اعْلَم أَن الْكَلَام فِي ذَلِك إِمَّا أَن يرجع إِلَى الْمُفْتِي أَو إِلَى المستفتي أَو إِلَى المستفتي فِيهِ أما الرَّاجِع إِلَيّ الْمُفْتِي ففصلان أَحدهمَا ان نذْكر الصّفة الَّتِي مَعهَا يجوز للمفتي أَن يُفْتِي وَالْآخر أَن نذْكر كَيْفيَّة فَتْوَى الْمُفْتِي أما الرَّاجِع إِلَى المستفتي ففصول مِنْهَا من الَّذِي يجوز لَهُ أَن أَن يستفتي وَمِنْهَا شَرط استفتائه وَمِنْهَا مَا يَنْبَغِي أَن يَفْعَله إِذا أفتاه الْمُفْتِي وَأما الرَّاجِع إِلَى مَا يستفتى فِيهِ فَهُوَ الَّذِي يجوز لَهُ أَن يَقع الاستفتاء فِيهِ هَل هُوَ الْفُرُوع فَقَط أم الْفُرُوع والاصول - ﷺ َ - بَاب فِي الصّفة الَّتِي مَعهَا يجوز للْإنْسَان ان يُفْتِي نَفسه ويفتي غَيره وَيحكم عَلَيْهِ - ﷺ َ -
اعْلَم أَن هَذِه الصّفة هِيَ أَن يكون الانسان من أهل الِاجْتِهَاد وَإِنَّمَا يكون من أَهله إِذا عرف الْأَدِلَّة السمعية وَأمكنهُ الِاسْتِدْلَال بهَا وَالدّلَالَة السمعية ظَاهر واستنباط وَالظَّاهِر مِنْهُ خطاب وَمِنْه أَفعَال وَهِي أَفعَال النَّبِي ﷺ والاستنباط ضَرْبَان قِيَاس واستدلال وَالِاسْتِدْلَال بِالْقِيَاسِ يفْتَقر إِلَى الِاسْتِدْلَال بالظواهر فاذا ذكرنَا الِاسْتِدْلَال بِالْقِيَاسِ دخل فِيهِ الِاسْتِدْلَال بالظواهر وَنحن نبتدىء بِذكر ذَلِك فَنَقُول
يجب أَن يكون الْمُسْتَدلّ بِالْقِيَاسِ غير عَارِف بِحكم الْفُرُوع وَيكون عَارِفًا بِالْأَصْلِ وبحكمه وظانا بعلته وعالما بثبوتها فِي الْفَرْع أَو ظَانّا لذَلِك عَالما بِأَنَّهُ قد تعبد بِالْقِيَاسِ عَارِفًا بِشُرُوط الْقيَاس وَإِنَّمَا وَجب اشْتِرَاط جَمِيع ذَلِك لِأَن الْقيَاس هُوَ إثات حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لاجتماعهما فِي عِلّة الحكم فَيجب أَن
[ ٢ / ٣٥٧ ]
يكون الْمُسْتَدلّ غير عَالم بِحكم الْفَرْع ليَصِح أَن يَطْلُبهُ بقياسه وَيجب أَن يكون عَارِفًا بِالْأَصْلِ ليَصِح أَن يعرف حكمه وَعلة حكمه وَيعرف أَن يظنّ أَنَّهَا مَوْجُودَة فِي الْفَرْع وَأَنه قد تعبد بتعليق الحكم بهَا فِي الْفَرْع ليجوز لَهُ أَن يعدى الحكم من الأَصْل إِلَى الْفَرْع لأجل وجود الْعلَّة فِي الْفَرْع وَيجب أَن يعرف الْفَرْع بِعَيْنِه ليَصِح أَن يعرف ثُبُوت الْعلَّة وَحكمهَا فِيهِ وَيجب أَن يعرف شُرُوط الْقيَاس ليستعمل من الْقيَاس مَا اخْتصَّ بِتِلْكَ الشُّرُوط ويتوقى مَا لم يخْتَص بهَا وَقد علمنَا أَن الْمُسْتَدلّ إِنَّمَا يعلم حكم الأَصْل اسْتِدْلَالا بخطاب الله تَعَالَى وبخطاب نبيه وافعاله وَمَا علم من قَصده وخطاب الْأمة وَإِنَّمَا يَصح أَن يسْتَدلّ بِالْخِطَابِ إِذا علم أَن الْمُتَكَلّم بِهِ يجب إِذا تكلم بِكَلَام وَقد وضع لإِفَادَة شَيْء فقد علم أَن ذَلِك الشَّيْء على مَا أَفَادَهُ الْخطاب وَإِذا اقترنت بِهِ قرينَة فقد علم أَن ذَلِك الشَّيْء على مَا يدل عَلَيْهِ الْخطاب مَعَ الْقَرِينَة وَهَذِه الْجُمْلَة تَقْتَضِي أَن يعلم الْمُسْتَدلّ مَا وضع لَهُ الْخطاب فِي اللُّغَة وَفِي الْعرف وَفِي الشَّرْع ليحمله عَلَيْهِ وَيعرف مجازه فيعدل بالقرائن إِلَيْهِ وَيعرف من حَال الْمُتَكَلّم مَا يَثِق بِهِ من حُصُول مَدْلُول خطابه وَيعرف الْقَرَائِن وَهِي ضَرْبَان عقلية وشرعية والشرعية هِيَ بَيَان نسخ أَو بَيَان تَخْصِيص أَو غَيرهمَا من وُجُوه الْمجَاز وَأما الْقَرَائِن الْعَقْلِيَّة فَهِيَ الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة إِذا دلّت على خلاف ظَاهر الْكَلَام وَأما حَال الْمُتَكَلّم فَهِيَ حكمته وَالْحكمَة إِمَّا أَن تثبت لِأَن الْحَكِيم عَالم غَنِي وَإِمَّا لِأَنَّهُ مَعْصُوم من الْخَطَأ كالنبي وَالْأمة وَيجب أَن نَعْرِف حكمه الْمُتَكَلّم ليَصِح أَن نعلم مَا يجوز أَن يَقُوله ويريده وَمَا لَا يجوز أَن يُريدهُ ويقوله وَلَا يَصح الْمعرفَة بحكمة الله إِلَّا مَعَ الْمعرفَة بِذَاتِهِ وَصِفَاته وَلَا يَصح الْمعرفَة بحكمة النَّبِي إِلَّا مَعَ الْمعرفَة بِكَوْنِهِ نَبيا وَإِنَّمَا يعلم عصمَة الْأمة إِذا عرف أَن الله وَرَسُوله قد شهد بعصمتها والقرائن الناسخة والمخصصة يفْتَقر الْعلم بهَا إِلَى الْعلم بجملة النَّاسِخ والمنسوخ وَالْخَاص وَالْعَام وشروط ذَلِك وَأما الْأَفْعَال فان الِاسْتِدْلَال بهَا يفْتَقر إِلَى الْعلم بِأَنَّهَا حجَّة وَإِلَى الْعلم بِالْوَجْهِ الَّذِي وَقع الْفِعْل عَلَيْهِ وَالْخطاب الْمَنْقُول إِمَّا مَنْقُول بالتواتر وَلَا حَاجَة عَن عَدَالَة الروَاة وضبطهم وَإِمَّا ظن
[ ٢ / ٣٥٨ ]
الْمُسْتَدلّ لعِلَّة حكم الأَصْل فانه لَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلَّا اسْتِدْلَالا بالأمارات وَيجب أَن يعلم أَن الْغَرَض أَن يَظُنهَا عِلّة لِأَن يعلمهَا حَتَّى يطْلب الْعلم وَلَا يُدْرِكهُ
وَأما الِاسْتِدْلَال الَّذِي لَيْسَ بِقِيَاس فانه إِن كَانَ اسْتِدْلَالا بعلة وأمارة فَلَا بُد من الِاسْتِدْلَال عَلَيْهَا وَإِن كَانَ اسْتِدْلَالا بِشَهَادَة الْأُصُول من غير اعْتِبَار عِلّة وَصَحَّ ذَلِك فانه يفْتَقر فِيهِ إِلَى مثل مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْقيَاس إِلَّا الِاسْتِدْلَال على الْعلَّة
فاذا اخْتصَّ الْإِنْسَان بِمَا ذَكرْنَاهُ جَازَ لَهُ أَن يجْتَهد فِي الْمسَائِل فيفتي نَفسه وَغَيره وَيحكم على غَيره وَيجوز أَن يجْتَهد فِي مَسْأَلَة من الْفَرَائِض إِذا كَانَ عَالما بالفرائض وَإِن لم يعلم مَا عداهُ من ابواب الْفِقْه لِأَن الظَّاهِر من أَحْكَام الْفَرَائِض أَنَّهَا لَا تستنبط من غَيرهَا إِلَّا نَادرا والذهاب عَن النَّادِر لَا يقْدَح فِي الِاجْتِهَاد أَلا ترى أَن الْمُجْتَهد قد يخفي عَلَيْهِ من النُّصُوص الْيَسِير وَلَا يقْدَح ذَلِك فِي كَونه من أهل الِاجْتِهَاد - ﷺ َ - بَاب فِي كَيْفيَّة فَتْوَى الْمُفْتِي - ﷺ َ -
اعْلَم أَنه لَا يجوز للمفتي أَن يُفْتِي بالحكاية عَن غَيره بل إِنَّمَا يُفْتِي بِاجْتِهَادِهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يسْأَل عَمَّا عِنْده وَلَا يسْأَل عَن قَول غَيره وَإِن سُئِلَ أَن يَحْكِي قَول غَيره جَازَ لَهُ حكايته وَلَو جَازَ أَن يُفْتِي بالحكاية جَازَ للعامي أَن يُفْتِي بِمَا يجده فِي كتب الْفُقَهَاء وَمَتى لم يتَقَدَّم من الْمُفْتِي اجْتِهَاد فِي الْمَسْأَلَة وَجب عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد فِيهَا قبل الْفَتْوَى فان تقدم مِنْهُ اجْتِهَاد وَقَول فِي الْمَسْأَلَة وَكَانَ ذَاكِرًا لذَلِك القَوْل وَطَرِيقَة الِاجْتِهَاد لم يجب عَلَيْهِ تَجْدِيد الِاجْتِهَاد لِأَنَّهُ كالمجتهد فِي الْحَال وَإِن لم يذكر طَريقَة الِاجْتِهَاد فَهُوَ فِي حكم من لَا اجْتِهَاد لَهُ فَالْوَاجِب عَلَيْهِ تَجْدِيد الِاجْتِهَاد
[ ٢ / ٣٥٩ ]
وَإِذا لم يجز لَهُ أَن يُفْتِي وَيُؤْخَذ بفتواه فأحرى أَن لَا يجوز أَن يَأْخُذ الْإِنْسَان بفتوى من مَاتَ لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أَنه لَو كَانَ حَيا لَكَانَ ذَاكِرًا لطريقة الِاجْتِهَاد وراضيا بذلك القَوْل وَيُمكن أَن يُقَال إِن الظَّاهِر من ذَلِك القَوْل أَنه قَول ذَلِك الْفَقِيه إِلَى أَن مَاتَ وَمَوته قد أَزَال عَنهُ التَّكْلِيف وَلَا يُمكن أَن يُقَال إِنَّه يلْزمه إِعَادَة اجْتِهَاده فاذا أفتى الْمُجْتَهد بِاجْتِهَادِهِ ثمَّ تغير اجْتِهَاده لم يلْزم تَعْرِيف المستفتي تغير اجْتِهَاده إِذا كَانَ قد عمل بِهِ وَإِن لم يكن قد عمل بِهِ فَيَنْبَغِي أَن يعرفهُ إِن تمكن مِنْهُ لِأَن الْعَاميّ إِنَّمَا يعْمل بِهِ لِأَنَّهُ قَول الْمُفْتِي وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ هُوَ قَوْله فِي تِلْكَ الْحَال وَإِذا أفتاه بقول مجمع عَلَيْهِ لم يخيره فِي الْقبُول مِنْهُ وَإِن كَانَ مُخْتَلفا فِيهِ خَيره بَين أَن يقبل مِنْهُ وَمن غَيره لَا شُبْهَة فِي ذَلِك على قَول من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب وعَلى قَول من قَالَ إِن الْحق فِي وَاحِد أَيْضا هَكَذَا يَجِيء لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَن يجب عَلَيْهِ الْأَخْذ بقول أحد المفتيين بِغَيْر حجَّة أولى من الآخر فان كَانَ هَذَا التَّخْيِير مَعْلُوما من قصد الْمُفْتِي لم يجب عَلَيْهِ أَن يخيره لفظا بل يذكر قَوْله فَقَط وَلَيْسَ كَذَلِك الحكم لِأَن الْحَاكِم وضع لرفع الْخُصُومَات فَلَو كَانَ الْخصم مُخَيّرا بَين الدُّخُول تَحت حكمه وَترك الدُّخُول لم تَنْقَطِع الْخُصُومَة وَإِذا اعتدل الْقَوْلَانِ عِنْد الْمُفْتِي فقد ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَن لَهُ أَن يُفْتِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَقَالَ أَيْضا لَهُ أَن يُخَيّر المستفتي بَين الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْه أَن يُقَال يَنْبَغِي أَن يُخَيّر المستفتي أَنه إِنَّمَا يفتيه بِمَا يرَاهُ وَالَّذِي يرَاهُ هُوَ التَّخْيِير على قَول من قَالَ بالتخيير فِي الْأَحْكَام وَوجه القَوْل الآخر هُوَ أَنه كَمَا يجوز أَن يعْمل الْمُفْتِي باي الْقَوْلَيْنِ شَاءَ كَذَلِك يجوز لَهُ أَن يُفْتِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ - ﷺ َ - بَاب فِي جَوَاز استفتاء الْعَاميّ للْعُلَمَاء فِي فروع الشَّرِيعَة وتقليده إيَّاهُم فِيهَا - ﷺ َ -
منع قوم من شُيُوخنَا البغداديين من تَقْلِيد الْعَاميّ للْعَالم فِي فروع الشَّرِيعَة وَقَالُوا لَا يجوز أَن يَأْخُذ بقوله إِلَّا بعد أَن يبين لَهُ حجَّته وَأَجَازَ تَقْلِيده إِيَّاه
