغراهم بِأَن يعتقدوا فِيهِ أَنه قد عَنى بِهِ مَا عنوه بِهِ وَلِأَنَّهُ لَو لم يقْصد إفهامنا لَكَانَ عَبَثا لِأَن الْفَائِدَة فِي الْخطاب إفهام الْمُخَاطب وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن لَا يقْصد إفهامنا بِالْخِطَابِ جَازَ مُخَاطبَة الْعَرَب بالزنجية وَهُوَ لَا يحسنها إِذْ كَانَ غير وَاجِب إفهام الْمُخَاطب بل ذَلِك أولى بِالْجَوَازِ لِأَن الزنجية لَيْسَ لَهَا عِنْد الْعَرَبِيّ ظَاهر يَدعُوهُ إِلَى اعْتِقَاد مَعْنَاهُ وَلَو جَازَت مُخَاطبَة الْعَرَبِيّ بالزنجية وَيبين لَهُ بعد مُدَّة جَازَت مُخَاطبَة النَّائِم وَيبين لَهُ بعد مُدَّة وَأَن يقْصد الْإِنْسَان بالتصويت والتصفيق شَيْئا يُبينهُ بعد مُدَّة فان قيل خطاب الزنج لَا يفهم مِنْهُ الْعَرَبِيّ شَيْئا
[ ١ / ٣١٦ ]
فَلم يجز أَن يخاطبوا بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك خطاب الْعَرَب بالمجمل لِأَن الْعَرَبِيّ يفهم بِهِ شَيْئا مَا لِأَن قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ قد فهم بِهِ الْأَمر بِشَيْء وَإِن لم يعرف مَا هُوَ قيل إِن جَازَ أَن يكون اسْم الصَّلَاة وَاقعا على الدُّعَاء وَيُرِيد الله سُبْحَانَهُ غَيره وَلَا يبين لنا جَازَ أَن يكون ظَاهره قَوْله ﴿أقِيمُوا﴾ لأمر وَلَا يَسْتَعْمِلهُ فِي الْأَمر وَلَا يبين لنا ذَلِك وَفِي ذَلِك مسَاوٍ إِيَّاه لخطاب الزنج لأَنا لَا نفهم بِهِ شَيْئا أصلا وَإِن كَانَ قد أَرَادَ إفهامنا فِي الْحَال فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُرِيد أَن نفهم أَن مُرَاده ظَاهره أَو غير ظَاهره فَإِن أَرَادَ الأول فقد أَرَادَ منا الْجَهْل وَإِن أَرَادَ الثَّانِي فقد أَرَادَ مَا لَا سَبِيل لنا إِلَيْهِ وَهَذِه الدّلَالَة تتَنَاوَل الْعَام الْمُسْتَعْمل فِي الْخُصُوص وَالْمُطلق الْمُفِيد للتكرار الْمَنْسُوخ والأسماء المنقولة إِلَى الشَّرِيعَة والنكرة إِذا أُرِيد بهَا شَيْء معِين لِأَن ذَلِك مُسْتَعْمل فِي خلاف ظَاهره وَلَا يلْزمنَا إِذا أشعرهم بالنسخ أَو بالتخصيص أَو بِتَعْيِين النكرَة لِأَن الْخطاب مَعَ هَذَا الْإِشْعَار يصير مُفِيدا للشَّيْء على طَرِيق الْجُمْلَة فَلَا يعزى ذَلِك بِفعل الْجَهْل وَلَا يكون تكليفا لما لَا سَبِيل إِلَيْهِ بل إِنَّمَا يُفِيد أَنه قصد الْمُتَكَلّم إفهامه للجملة إِن قيل أَلَيْسَ مَعَ أَن الْعُمُوم خطاب لنا فِي الْحَال لَا يجوز الْإِقْدَام على اعْتِقَاد استغراقه عِنْد سَمَاعه بل لَا بُد من أَن نقيس الْأَدِلَّة السمعية والعقلية فَنَنْظُر هَل فِيهَا مَا يَخُصُّهُ أم لَا فان لم يُوجد فَلم نجده قضينا باستغراق الْعُمُوم وَلَيْسَ فقد الدَّلِيل هُوَ لفظ فَيُقَال لنا جوزوا أَن يكون المُرَاد غير ظَاهره وَإِن وجدنَا دَلِيلا على التَّخْصِيص وَكَانَ عقليا فَهَذَا يمْتَنع فِيهِ ايضا وَإِن كَانَ سمعيا فاما أَن لَا نجد فِي الْأُصُول مَا يعدل بِنَا عَن ظَاهره أَو ننتهي إِلَى دَلِيل سَمْعِي لَا يكون فِي الْأُصُول مَا يعدل بِنَا عَن ظَاهره فَلم يلْزمنَا مَا ألزمناهم من التَّوَقُّف وقتا بعد وَقت إِلَى غير غَايَة فَهَذَا هُوَ القَوْل فِي الْمَسْأَلَة الأولى
فَأَما إِذا أَرَادَ بِالْخِطَابِ غير ظَاهره وأشعر بذلك بِأَن يَقُول الْمُتَكَلّم بِالْعُمُومِ اعلموا أَنه مَخْصُوص وَلَا يبين مَا الْخَارِج مِنْهُ أَو يَقُول جوزوا
[ ١ / ٣١٧ ]
خصوصه حَتَّى أبينه وَالدّلَالَة على جَوَاز ذَلِك أَن الْعُمُوم مَعَ هَذَا الْإِشْعَار يصير كَلَفْظِ مَوْضُوع للجملة والتردد بَين الِاسْتِغْرَاق وَغَيره وَاللَّفْظ الْمَوْضُوع للجملة يحسن أَن يُورد ويقصد بِهِ الْجُمْلَة فَقَط على مَا سنبينه فِي الِاسْم الْمُشْتَرك وَلَا يلْزمنَا على ذَلِك أَن نتوقف فِي الْعِبَادَة فِي وَقت الْفِعْل فَيجوز أَن يكون المُرَاد بهَا غير ظَاهرهَا نَحْو أَن يَقُول صلوا غَدا فيريد بِهِ بعد غَد ويتأخر بَيَانه مفصلا لأَنا إِنَّمَا نجيز تَأْخِير بَيَان الْعُمُوم مَعَ الْأَشْعَار وَنَظِير ذَلِك أَن يتَأَخَّر بَيَان الْوَقْت مَعَ الْإِشْعَار وَكَذَلِكَ نقُول وَمَا لَا إِشْعَار مَعَه نقطع على ظَاهره وَيدل على ذَلِك أَن الله ﷿ لما قَالَ ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ لم يعلم النَّاس فِي ذَلِك الْوَقْت من هُوَ معني بِالْخِطَابِ لتجويز كل وَاحِد من الْمُكَلّفين أَنه يَمُوت قبل وَقت الصَّلَاة وعلمهم أَن الله لَا يَأْمر بِشَرْط فَهَذَا خطاب يعم كل مُكَلّف وَلَيْسَ علم المخاطبون أَنه قد عَنى بِهِ جَمِيعهم وَلِأَنَّهُ لم يعن بِهِ جَمِيعهم بل يجوزون كلا الْأَمريْنِ هَذِه صُورَة مَسْأَلَتنَا فان قَالُوا إِنَّمَا لم يقطعوا على عُمُومه لما أودع الله سُبْحَانَهُ فِي عُقُولهمْ من قبح تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَأَن فِي علمهمْ بحياة كلهم إغراء بِالْمَعَاصِي فَلذَلِك توقفوا قيل وَكَذَلِكَ إِذا أشعروا فِي التَّخْصِيص فقد علمُوا أَنه إِن كَانَ الْعُمُوم مَخْصُوصًا فَلَا يجوز أَن يُرَاد بِالْعُمُومِ من تنَاوله التَّخْصِيص فَفِي الْمَوْضِعَيْنِ يجوز للمكلف التَّخْصِيص وَيجوز خِلَافه وكما لم يبين لَهُم أَنهم يحيون أَو يحيى بَعضهم دون بعض لما فِي ذَلِك من الإغراء فَكَذَلِك يجوز أَن يشعروا بالتخصيص وَلَا يبين لَهُم تَفْصِيله لجَوَاز أَن تكون مصلحتهم أَن يتفقوا على الْجُمْلَة فَقَط فِي تِلْكَ الْحَال وَهَكَذَا القَوْل فِي الْخطاب الْمُفِيد للتكرار إِذا أشعرنا بنسخة وَالْخطاب الْمَنْقُول إِلَى معنى شَرْعِي إِذا أشعرنا بذلك من حَاله إِن قيل إِن جَازَ مَا ذكرْتُمْ فَهَلا جَازَت مُخَاطبَة الْعَرَبِيّ بالزنجية وَيُقَال لَهُ اعْلَم أننا أردنَا بِهَذَا الْكَلَام شَيْئا مَا قيل إِن الزنْجِي إِذا كَانَ حكيما فمعلوم أَنه قد أَرَادَ بخطابه شَيْئا مَا فَلَا معنى