[ ٢ / ٣٦٠ ]
فِي ذَلِك أَكثر الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء وَحكى قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح عَن أبي عَليّ أَنه أَبَاحَ للعامي تَقْلِيد الْعَالم فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد من الْفُرُوع دون مَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَالصَّحِيح جَوَاز تَقْلِيده فيهمَا وَالدَّلِيل على ذَلِك إِجْمَاع الْأمة قبل حُدُوث الْمُخَالف فان الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ كَانُوا يفتون الْعَامَّة فِي غامض الْفِقْه وَلَا يعرفونهم أدلتهم وَلَا ينبهونهم على ذَلِك ويلزمونهم سُؤَالهمْ إيَّاهُم وَلَا يُنكرُونَ عَلَيْهِم اقتصارهم على مُجَرّد أقاويلهم وَأَيْضًا فَلَيْسَ يَخْلُو الْعَاميّ إِذا حدثت بِهِ حَادِثَة من الْفُرُوع إِمَّا أَن يكون متعبدا فِيهَا بِشَيْء أَو لَا يكون متعبدا فِيهَا بِشَيْء وَالْإِجْمَاع يمْنَع من أَن لَا يكون متعبدا فِيهَا بِشَيْء لِأَن الْأمة مجمعة على أَنه يلْزمه الرُّجُوع إِلَى الْعلمَاء فبعضهم يَقُول يقلدهم والمخالف يَقُول يسألهم عَن الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة ليعْمَل عَلَيْهَا وَلِأَنَّهُ إِذا طلق طَلَاقا مُخْتَلفا فِيهِ فإمَّا أَن يكون مُبَاحا لَهُ الْمقَام على الزَّوْجَة أَو مَحْظُورًا عَلَيْهِ وَلَيْسَ بَينهمَا وَاسِطَة وَأيهمَا كَانَ فَهُوَ تعبد وَإِن كَانَ متعبدا فاما أَن يكون حكم الْعقل أَو حكم الشَّرْع وَالْإِجْمَاع يمْنَع من الأول لِأَن الْمُخَالف يلْزمه سُؤال الْعَالم عَن الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة ليعلمه إِيَّاهَا وَلِأَن كثيرا من الْعَامَّة لَا يعرف حكم الْعقل فِي كثير من الْمسَائِل وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك أهل الِاجْتِهَاد وَإِن لزمَه حكم شَرْعِي فإمَّا أَن يلْزمه الْوُصُول إِلَيْهِ بالتقليد أَو بالاستدلال فان لزمَه بالاستدلال فإمَّا أَن يلْزمه ذَلِك بِأَن يتعلمه عِنْد كَمَال الْعقل ليصير من أهل الِاجْتِهَاد وَإِمَّا أَن يسْأَل الْعَالم عَن أَدِلَّة الْمَسْأَلَة فيجتهد فِيهَا فان لزمَه التَّعْلِيم عِنْد كَمَال الْعقل فالإجماع يمْنَع من وجوب التَّعَلُّم على كل أحد عِنْد كَمَال عقله وَلِأَن انصراف النَّاس إِلَى التَّعَلُّم المفضي إِلَى أَن يكون الْإِنْسَان من أهل الِاجْتِهَاد إهمال لأمر الدُّنْيَا وإفساد حَالهَا وَمَا أحد أوجب على النَّاس إهمال الدُّنْيَا وَأَيْضًا فَمَا الْجَواب الَّذِي يثبت بِهِ الْحَادِثَة فِي حَال تعلمه قبل أَن يَنْتَهِي إِلَى حَال الِاجْتِهَاد وَمَا الْجَواب إِن فرط فَلم يتَعَلَّم ثمَّ نزلت بِهِ حَادِثَة فِي صلَاته وصيامه أَو طَلَاقه وَإِن ابْتَدَأَ فِي الْحَال بالتفقه فَاتَتْهُ الْحَادِثَة وايضا فَلَيْسَ كل من تفقه صَار من أهل الِاجْتِهَاد حَسْبَمَا نجد عَلَيْهِ كثيرا مِمَّن تفقه وَإِن لزمَه أَن يسْأَل الْعَالم عَن الْأَدِلَّة اسْتدلَّ بهَا
[ ٢ / ٣٦١ ]
فمعلوم أَنه لايمكنه أَن يسْتَدلّ بِالدَّلِيلِ الَّذِي يذكرهُ لَهُ إِلَّا بعد أَن يعرف طرفا من اللُّغَة وَكَيْفِيَّة الِاسْتِدْلَال بِالْخِطَابِ وَأَنه لَيْسَ فِي الْأَدِلَّة مَا يعدل بِهِ عَن ظَاهِرَة من نسخ أَو تَخْصِيص أَو غير ذَلِك فان رَجَعَ إِلَى قَول الْعَالم فِي ذَلِك فقد قَلّدهُ وَإِن فحص عَن الْأَخْبَار وَوجه المقاييس لم يتَمَكَّن من ذَلِك إِلَّا فِي الزَّمَان الطَّوِيل وزمان الْحَادِثَة يضيق عَن ذَلِك وَقد لَا يُمكنهُ إِذا عرف وفحص عَن ذَلِك أَن يجْتَهد فكثير من أَصْحَاب الحَدِيث يعْرفُونَ مَا رُوِيَ من الحَدِيث وَلَيْسوا من أهل الِاجْتِهَاد فاذا أبطلنا هَذِه الْأَقْسَام لم يبْق للعامي طَرِيق إِلَّا التَّقْلِيد وَقد اسْتدلَّ على تَقْلِيد الْعَاميّ الْعَالم بِأَن قيس على رُجُوع الْعَالم إِلَى رِوَايَة الْمخبر الْوَاحِد
وَاحْتج من منع من تَقْلِيد الْعَاميّ فِي الْفُرُوع بِأَن الْعَاميّ لَا يَأْمَن أَن يكون من قَلّدهُ لم ينصح فِي الِاجْتِهَاد فَيكون فَاعِلا لمفسدة وَهَذَا منتقض بِرُجُوع الْعَالم إِلَى الْمخبر الْوَاحِد لِأَنَّهُ لَا يَأْمَن أَن يكون قد كذبه فِي خَبره فَيكون بامتثاله للْخَبَر فَاعِلا للمفسدة
فان قَالُوا مصلحَة الْعَالم أَن يعْمل بِخَبَر من ظن صدقه من الْعَامَّة وَإِن كَانَ كَاذِبًا قُلْنَا وَكَذَلِكَ مصلحَة الْعَاميّ أَن يعْمل بِحَسب فَتْوَى الْمُفْتِي وَإِن كَانَ غاشا وقاسوا التَّقْلِيد فِي الْفُرُوع على التَّقْلِيد فِي التَّوْحِيد وَالْعدْل بِغَيْر عِلّة وكل قِيَاس لَا عِلّة فِيهِ فَبَاطِل ويعارضون بِالرُّجُوعِ إِلَى خبر الْوَاحِد وَالْفرق بَينهمَا أَن الْحق فِي التَّوْحِيد وَالْعدْل وَغَيرهمَا يحصل لَا بِحَسب حَال الْإِنْسَان وظنه بل الْحق فِيهِ وَاحِد فاذا قلد فِيهِ الْمُقَلّد لم يَأْمَن أَن يكون من قَلّدهُ لم يصب ذَلِك الْحق وَأما الشرعيات فَالْحق فِيهَا كَونهَا مصلحَة وَفعل الْإِنْسَان قد يكون مصلحَة لَهُ إِذا كَانَ على حَال مَخْصُوصَة فَلَا يمْتَنع أَن يكون مصْلحَته مَعَ أَنه لَيْسَ من أهل الِاجْتِهَاد أَن يعْمل بِحَسب فَتْوَى الْمُفْتِي فَيَأْمَن أَن يكون مقدما على جهل وَخطأ كَمَا أَن مصلحَة الْعَالم أَن يعْمل بِحَسب مَا أخبر بِهِ الْوَاحِد عَن النَّبِي ﷺ وايضا فالعامي إِنَّمَا يلْزمه النّظر فِي مسَائِل مَخْصُوصَة فِي الْعدْل
[ ٢ / ٣٦٢ ]
والتوحيد وأدلتها عقلية يحْتَاج الْإِنْسَان إِلَى تَنْبِيه يسير لَا يقطع عمره والحوادث الطارئة فِي الْفُرُوع كَثِيرَة بِغَيْر إحصاء وَالِاجْتِهَاد فِيهَا لَا يتم إِلَّا بِأُمُور شَرْعِيَّة لَا يُمكن ضَبطهَا وَالِاسْتِدْلَال بهَا فِي الزَّمَان الطَّوِيل على مَا قدمْنَاهُ
فان قيل قد يجوز أَن يطْرَأ على صَاحب الْجُمْلَة شُبْهَة لَا يُمكنهُ حلهَا إِلَّا بِأَن يكون من المبرزين فِي الْعلم فأوجبوا عَلَيْهِ إِذن أَن يكون من المتناهين فِي الْعلم قيل إِن النّظر على سَبِيل الْجُمْلَة لَا يحدث مَعَه مثل هَذِه الشُّبْهَة إِلَّا نَادرا وَمثل ذَلِك إِذا رَجَعَ فِيهِ إِلَى تَنْبِيه الْعَالم على مَا فِي الْعقل من الْجَواب لم يسْتَغْرق الزَّمَان أما حُدُوث الْفُرُوع بالإنسان فَلَيْسَ بموقوف على أَن يكون من أهل الِاجْتِهَاد وَلَا الِاسْتِدْلَال عَلَيْهَا مَرْكَز فِي الْعُقُول
وَالدَّلِيل على أَن للعامي أَن يُقَلّد فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد من الْفُرُوع وَفِيمَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد من الْفُرُوع هُوَ أَنا لَو ألزمناه تَمْيِيز مسَائِل الِاجْتِهَاد مِمَّا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد لَكنا قد ألزمناه أَن يكون من أهل الِاجْتِهَاد لِأَنَّهُ لَا يُمَيّز ذَلِك إِلَّا أهل الِاجْتِهَاد وَفِي ذَلِك من الْفساد مَا تقدم
وَاحْتَجُّوا بِأَن مَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد الْحق فِي وَاحِد مِنْهُ فَلَا يَأْمَن الْعَاميّ إِذا قَلّدهُ فِيهِ أَن يُقَلّد فِي خلاف الْحق وَلَيْسَ كَذَلِك مسَائِل الِاجْتِهَاد لِأَن الْحق فِيهَا فِي جَمِيع الْأَقَاوِيل فأيها قَدمته فَهُوَ الْحق وَالْجَوَاب إِن تَقْلِيده فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد أَيْضا لَا يَأْمَن مَعَه أَن يُقَلّد من لم ينصحه فِي الِاجْتِهَاد وَأَفْتَاهُ بِخِلَاف مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَاده فان قَالُوا مصلحَة الْعَاميّ أَن يعْمل بِمَا يُفْتِي بِهِ الْمُفْتِي وَإِن غشه قيل ومصلحته أَن يعْمل بِمَا يفتيه بِهِ الْعَالم وَإِن كَانَ الْعَالم غير مُصِيب فِيهِ - ﷺ َ - بَاب فِي شَرَائِط الاستفتاء وَمَا يجب على المستفتي إِذا أفتاه أهل الِاجْتِهَاد - ﷺ َ -
أما شَرط الاستفتاء فَهُوَ أَن يغلب على ظن المستفتي أَن من يستفتيه من أهل الِاجْتِهَاد بِمَا يرَاهُ من انتصابه للْفَتْوَى بمشهد من أَعْيَان النَّاس وَأخذ النَّاس عَنهُ
[ ٢ / ٣٦٣ ]
وَأَن يَظُنّهُ من أهل الدّين بِمَا يرَاهُ من اجْتِمَاع الْجَمَاعَات على سُؤَاله واستفتائه وَبِمَا يرَاهُ من سمات السّتْر وَالدّين وَلَا شُبْهَة فِي أَنه لَيْسَ للعامي أَن يستفتي من يَظُنّهُ غير عَالم وَلَا متدين بل يجوز لَهُ أَن يستفتي كل من يرى مِمَّن لَا يَظُنّهُ عَالما وَإِنَّمَا أَخذ عَلَيْهِ هَذَا الْقدر من الظَّن لِأَنَّهُ مُمكن لَهُ كَمَا أَن الِاجْتِهَاد فِي الْأَدِلَّة مُمكن للْعَالم
فَأَما مَا يجب على الْعَاميّ إِذا أفتاه أهل الِاجْتِهَاد فَهُوَ أَنهم إِن اتَّفقُوا وَجب على المستفتي الْمصير إِلَى الْفَتْوَى الَّتِي اتَّفقُوا عَلَيْهَا وَإِن اخْتلفُوا وَجب عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد فِي أعلمهم وأدينهم لِأَن ذَلِك طَرِيق قُوَّة ظَنّه وهم مُمكن لَهُ فَجرى مجْرى قُوَّة ظن الْمُجْتَهد فِي الْمسَائِل
وَقد حُكيَ عَن قوم أَنهم أسقطوا عَنهُ الِاجْتِهَاد وَهُوَ ظَاهر لِأَن الْعلمَاء فِي كل عصر لَا يُنكرُونَ على الْعَامَّة ترك النّظر فِي أَحْوَال الْعلمَاء فان اجْتهد فِي أحدهم فَاسْتَوَى عِنْده علمهمْ وَدينهمْ كَانَ مُخَيّرا فِي الْأَخْذ بِأَيّ أقاويلهم شَاءَ فأيها اخْتَارَهُ وَجب عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعضهم بِقبُول قَوْله أولى من بعض وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه إِذا جَازَ لَهُ أَن يخْتَار الْإِبَاحَة مَتى شَاءَ وَأَنه إِن اخْتَار الْأَخْذ بالحظر كَانَ لَهُ الْعُدُول عَنهُ إِلَى الْإِبَاحَة فقد صَار الْفِعْل مُبَاحا لِأَنَّهُ لَو تَركه مَتى شَاءَ وَلَيْسَ لَهُ وَالْحَال هَذِه أَن يعْتَقد حظره
وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة إنَّهُمَا إِذا تَسَاويا لم يكن لَهُ الْأَخْذ بالأخف من الْأَقَاوِيل طلبا مِنْهُ للتَّخْفِيف وَلقَائِل أَن يَقُول لَهُ ذَلِك لِأَن المفتيين إِذا اسْتَويَا صَار الأخف رخصَة وَاحْتج من أوجب الْأَخْذ بأثقل الْقَوْلَيْنِ بِمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْحق ثقيل مريء وَالْبَاطِل خَفِيف وبيء وَالْجَوَاب إِن هَذَا الْخَبَر من أَخْبَار الْآحَاد وَلَيْسَ فِيهِ ايضا إِن الْحق أثقل من كل ثقيل وَإِنَّمَا يدل على أَن الْحق ثقيل ولأنا نَحن نقُول بذلك لِأَنَّهُ مُخَالف للشهوة على أَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا عَنى أَن الْبَاطِل فِي الْغَالِب خَفِيف لِأَن الْعِبَادَات من النَّصَارَى والهند بَاطِلَة
[ ٢ / ٣٦٤ ]
أَكْثَرهَا وَهِي ثَقيلَة جدا فان غلب على ظَنّه أَنَّهُمَا وَإِن كَانَا من أهل الدّين متساويان فِي الْعلم وَأَحَدهمَا أدين فَالْوَاجِب عَلَيْهِ اتِّبَاع الأدين لِأَن الثِّقَة بِهِ اقوى وَإِن تَسَاويا فِي الدّين وتفاضلا فِي الْعلم فَذكر فِي الْعمد أَن قوما جوزوا لَهُ تَقْلِيد الأنقص فِي الْعلم وَهَذَا القَوْل يسْقط عَنهُ الِاجْتِهَاد فِي أعلمهما إِذْ كَانَ لَو تبين لَهُ أعلمهما كَانَ لَهُ الْعُدُول عَنهُ وَقَالَ فِي شَرحه لَيْسَ لَهُ الْأَخْذ إِلَّا بقول الأعلم لِأَن النَّفس إِلَيْهِ أسكن وَجرى التَّفَاضُل فِي الْعلم مجْرى التَّفَاضُل فِي الدّين فَأَما إِن كَانَا عَالمين دينين وَكَانَ أدينهما أنقصهما علما يحْتَمل أَن يُقَال إنَّهُمَا سَوَاء وَالْأولَى أَن يرجح قَول الأعلم لزيادته فِيمَا يعين على الِاجْتِهَاد وَالْوُقُوف على الصَّوَاب وَمثل هَذَا النَّصْر لَا يخفى على الْعَوام لِأَنَّهُ كتدبير الدُّنْيَا فَلم يسْقط عَنْهُم - ﷺ َ - بَاب فِي أَنه لَيْسَ للعامي أَن يُقَلّد فِي أصُول الدّين - ﷺ َ -
منع أَكثر الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء من التَّقْلِيد فِي التَّوْحِيد وَالْعدْل والنبوات واباح قوم من اصحاب الشَّافِعِي أَن يُقَلّد فِي ذَلِك وَلم يَخْتَلِفُوا فِي انه لَيْسَ لَهُ أَن يُقَلّد فِي أصُول الشَّرِيعَة كوجوب الصَّلَاة وأعداد ركعاتها
وَالدّلَالَة على الْمَنْع من ذَلِك هِيَ أَن الْمُكَلف مَأْخُوذ عَلَيْهِ الْعلم بِهَذِهِ الْأُمُور والمقلد لَيْسَ بعالم لِأَنَّهُ يجوز خطأ من يقلده وَلِأَن من أَبَاحَهُ ذَلِك وَأوجب عَلَيْهِ الْمعرفَة بأصول الدّين والشريعة فقد نَاقض لِأَن الْمعرفَة بِوُجُوب الصَّلَاة وَالصِّيَام لَا تصح إِلَّا مَعَ الْمعرفَة بِصدق من جَاءَ بهما فان قلد فِي صدقه فقد قلد فِي وجوب كل مَا أخبر بِوُجُوبِهِ وَإِن جَازَ أَن يعلم صدقه بالتقليد جَازَ أَن يعلم أصُول الشَّرِيعَة بالتقليد
[ ٢ / ٣٦٥ ]
- ﷺ َ - بَاب فِي الْمُجْتَهد هَل لَهُ أَن يُقَلّد غَيره من الْمُجْتَهدين كالصحابي وَغَيره - ﷺ َ -
قَالَ أَبُو عَليّ لَهُ أَن يَأْخُذ بقول الْوَاحِد من الصَّحَابَة وَإِن كَانَ فِي الصَّحَابَة من يُخَالِفهُ فان حصل لقَوْل بَعضهم مزية أَخذ بِهِ وَإِن تساووا كَانَ الْمُجْتَهد مُخَيّرا وَحكى قَاضِي الْقُضَاة أَن الأولى أَن يجْتَهد الْمُجْتَهد وَيعْمل على اجْتِهَاده فان خَالف الصَّحَابِيّ جَازَ وَحكي عَن مُحَمَّد بن الْحسن أَنه جعل الْأُصُول أَرْبَعَة ذكر مِنْهَا إِجْمَاع الصَّحَابَة واختلافها فَجعل الِاخْتِلَاف من الْأُصُول تَقْتَضِي جَوَاز الْأَخْذ بالْقَوْل الْمُخْتَلف فِيهِ وَذكر الشَّافِعِي فِي رسَالَته الْقَدِيمَة جَوَاز تَقْلِيد الصَّحَابَة وَرجح قَول الْأَئِمَّة مِنْهُم وَمنع أَكثر الْفُقَهَاء الْمُجْتَهدين من ذَلِك وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز تَقْلِيد الْعَالم من هُوَ أعلم مِنْهُ من الصَّحَابَة وَغَيرهم فجوز ذَلِك مُحَمَّد بن الْحسن وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا جَوَازه وَالْأُخْرَى الْمَنْع مِنْهُ وَأَجَازَ ابْن سُرَيج تَقْلِيد الْعَالم من هُوَ أعلم مِنْهُ إِذا تعذر عَلَيْهِ وَجه الِاجْتِهَاد وَأكْثر الْفُقَهَاء يمْنَعُونَ من تَقْلِيد الْعَالم من هُوَ أعلم مِنْهُ
وَقد احْتج للْمَنْع من ذَلِك بأَشْيَاء
مِنْهَا أَنه لَو جَازَ لغير الصَّحَابَة من الْمُجْتَهدين تَقْلِيد الصَّحَابَة جَازَ لبَعْضهِم تَقْلِيد بعض وَلَو جَازَ ذَلِك لم يكن لمناظرتهم فِي الْمسَائِل فَائِدَة وَالْجَوَاب إِن من النَّاس من يجوز لغير الصَّحَابَة من الْمُجْتَهدين أَن يُقَلّد بَعضهم بَعْضًا وَيَقُول الْفَائِدَة فِي اجتهادهم فِي الْمَسْأَلَة أَن الِاجْتِهَاد وَالْعَمَل بِحَسبِهِ أولى من التَّقْلِيد وَلَا يمْتَنع أَيْضا أَن يجوز لغَيرهم تقليدهم وَيجب عَلَيْهِم الفحص وَالنَّظَر مَعَ ذَلِك
وَمِنْهَا أَن الصَّحَابَة كَانَت تتْرك آراءها لخَبر تسمعه عَن النَّبِي ﷺ فبأن يجب على غَيرهم الْعَمَل بالْخبر وبترك رَأْي الصَّحَابِيّ أولى وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الصَّحَابَة كَانَت تتْرك آراءها للْخَبَر إِذا كَانَ صَرِيحه بِخِلَاف رأيها وَإِذا تغير اجتهادها بسماعها وَالنَّظَر فِيهِ وَهَكَذَا يلْزم غَيرهَا لِأَنَّهُ لَا يجوز مَعَ أَن رَأْي
[ ٢ / ٣٦٦ ]
الْمُجْتَهدين بِخِلَاف قَول الْوَاحِد من الصَّحَابَة أَن يتْرك اجْتِهَاده وَيصير إِلَى قَول الْوَاحِد وَإِنَّمَا يجوز لَهُ الْأَخْذ بقول الْوَاحِد من الصَّحَابَة مَعَ الْخَبَر إِذا احْتمل الْخَبَر الِاجْتِهَاد وَلم يجْتَهد فِيهِ فَلَا يمْتَنع أَن يصير إِلَى قَول الْوَاحِد من الصَّحَابَة وَيجب على ذَلِك الْوَاحِد أَن يجْتَهد كَمَا نقُوله فِي التَّابِعين مَعَ إِجْمَاع الصَّحَابَة
وَمِنْهَا أَن الْمُجْتَهد مُتَمَكن من الِاجْتِهَاد لتكامل الْآيَة فَلم يجز مَعَ تمكنه من الْعَمَل بِاجْتِهَادِهِ أَن يصير إِلَى قَول غَيره كَمَا لم يجز أَن يصير إِلَى قَول غَيره فِي العقليات لما تمكن من النّظر وَالِاسْتِدْلَال عَلَيْهَا وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا لم يجز التَّقْلِيد فِي العقليات لِأَن الْمَطْلُوب مِنْهَا الْعلم وَالْعلم لَا يحصل بالتقليد لتجويزنا خطأ من يقلده وَالْغَرَض بمسائل الِاجْتِهَاد الْعَمَل التَّابِع للظن وَقد يحصل الظَّن بتقليد الْعَالم فَلَا يمْتَنع أَن يرد التَّعَبُّد بِهِ وعَلى أَن إحالتهم ذَلِك إِمَّا أَن يكون بِالسَّمْعِ وَلَيْسَ فِي السّمع مَا يحِيل ذَلِك وَإِن كَانَ فِيهِ مَا يحِيل ذَلِك فَهُوَ الدَّلِيل لَا مَا ذَكرُوهُ الْآن أَو بِالْعقلِ وَمَعْلُوم أَن الْعقل لَا يجوز التَّعَبُّد بذلك لِأَن الْعَمَل بِحَسب الِاجْتِهَاد مصلحَة لغيره من الْمُجْتَهدين كَمَا هُوَ مصلحَة للعامي وكما أَن تَقْلِيد الْمُجْتَهدين مصلحَة لغَيرهم
وَمِنْهَا أَن الْمُجْتَهد لَو أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى خلاف قَول من هُوَ أعلم مِنْهُ صَحَابِيّ أَو غَيره لما جَازَ ترك رَأْيه وَالْأَخْذ بِرَأْي الأعلم فَيجب أَن لَا يجوز لَهُ ذَلِك وَإِن لم يجْتَهد لِأَنَّهُ لَا يَأْمَن لَو اجْتهد أَن يُؤَدِّيه اجْتِهَاده إِلَى خلاف ذَلِك القَوْل وَلقَائِل أَن يَقُول لَا يمتنه أَن تكون مصْلحَته إِذا اجْتهد الْعَمَل على مَا يُؤَدِّيه إِلَيْهِ اجْتِهَاده وَإِن لم يجْتَهد كَانَ الْأَخْذ بِمَا يختاره من أقاويل السّلف مصلحَة أَلا ترى أَنه يجوز وُرُود التَّعَبُّد بذلك وعَلى أَن هَذَا يمْنَع من تَقْلِيد الْعَاميّ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَن لَو فعل مَا يتَمَكَّن بِهِ من التفقه ثمَّ اجْتهد أَن يُؤَدِّيه اجْتِهَاده إِلَى خلاف قَول من قَلّدهُ
وَمِنْهَا أَن الْمُجْتَهد يتَمَكَّن من الْوُقُوف على الحكم بِاجْتِهَادِهِ فَلم يجز لَهُ الْعُدُول عَن ذَلِك إِلَى مَا هُوَ أنقص مِنْهُ كَمَا لَا يجوز للمتمكن من الْعلم الْعُدُول
[ ٢ / ٣٦٧ ]
عَنهُ إِلَى الظَّن وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْعقل لَا يمْنَع من أَن تكون مصلحَة المتمكن من الْعلم الْعَمَل على ظَنّه فَالْأَصْل غير مُسلم وَيبْطل مَا ذَكرُوهُ بالعامي إِذا تمكن من التفقه حَتَّى يصير من أهل الِاجْتِهَاد وكل هَذِه الْوُجُوه يحِيل وُرُود التَّعَبُّد بتقليد الْمُجْتَهدين وَقد بَينا أَن الْعقل لَا يحِيل ذَلِك
وَالْوَجْه الصَّحِيح فِي الْمَسْأَلَة هُوَ أَن يُقَال إِن اجْتِهَاد الْمُجْتَهد وَعَمله بِحَسب اجْتِهَاده متعبد بِهِ لِأَنَّهُ بذلك يكون مُطيعًا لله تَعَالَى لِأَن الله تَعَالَى مَا نصب الأمارة إِلَّا وَقد أَرَادَ من الْمُجْتَهد أَن يجْتَهد فِيهَا وَلَيْسَ بعض الْمُجْتَهدين بذلك أولى من بعض وَلَيْسَ يجوز إِثْبَات بدل لهَذَا المُرَاد المتعبد بِهِ إِلَّا لدلَالَة عقليه أَو سمعية وَلَا دَلِيل يدل عَلَيْهِ فَوَجَبَ نَفْيه وَهَذَا إِنَّمَا يَصح إِذا أُجِيب عَن شبه الْمُخَالفين
وَقد احْتَجُّوا بِوُجُوه