[ ١ / ٣١٨ ]
لقَوْله قد أردْت بخطابي شَيْئا مَا وَإِن لم يكن حكيما فان السامح يظنّ أَنه قد اراد بخطابه شَيْئا مَا فان قَالُوا جوزوا أَن يخاطبه بالزنجية وَلَا يَقُول إِنَّه قد أردْت بخطابي شَيْئا قيل سنتكلم على ذَلِك فِيمَا بعد وعَلى أَن كلا الإلزامين مُتَوَجّه إِلَى الْمُخَالف لِأَنَّهُ يَقُول إِن خطاب الله الْعَام لَا يقطع على عُمُومه خبر يرد وَلَا على خصوصه لتجويزنا موت من توجه إِلَيْهِ الْخطاب فَأَما الْخطاب المتكرر إِذا عَنى بِهِ وَاحِدًا معينا وأشعرنا بِهِ فانه يجوز أَن يَقُول لغيره اضْرِب رجلا وَيَقُول أردْت رجلا بِعَيْنِه وسأبينه لكم وَالدَّلِيل على جَوَازه أَن كلا الْكَلَامَيْنِ يجريان مجْرى كَلَام مُشْتَرك بَين ضرب زيد وَعَمْرو وَغَيرهمَا فِي أَنه يُفِيد الْجُمْلَة دون التَّفْصِيل وسنبين ذَلِك فِي الِاسْم الْمُشْتَرك إِن قيل فَإِن كَانَ غَرَضه أَن يعرفنا أَنه أَرَادَ ضرب رجل بِعَيْنِه فَهَلا قَالَ ذَلِك وَلم يقل قبله اضربوا رجلا قيل وَإِذا كَانَ غَرَضه أَن يعرفنا فِي الْحَال أَن الرجل الَّذِي يُرِيد ضربه هُوَ زيد فَهَلا قَالَ ذَلِك وَلم يقدم عَلَيْهِ قَوْله اضربوا رجلا فان قُلْتُمْ لَعَلَّ فِي ذَلِك مصلحَة قُلْنَا نَحن مثله
فَأَما الْخطاب الَّذِي لَا ظَاهر لَهُ وَهُوَ الِاسْم الْمُشْتَرك كالقرء الْمُشْتَرك بَين الطُّهْر وَبَين الْحيض فان لَهُ ظَاهرا من وَجه دون وَجه أما الْوَجْه الَّذِي يكون ظَاهرا فِيهِ فَهُوَ أَنه يُفِيد أَن الْمُتَكَلّم بِهِ لم يرد شَيْئا غير الطُّهْر وَغير الْحيض وَأَنه أَرَادَ إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا فَمن هَذَا الْوَجْه لَا يحْتَاج إِلَى بَيَان وَمَتى أَرَادَ الْمُتَكَلّم بالقرء شَيْئا سوى الطُّهْر وَسوى الْحيض فقد أَرَادَ بِهِ غير ظَاهره فَلَا بُد من بَيَان إِمَّا مُجمل وَإِمَّا مفصل على مَا تقدم وَأما الْوَجْه الَّذِي يكون فِيهِ غير ظَاهر وَهُوَ أَنه لَا يُفِيد أَي الْأَمريْنِ أَرَادَهُ الْمُتَكَلّم الطُّهْر أم الْحيض وَلَا يجب أَن يقْتَرن بِهِ بَيَان فِي الْحَال وَالدَّلِيل على جَوَاز ذَلِك أَن اللَّفْظ مَا وضع لوَاحِد مِنْهُمَا بِعَيْنِه دون الآخر وَإنَّهُ وضع لكل وَاحِد مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ فَهُوَ يُفِيد الْإِجْمَال فَلَو لزم الْمُتَكَلّم أَن يبين التَّفْصِيل قبل وَقت الْفِعْل لَكَانَ إِمَّا أَن يلْزمه ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يبين الْحَكِيم مُرَاده لغيره على جِهَة سَبِيل الْإِجْمَال أَو يجوز ذَلِك من الْحَكِيم إِلَّا أَن الِاسْم الْمُشْتَرك لَا يُفِيد الْإِجْمَال وَلذَلِك وَجب أَن يبين
[ ١ / ٣١٩ ]
مُرَاده وَهَذَا الثَّانِي بَاطِل لأَنا قد بَينا أَن الِاسْم الْمُشْتَرك يُفِيد الْإِجْمَال وَالْقسم الأول بَاطِل أَيْضا لِأَن الْحَكِيم قد يجوز أَن يُفِيد غير مُرَاده على الْجُمْلَة كَمَا يجوز أَن يفِيدهُ إِيَّاه على التَّفْصِيل أَلا ترى أم زيدا قد يعلم أَن فِي الدَّار عَمْرو بِعَيْنِه فَيكون لَهُ غَرَض فِي أَن يعلم خَالِد أَن فِي الدَّار عَمْرو وَقد يكون لَهُ غَرَض فِي أَن يعرفهُ أَن فِي الدَّار رجل وَلَا يستقبح ذَلِك مِنْهُ أحد وَيحسن ذَلِك حسن أَن يكون فِي اللُّغَة الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة ليتوصل بهَا الْمُتَكَلّم إِلَى غَرَضه فِي إِفَادَة الْجُمْلَة دون التَّفْصِيل كَمَا يحسن أَن يكون فِيهَا أَسمَاء غير مُشْتَركَة ليتوصل بهَا الْمُتَكَلّم إِلَى غَرَضه فِي إِفَادَة التَّفْصِيل إِن قيل الْغَرَض بالتعبد هُوَ الْفِعْل وَالْعلم والاعتقاد تابعان فَيجب مراعاته دونهمَا وَأَنْتُم راعيتموها فِي هَذَا الْموضع الْجَواب أَن الْغَرَض قبل الْوَقْت هُوَ الْعلم وَلِهَذَا أوجبتم التَّمَكُّن مِنْهُ مفصلا وأوجبناه نَحن إِمَّا مفصلا وَإِمَّا مُجملا
وَاحْتج من أَبى تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل بِأَن الله تَعَالَى لما قَالَ ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ إِمَّا أَن يكون أَرَادَ مِنْهَا الِاعْتِدَاد بِالطُّهْرِ إِن شَاءَت أَو بِالْحيضِ إِن شَاءَت أَو أَرَادَ مِنْهَا الِاعْتِدَاد بِوَاحِد مِنْهُمَا بِعَيْنِه وَأي الْأَمريْنِ أَرَادَهُ فقد أَرَادَ مِنْهَا مَا لَا سَبِيل للمجتهد إِلَى فهمه لِأَن اللَّفْظ لَا ينبيء عَن التَّخْيِير عنْدكُمْ وَلَا ينبيء عَن وَاحِد مِنْهُمَا بِعَيْنِه الْجَواب أَنه أَرَادَ مِنْهَا وَاحِدَة بِعَيْنِه وَلم يرد من الْمُجْتَهدين أَن يفهموه فِي الْحَال لِأَنَّهُ لم يدلهم عَلَيْهِ فِي الْحَال بِلَفْظ يَخُصُّهُ فيريد مِنْهُم فهمه وَإِنَّمَا دلهم على الْجُمْلَة فَهُوَ يُرِيد مِنْهُم فيهم الْجُمْلَة كَمَا لَو قَالَ اعْتدي بِوَاحِدَة من أحد شَيْئَيْنِ بِعَيْنِه إِمَّا الطُّهْر وَإِمَّا الْحيض وسأبينه لَك وكما لَو قَالَ الْقَائِل لغيره اضْرِب رجلا وَاعْلَم أَنه رجل معِين وسأبينه لَك فِي أَنه لم يرد مِنْهُ أَن يعرفهُ بِعَيْنِه فِي الْحَال إِمَّا أَرَادَ أَن يفهم وكما لَو علم أَن زيدا فِي الدَّار وَأَرَادَ إِعْلَام عَمْرو أَن فِي الدَّار رجل وَلم يرد إِعْلَامه أَن زيد فَقَالَ فِي الدَّار رجل فانه قد عَنى بِهِ زيدا وَلم يرد