مِنْهَا قَول النَّبِي ﷺ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَقَوله عَلَيْك بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين بعدِي وَقَوله اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر وَقَوله ضرب الله بِالْحَقِّ على لِسَان عمر وَقَلبه وَقَوله الْحق بعدِي مَعَ عمر وَقَوله اللَّهُمَّ أدر الْحق مَعَ عَليّ حَيْثُ مَا دَار فَالْجَوَاب إِن هَذِه أَخْبَار آحَاد لَا يسْتَدلّ بهَا على الْعلم على أَن قَوْله بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَقَوله عَلَيْكُم بِسنتي وَقَوله اقتدوا باللذين من بعدِي خطاب مُوَاجهَة لمن فِي ذَلِك الْعَصْر مِمَّن لَيْسَ بصحابي أَن يتبع الصَّحَابَة وَمن لم يكن صحابيا فِي ذَلِك الْعَصْر فَلَيْسَ من أهل الِاجْتِهَاد فَجَاز لَهُ أَن يُقَلّد وَقد نبه بذلك على أَن غَيرهم من أهل الْأَعْصَار من الْعَامَّة يجوز أَن يُقَلّد علماءه على أَن قَوْله بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ وَقَوله اقتدوا باللذين لَيْسَ بِعُمُوم فِي وُجُوه الِاقْتِدَاء فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ الِاقْتِدَاء بهم فِي روايتهم لِأَنَّهُ يُقَال لمن اتبع رِوَايَة غَيره إِنَّه قد اقْتدى بِهِ إِي اقْتدى بروايته وَصدق حَدِيثه على أَن قَوْله ﷺ عَلَيْك بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء يُفِيد
[ ٢ / ٣٦٨ ]
وجوب الْأَخْذ بِسنة الْخُلَفَاء وَلَيْسَ أحد يُوجب ذَلِك إِلَّا على الْعَاميّ إِذا لم يجد غَيرهم مِمَّن يفتيه فَعلمنَا أَن لَيْسَ المُرَاد بِهِ الْفَتْوَى وَقَوله الْحق بعدِي مَعَ عمر وَقَوله اللَّهُمَّ أدر الْحق مَعَ عَليّ يدل على أَن قَوْلهمَا حق وصواب والقائلون بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب لَا يأبون ذَلِك وَكثير مِنْهُم يمْنَع الْعَالم من تقليدهما
وَمِنْهَا أَن بعض الصَّحَابَة كَانَ يرجع إِلَى قَول بعض عِنْد سَمَاعه من غير أَن يسْأَله عَن دَلِيله نَحْو مَا رُوِيَ أَن عمر رَجَعَ إِلَى قَول عَليّ ومعاذ وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد من السّلف وَبَايع عبد الرَّحْمَن عُثْمَان على اتِّبَاع سنة ابي بكر وَعمر وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن يكون تنبه عمر على وَجه قَول عَليّ ومعاذ عِنْد سَمَاعه أَو خطر بِهِ وَجه قَوْلهمَا من غير أَن ينبهه قَوْلهمَا على ذَلِك وَقد يفهم الْحَاضِرُونَ ذَلِك فلحسن ظن الصَّحَابَة بعمر صرفُوا أمره إِلَى ذَلِك فَلم ينكروا عَلَيْهِ يبين ذَلِك أَن الْإِنْسَان إِذا تردد بَين رأيين فِي الْحَرْب ثمَّ صمم على أَحدهمَا فَقَالَ لَهُ قَائِل لَيْسَ هَذَا بصواب بل الصَّوَاب كَذَا وَكَذَا فَقَالَ لَهُ صدقت فهم الْحَاضِرُونَ أَنه إِنَّمَا صدقه لِأَنَّهُ إِنَّمَا تنبه على وَجه الرَّأْي إِمَّا من ذَلِك الْكَلَام أَو من غَيره وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا عملت الصَّحَابَة بِخَبَر مَرْوِيّ عَن النَّبِي ﷺ لِأَن الْعَادة تَقْتَضِي أَنهم إِنَّمَا عمِلُوا لأجل الْخَبَر لَا أَنهم تنبهوا على وَجه الِاجْتِهَاد لأَنهم إِنَّمَا يسْأَلُون عَن الْأَخْبَار ليعملوا بهَا وَالْعَادَة فِي الْعلمَاء أَن يسْأَل بَعضهم بَعْضًا لَا ليعْمَل على قَوْله لَكِن ليتنبه على وَجه القَوْل يبين ذَلِك أَن وَكيلا فِي ضَيْعَة إِذا اشتبهت عَلَيْهِ أمورها فَقَالَ أَيّكُم سمع من موكلي فِي هَذَا شَيْئا فَقَالَ قَائِل سَمعه يَقُول كَذَا وَكَذَا فَعمل الْوَكِيل على ذَلِك علم الْحَاضِرُونَ أَنه إِنَّمَا عمل على مَا حُكيَ لَهُ لَا على الِاجْتِهَاد وَلَيْسَ كَذَلِك لَو ترك بِرَأْيهِ وَصوب رَأْي غَيره مَعَ أَنه من أهل الرَّأْي والحزم
وَمِنْهَا أَن قَول الْمُجْتَهد صَوَاب وكل صَوَاب جَائِز اتِّبَاعه وَالْجَوَاب إِن الْقَائِلين بِأَن الْحق فِي وَاحِد لَا يسلمُونَ أَن كل مُجْتَهد محق والقائلون بِأَن
[ ٢ / ٣٦٩ ]
كل مُجْتَهد مُصِيب يَقُولُونَ كل قَول كَانَ حَقًا وصوابا من قَائِل فَلَيْسَ يجب أَن يكون حَقًا وصوابا من غَيره أَلا ترى أَنه لَيْسَ بصواب مِمَّن أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى خِلَافه
فاذا ثَبت ذَلِك فَمن قَالَ أَنه لَا يجوز للمجتهد أَن يُقَلّد الصَّحَابِيّ فانه لَا يجوز تَخْصِيص عُمُوم الْقُرْآن وَالسّنة بذلك إِذْ لَيْسَ هُوَ حجَّة وَمن أجَاز للمجتهد تَقْلِيده فَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَنه يلْزمه جَوَاز تَخْصِيص الْعُمُوم بِهِ لِأَنَّهُ قد جعله حجَّة وَلَيْسَ يظْهر ذَلِك لِأَن لَهُم أَن يَقُولُوا إِنَّمَا نجوز للمجتهد تَقْلِيد الْوَاحِد من السّلف إِذا لم يظْهر عُمُوم بِخِلَافِهِ فان ظهر ذَلِك لم يجز تَخْصِيصه بقول وَاحِد من السّلف - ﷺ َ - بَاب القَوْل فِي إِصَابَة الْمُجْتَهدين - ﷺ َ -
اعْلَم أَنا لما تكلمنا فِي حمل الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة وَفِي كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بهَا واجتهاد الْمُجْتَهدين فِيهَا وَجب أَن نتكلم فِي إصابتهم واجتهادهم وَذَلِكَ يتَضَمَّن أبوابا مِنْهَا ذكر اخْتِلَاف النَّاس فِي أَن كل مُجْتَهد مُصِيب وَمَا الَّذِي كلف الله الْمُجْتَهد وَمِنْهَا هَل دلّ الدَّلِيل على ذَلِك أم لَا وَمِنْهَا الْأَشْبَه وَالْقَوْل فِيهِ وَمِنْهَا الْفرق بَين مسَائِل الِاجْتِهَاد وَمَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَمِنْهَا أَنه لَا يجوز أَن يكون المجتهدون فِي الْأُصُول على اخْتلَافهمْ مصيبين وَنحن نأتي على هَذِه الْأَبْوَاب على هَذَا التَّرْتِيب بعون الله وَحسن توفيقه إِن شَاءَ الله تَعَالَى - ﷺ َ - بَاب فِي ذكر اخْتِلَاف النَّاس فِي أَن كل مُجْتَهد فِي الْفُرُوع مُصِيب - ﷺ َ -
اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَ أَبُو الْهُذيْل وابو عَليّ وابو هَاشم إِن كل مُجْتَهد فِي الْفُرُوع مُصِيب فِي اجْتِهَاده وَفِي حكمه الَّذِي اداه إِلَيْهِ اجْتِهَاده وَقد
[ ٢ / ٣٧٠ ]
حُكيَ ذَلِك عَن أبي حنيفَة وَحَكَاهُ عَن الشَّافِعِي بعض أَصْحَابه وَهُوَ ظَاهر قَوْله فِي بعض الْمَوَاضِع لِأَنَّهُ قَالَ إِن كل مُجْتَهد قد أدّى مَا كلف وَقَالَ الْأَصَم وَابْن عَلَيْهِ وَبشر المريسي إِن المحق من الْمُجْتَهدين وَاحِد وَمن عداهُ مخطىءفي اجْتِهَاده وَفِيمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَاده وَقَالُوا إِن على الْحق دَلِيلا يعلم بِهِ الْمُسْتَدلّ أَنه قد وصل إِلَى الْحق وَيجب نقض الحكم بِمَا خَالف الْحق وَقَالَ غَيرهم مِمَّن قَالَ بِهَذِهِ الْمقَالة على الْحق دَلِيل وَإِن الْمُجْتَهد يعْتَقد أَنه قد أَصَابَهُ فِي الظَّاهِر دون الْبَاطِن وَقد حكى بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي ذَلِك عَن الشَّافِعِي وَحكى بَعضهم عَن أبي حنيفَة أَيْضا أَنه قَالَ الْحق فِي الْوَاحِد وَمن النَّاس من قَالَ إِن مَا عدا المحق من الْمُجْتَهدين مُصِيب فِي اجْتِهَاده مخطىء فِي الحكم وهم الْقَائِلُونَ بالأشبه لأَنهم جعلُوا أشبه عِنْد الله قَالُوا وَهُوَ مَطْلُوب الْمُجْتَهد قَالُوا وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَو نَص الله على الحكم لنَصّ عَلَيْهِ وَلَا شُبْهَة فِي أَن ذَلِك الْأَشْبَه هُوَ وَاحِد مَا عداهُ خطأ وَقَالُوا مَا كلف الْإِنْسَان أَصَابَهُ الْأَشْبَه وَحكي عَن مُحَمَّد القَوْل بالأشبه وَحَكَاهُ سُفْيَان بن سحبان عَن ابي حنيفَة وَحكى قوم عَنهُ أَن الْمُجْتَهد مخطىء خطأ مَوْضُوعا عَنهُ وَقد حُكيَ القَوْل بالأشبه عَن ابي عَليّ لِأَنَّهُ قَالَ لَا يمْتَنع أَن يكون الْفَرْع بِبَعْض الْأُصُول اشبه عَنهُ الله ويمر فِي كَلَامه مثل قَول ابي هَاشم وَعَن الشَّافِعِي أَن فِي كل مَسْأَلَة ظَاهرا وإحاطة وكلف الْمُجْتَهد الظَّاهِر وَلم يُكَلف الْإِحَاطَة وَعنهُ إِن فِي كل حَادِثَة مَطْلُوبا معينا وَلم يُكَلف الْمَرْء إِصَابَته
وَلم يخْتَلف الْقَائِلُونَ بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب مِمَّن قَالَ بالأشبه أَنه مَا كلف الْمَرْء إِصَابَة الْأَشْبَه وَإِنَّمَا كلف الِاجْتِهَاد وَالْعَمَل عَلَيْهِ وَلم يقل أحد أَن الْمُجْتَهد مخطىء فِي اجْتِهَاده مُصِيب فِي الحكم لِأَن من أَخطَأ فِي الِاجْتِهَاد وَقصر فِيهِ لَو قَالَ بِالْحَقِّ اتِّفَاقًا من غير طَريقَة كَانَ قَوْله خطأ لِأَنَّهُ كمن قَالَ تنحيتا من غير نظر أصلا
[ ٢ / ٣٧١ ]
فَصَارَ محصول هَذَا الِاخْتِلَاف هُوَ أَن من النَّاس من قَالَ كل اجْتِهَاد الْمُجْتَهدين صَوَاب وَمِنْهُم من قَالَ إِن الصَّوَاب مِنْهُ وَاحِد وَمَا عداهُ خطأ وَاخْتلف من قَالَ كل وَاحِد صَوَاب فَمنهمْ من قَالَ احكام تِلْكَ الاجتهادات كلهَا صَوَاب أَيْضا وَمِنْهُم من قَالَ إِن الْوَاحِد مِنْهُ صَوَاب وَهُوَ الْأَشْبَه وَالْبَاقِي خطأ وَاخْتلف من قَالَ إِن الْوَاحِد مِنْهَا صَوَاب هَل على ذَلِك الْحق دَلِيل أم لَا فَقَالَ قوم عَلَيْهِ دَلِيل يعلم أَنه وصل إِلَيْهِ فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَقَالَ قوم عَلَيْهِ دَلِيل يعلم أَنه موصل إِلَيْهِ فِي الظَّاهِر دون الْبَاطِن
وَلَك أَيْضا أَن تَقول اخْتلف النَّاس فِي أَحْكَام الْمُجْتَهدين فِي الْفُرُوع فَقَالَ قوم جَمِيع مَا حكم بِهِ على اختلافه صَوَاب وَقَالَ آخَرُونَ الْوَاحِد مِمَّا يحكم بِهِ صَوَاب دون مَا عداهُ وَلم يخْتَلف من قَالَ كل أحكامهم صَوَاب فِي أَن اجتهادهم كُله صَوَاب وَاخْتلف من قَالَ إِن الْوَاحِد من أحكامهم صَوَاب فِي أَن اجتهادهم كُله صَوَاب وَاخْتلف من قَالَ إِن الْوَاحِد من أحكامهم صَوَاب وَالْبَاقِي خطأ هَل اجتهادهم كُله صَوَاب أَو الْوَاحِد مِنْهُ صَوَاب فَقَط