[ ١ / ٣٢٠ ]
أَن يعرفهُ أَنه زيد
شُبْهَة
لَو حسنت المخاطبة بِالِاسْمِ الْمُشْتَرك من غير بَيَان فِي الْحَال لحسنت مُخَاطبَة الْعَرَبِيّ بالزنجية مَعَ الْقُدْرَة على مخاطبته بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا يبين لَهُ فِي الْحَال وَالْعلَّة الجامعة بَينهمَا أَن السماع لَا يعرف مُرَاد الْمُتَكَلّم بهما على حَقِيقَة فان قُلْتُمْ إِنَّه لم يحسن مخاطبته بالزنجية لِأَن الْعَرَب لَا تعرف بِكَلَام الزنج شَيْئا وتعرف بالْكلَام الْمُجْمل شَيْئا مَا وَهُوَ أَن الْمُتَكَلّم أَرَادَ أحد معنيي الِاسْم الْمُشْتَرك قيل لكم لَيْسَ يخلوا إِمَّا أَن تعتبروا فِي حسن الْخطاب الْمعرفَة بِكَمَال المُرَاد أَو تعتبروا الْمعرفَة بِبَعْض المُرَاد فان اعتبرتم الأول لزمكم أَن لَا يجوز تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل لِأَنَّهُ لَا يُمكن مَعَ فَقده معرفَة كَمَال المُرَاد وَإِن اعتبرتم الثَّانِي لزمكم حسن مُخَاطبَة الْعَرَبِيّ بالزنجية لِأَن الْعَرَبِيّ إِذا عرف حكمه الزنْجِي الْمُخَاطب لَهُ علم أَنه قد اراد بخطابه شَيْئا مَا إِمَّا الْأَمر وَإِمَّا النَّهْي وَإِمَّا غَيرهمَا وَالْجَوَاب أَن الْمُعْتَبر فِي حسن الْخطاب أَن يتَمَكَّن السَّامع من أَن يعرف بِهِ مَا أَفَادَهُ الْخطاب وَهُوَ يتَمَكَّن من معرفَة مَا وضع لَهُ الِاسْم الْمُشْتَرك لِأَنَّهُ إِنَّمَا وضع لكل وَاحِد من معنييه على انْفِرَاده فالسامع لَهُ قد علم أَن مُرَاد الْمُتَكَلّم بِهِ إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا وَهَذَا هُوَ التَّرَدُّد الَّذِي تَقْتَضِيه اللَّفْظَة كَمَا لَو قَالَ الْقَائِل للْمَرْأَة أُرِيد مِنْك أَن تعتدي بِشَيْء معِين من شَيْئَيْنِ إِمَّا الطُّهْر وَإِمَّا الْحيض أَنَّهَا قد فهمت مَا يُفِيد هَذَا الْخطاب من التَّرَدُّد بَين الطُّهْر وَالْحيض وَلَو قَالَ الرجل لغيره فِي الدَّار رجل فهم مِنْهُ السَّامع مَا يَقْتَضِيهِ الْخطاب من أَن شخصا فِيهِ معنى الرجولية فِي الدَّار وَإِن علم أَنه شخص معِين وَأما الْعَرَبِيّ فانه لَا يتَمَكَّن من أَن يعرف مَا وضع لَهُ خطاب الزنج فَلم يحسن أَن يُخَاطب بِهِ مُنْفَردا عَن بَيَان لِأَن ذَلِك الْخطاب إِمَّا أَن يكون أمرا أَو نهيا أَو خَبرا أَو استخبارا أَو غير ذَلِك وَالسَّامِع لَهُ من الْعَرَب لَا يتَمَكَّن من معرفَة ذَلِك فان قيل فَلَو كَانَ فِي كَلَام الزنج مَا هُوَ مُشْتَرك بَين الْأَمر وَالنَّهْي وَجَمِيع أَقسَام
[ ١ / ٣٢١ ]
الْكَلَام لَكَانَ يحسن من الزنْجِي أَن يُخَاطب بِهِ الْعَرَبِيّ مُعْتَقد الْعَرَبِيّ أَنه قد أَرَادَ الْمُتَكَلّم وَاحِدًا من ذَلِك قيل لَا يحسن ذَلِك لِأَنَّهُ كَمَا يجوز أَن يكون فِي كَلَام الزنج مَا هُوَ مُشْتَرك من ذَلِك فانه يجوز خِلَافه فَلَا يكون مُعْتَقدًا فِي ذَلِك الْكَلَام مَا يفِيدهُ من التَّرَدُّد من هَذِه الْأَقْسَام فَلَو اعْتقد ذَلِك لاعتقده بِغَيْر الْكَلَام وَإِنَّمَا اعتقده لاعْتِقَاده حِكْمَة الْمُتَكَلّم أَو ظَنّه حكمته وَإِن الْحَكِيم لَا بُد من أَن يُرِيد بخطابه شَيْئا مَا
وَاحْتج من أجَاز تَأْخِير الْبَيَان من غير أَن فصل التَّفْصِيل الَّذِي ذَكرْنَاهُ بأَشْيَاء عقلية واشياء سمعية والسمعية مِنْهَا آيَات تدل على جَوَاز ذَلِك وَمِنْهَا آيَات وأخبار تدل على أَن الْبَيَان قد تَأَخّر من الله سُبْحَانَهُ وَمن رَسُوله ﷺ والصدر الأول
فَأَما الْأَشْيَاء الْعَقْلِيَّة فأمور
مِنْهَا أَن الْبَيَان إِنَّمَا يجب ليتَمَكَّن الْمُكَلف من أَدَاء مَا كلف والتمكين من ذَلِك غير مُحْتَاج إِلَيْهِ عِنْد الْخطاب فانما يحْتَاج إِلَيْهِ قبل الْفِعْل بِلَا فصل فَلم يجب تَقْدِيمه عِنْد الْخطاب كَمَا لم يجب تَقْدِيم الْقُدْرَة عِنْد الْخطاب الْجَواب أَن مخالفهم يَقُول يحْتَاج إِلَى الْبَيَان لما ذَكرُوهُ وليخرج الْخطاب من كَونه عَبَثا أَو معزيا بِالْجَهْلِ وَكَانَ من حق المشتغل بِذكر الدَّلِيل أَن يذكر ذَلِك ويفسده يبين ذَلِك أَنه لَو لم يفْتَقر إِلَيْهِ إِلَّا للتمكن من الْأَدَاء لجَاز أَن يخاطبنا الله بِمَا لَا نفهم بِهِ شَيْئا أصلا كخطاب الزنج والمستدل يَأْبَى ذَلِك وَيَقُول لَا بُد من أَن يعرف السَّامع بِالْخِطَابِ شَيْئا مَا فَإِن قَالُوا لَيْسَ فِي تَأْخِير الْبَيَان إِيجَاب كَون الْخطاب عَبَثا لِأَنَّهُ وَإِن لم يفهم جِهَة المُرَاد فِي الْخطاب فَإِنَّهُ يُفِيد وجوب الْعَزْم والاعتقاد قيل فَيجب أَن يجوز خطاب الْعَرَبِيّ بالزنجية لِأَنَّهُ يُفِيد الْعَزْم والاعتقاد إِذا كَانَ الْمُتَكَلّم سيدا لسامع أَو علم السَّامع أَو ظن حكمته وعَلى أَنه إِنَّمَا يجب الْعَزْم والاعتقاد لَو علم أَن مَا خاطبه بِهِ أَمر وَمن يُجِيز تَأْخِير بَيَان الْعُمُوم وكل مَا لَهُ ظَاهر لَا يَأْمَن أَن تكون صِيغَة الْآمِر لم تسْتَعْمل فِي الْأَمر