فَهَذِهِ جملَة اخْتِلَاف النَّاس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَاعْلَم أَنه يَنْبَغِي أَن يعلم مَا الَّذِي كلف الْمُجْتَهد حَتَّى يَصح أَن ينظر هَل جَمِيع الْمُجْتَهدين قد أَصَابُوا أم لَا - ﷺ َ - بَاب فِيمَا كلف الْمُجْتَهد فعله - ﷺ َ -
اعْلَم أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي ذَلِك فَقَالَت طَائِفَة كلف الْمُجْتَهد فِي الْفُرُوع إِصَابَة دَلِيل قَاطع وَأَن يعْمل بِحَسبِهِ وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا كلف الْعَمَل بِحَسب الأمارة لَا بِحَسب الدّلَالَة وَلَيْسَ على أَعْيَان الْفُرُوع أَدِلَّة وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَقَالَ بَعضهم كل اقاويل الْمُجْتَهدين فِي الْفُرُوع صَوَاب وَقَالَ آخَرُونَ لَيْسَ كل اقاويلهم صَوَابا وَاخْتلف من قَالَ كل أقاويلهم صَوَاب فَقَالَ بَعضهم فِي
[ ٢ / ٣٧٢ ]
الْمَسْأَلَة أشبه مَطْلُوب وَهُوَ حكم لَو نَص الله تَعَالَى فِي الْمَسْأَلَة لنَصّ عَلَيْهِ وَنفى الْبَاقُونَ هَذَا الْأَشْبَه وَقَالُوا لَيْسَ مَطْلُوب الْمُجْتَهد إِلَّا الظَّن للأمارة ليعْمَل على حسب ظَنّه وَنحن نبين أَنه يلْزم الْمُجْتَهد أَن يجْتَهد لظن أقوى الأمارات أَو لظن تعَارض الأمارات إِن جَازَ أَن تتعارض ثمَّ نبين أَنه إِذا ظن قُوَّة إِحْدَى الأمارات لَا يجوز لَهُ فِي تِلْكَ الْحَال أَن يعْمل على أَضْعَف الأمارات فِي نَفسه فالدلالة على أَنه يلْزمه الِاجْتِهَاد ليظن الأمارة الْأَقْوَى أَو يظنّ تعَارض الأمارات هِيَ أَن الْمُجْتَهد طَالب فإمَّا أَن يطْلب بِاجْتِهَادِهِ الظفر بِدَلِيل أَو أَمارَة فَلَيْسَ يجوز أَن يكون طلبه الظفر بِدَلِيل لِأَن من يَقُول على الْفُرُوع أَدِلَّة لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَعْنِي بذلك أَن أَعْيَان الْفُرُوع تتناولها أَدِلَّة وَإِمَّا أَن يَعْنِي بِهِ أَن الأمارات وَإِن تناولت الْفُرُوع فالأدلة دَالَّة على وجوب الْعَمَل على تِلْكَ الأمارات فان عَنى الثَّانِي فَهُوَ قَوْلنَا وَإِن عَنى الأول فَهُوَ فَاسد لِأَن أَكثر الْفُرُوع لَيْسَ عَلَيْهَا نُصُوص قُرْآن وَلَا أَخْبَار متواترة وَلَا إِجْمَاع وَإِنَّمَا تتناولها أَخْبَار آحَاد ومقاييس مظنونة الْعِلَل وَكثير من الْفُرُوع وَإِن تناولتها الايات فانه لما كَانَت تِلْكَ الْآيَات تعارضها أَخْبَار آحَاد ومقاييس تخصصها صَارَت تِلْكَ الْفُرُوع من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَصَارَ طريقها الظَّن فصح أَنه لَيْسَ يطْلب الْمُجْتَهد فِي الْفُرُوع الظفر بالأدلة وَلَيْسَ بعد ذَلِك إِلَّا أَنه يطْلب الظفر بالأمارة وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يجب عَلَيْهِ أَن يجْتَهد ويبذل مجهوده ليغلب على ظَنّه الأمارة الْأَقْوَى أَو لَا يجب عَلَيْهِ ذَلِك بل يجوز لَهُ أَن يقْتَصر على أول خاطر وَقد أجمع أهل الِاجْتِهَاد أَنه لَيْسَ لَهُ ذَلِك بل يَنْبَغِي أَن يستفرغ جهده ليغلب على ظَنّه أَن الأمارة أقوى من غَيرهَا أَو أَن الأمارات متعارضة إِن جَازَ ذَلِك وَأَجْمعُوا على أَنه لَا يجوز إِذا غلب على ظَنّه أَن الأمارة أقوى من غَيرهَا أَن لَا يعْمل عَلَيْهَا وَأَن يعْمل على الأمارات الأضعف فِي ظَنّه وَلِأَن أَضْعَف الأمارتين تجْرِي مَعَ أقواهما مجْرى الأمارة مَعَ الدّلَالَة وَإِن غلب على ظَنّه تعَارض الأمارات وَجَاز ذَلِك كَانَ مُخَيّرا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَن يحكم باحداهما أولى من الْأُخْرَى
[ ٢ / ٣٧٣ ]
فان قيل فَمَا معنى قَوْلكُم إِن الأمارة اقوى من غَيرهَا وأشبه بِأَن يعلق الحكم عَلَيْهَا قيل قَوْلنَا أشبه قد يُرَاد بِهِ كَثْرَة الشّبَه وَيُرَاد بِهِ معنى الأولى مِثَال الأول قَوْلنَا زيد أشبه بِعَمْرو مِنْهُ بِخَالِد وَمِثَال الثَّانِي قَوْلنَا هَذَا الحكم أشبه ان يكون مرَادا لله تَعَالَى أَي هُوَ الأولى والأقوى ومثاله فِي الأمارات قَوْلنَا هَذِه الْعلَّة اشبه أَن يعلق بهَا الحكم وَأَن تكون عِلّة الحكم أَي كَونهَا عِلّة أولى من كَون غَيرهَا عِلّة لقوتها فِي نَفسهَا
فان قيل لم قُلْتُمْ فِي الأمارات مَا هُوَ أشبه بِأَن يتَعَلَّق بِهِ الحكم من غَيره قيل لَهُم لِأَن فِي الْعِلَل مَا يخْتَص بِنَوْع من التَّرْجِيح لَا يخْتَص بِهِ غَيره من الْعِلَل وَمَا يتَرَجَّح على غَيره فانه يكون أولى وأشبه بِأَن يكون عِلّة الحكم فان قيل كَون الْعلَّة أشبه يرجع إِلَى ظننا أَنَّهَا أولى بِأَن يتَعَلَّق الحكم بهَا أَو إِلَى قُوَّة الأمارة الدَّالَّة على أَن الحكم يتَعَلَّق بهَا قيل إِن أُرِيد أَن الْمُجْتَهد يظنّ أَن الأمارة فِي نَفسهَا أقوى فَكَذَلِك نقُول وَإِن أُرِيد أَن كَون الأمارة أولى هُوَ ظننا فَذَلِك بَاطِل لِأَن كَونهَا أولى رَاجع إِلَيْهَا وَهُوَ مظنون الظَّن ومدلول الأمارة أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ ظننا الْعلَّة أولى والأمارة دلّت على أَن الْعلَّة أولى وَلَا يجوز أَن يكون مظنون الظَّن هُوَ الظَّن وَلَا مَدْلُول الأمارة هُوَ الأمارة وَأَيْضًا فان الظَّن لكَون الْوَصْف عِلّة إِنَّمَا يقوى لقُوَّة أمارته وَقد أقرّ السَّائِل أَن الأمارة الدَّالَّة على صِحَة الْعلَّة تكون أقوى والأمارة إِذا كَانَت أقوى اقْتَضَت كَون مدلولها أقوى وَأولى بالثبوت فَإِن قَالُوا قُوَّة الأمارة للأمارة الاخرى ترجع إِلَى قُوَّة أَمارَة أُخْرَى يُقَال لَهُم لَو دلّت على هَذِه الأمارة أَمارَة أُخْرَى أدّى ذَلِك إِلَى أَمَارَات لَا نِهَايَة لَهَا وَأَيْضًا فان الأمارة الدَّالَّة على صِحَة الْعلَّة رَاجع إِلَيْهَا نَحْو وجود الحكم عِنْد وجودهَا وارتفاعه عِنْد ارتفاعها وَنَحْو كَون الْوَصْف مؤثرا فِي جنس ذَلِك الحكم فِي الاصول كالبلوغ الْمُؤثر فِي رفع الْحجر عَن المَال وَجَمِيع مَا يرجح بِهِ الْعلَّة يرجع إِلَيْهَا وَيتَعَلَّق بهَا من نَحْو كَونهَا مستنبطة من أصل مَعْلُوم الحكم أَو كَونهَا ثَابِتَة بتنبيه
[ ٢ / ٣٧٤ ]
النَّص إِلَى غير ذَلِك وَكَذَلِكَ تَرْجِيح خبر ثِقَة على خبر ثِقَة بِكَوْنِهِ أضبط وَأعرف بِالْقَصْدِ وَأَشد تدينا وتوقيا تَرْجِيح لَا يرجع إِلَى الظَّن بل يرجع إِلَى الأمارة وَيتَعَلَّق بهَا فان قيل أَلَيْسَ قد تتساوى العلتان فِي وُجُوه التَّرْجِيح فَلَا تفضل إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى قيل إِن صَحَّ ذَلِك كَانَ العَبْد فِيهَا مُخَيّرا وَلم يمْنَع ذَلِك كَون بعض الْعِلَل أوضح وَأقوى من غَيرهَا
وَإِذ قد بَينا أَن الْمُجْتَهد قد كلف أَن يظنّ الأمارة الْأَقْوَى وَيعْمل عَلَيْهَا فلننظر هَل يجوز أَن يكون الظَّن الَّذِي كلفه المجتهدون أَكثر من وَاحِد فَيجوز أَن يكون الْحق أَكثر من وَاحِد وكل مُجْتَهد مُصِيب أم لَا يجوز أَن يكون الظَّن الَّذِي كلفوه إِلَّا وَاحِدًا فَيمْتَنع أَن يكون كل مُجْتَهد مصيبا بل يكون الْحق وَاحِدًا فَقَط - ﷺ َ - بَاب فِي أَن إِصَابَة الْمُجْتَهدين فِي الْفُرُوع على اخْتلَافهمْ جَائِز غير مُمْتَنع - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْمُجْتَهدين إِذا اخْتلفُوا فِي الْأَحْكَام التابعة للأمارات كَانَ يجوز أَن تدل دلَالَة على أَن جَمِيعهم مصيبون لما كلفوه عِنْد كثير من النَّاس وَمنع آخَرُونَ من جَوَاز ذَلِك
وَاسْتدلَّ مانعو ذَلِك بأَشْيَاء
مِنْهَا أَنه لَو جَازَ أَن يكون المجتهدون فِي الْفُرُوع مصيبين جَازَ مثله فِي الْمُجْتَهدين فِي الْأُصُول على اخْتلَافهمْ وَهَذَا بَاطِل لأَنهم جمعُوا بَينهمَا بِغَيْر عِلّة وَالْفرق بَينهمَا هُوَ أَن معنى الْإِصَابَة يُمكن فِي الْفُرُوع وَلَا يُمكن فِي الْأُصُول لِأَن اعتقادي النَّفْي وَالْإِثْبَات المتنافيين لَا يكونَانِ علمين بل يكون أَحدهمَا جهل وَذَلِكَ يمْنَع من اجْتِمَاعهمَا فِي الْحسن والتكليف وَأما الْأَفْعَال المتضادة فَيصح أَن يجب على شَخْصَيْنِ أَو على شخص وَاحِد فِي وَقْتَيْنِ أَو على
[ ٢ / ٣٧٥ ]
شرطين فِي وَقت وَاحِد فاذا صَحَّ ذَلِك صَحَّ أَن يكون الاعتقادان لوُجُوبهَا علمين وحسنين داخلين تَحت التَّكْلِيف لِأَن متعلقهما غير متناف
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو جَازَ أَن يكون كل مُجْتَهد مصيبا لجَاز أَن يكون الْفِعْل الْوَاحِد حَلَالا حَرَامًا وَالْمَرْأَة محللة مُحرمَة بِأَن يُؤَدِّي اجْتِهَاد أَحدهمَا إِلَى هَذَا واجتهاد الآخر إِلَى ذَلِك فَالْجَوَاب أَن الِاجْتِهَاد إِنَّمَا يُؤَدِّي الْمُجْتَهد إِلَى أَن الْفِعْل حرَام عَلَيْهِ لَا على غَيره مِمَّن لم يؤده اجْتِهَاده إِلَى ذَلِك وَلَا اخْتَار تَقْلِيده وَيُؤَدِّي اجْتِهَاد الآخر إِلَى أَن الْفِعْل حَلَال لَهُ دون من لم يؤده اجْتِهَاده إِلَيْهِ وَلَا اخْتَار تَقْلِيده وَلَيْسَ ذَلِك بمتناف وَلَا يتنافى كَون الِاسْتِمْتَاع بِالْمَرْأَةِ حَلَالا لأحد الْمُجْتَهدين وَلمن أَرَادَ تَقْلِيده حَرَامًا على الْمُجْتَهد الآخر وَلمن أَرَادَ تَقْلِيده كَمَا أَن الْمَرْأَة حرَام على من طَلقهَا حَلَال لمن تزَوجهَا فَمَا الْمَانِع من أَن يكون الِاجْتِهَاد يحرم عِنْده الْفِعْل وَيحل كَمَا يحرم وَيحل عِنْد العقد وَالطَّلَاق
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن القَوْل باصابة الْمُجْتَهدين على اخْتلَافهمْ يُؤَدِّي إِلَى التهارج بِأَن يُؤَدِّي اجْتِهَاد أحدهم إِلَى ضد مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاد الآخر فَلَا يكون الْأَخْذ بِأَحَدِهِمَا أولى من الآخر وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا كَانَ الْحق فِي وَاحِد لِأَن الْأَخْذ بِهِ أولى وَيُمكن الْأَخْذ بِهِ لأجل مَا نَصبه الله من الدَّلِيل عَلَيْهِ فَالْجَوَاب انه لَيْسَ يجب فَسَاد مَا حصل فِيهِ ضرب من التَّعَارُض إِذا أمكن تَأْوِيله على وَجه صَحِيح أَلا ترى أَن الواجدين للميتة مَا لَا يمسك إِلَّا رَمق أَحدهمَا لَيْسَ بِأَن يَأْخُذهُ أَحدهمَا أولى من الآخر وَلَا يكفيهما جَمِيعًا فَيُقَال يمسك كل وَاحِد مِنْهُمَا رَمق نَفسه بِبَعْضِه وَمَعَ هَذَا لم يؤد إِلَى التهارج لِأَنَّهُ يُمكن تَخْرِيجه على وَجه صَحِيح بِأَن يُقَال يكون لمن سبق أَو يَأْكُل كل وَاحِد مِنْهُمَا بعضه فَيمسك بِهِ رمقه وَيبقى بعض الْمدَّة رَجَاء أَن يَأْتِي كل وَاحِد مِنْهُمَا الْفرج فِي تِلْكَ الْمدَّة الْيَسِيرَة فان مَاتَا أَو أَحدهمَا فَالله المعوض لَهما وَكَذَلِكَ المجتهدان إِذا اخْتلفَا يُمكن أَن لَا يتهارجا ثمَّ إِنَّا نقسم الْحَوَادِث النَّازِلَة بالمكلفين لنرى أَنه لَا تهارج فَمَا ذَكرُوهُ فَنَقُول
[ ٢ / ٣٧٦ ]
الْحَوَادِث إِمَّا أَن تنزل بمقلد أَو مُجْتَهد فان نزلت بمقلد فإمَّا أَن تخصه أَو تتَعَلَّق بِغَيْرِهِ فان خصته رَجَعَ فِيهَا إِلَى الْفُقَهَاء فقلدهم فان اخْتلفُوا عَلَيْهِ قلد أعلمهم وأدينهم عِنْده وَإِن تكافئوا عِنْده كَانَ مُخَيّرا وَلَا بُد للمخالف أَن يَقُول بذلك إِذا كَانَ مِمَّن يسوغ للعامي التَّقْلِيد وَإِن تعلّقت الْحَادِثَة بِهِ وَبِغَيْرِهِ نَحْو أَن تكون مخاصمة فِي مَال جَازَ أَن يصطلحا فِيهِ فان لم يصطلحا أَو كَانَت الْمُنَازعَة فِي غير مَال فصل القَاضِي بَينهمَا إِن كَانَ أَو رَضِيا بِمن يقْضِي بَينهمَا وَلَا بُد لخصمنا من أَن يُجيب بذلك ايضا وَإِن كَانَت الْحَادِثَة نازلة بمجتهد فإمَّا أَن تخصه وَإِمَّا أَن تتَعَلَّق بِغَيْرِهِ فان خصته عمل على اجْتِهَاده وَإِن تكافأ عِنْده الاجتهادان كَانَ مُخَيّرا عِنْد الشَّيْخَيْنِ وَعند أبي الْحسن يُرَاجع اجْتِهَاده إِلَى أَن يتَرَجَّح عِنْده أَحدهمَا فان تعلّقت الْحَادِثَة بِهِ وَبِغَيْرِهِ بِأَن تكون مُنَازعَة فِي مَال أَو فِي استمتاع كمنازعة الرجل مَعَ زَوجته فِي استباحتها وهما من أهل الِاجْتِهَاد فانهما إِن لم يصطلحا فِي الْحَال رجعا فِيهِ وَفِيمَا لَا يجوز الصُّلْح فِيهِ إِلَى قَاض إِن كَانَ أَو رَضِيا بِمن يقْضِي بَينهمَا وَسَوَاء كَانَ صَاحب الْحَادِثَة حَاكما أَو غير حَاكم لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يقْضِي لنَفسِهِ على خَصمه لِأَنَّهُ مُتَّهم لخصمه فان اشْتبهَ الحكم على القَاضِي كَانَ مُخَيّرا بَين الْحكمَيْنِ إِذا تكافأت عِنْده الأمارات أَو رَاجع الِاجْتِهَاد أَو نصب من يقْضِي بَين الْخَصْمَيْنِ وَهَذِه الْمَسْأَلَة تلْزم ايضا خصومنا لأَنهم يوجبون الرُّجُوع إِلَى الحكم عِنْد التَّنَازُع سَوَاء قَالُوا بالأمارات أَو بالأدلة لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا قد تشتبهان فان حكم القَاضِي بِالتَّحْرِيمِ أَو بالتحليل على مَا يُؤَدِّيه اجْتِهَاده إِلَى مَا حكم بِهِ كَانَ لَهُ الْأَخْذ بِهِ وَإِن حكم بِتَحْرِيم الزَّوْجَة على الزَّوْج وَهُوَ يرى إباحتها أَو بِالْإِبَاحَةِ وَهُوَ يرى تَحْرِيمهَا فقد قيل يجب عَلَيْهِ الْمصير إِلَى ذَلِك وَتصير الزَّوْجَة مُبَاحَة لَهُ إِذا حكم الْحَاكِم بإباحتها وَإِن كَانَ قد رأى هُوَ حظرها لِأَن اجْتِهَاده شَرط فِي إباحتها مَا لم يحكم بِخِلَافِهِ عَلَيْهِ حَاكم وَقيل إِذا حكم عَلَيْهِ باباحة الْمَرْأَة حَاكم وَهِي عِنْده حرَام اسْتَأْنف طَلاقهَا وازال الْإِشْكَال وَإِن كَانَ أحد الْخَصْمَيْنِ جدا وَهُوَ يرى الْمُقَاسَمَة وَالْآخر أَخا وَهُوَ يرى أَن المَال
[ ٢ / ٣٧٧ ]
كُله للْجدّ أمكن أَن يصطلحا أَو يحتكما إِلَى من يقْضِي بَينهمَا وَيُمكن إيقاف مَا فِيهِ الِاخْتِلَاف حَتَّى يسْبق اجْتِهَاد أَحدهمَا إِلَيْهِ فان أدّى اجْتِهَاد الْجد إِلَى أَن المَال لَهُ فِي حَال مَا أدّى اجْتِهَاد الْأَخ إِلَى الْمُقَاسَمَة فصل الْحَاكِم بَينهمَا وَلَا تهارج فِي ذَلِك
فَأَما الدّلَالَة على أَنه لَا يمْتَنع الْعقل أَن يكون المجتهدون فِي الْفُرُوع على اخْتلَافهمْ مصيبين فَهِيَ أَنا قد بَينا أَن الْمُجْتَهد إِنَّمَا كلف أَن يعْمل بِحَسب ظَنّه للأمارة الْأَقْوَى وَلَيْسَ بممتنع فِي الْعقل أَن يظنّ الْمُجْتَهد قُوَّة بعض الأمارات ويظن غَيره قُوَّة من غَيرهَا من الأمارات فَيلْزم كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يعْمل بِحَسب مَا ظَنّه وَإِن اخْتلف الفعلان فَيكون كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي فعله لما يَفْعَله مصيبا لما كلف وَلَيْسَ بممتنع فِي الْعقل أَن يكون الْفِعْل وَاجِبا على زيد وضده ونقيضه على غَيره فِي ذَلِك الْوَقْت وَيجوز أَن يجب عَلَيْهِ ضِدّه أَو نَفْيه فِي ذَلِك الْوَقْت على غير ذَلِك الشَّرْط فَيكون الْفِعْل مصلحَة على شَرط وضده ونفيه مصلحَة على شَرط آخر وَقد جَاءَ التَّعَبُّد الْعقلِيّ بذلك والشرعي أَلا ترى أَنه يجب على زيد الْأكل إِذا خَافَ التّلف فِي تَركه وَيجب عَلَيْهِ وعَلى غَيره تَركه إِذا خَافَ التف فِي فعله ومباح للزَّوْج الِاسْتِمْتَاع بِزَوْجَتِهِ ومحرم ذَلِك على غَيره وَعَلِيهِ أَيْضا إِذا طَلقهَا وَتجب على الطَّاهِر الصَّلَاة وَتحرم على الْحَائِض فاذا جَازَ تنَاول التَّكْلِيف للامور المتنافية على هَذِه الْوُجُوه لم يمْتَنع أَن يكون الْفِعْل مصلحَة إِذا أدّى الِاجْتِهَاد إِلَيْهِ ومفسدة إِذا أدّى الِاجْتِهَاد إِلَى غَيره فَيكون التَّكْلِيف تنَاوله وَتَنَاول ضِدّه بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فَمن أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى وجوب الْفِعْل كَانَ مُكَلّفا فعله وَمن أَدَّاهُ إِلَى تَحْرِيمه كَانَ مُكَلّفا تَركه فيكونان بفعلهما مصيبين لما كلفا وَيكون اعْتِقَاد وُجُوبه على من أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى وُجُوبه عَلَيْهِ علما وَالْخَبَر عَن وُجُوبه عَلَيْهِ صدقا وَكَذَلِكَ اعْتِقَاد نفي وُجُوبه وَالْخَبَر عَن نفي وُجُوبه على من أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى نفي وُجُوبه كَمَا أَن اعْتِقَاد الطَّاهِر وجوب الصَّلَاة عَلَيْهَا علم وخبرها عَن ذَلِك صدق وَكَذَلِكَ اعْتِقَاد الْحَائِض نفي
[ ٢ / ٣٧٨ ]
وجوب الصَّلَاة عَلَيْهَا علم وإخبارها عَن ذَلِك صدق وَكَذَلِكَ القَوْل فِي المقلدين إِذا اخْتَار أَحدهمَا تَقْلِيد مُثبت الْوُجُوب وَاخْتَارَ الآخر تَقْلِيد نافي الْوُجُوب
فان قيل إِنَّا لَا نمْنَع أَن يجب الضدان على شَخْصَيْنِ وعَلى شخص وَاحِد وعَلى شرطين وَلَكِن لَيْسَ يحصل هَذَانِ الشرطان فِي الِاجْتِهَاد لِأَن الْمُجْتَهد إِنَّمَا يجوز لَهُ الْعَمَل على اجْتِهَاده إِذا استقصى الِاجْتِهَاد فِي الأمارات وَمَتى استقصاها وَكَانَت الأمارات متكافئة فانه يقف على ذَلِك وَيكون فَرْضه التَّخْيِير وَإِن كَانَ فِيهَا مَا هُوَ أقوى من غَيره فانه يقف على ذَلِك وَيلْزمهُ الْعَمَل عَلَيْهِ فَقَط وَلَا يجوز أَن لَا يقف عَلَيْهِ إِلَّا إِذا قصر فِي الِاجْتِهَاد وَمَتى قصر فِيهِ لم يجز لَهُ الْعَمَل عَلَيْهِ وَلَيْسَ يجوز أَن يمْنَع بطء فهم بعض الْمُجْتَهدين من الْوُصُول إِلَى أقوى الأمارات لِأَن الْإِنْسَان لَا يجوز أَن يكون من أهل الِاجْتِهَاد إِلَّا وَهُوَ من ذَوي الْفَهم وَيكون عَارِفًا بِوُجُوه التَّرْجِيح وطرق الِاجْتِهَاد وَإِن جَازَ أَن ينْحَصر فهم غَيره وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يكون ظفره بِالْحَقِّ ابطأ من ظفر غَيره وَلَا يَقْتَضِي امْتنَاع وُصُوله إِلَيْهِ وَلَو جَازَ أَن يُقَال إِن من الْمُجْتَهدين من يمْتَنع عَلَيْهِ مَا ذكرنَا جَازَ أَن يُقَال إِن من المستدلين بالأدلة من يمْتَنع عَلَيْهِ الْوُصُول إِلَى الْحق مَعَ كَونه مُكَلّفا لَهُ غزير الْعلم الْجَواب أَنه لَا يمْتَنع أَن تكون الْمصلحَة لبَعض الْمُكَلّفين الْعَمَل على اقوى الأمارات ومصلحة الآخرين الْعَمَل على الأمارة الَّتِي هِيَ دونهَا فِي الْقُوَّة كَمَا لَا يمْتَنع أَن تكون مصلحَة بَعضهم الْعَمَل على النَّص وَالْعلم ومصلحة الْبَعْض الآخر الْعَمَل على الظَّن والأمارة وَإِذا جَازَ ذَلِك أخطر الله سُبْحَانَهُ مَا بِهِ تقوى الأمارة الَّتِي هِيَ أقوى على قلب من مصْلحَته الْعَمَل على اقوى الأمارات وأخطر الأمارة الأضعف على قلب من مصْلحَته الْعَمَل عَلَيْهَا وَلم يخْطر بِبَالِهِ مَا يُقَوي بِهِ الأمارة الْأُخْرَى بل يشْغلهُ عَن ذَلِك أَو عَن فهمه وَلَا يلْزم مثل ذَلِك فِي الْأَدِلَّة والشبه لِأَن الله تَعَالَى لَو أخطر ببال الْمُكَلف الشُّبْهَة وشغله عَن الْجَواب عَنْهَا كَانَ قد أغراه بِالْجَهْلِ وأباحه لَهُ وَذَلِكَ قَبِيح وَلَيْسَ كَذَلِك الْعَمَل على اضعف
[ ٢ / ٣٧٩ ]
الأمارات وَالظَّن لكَونهَا أقوى الأمارات لِأَن الظَّن لأضعف الأمارات أَنَّهَا أقواها غير قَبِيح لِأَنَّهُ إِنَّمَا يظنّ الْمُجْتَهد ذك بِشَرْط أَن لَا يكون فِي وُجُوه التَّرْجِيح إِلَّا مَا خطر لَهُ كَمَا أَن الظَّن لكَون زيد فِي الدَّار غير قَبِيح وَإِن لم يكن زيد فِيهَا