[ ١ / ٣٢٢ ]
وَأَنه يبين لَهُ ذَلِك فِيمَا بعد
وَمِنْهَا قَوْلهم لَيْسَ فِي تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل إغراء بِالْجَهْلِ فَفَارَقَ تَأْخِير بَيَان الْعُمُوم ولمخالفهم أَن يَقُول إِنَّه وَإِن فَارقه من هَذِه الْجِهَة فَإِنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يخْتَص بِكَوْنِهِ عَبَثا إِذا تَأَخّر بَيَانه على حسب مَا يذكرُونَهُ
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو قبح تَأْخِير الْبَيَان لقبح تَأْخِير الزَّمَان الْقصير وَإِن عطف جملَة من الْكَلَام على جملَة أُخْرَى وَيبين الأولى عقيب الثَّانِيَة ولقبح الْبَيَان بالْكلَام الطَّوِيل ولمخالفهم أَن يَقُول إِنَّمَا يحسن تَأْخِير مُدَّة لَا يخرج الْكَلَام مَعهَا من أَن يكون مترقبا يَرْجُو فِيهِ السَّامع زِيَادَة شَرط وَتَقْيِيد بِصفة وَهَذَا غير حَاصِل فِي الزَّمَان الْقصير وَلِهَذَا جَازَ أَن يتَكَلَّم الْإِنْسَان بِمَا لَا يفهم ثمَّ يُبينهُ بعد زمَان قصير وَلَا يجوز قِيَاسا على ذَلِك أَن يُبينهُ بعد زمَان طَوِيل وَالْكَلَام وَإِذا عطف بعضه على بعض جرى مجْرى الْجُمْلَة الْوَاحِدَة فبيان الْجُمْلَة الأولى عِنْد آخر الْكَلَام يجْرِي مجْرى بَيَانهَا عقبيها وَأما الْفِعْل الطَّوِيل وَالْكَلَام الطَّوِيل فانما يجوز وُقُوع الْبَيَان بهما مَعَ إِمْكَان الْبَيَان بالْكلَام الْقصير إِذا كَانَ فِي ذَلِك زِيَادَة مصلحَة وَمَعْلُوم أَنه يحسن بَيَان مَا لَا يفهم بِهِ شَيْء أصلا بِمثل ذَلِك وَلَا يجوز قِيَاسا عَلَيْهِ تَأْخِير بَيَانه الزَّمَان الطَّوِيل
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو قبح تَأْخِير الْبَيَان لَكَانَ وَجه قبحه فقد تبين الْمُكَلف وَذَلِكَ يَقْتَضِي قبح الْخطاب إِذا لم يتبينه الْمُكَلف وَإِن بَين لَهُ وَسَوَاء أَتَى فِي ذَلِك من قبيل نَفسه أَو من قبيل غَيره أَلا ترى أَن الْإِنْسَان يسْقط تَكْلِيفه إِذا مَاتَ سَوَاء أَمَاتَهُ الله أَو قتل نَفسه ولمخالفهم أَن يَقُول إِنَّمَا قبح تَأْخِير الْبَيَان لِأَن فِيهِ فقد التَّمْكِين من التبين لَا فقد التبين وَهَذَا غير قَائِم إِذا بَين لَهُ فَلم يتَبَيَّن لتقصير مِنْهُ فِي النّظر وَأما الْمَيِّت فَإِنَّمَا سقط عَنهُ التَّكْلِيف لفقد تمكنه من الْفِعْل سَوَاء قتل نَفسه أَو أبطل الله سُبْحَانَهُ حَيَاته وعَلى أَن ذَلِك منتقض بدنو حَال الْفِعْل لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن لَا يبين لَهُ وَإِن كَانَ لَو بَين لَهُ فَلم يتَبَيَّن لم يُوجب ذَلِك قبح التَّكْلِيف وَلَا قبح الْبَيَان
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو قبح تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل لَكَانَ وَجه قبحه أَنه لَا يُمكن
[ ١ / ٣٢٣ ]
السَّامع لَهُ أَن يعرف بِهِ كَمَال المُرَاد وَلَو قبح لذَلِك لقبح تَأْخِير بَيَان النّسخ وَبَيَان كَون الْمُكَلف غير مُرَاد بِالْخِطَابِ إِذا كَانَ الْمَعْلُوم أَنه يعجز أَو يَمُوت وَهَذِه الدّلَالَة صَحِيحَة وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَنْهَا بِأَن تَأْخِير النّسخ وَبَيَان كَون الْمُكَلف غير مُرَاد بِالْخِطَابِ لَا يخل بالمعرفة بِصفة مَا كلفناه فَلَا يخل بالتمكن من الْفِعْل فِي وقته وَلَيْسَ كَذَلِك تَأْخِير بَيَان صفة الْعِبَادَة لِأَن الْجَهْل بصفتها لَا يُمكن مَعَه أَدَاؤُهَا فِي وَقتهَا وَلقَائِل أَن يَقُول وَكَذَلِكَ تَأْخِير بَيَان صفة الْعِبَادَة عَن وَقت الْخطاب إِلَى وَقت الْحَاجة لَا يخل بأَدَاء الْعِبَادَة فِي وَقتهَا
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو قبح تَأْخِير بَيَان الْعُمُوم لقبح تَأْخِير بَيَان النّسخ وَتَأْخِير بَيَان الْمُكَلف لِلْعِبَادَةِ أَو تَأْخِير بَيَان التَّخْصِيص يخل الْعلم باستغراق الْعُمُوم الْأَشْخَاص كَمَا أَن تَأْخِير بَيَان النّسخ يخل بِالْعلمِ باستغراق الْخطاب والأوقات وَالْجَوَاب أَنه لَا يجوز بَيَان ذَلِك كُله إِلَّا مَعَ الْإِشْعَار بالنسخ وتجويز كَون الْمُكَلف مِمَّن يَمُوت والإشعار بالتخصيص وَقد تقدم بَيَان ذَلِك وَقد فصل قَاضِي الْقُضَاة بَين تَأْخِير بَيَان النّسخ وَبَين بَيَان التَّخْصِيص بِأَن الْخطاب الْمُطلق مَعْلُوم أَن حكمه مُرْتَفع لعلمنا بِانْقِطَاع التَّكْلِيف وَلَيْسَ كَذَلِك التَّخْصِيص وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الله ﷿ لَو قَالَ صلوا كل يَوْم جُمُعَة لَكِن ظَاهره يَقْتَضِي الدَّوَام ولوجب أَن يخرج مِنْهُ مَا بعد الْمَوْت لدلَالَة وَيبقى الْبَاقِي على ظَاهره فان جَازَ أَن يكون حكم الْخطاب مرتفعا مَعَ الْحَيَاة والتمكن وَلَا يدل الله سُبْحَانَهُ على ذَلِك وَإِن كَانَ ظَاهر الْخطاب يتَنَاوَلهُ جَازَ مثله فِي الْعُمُوم إِن قيل إِنَّمَا جَازَ تَأْخِير بَيَان النّسخ لِأَنَّهُ بَيَان مَا لم يرد بِالْخِطَابِ قيل وَلم إِذا كَانَ كَذَلِك جَازَ تَأْخِيره وعَلى أَن تَأْخِير التَّخْصِيص هُوَ تَأْخِير بَيَان مَا لم يرف بِالْعُمُومِ فَلَا فرق بَينهمَا فَإِن قيل إِن التَّخْصِيص وَإِن كَانَ بَيَان مَا لم يردهُ الْمُتَكَلّم بِالْعبَادَة فان تَأْخِيره يقْدَح فِي الْعلم بِمن أَرَادَهُ الْمُتَكَلّم بِالْخِطَابِ لأَنا إِذا جَوَّزنَا أَن يكون قد أُرِيد بِالْعُمُومِ بعض لم يبين لنا لم نَأْمَن فِي كل شخص أَن يكون مَا أُرِيد بِالْخِطَابِ وَفِي ذَلِك شكنا فِي الْأَشْخَاص الَّذين أَرَادَهُم الْمُتَكَلّم قيل هَذَا قَائِم فِي النّسخ لِأَن الْخطاب إِذا أَفَادَ ظَاهره إِيجَاب الصَّلَاة فِي كل يَوْم جُمُعَة وَجوز تَأْخِير بَيَان النّسخ قطعا على أَن الصَّلَاة فِي الْجُمُعَة الأولى مُرَاده