وَإِذ قد بَينا أَنه مَا كَانَ يمْتَنع أَن يكون المجتهدون فِي الْفُرُوع على اخْتلَافهمْ مصيبين فلننظر هَل دلّ الدَّلِيل على أَنهم مصيبون أَو على أَن الْمُصِيب مِنْهُم وَاحِد فَقَط وَإِن دلّ الدَّلِيل على أَنهم مصيبون فَذَلِك لَا يكون إِلَّا بِأَن يكون الله ﷿ لَا يخْطر ببال بَعضهم الأمارة الْأَقْوَى وَلَا مَا ترجح بِهِ ويتعبده بِمَا يخْطر بِبَالِهِ من الأمارة الضعيفة وَإِن دلّ الدَّلِيل على أَن المحق وَاحِد فَقَط فَذَلِك لَا يكون إِلَّا مَعَ القَوْل بِأَن الأمارة الْأَقْوَى وَمَا ترجح بِهِ لم يذهل عَنْهَا وَعَن النّظر فِيهَا أحد من الْمُجْتَهدين بل جوزها وأضرب المخطئون عَن النّظر فِيهَا مَعَ تجويزهم أَنهم لَو نظرُوا زِيَادَة نظر لظفروا بِمَا يَقْتَضِي غَالب الظَّن بِأَن الأمارة الْأَقْوَى غير مَا عِنْدهم فيكونون بذلك مخطئين فِي ترك النّظر الزَّائِد وَفِي الحكم بِمَا اختاروه من الأمارات - ﷺ َ - بَاب فِي ذكر مَا يحْتَج بِهِ لِلْقَوْلِ بِأَن الْحق فِي وَاحِد وَمَا يحْتَج بِهِ القَوْل بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب - ﷺ َ -
أما من قَالَ إِن الْحق فِي وَاحِد فَلهُ أَن يَقُول إِن الله ﷿ إِنَّمَا كلف الظَّن لأقوى الأمارات وَالْعَمَل على ذَلِك فَمَتَى عدل عَن ذَلِك فقد أَخطَأ ويحتج لقَوْله إِن الْحق فِي وَاحِد بأَشْيَاء
مِنْهَا قَول الله ﷿ ﴿وَدَاوُد وَسليمَان إِذْ يحكمان فِي الْحَرْث إِذْ نفشت فِيهِ غنم الْقَوْم وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين ففهمناها سُلَيْمَان﴾ قَالُوا فَلَو كَانَا
[ ٢ / ٣٨٠ ]
مصيبين لما خص سُلَيْمَان بِأَنَّهُ قد فهمه الحكم إِذْ كَانَ دَاوُد قد فهمه من الصَّوَاب مثل مَا فهم سُلَيْمَان وَلقَائِل أَن يَقُول مَا قَالَ الله ﷿ أَنه قد فهمه الصَّوَاب فَيحْتَمل أَنه فهمه النَّاسِخ وَلم يفهم ذَلِك دَاوُد لِأَنَّهُ لم يبلغهُ وكل وَاحِد مِنْهُمَا مُصِيب فِيمَا حكم بِهِ على أَن أَكثر مَا فِي الْآيَة أَنَّهَا دَالَّة على أَن دَاوُد وَسليمَان كَانَ مصيبين وَلَيْسَ ذَلِك بِمُوجب كَون الْمُجْتَهدين فِي مَسْأَلَتنَا مصيبين
وَمِنْهَا إِجْمَاع السّلف فَروِيَ عَن أبي بكر الصّديق أَنه قَالَ فِي الْكَلَالَة أَقُول فِيهَا برأيي فان يكن صَوَابا فَمن الله وَإِن يكن خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان وَالله وَرَسُوله مِنْهُ بريئان وَقَالَ عبد الله وَإِن يكن خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان وَالله وَرَسُوله مِنْهُ بريئان وَقَالَ عمر بن الْخطاب لكَاتبه اكْتُبْ هَذَا مَا رَآهُ عمر فان يكن صَوَابا فَمن الله وَإِن يكن خطأ فَمن عمر وَقَالَ عَليّ ﵇ فِي مَسْأَلَتنَا أُفْتِي جمَاعَة من الصَّحَابَة بِحَضْرَة عمر إِن كَانُوا قد اجتهدوا فقد أخطأوا وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ أما يَتَّقِي الله زيد يَجْعَل ابْن الابْن ابْنا وَلَا يَجْعَل أَب الْأَب أَبَا وَهَذَا مَحْمُول على الْمُبَالغَة فِي التخطئة وَلَيْسَ يعرف لَهُم مُخَالف فِي السّلف وَلَا يجوز تأويلكم ذَلِك وَحمله على الْمجَاز لغير دلَالَة وَلَيْسَ للمخالف أَن يَقُول إِن الْحق فِي هَذِه الْمسَائِل فِي وَاحِد لِأَن من يَقُول كل مُجْتَهد مُصِيب يَجْعَل هَذِه الْمسَائِل من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَلَيْسَ لَهُم أَن يَقُولُوا إِن الصَّحَابَة جوزت أَن تكون قصرت فِي النّظر وَلم تبالغ فِيهِ وَلِهَذَا جوزوا على الْوَاحِد مِنْهُم أَن يكون مخطئا لِأَن الْمُخَالف يَقُول فِي هَذِه الْمسَائِل إِن الْمُخَالفين فِيهَا مصيبون وَلَا فصل بَينهَا وَبَين غَيرهَا من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَلَا يجوز أَن يُقَال فِي مثل هَذِه الْمَسْأَلَة إِنَّهُم لم ينْظرُوا فِي هَذِه الْمسَائِل وَأَنَّهُمْ حكمُوا فِيهَا بالتنحيت لأَنهم كَانُوا يؤمُّونَ إِلَى أماراتهم وَلِأَنَّهُم كَانُوا يجوزون التخطئة فِي هَذِه الْمسَائِل مَعَ علمهمْ أَنَّهَا متقولة بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَاد فَدلَّ إِطْلَاق ذَلِك على أَن مَا قيل من جِهَة الرَّأْي قد يدْخلهُ الْخَطَأ لأَنهم لم يفصلوا بَين أَن يكون قد قيل بِأول خاطر أَو قيل
[ ٢ / ٣٨١ ]
بِاجْتِهَاد وَبحث طَوِيل وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا قَول النَّبِي ﷺ إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ اجْرِ فَحكم ﷺ على بعض الْمُجْتَهدين بالْخَطَأ
فان قيل المُرَاد بِهَذِهِ الْأَخْبَار خطأ الْأَشْبَه قيل لَا معنى للأشبه إِلَّا مَا ذكرنَا فِي الأمارة الْأَقْوَى وَمَا عداهُ سنبطله فان قَالُوا المُرَاد بِهِ أَخطَأ نصا لَو ظفر بِهِ لوَجَبَ عَلَيْهِ نقض حكمه قيل إِن كَانَ الْمُجْتَهد قد استقصى طلب النَّص فَلم يُمكنهُ الظفر فَهُوَ مُصِيب عنْدكُمْ وَعند غَيْركُمْ فِي الحكم وَفِي الِاجْتِهَاد لِأَنَّهُ لَا يلْزمه أَن يحكم بِمَا لم يبلغهُ من النُّصُوص وَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى الْوُصُول إِلَيْهِ وَإِن لم يستقص النّظر فَهُوَ مخطيء فِي الحكم وَفِي الِاجْتِهَاد وَلَا يسْتَحق عنْدكُمْ الْأجر بل يسْتَحق الذَّم وَلَا يُسمى من لم يبلغهُ النَّص وَلم يتَمَكَّن مِنْهُ بِأَنَّهُ مخطيء للنَّص كَمَا لَا يُوصف من لم تبلغه شَرِيعَة النَّبِي ﷺ بِأَنَّهُ قد أخطأها فان قَالُوا مَعْنَاهُ أَخطَأ حكما لَو حكم بِهِ كَانَ ثَوَابه أَكثر قيل لَا يجوز أَن يكون عدوله عَمَّا ثَوَابه أَكثر إِلَى مَا ثَوَابه أقل من الشَّيْطَان وَقد أضَاف الصَّحَابَة الْخَطَأ فِي ذَلِك إِلَى الشَّيْطَان وَأَيْضًا فان إِطْلَاق قَوْلنَا أَخطَأ فلَان يَقْتَضِي الْعُدُول عَمَّا كلف وَمَتى لم يرد ذَلِك فانه يسْتَعْمل مُقَيّدا فَيُقَال أَخطَأ كَذَا وَكَذَا
فان قَالُوا كَيفَ يسْتَحق الْأجر وَقد أَخطَأ عنْدكُمْ فِي الِاجْتِهَاد وَفِي الحكم قيل إِنَّه مُصِيب فِيمَا فعله من الِاجْتِهَاد مخطىء فِي تَركه الزِّيَادَة على مَا فعله فَهُوَ مأجور على مَا فعله مغْفُور لَهُ تَركه مَا ترك من الِاجْتِهَاد فان قيل قد أغري إِذا بِالتّرْكِ لِأَنَّهُ قد أعلم أَنه لَا مضرَّة عَلَيْهِ قيل إِنَّا نَذْهَب إِلَى أَن كل من علم أَنه لَا مضرَّة عَلَيْهِ فِي الْفِعْل فقد أغري بِهِ أَلا ترى أَن من بشره النَّبِي ﷺ بِالْجنَّةِ لَا يخْشَى ضَرَر النَّار فِيمَا يَفْعَله لِأَنَّهُ أعلم أَنه إِمَّا أَن يسْقط عَنهُ الْعقَاب بِالتَّوْبَةِ وَإِمَّا بالمغفرة وَمَعَ ذَلِك لَيْسَ هُوَ مغرى على أَن الْمُجْتَهد لَا يكون مغرى لِأَنَّهُ لَا يعرف الْمرتبَة الَّتِي إِذا انْتهى إِلَيْهَا من النّظر غفر لَهُ
[ ٢ / ٣٨٢ ]
تَركه للنَّظَر فِيمَا بعد وَإِنَّمَا ذَلِك شَيْء يعرفهُ الله تَعَالَى وَحده فَجرى ذَلِك مجْرى صغائرنا الَّتِي لَا يعرفهَا إِلَّا الله وَحده
وَلقَائِل أَن يَقُول إِن كل وَاحِد من هَذِه الْأَخْبَار خبر وَاحِد وَلم تبلغ من الْكَثْرَة إِلَى حد تصير مَعَه متواترة فِي الْمَعْنى فَلم يَصح التَّوَصُّل بهَا إِلَى الْعلم
وَمِمَّا يُمكن أَن يحْتَج بِهِ فِي الْمَسْأَلَة هُوَ أَن كل مَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد إِمَّا أَن تكون فِيهَا أَمارَة هِيَ أقوى من غَيرهَا وَإِمَّا أَن تكون فِيهَا أمارتان متكافئتان فان كَانَ فِيهَا أَمارَة هِيَ أقوى من غَيرهَا فقد كلف الْمُجْتَهد الظَّن لَهَا وَالْحكم بهَا فَمَتَى عدل عَنْهَا فقد أَخطَأ وَإِن كَانَ فِيهَا أمارتان متكافئتان فقد كلف الظَّن لتكافئهما وَالْحكم بالتخيير بَين حكميهما فَمَتَى عدل عَنْهُمَا فقد أَخطَأ وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه قد كلف الظَّن لقُوَّة الأمارة القوية أَو الظَّن لتساوي الأمارتين إِن جَازَ تساويهما لِأَن الْمُجْتَهد طَالب وَقد بَطل أَن يكون طَالبا لدلَالَة فَثَبت أَنه طَالب لأمارة إِمَّا الْأَقْوَى وَإِمَّا الأضعف وَمَعْلُوم أَن الْمُجْتَهد لَيْسَ يقْصد بِاجْتِهَادِهِ الظفر بأضعف الأمارات وَلَا كلف ذَلِك فصح أَنه كلف الظفر بأقواها وَهُوَ الَّذِي يَقْصِدهُ
وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه يقْصد الأمارة الْأَقْوَى فِي ظَنّه وَلَا يمْتَنع أَن يظنّ أَن هَذِه الأمارة أقوى من غَيرهَا ليرجحها على غَيرهَا بِكَثْرَة وُجُوه التَّرْجِيح وَيكون غَيرهَا أرجح من هَذِه الأمارة بِوُجُوه من التَّرْجِيح لم يخطرها الله بِبَالِهِ بل شغله عَنْهَا أَو شغله عَن فهمها إِذا سَمعهَا من خَصمه فكلف الْعَمَل بِمَا ظَنّه لِأَنَّهُ مصْلحَته فَكَانَ مصيبا فِي ذَلِك وأخطر ببال غَيره تِلْكَ الْوُجُوه وفهمه إِيَّاهَا لِأَن الْمصلحَة الْعَمَل بذلك فَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا مصيبا فِيمَا صَار إِلَيْهِ
وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ قَوْلهم لَو كَانَ المجتهدون على اخْتلَافهمْ مصيبين لم يكن فِي مناظرة بَعضهم لبَعض معنى لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم يعْتَقد أَن الآخر قد أدّى مَا كلف وَأصَاب فِي فعله فَمَا وَجه مناظرته لَهُ وَنحن نعلم أَن كل وَاحِد مِنْهُم
[ ٢ / ٣٨٣ ]
يناظر صَاحبه ليَرُدهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ فَلَو كَانَ مصيبا لما كَانَ لَهُ أَن يقْصد رده عَن الصَّوَاب يُقَال لَهُم إِن الْمُجْتَهدين لَا يخلوان إِذا تناظرا إِمَّا أَن يكون أَحدهمَا لم يغلب على ظَنّه الأمارة الْأَقْوَى فَهُوَ يُرِيد بمناظرته أَن يحصل لَهُ بذلك لِأَنَّهُ لم يحكم بِشَيْء فَيُقَال إِنَّه مُصِيب فِيهِ أَو مخطىء وَإِمَّا أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا يظنّ أَن أمارته هِيَ أقوى من أَمارَة غَيره فَهُوَ يناظر غَيره ليريه ذَلِك لِأَنَّهُ إِن كَانَ فَرْضه غير مَا هُوَ عَلَيْهِ فانه إِذا بَان لَهُ أَن أَمارَة من ناظره أقوى من أمارته تغير فَرْضه وَصَارَت مصْلحَته بِأَن يحكم بالأمارة الَّتِي بَان لَهُ قوتها