[ ١ / ٣٢٤ ]
لِأَن النّسخ لَا يجوز أَن يَتَنَاوَلهَا وَيجوز فِيمَا بعْدهَا أَن يكون غير مُرَاده فِي ذَلِك شكنا فِيمَا أُرِيد منا من الصَّلَاة فِي الْجمع المستانفة وعَلى أَنا نجوز أَن يَأْمر الله سُبْحَانَهُ الْمُكَلّفين بالأفعال مَعَ أَن كل وَاحِد مِنْهُم يجوز أَن يَمُوت قبل وَقت الْفِعْل فَلَا يكون مُرَاده بِالْخِطَابِ وَفِي ذَلِك شكنا فِيمَن أُرِيد بِالْخِطَابِ وَهَذَا هُوَ تَخْصِيص لم يتقدمه بَيَان
وَأما مَا استدلوا بِهِ من جِهَة الْكتاب جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان فأشياء
مِنْهَا قَوْله ﷿ ﴿إِن علينا جمعه وقرآنه فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه ثمَّ إِن علينا بَيَانه﴾ وَمعنى قرأناه أَنزَلْنَاهُ عَلَيْك لِأَنَّهُ قَالَ فاذا قرأناه فَاتبع قرآنه وَلَا يُمكن أَن يعقب الإتباع إِلَّا لإنزال الْقُرْآن وَقَالَ بعد ذَلِك ﴿ثمَّ إِن علينا بَيَانه﴾ وَثمّ للتراخي دلّ على أَن الْبَيَان إِنَّمَا يجب متراخيا عَن الْإِنْزَال وَالْجَوَاب أَن قَوْله سُبْحَانَهُ ثمَّ إِن علينا بَيَانه يرجع إِلَى جَمِيع الْمَذْكُور وَهُوَ الْقُرْآن وجميعه لَا يحْتَاج إِلَى بَيَان وَيجب صرف الْبَيَان هَا هُنَا إِلَى غير مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ فَلَيْسَ هم بِأَن يحملوا الْبَيَان هَا هُنَا على بَيَان الْمُجْمل والعموم لِأَن الظَّاهِر من إِطْلَاق اسْم الْبَيَان بِأولى من أَن نتمسك بِالظَّاهِرِ من رُجُوع الْكِنَايَة إِلَى جَمِيع الْقُرْآن وَيكون الْبَيَان هَا هُنَا إِظْهَاره بالتنزيل أَو نحمله على الْبَيَان الْمفصل لأَنا نجيز تَأْخِيره على مَا بَيناهُ وَيجوز أَن يكون قَوْله ثمَّ أَن علينا بَيَانه يتراخى عَن فَائِدَة قَوْله إِن علينا جمعه وقرآنه فَكَأَنَّهُ يجمعه فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ ثمَّ ينزله ويبينه وَذَلِكَ متراخ عَن الْجَمِيع
وَمِنْهَا قَوْله ﷿ ﴿وَلَا تعجل بِالْقُرْآنِ من قبل أَن يقْضى إِلَيْك وحيه﴾ وَالْجَوَاب أَن ظَاهر ذَلِك يمْنَع من تَعْجِيل نفس الْقُرْآن لَا بَيَانه وَمعنى ذَلِك لَا تعجل بأَدَاء الْقُرْآن عقيب سَمَاعه حَتَّى لَا يخْتَلط عَلَيْهِ سَمَاعه بِأَدَائِهِ
فَأَما مَا استدلوا بِهِ على أَن الْبَيَان قد تَأَخّر لِأَشْيَاء
[ ١ / ٣٢٥ ]
مِنْهَا أَن الله سُبْحَانَهُ لما أنزل قَوْله ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ﴾ قَالَ ابْن الزبعري فقد عبدت الْمَلَائِكَة وَعبد الْمَسِيح أفهؤلاء حصب جَهَنَّم فَتَأَخر بَيَان ذَلِك حَتَّى أنزل قَوْله ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى﴾ الْآيَة الْجَواب أَن الْبَيَان قد كَانَ حَاضرا وَلَكِن الْقَوْم لم يتبينوا لعنادهم لِأَن الله سُبْحَانَهُ قَالَ ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ﴾ وَمَا لما لَا يعقل فَلم يدْخل فِيهِ الْمَسِيح وَالْمَلَائِكَة
وَمِنْهَا أَن الله سُبْحَانَهُ لما أَمر بني إِسْرَائِيل بِذبح بقرة أَرَادَ بقرة مَوْصُوفَة غير منكورة وَلم يبينها لَهُم حَتَّى سَأَلُوا سؤالا بعد سُؤال وَالدّلَالَة على أَنه لم يرد بقرة مَذْكُورَة أَن قَوْلهم ﴿ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا هِيَ﴾ و﴿مَا لَوْنهَا﴾ وَقَول الله تَعَالَى ﴿إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة لَا فارض﴾ و﴿إِنَّهَا بقرة صفراء﴾ و﴿إِنَّهَا بقرة لَا ذَلُول﴾ ينْصَرف إِلَى مَا أمروا من قبل وَهَذَا يمْنَع من كَون هَذِه الْأَقَاوِيل تكاليف ممدودة قَالُوا وَلَيْسَ لكم أَن تَقولُوا إِن قَوْله ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ يُفِيد سُقُوط الْفَرْض بِذبح أَي بقرة شاؤوا وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يكون إِيجَاب كَونهَا صفراء إِيجَابا مُجَردا وَكَانَ ذَلِك مصلحَة بِشَرْط تقدم الْأَمر بالمذكور وعصيانهم فِيهَا لِأَن الظَّاهِر وَإِن كَانَ مَا ذكرْتُمْ فَالظَّاهِر من هَذِه الْكِنَايَات رُجُوعهَا إِلَى مَا أمروا من قبل بذَبْحه والتمسك بظواهر هَذِه الْكِنَايَات مَعَ كثرتها وَترك ظَاهر وَاحِد وتأويله أولى من التَّمَسُّك بِظَاهِر وَاحِد وَترك عدَّة ظواهر وَالْجَوَاب أَن سُؤَالهمْ عَنْهَا يدل على أَن مُوسَى كَانَ قد أشعرهم بِأَن الْبَقَرَة غير منكورة وَلَوْلَا ذَلِك مَا خفى عَلَيْهِم أَنَّهَا مُطلقَة ولمخالفهم أَيْضا أَن يَقُول لَا يمْتَنع أَن يكون الْبَيَان قد كَانَ تقدم فَلم يتبينوا وَأَيْضًا فَيمكن أَن يُقَال إِن خُرُوج هَذَا الْكَلَام مخرج الذَّم
[ ١ / ٣٢٦ ]
لَهُم وَقَول ابْن عَبَّاس ﵁ بَنو إِسْرَائِيل شَدَّدُوا فَشدد الله عَلَيْهِم يدل على أَن الْبَقَرَة الَّتِي أمروا ابْتِدَاء بذبحها كَانَت مَذْكُورَة وَأَنَّهُمْ كلفوا بعد ذَلِك تكليفا مُجَردا ذبح بقرة صفراء
وَمِنْهَا أَن الله سُبْحَانَهُ قَالَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ وَبَين النَّبِي ﷺ أَن السَّلب للْقَاتِل وَأَن بني أُميَّة لم يدخلُوا فِي ذَوي الْقُرْبَى فَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون الْبَيَان الْمُجْمل أَو الْمفصل قد كَانَ تقدم
وَمِنْهَا أَن الْمَلَائِكَة قَالَت لإِبْرَاهِيم ﵇ ﴿إِنَّا مهلكو أهل هَذِه الْقرْيَة إِن أَهلهَا كَانُوا ظالمين﴾ وَلم يبينوا أَنهم لم يُرِيدُوا لوطا وَالْمُؤمنِينَ حَتَّى سَأَلَهُمْ فَقَالُوا ﴿نَحن أعلم بِمن فِيهَا لننجينه وَأَهله﴾ وَالْجَوَاب أَنهم قد بينوا ذَلِك بقَوْلهمْ ﴿إِن أَهلهَا كَانُوا ظالمين﴾ لِأَن ذَلِك لَا يدْخل فِيهِ من لم يظلم وَلَو لم يكن ذَلِك بَيَانا لم يمْنَع أَن يَكُونُوا أَرَادوا فِي الْحَال بَيَان ذَلِك فبادرهم بالسؤال
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ أَن جِبْرِيل ﵇ قَالَ للنَّبِي ﷺ اقْرَأ قَالَ وَمَا أَقرَأ يَقُولهَا ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قَالَ ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ قَالُوا فَأخر بَيَان مَا أمره بِهِ وَالْجَوَاب أَن هَذِه الرِّوَايَة من أَخْبَار الْآحَاد فَلم يَصح التَّعَلُّق بهَا هَا هُنَا وَأَيْضًا فَإِن الْأَمر إِن كَانَ على الْفَوْر فقد اقْتضى الْفِعْل فِي الثَّانِي وَفِي ذَلِك تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْفِعْل وَإِن لم يكن الْأَمر على الْفَوْر فَإِنَّهُ يُفِيد جَوَاز الْفِعْل فِي الثَّانِي وَتَأْخِير الْبَيَان عَنهُ تَأْخِير لَهُ عَن وَقت الْحَاجة فَلَا بُد لنا وَلَهُم من ترك الظَّاهِر
[ ١ / ٣٢٧ ]
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن النَّبِي ﷺ لما سُئِلَ عَن الصَّلَاة لم يبينها فِي الْحَال وانتظر مَجِيء الْوَقْت حَتَّى يبينها بِالْفِعْلِ وَلم يبين آيَة الْحَج إِلَّا حِين حج وَقَالَ خُذُوا عني مَنَاسِككُم وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون قد أشعر بِأَن المُرَاد بِالصَّلَاةِ لَيْسَ هُوَ الدُّعَاء بل هُوَ شَيْء آخر قد انْتقل اسْم الصَّلَاة إِلَيْهِ وَلَوْلَا هَذَا الْإِشْعَار لما سَأَلَ السَّائِل عَن الصَّلَاة بل كَانَ يحمل الصَّلَاة على الدُّعَاء وَلَا يمْتَنع أَن يكون قد بَينهَا من قبل بالْقَوْل وَأخر بَيَانهَا بِالْفِعْلِ إِلَى وَقتهَا ليتأكد الْبَيَان وَأما الْحَج فقد بَينه قولا قبل أَن يحجّ وَلِهَذَا حج أَبُو بكر ﵁ بِالنَّاسِ
وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن الْمُزَابَنَة فَلَمَّا شكت الْأَنْصَار إِلَيْهِ أرخص لَهُم فِي الْعَرَايَا ضرب من المزاينة وَهَذَا تَأْخِير بَيَان وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن يكون بَين لَهُم ذَلِك بَيَانا مُجملا أَو مفصلا فَلم يتبينوه على أَن قَوْله أرخص لَهُم فِي الْعَرَايَا اسْتثِْنَاء وَشرع فِي إِبَاحَة الْعَرَايَا وَفِي ذَلِك كَون هَذِه الْإِبَاحَة نسخا مُتَقَدما فمنى أجَاز تَأْخِير بَيَان النّسخ لم يلْزمه هَذَا الْكَلَام وَمن لم يجز ذَلِك إِلَّا بالإشعار يَقُول قد كَانَ أشعرهم بِأَنَّهُ سيعرض للحظر نسخ
وَمِنْهَا أَن عمر ﵁ سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن الْكَلَالَة فَقَالَ يَكْفِيك آيَة الصَّيف فَكَانَ عمر يَقُول اللَّهُمَّ مهما شِئْت فان عمر لم يتَبَيَّن وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون الْبَيَان لم يتَأَخَّر وَلكنه لم يتَبَيَّن وَلَا بُد للمستدل من أَن يَقُول ذَلِك لِأَن الْحَاجة قد كَانَت حضرت
وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ أنفذ معَاذًا إِلَى الْيمن ليعلمهم الزَّكَاة وَغَيرهَا فَسَأَلُوهُ عَن الوقص فَقَالَ مَا سَمِعت فِيهِ شَيْئا من رَسُول الله ﷺ حَتَّى أرجع إِلَيْهِ فأسأله فَعلم أَن بَيَان ذَلِك لم يكن تقدم وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن يكون الْبَيَان قد كَانَ تقدم وَلم يتبينه معَاذ على أَن بَيَان ذَلِك هُوَ بِالْبَقَاءِ على حكم
[ ١ / ٣٢٨ ]
الْعقل فِي أَن لَا زَكَاة فِي الوقص وَلَا فِي غَيره إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْع وَقَول معَاذ حَتَّى أسأَل رَسُول الله ﷺ خرج على سَبِيل الْإِظْهَار لِأَن الْإِنْسَان قد يستظهر فِي السُّؤَال عَمَّا يعمله سِيمَا وَقد كَانَ يجوز معَاذ أَن يكون قد تجدّد فِي ذَلِك شرع لم يُعلمهُ على أَنه لَو لم يكن الْجَواب فِي ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ لدل على أَن الْبَيَان قد تَأَخّر عَن وَقت الْحَاجة لِأَن معَاذًا بعث إِلَى الْيمن ليَأْخُذ مِنْهُم الزَّكَاة وليعلمهم مَا يجب عَلَيْهِم وَكَانَ يجب عَلَيْهِم أَن يعلمُوا مِنْهُ فالحاجة قد كَانَت حضرت
وَمِنْهَا قَوْلهم قد وَردت أَخْبَار مستفيضة فِي بَيَان آيَات من الْقُرْآن وَإِنَّمَا تستفيض بعد مُدَّة وَفِي ذَلِك تَأْخِير بَيَانهَا عَنَّا إِلَى أَن يستفيض الْخَبَر وَالْجَوَاب أَن بَيَان الْقُرْآن مِنْهُ مَا لَا يجوز نَقله إِلَّا مستفيضا وَهُوَ مَا تعبدنا فِيهِ بِالْعلمِ دون الظَّن وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يستفيض ذَلِك فِي حَالَة استفاضة نقل الْقُرْآن وَإِن كَانَ نقل الْقُرْآن امْتَدَّ استفاضة وَمِنْه مَا يجوز نقل بَيَانه بالآحاد وَهُوَ مَا للظن فِيهِ مدْخل وَلَيْسَ يجب أَن يستفيض ذَلِك فَيُقَال إِنَّمَا يستفيض فِي مُدَّة فَيتَأَخَّر فِيهَا الْبَيَان
وَمِنْهَا أَن الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم نقلت أَخْبَارًا عِنْد نزُول الْحَاجة إِلَيْهَا وَهِي مخصصة للْعُمُوم كالخبر فِي أَخذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس وَغير ذَلِك فَلَو لم يجز تَأْخِير الْبَيَان لما نقلت ذَلِك وَالْجَوَاب أَن من منع من تأخيرالبيان من يجوز أَن لَا يستمع الْمُكَلف بالْخبر الْخَاص وَيَقُول يلْزمه الْبَحْث والطلب إِذا حوفه الخاطر يجوز أَن يكون فِي الْأَدِلَّة مَا يخصص الْعُمُوم فَلَا سُؤال عَلَيْهِ - ﷺ َ - بَاب فِيمَن يجب أَن يبين لَهُ المُرَاد بِالْخِطَابِ وفيمن لَا يجب أَن يبين لَهُ - ﷺ َ -
أعلم أَن ظَاهر الْأَمر إِذا تنَاول أفعالا من جمَاعَة فَإِنَّهُ يجوز أَن يُرِيد الْمُتَكَلّم جَمِيعهم وَيجوز أَن يُرِيد بَعضهم وَيجوز أَن يُرِيد جَمِيع تِلْكَ الْأَفْعَال وَيجوز أَن يُرِيد بَعْضهَا دون بعض فاذا صدر من الله سُبْحَانَهُ مَا ظَاهره الْأَمر بِأَفْعَال وَلم
[ ١ / ٣٢٩ ]
يدل الْأَمر على مُرَاده من تِلْكَ الْأَفْعَال كَانَ ذَلِك صربان أَحدهمَا أَن يكون الِاسْم المتناول الْأَفْعَال مُجملا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ وَالْآخر يكون الِاسْم ينبىء عَن صفتهَا لكنه عَام أُرِيد بعضه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ وَهُوَ لَا يُرِيد بَعضهم وَيجب فِي كلا الضربين أَن يبين الله تَعَالَى مُرَاده لمن أَرَادَ أَن يفهم الْخطاب دون من لم يرد أَن يفهمهُ أما من أَرَادَ أَن يفهمهُ فانه لَو لم يبين لَهُ المُرَاد مَعَ أَنه لَا سَبِيل لَهُ إِلَى مَا كلف من الْفَهم إِلَّا بِالْبَيَانِ كَانَ قد كلف مَا لَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهِ وَأما من لم يرد أَن يفهم الْخطاب فانما لم يجب أَن يبين لَهُ المُرَاد لِأَنَّهُ لَا وَجه لوُجُوب بَيَان المُرَاد إِلَّا كَونه تمكينا مِمَّا أُرِيد من فهم المُرَاد وَهَذَا غير قَائِم لمن يرد الله سُبْحَانَهُ أَن يفهم مُرَاده بِالْخِطَابِ وَمَا لَيْسَ لَهُ وَجه وجوب فَلَيْسَ بِوَاجِب وَلِهَذَا لما لم يكن للأقدار وَجه وجوب إِلَّا كَونه تمكينا من الْفِعْل لم يلْزم أَن يقدر الله سُبْحَانَهُ على الْفِعْل من لم يكلفه فعله وَلِهَذَا لم يجب فِي حِكْمَة الله أَن يبين لنا مُرَاده بالكتب السالفة
فأذا ثَبت ذَلِك فَالَّذِينَ أَرَادَ الله سُبْحَانَهُ مِنْهُم فهم خطابه ضَرْبَان أَحدهمَا أَرَادَ مِنْهُم فعل مَا تضمنه الْخطاب إِن كَانَ مَا تضمنه الْكتاب فعلا وَالْآخر لم يرد مِنْهُم فعل مَا تضمنه والأولون هم الْعلمَاء وَقد أَرَادَ الله سُبْحَانَهُ أَن يفهموا مُرَاده بِآيَة الصَّلَاة وَأَن يفعلوها وَالْآخرُونَ هم الْعلمَاء فِي أَحْكَام الْحيض قد أُرِيد مِنْهُم الْخطاب وَلم يرد مِنْهُم فعل مَا تضمنه الْخطاب
وَالَّذين لم يرد الله سُبْحَانَهُ أَن يفهموا مُرَاده وَلم يُوجب ذَلِك عَلَيْهِم ذَلِك ضَرْبَان أَحدهمَا لم يرد مِنْهُم أَن يَفْعَلُوا مَا تضمنه الْخطاب وَالْآخر أَرَادَ مِنْهُم الْفِعْل فالأولون هم أمتنَا مَعَ الْكتب السالفة لِأَن الله سُبْحَانَهُ مَا أَرَادَ أَن يفهموا مُرَاده بهَا وَلَا أَن يَفْعَلُوا مقتضاها وَالْآخرُونَ هم النِّسَاء فِي أَحْكَام
[ ١ / ٣٣٠ ]
الْحيض لِأَن الله سُبْحَانَهُ أَرَادَ مِنْهُنَّ الْتِزَام أَحْكَام الْحيض بِشَرْط أَن يفتيهن الْمُفْتِي وَجعل لَهُنَّ سَبِيلا إِلَى ذَلِك بِمَا علمنه من دين النَّبِي ﷺ من وجوب الرُّجُوع إِلَى الْعلمَاء أَو لم يرد مِنْهُنَّ على سَبِيل الْإِيجَاب فهم المُرَاد بِالْخِطَابِ لِأَنَّهُ لم يُوجب عَلَيْهِنَّ سَماع أَخْبَار الْحيض فضلا عَن الفحص عَن بَيَان مجملها وَتَخْصِيص عامها - ﷺ َ - بَاب جَوَاز إسماع الْمُكَلف الْعَام دون الْخَاص - ﷺ َ -
منع أَبُو الْهُذيْل وَأَبُو عَليّ رحمهمَا الله من ان يسمع الْحَكِيم خطابه الْعَام الْمُكَلف من دون أَن يسمعهُ مَا يدل من جِهَة السّمع على تَخْصِيصه وَمَا لَا يشْغلهُ عَن سَماع الْعَام حَتَّى يسمع الْخَاص مَعَه وأجازا أَن يسمعهُ الْعَام الْمَخْصُوص بأدلة الْعقل وَإِن لم يعلم السَّامع أَن فِي أَدَاة الْعقل مَا يدل على تَخْصِيصه وَأَجَازَ أَبُو إِسْحَق النظام وَأَبُو هَاشم رحمهمَا الله أَن يسمعهُ الْعَام من دون أَن يعرف الْخَاص سَوَاء كَانَ مَا يدل على تَخْصِيصه دَلِيلا عقليا أَو سمعيا وَهُوَ ظَاهر مَذْهَب الْفُقَهَاء وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْعُمُوم الْمَخْصُوص يُمكن الْمُكَلف اعْتِقَاد تَخْصِيصه إِذا سمع بِالدَّلِيلِ الْمُخَصّص كَمَا يُمكنهُ ذَلِك إِذا لم يسمع بِهِ فَجَاز غسماعه الْعَام وَإِن تكلّف اعْتِقَاد تَخْصِيصه فِي الْحَالين لِأَنَّهُ فيهمَا مُتَمَكن مِمَّا كلف إِن قبل وَلم زعمتم أَنه يُمكنهُ اعْتِقَاد التَّخْصِيص إِذا لم يسمع الْمُخَصّص قيل لِأَن الله سُبْحَانَهُ يخْطر بِبَالِهِ جَوَاز كَون الْمُخَصّص فِي الشَّرْع فيشعره بذلك فيجوزه فاذا جوزه وَجب عَلَيْهِ طلبه كَمَا يلْزمه الْمعرفَة عِنْدَمَا يخَاف بالخاطر وَإِذا قلب الْمُخَصّص ظفر بِهِ فاذا نظر فِيهِ اعْتقد التَّخْصِيص وبمثل هَذِه الطَّرِيقَة يعلم التَّخْصِيص إِذا كَانَ الْمُخَصّص دَلِيلا عقليا إِن قيل دلَالَة الْعقل حَاضِرَة عِنْد السَّامع للْعُمُوم فأمكنه الْعلم بالتخصيص وَلَيْسَ كَذَلِك الْمُخَصّص السمعي إِذا لم يسمعهُ قيل لَا فرق بَينهمَا لِأَن كثيرا من الْمذَاهب لَا يشْعر الْإِنْسَان بِأَن عَلَيْهَا دَلِيلا عقليا بل رُبمَا استبعد أَن يكون عَلَيْهَا دَلِيلا عقليا كَمَا لَا يعلم أَن
[ ١ / ٣٣١ ]
على كثير من الْمذَاهب دلَالَة شَرْعِيَّة فَكَمَا جَازَ أَن يُكَلف طلب أَحدهمَا بالخاطر جَازَ مثه فِي الآخر
وَاحْتج الْأَولونَ بأَشْيَاء
مِنْهَا أَنه لَو أسمع الْحَكِيم غَيره الْعَام دون الْخَاص لَكَانَ قد أغراه بِالْجَهْلِ وَهُوَ اعْتِقَاد استغراقه وَإِبَاحَة ذَلِك وَهَذَا قَبِيح وَالْجَوَاب أَنه يلْزم عَلَيْهِ أَن يكون قد أغراه بِالْجَهْلِ إِذا كَانَ الْمُخَصّص عقليا وعَلى أَن لَا يكون مغريا لَهُ بِالْجَهْلِ إِذا أشعره بالمخصص وأخطر ذَلِك بِبَالِهِ وخوفه من ترك طلبه
وَمِنْهَا أَنه لَو اسْمَعْهُ من دون الْخَاص لجرى مجْرى خطاب الْعَرَبِيّ بالزنجية وَالْجَوَاب أَن ذَلِك دَعْوَى وَالْفرق بَينهمَا أَن الْعَرَبِيّ لَا يفهم الزنجية وَلَا يتَمَكَّن من فهمها إِذا لم يكن من يُفَسِّرهَا لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِك من خُوطِبَ بِالْعَام وَيجوز كَون الْمُخَصّص فِي الشَّرْع وَمَا قَالُوهُ يلْزمهُم مثله إِذا كَانَ الْمُخَصّص عقليا
وَمِنْهَا أَنه لَو جَازَ أَن يسمعهُ الْعَام دون الْخَاص لجَاز أَن يسمعهُ الْمَنْسُوخ دون النَّاسِخ والمجمل دون الْبَيَان وَالْجَوَاب أَنه يجوز ذَلِك إِذا أشعره بالناسخ وَالْبَيَان وَكَانَ أَبُو على رُبمَا سوى بَين إسماع الْعُمُوم من دون الْمُخَصّص وَبَين إسماع الْمَنْسُوخ من دون النَّاسِخ وَرُبمَا لم يجز ذَلِك فِي الْعُمُوم وَأَجَازَهُ فِي النَّاسِخ وَالْأولَى التَّسْوِيَة بَينهمَا فِي الْمَنْع وَالْجَوَاز
وَمِنْهَا انه لَو اسْمَعْهُ الْعَام دون الْخَاص للَزِمَ الْمُكَلف الْوَقْف حَتَّى يفحص عَن الْمُخَصّص وَفِي ذَلِك دُخُول فِي قَول أَصْحَاب الْوَقْف وَالْجَوَاب أَنه يلْزم مثله فِي الْمُخَصّص الْعقلِيّ وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي ذَلِك دُخُول فِي قَول أَصْحَاب الْوَقْف لِأَن أَصْحَاب الْوَقْف يقفون فِي الْعُمُوم مَعَ علمهمْ بتجرده عَن الْقَرَائِن وَنحن لَا نقف فِيهِ وَالْحَال هَذِه
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْإِنْسَان يلْزمه الْعَمَل بِمَا يُعلمهُ من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة وَلَا يلْزمه طلبَهَا أَلا ترى أَنه يلْزمه أَن يعْمل على مَا فِي عقله وَلَا يلْزمه أَن يتَوَقَّف
[ ١ / ٣٣٢ ]
ويجوب الْبِلَاد ليعلم هَل بعث نَبِي يَنْقُلهُ عَمَّا فِي عقله أم لَا فَكَذَلِك يَنْبَغِي إِذا سمع أَن يعْتَقد استغراقه وَلَا يلْزمه طلب مَا يخصصه صِيغَة الْعُمُوم فَلَو جَازَ أَن يسمع الْعَام دون الْخَاص لَكَانَ مُبَاحا لَهُ أَن يعْتَقد استغراقه وَفِي ذَلِك إِبَاحَة الْجَهْل وَالْجَوَاب أَنه يلْزمهُم مثله فِي الْعُمُوم إِذا كَانَ الْمُخَصّص عقليا وَأَيْضًا فان هَذَا يدل على جَوَاز أَن يسمع الله تَعَالَى الْمُكَلف الْعَام وَلَا يسمعهُ الْخَاص وَيجوز لَهُ أَن يعْمل على ذَلِك من غير أَن طلب الْخَاص كَمَا يجوز أَن لَا يعرفهُ الله سُبْحَانَهُ أَنه قد بعث نَبيا فَلَا يلْزمه طلبه بل يعْمل على مَا فِي عقله فشبهتهم قد دلّت على مَا نتفق نَحن وهم على فَسَاده وَهُوَ جَوَاز أَلا يسمع الْخَاص وَلَا يلْزمه الطّلب لَهُ وَأَيْضًا فان الَّذِي ذَكرُوهُ هُوَ أَنه لَا يجب على الْإِنْسَان أَن يطوف الْبِلَاد وَيسْأل هَل بعث نَبِي أم لَا بل يفعل بِحَسب مَا فِي عقله وَنَظِير هَذَا إِذا سمع الْمُكَلف الْعَام أَن لَا يلْزمه أَن يطوف الْبِلَاد بِطَلَب الْمُخَصّص وَكَذَلِكَ نقُول فَإنَّا نوجب عَلَيْهِ الْعَمَل على الْعَام فَإِن كَانَ مَخْصُوصًا فَإِنَّمَا يلْزمه تَخْصِيصه بِشَرْط أَن يبلغهُ الْمُخَصّص فَأَما إِذا سمع بِنَبِي فِي بلد فَإِنَّهُ يلْزمه أَن يسْأَل عَنهُ كَمَا يلْزمه أَن يسْأَل عَمَّا يخصص الْعُمُوم فِي بَلَده فَإِن قيل فَإِن كَانَ الْعُمُوم نَاقِلا عَمَّا فِي الْعقل وَكَانَ الْعَمَل بِهِ قد حضر وضاق الْوَقْت عَن طلب الْمُخَصّص مَا الَّذِي يلْزمه قيل الْأَشْبَه أَن يلْزمه الْعَمَل على الْعُمُوم لِأَنَّهُ لَو لم يجز ذَلِك لم يسمعهُ الله سُبْحَانَهُ قبل تَمْكِينه من الْمعرفَة بالمخصص فَيجب عَلَيْهِ الْعَمَل على الْعُمُوم ثمَّ يطْلب الْمُخَصّص فِيمَا بعد وَيحْتَمل أَن يُقَال يعْمل على مَا فِي عقله لِأَن من شَرط الْعَمَل على الْعُمُوم أَن يعلم فقد الْمُخَصّص وَهَذَا غير حَاصِل وَيجوز أَن يكون لَهُ مصلحَة فِي سَماع الْعُمُوم فِي ذَلِك الْوَقْت
[ ١ / ٣٣٣ ]