فان قيل وَمَا فَائِدَة من ناظره فِي أَن يُغير فَرْضه قيل الْفَائِدَة أَن لَا يمْتَنع أَن يكون إِذا تغير فَرْضه وَلَزِمَه أَن يحكم بالأمارة الَّتِي بَان لَهُ قوتها كَانَ ثَوَابه على ذكر أَكثر فلهذه الْفَائِدَة مَا تناظر المجتهدان وَلأَجل أَن هَذِه الْفَائِدَة رَاجِعَة إِلَى زِيَادَة الْمَنَافِع لم يجب على هذَيْن الْمُجْتَهدين المناظرة وَإِنَّمَا هما مندوبان إِلَيْهَا
وَيُمكن أَن يحْتَج فِي الْمَسْأَلَة أَيْضا فَيُقَال إِنَّه إِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة أَمارَة هِيَ اقوى من غَيرهَا جرت مَعَ غَيرهَا مجْرى الدّلَالَة مَعَ الأمارة فَكَانَ الْعَادِل عَن الأمارة غالطا وَالْجَوَاب إِن الْعُدُول عَن الأمارة القوية خطأ إِذا ظفر بهَا كَمَا أَن الْعُدُول عَن الدّلَالَة إِلَى الأمارة خطأ إِذا ظفر بِالدّلَالَةِ فَأَما إِذا لم يظفر بهَا وَلَا بالأمارة القوية فانه لَا يكون الْعُدُول عَنْهَا خطأ
وَاحْتج الذاهبون إِلَى أَن كل مُجْتَهد مُصِيب بأَشْيَاء
مِنْهَا قَول الله تَعَالَى ﴿وَدَاوُد وَسليمَان إِذْ يحكمان فِي الْحَرْث إِذْ نفشت فِيهِ غنم الْقَوْم وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين ففهمناها سُلَيْمَان وكلا آتَيْنَا حكما وعلما﴾ فَلَو كَانَ أَحدهمَا مخطئا لم يكن الَّذِي قَالَه عَن علم الْجَواب إِنَّه
[ ٢ / ٣٨٤ ]
سُبْحَانَهُ لم يقل إِن كلا آتيناه حكما وعلما بِمَا حكم بِهِ وَيجوز أَن يكون آتَاهُ حكما وعلما لوجوه الِاجْتِهَاد بطرق الاحكام على أَنه لَيْسَ يجب إِذا كَانَا قد أصابا أَن يكون كل مُجْتَهد مصيبا فِي هَذِه الشَّرِيعَة
وَمِنْهَا أَن الصَّحَابَة تصوب بَعْضهَا بَعْضًا فِيمَا اخْتلفت فِيهِ فَلَو كَانَ بَعضهم مخطئا لَكَانَ تصويبه كذبا وَالْأمة لَا تَجْتَمِع على الْكَذِب قَالُوا تصويب بَعضهم بَعْضًا ظَاهر كظهور تصويب بَعضهم بَعْضًا فِي الآراء والحروب وَكثير من القراآت وَالْجَوَاب إِنَّا لَا نسلم لَهُم ادعاءهم تصويب بَعضهم بَعْضًا لَا فِي الْفُرُوع وَلَا فِي الآراء والحروب وَأما القراآت المروية عَن النَّبِي ﷺ فَلَيْسَ يجب من تصويب بَعضهم بَعْضًا فِيهَا أَن يكون بَعضهم قد صوب بَعْضًا فِي غَيرهَا وَلَيْسَ مَعكُمْ أَن كل وَاحِد مِنْهُم قَالَ لصَاحبه اصبت فِي قَوْلك وَقَالُوا أَيْضا قد كَانَ بَعضهم يعظم بَعْضًا وَلَو لم يصوبه لما عظمه فَيُقَال لَهُم لم زعمتم ان ذَلِك دَلِيل على التصويب مَعَ جَوَاز أَن يَكُونُوا إِنَّمَا عظم بَعضهم بَعْضًا لِأَن الْخَطَأ فِي ذَلِك مغْفُور أَو صَغِير أَو جوزوا كَونه صَغِيرا فَلم يتْركُوا التَّعْظِيم مَعَ التجويز فَلَيْسَ يجب إِذا تعلق كثير من الْفُرُوع بالفروج والدماء أَن يكون كثيرا مَتى كَانَ خطأ لِأَنَّهُ إِذا لم يمْتَنع أَن يكون صَوَابا مَعَ تعلقه بالفروج فأحرى أَن يكون تَجْوِيز كَونه خطأ مغفورا وَلَيْسَ أَن يكون خطأ ولتعلقه بالأمارات يُخَفف عِقَابه فَيكون صَغِيرا وَإِن صدر عَن صَاحب كَبِيرَة كَانَ مُتَفَاضلا بغفرانه فان قيل فان لم يقدموا على التبرىء لتجويزهم كَونه صَغِيرا فقد جوزوا كَونه كَبِيرا وَفِي ذَلِك تَجْوِيز بَعضهم كَون بعض صَاحب كَبِيرَة قيل مَا الْمَانِع من تجويزهم ذَلِك فِي غير مَعْصُوم أَلَيْسَ كَانَ بَعضهم يجوز فِي بَاطِن بعض أَن يكون بِخِلَاف ظَاهره مَا لَا يضْطَر أَنه متدين بِهِ وَلَيْسَ إِذا أَجمعت الْأمة على أَن قتل الْخَوَارِج مخالفيهم إِمَّا طَاعَة أَو كَبِيرَة يجب أَن يجمعوا على أَن مسَائِل الِاجْتِهَاد إِمَّا طَاعَة وَإِمَّا كَبِيرَة
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو لم يصوب الصَّحَابَة كل الْمُجْتَهدين لأنكروا قَول المخطىء
[ ٢ / ٣٨٥ ]
لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتْركُوا إِنْكَار الْمُنكر وَالْجَوَاب إِنَّه إِن أُرِيد بالإنكار الذَّم والتبريء فقد تقدم القَوْل فِيهِ وَإِن أُرِيد بِهِ الْمَنْع والتخطئة والمناظرة فَكل ذَلِك قد جرى لِأَن الْمَنْع من الاعتقادات إِنَّمَا يكون بالمناظرة وَقد تنَاظرُوا وشهدوا بالتخطئة على مَا ذكرنَا وَقَالَ ابْن عَبَّاس أما يَتَّقِي الله زيد بن ثَابت وَقَالَ من شَاءَ باهلته وَهَذَا إِمَّا أَن يكون ذما أَو مُبَالغَة فِي الْإِنْكَار وَعلمنَا باعظامه لزيد يصرف ذَلِك عَن الذَّم إِلَى الْمُبَالغَة فِي الْإِنْكَار وَلَيْسَ لَهُم حمل ذَلِك على خطأ نَص إِن كَانَ أَو على تَقْصِير فِي الِاجْتِهَاد لما ذَكرْنَاهُ وَلِأَن أَكثر مَا فِي هَذَا التَّأْوِيل أَن يحْتَملهُ الْكَلَام وَيحْتَمل مَا قُلْنَاهُ فَلَيْسَ لَهُم صرفه إِلَى مَا ذَكرُوهُ إِلَّا لدلَالَة حَتَّى يتم أَنه لم يُنكر بَعضهم على بعض وَقَوْلهمْ إِن ابْن عَبَّاس إِنَّمَا قَالَ لزيد مَا قَالَ لِأَن تَسْمِيَة الْجد أَبَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد فَبَاطِل لِأَن ابْن عَبَّاس لم يخف عَلَيْهِ أَن الْجد لَا يُسمى ابا فِي حَقِيقَة اللُّغَة وَلَا خَفِي على زيد أَن تَسْمِيَته ابا مجَاز وَإِنَّمَا ألحقهُ ابْن عَبَّاس بِابْن الابْن قِيَاسا وَذَلِكَ فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد وَقد أنكرهُ على مخالفه
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كَانَ الْحق وَاحِدًا من الْأَقَاوِيل وَمَا عداهُ خطأ لَكَانَ الله قد كلفنا الْعُدُول عَن الْخَطَأ إِلَى ذَلِك القَوْل الصَّوَاب ولوجب أَن ينصب لنا دَلِيلا قَاطعا عَلَيْهِ لنثق بعدولنا عَن الْخَطَأ إِلَى الصَّوَاب وَلَو كَانَ على الْحق دَلِيل قَاطع لفسق مخالفه وَمنع من أَن يُفْتِي بِهِ وَيحكم بِهِ ولمنع الْعَاميّ من استفتائه ولنقض حكمه بِهِ وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم قد دلنا الله على الحكم الَّذِي كلفناه بِدلَالَة قَاطِعَة وَإِن لم يدلنا بِدلَالَة قَاطِعَة على أَن الْعلَّة هِيَ عِلّة الأَصْل وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷿ إِنَّمَا كلفنا الْعَمَل على أولى الْعِلَل وأقواها وَقد جعل لنا طَرِيقا نقطع مَعَه بِأَن إِحْدَى العلتين أولى أَن يتَعَلَّق الحكم بهَا وَأَنَّهَا مَوْجُودَة فِي الأَصْل وَالْفرع وَأَنه يلْزم الْعَمَل بهَا فِي الْفَرْع فان قيل مَا طريقكم إِلَى أَن الْوَصْف أولى بِأَن يكون عِلّة من وصف آخر قيل الطَّرِيق إِلَى ذَلِك هُوَ وُجُوه التَّرْجِيح وَذَلِكَ أَن وُجُوه التَّرْجِيح معقولة محصورة فاذا وجدناها أَو أَكْثَرهَا تخْتَص إِحْدَى العلتين قَطعنَا على أَنَّهَا أولى بِأَن تكون عِلّة الحكم فِي الأَصْل من غَيرهَا
[ ٢ / ٣٨٦ ]
كَمَا إِذا رَأينَا أمارت الْغَيْم الممطر فِي بعض الغيوم نَحْو كَونه فِي الشتَاء وَكَونه كثيفا أغبر قَطعنَا على أَنه أولى بِأَن يكون ممطرا من غيم لَيْسَ هَذِه سَبيله وظننا أَن الْمَطَر يحصل عَنهُ وَلَيْسَ يبعد أَن يكون ظننا بِأَنَّهُ ممطر هُوَ علم بِأَنَّهُ أولى أَن يكون ممطرا وَكَذَلِكَ ظننا أَن الْوَصْف عِلّة الحكم فِي الأَصْل هُوَ علم بِأَنَّهُ أولى أَن يكون عِلّة الأَصْل وَلِهَذَا صَحَّ أَن تدل عَلَيْهِ دلَالَة قَاطِعَة فان قيل فَمَا مِثَال ذَلِك فِي الْعِلَل ووجوه التَّرْجِيح الَّتِي تقطعون بهَا على أَن الْوَصْف أولى بِأَن يكون عِلّة قيل مِثَال ذَلِك أَن يعلم أَن أحد الوصفين يثبت الحكم بِثُبُوتِهِ فِي الأَصْل وينتفي بانتفائه فِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِك الآخر أَو أَن أَحدهمَا لَهُ تَأْثِير فِي الْأُصُول دون الآخر نَحْو كَون الْبلُوغ مؤثرا فِي رفع الْحجر عَن المَال وَيعلم أَن أحد الوصفين مستنبط من أصل مجمع على حكمه وَالْآخر مستنبط من أصل غير مجمع على حكمه وَالْآخر مستنبط من أصل غير مجمع على حكمه أَو أَن أَحدهمَا طَريقَة تَنْبِيه النَّص وَالْآخر مستنبط كل هَذِه الْأَشْيَاء مَعْلُوم أَنَّهَا وُجُوه مقوية وَمَعْلُوم ثُبُوتهَا فِي إِحْدَى العلتين فصح أَن يكون طَرِيقا إِلَى الْقطع بِأَن الْوَصْف أولى بِأَن يكون عِلّة وَقد يظنّ حُصُول بعض وُجُوه التَّرْجِيح فِي الأمارة فَيعلم أَنَّهَا أولى من غَيرهَا نَحْو أَن نظن أَن بعض المخبرين أدين واشد تحرجا بِأَن يخبرنا غَيره بذلك فنظن أَنه أَحَق بِأَن يكون صَادِقا مِمَّن لَا نظن أَنه دين ونظن أَن بعض الغيوم على صفة تَقْتَضِي الْمَطَر كالغبرة والكثافة بِخَبَر رجل ظَاهره الصدْق فنعلم أَنه أولى بِأَن يكون ممطرا من غيم لَا نظن فِيهِ هَذِه الصّفة وَهَذِه الصِّفَات المظنونة لَا بُد من أَن تكون طرقها مَعْلُومَة أَو تستند إِلَى طرق مَعْلُومَة وَإِلَّا أدّى إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ أَلا ترى أَن الطَّرِيق إِلَى حُصُول صفة الْغَيْم إِذا كَانَ الْخَبَر فَالْخَبَر مَعْلُوم لنا بالادراك فان قيل فاذا علمْتُم أَن الْوَصْف أولى بِأَن يكون عِلّة الحكم فِي الأَصْل من غَيره من الْأَوْصَاف فقد علمْتُم أَنه عِلّة لحكم الأَصْل قيل لَا يجب ذَلِك كَمَا لَا يجب ذَلِك إِذا علمنَا أَن هَذَا الْغَيْم الكثيف الأغبر أولى بالمطر من غيم رَقِيق غير أغبر أَن نقطع على أَنه ممطر بل قد يجوز أَن يكون ذَلِك هُوَ الممطر وَهَذَا غير ممطر فَلَو قَطعنَا على أَن الْغَيْم الكثيف هُوَ الممطر لنقض
[ ٢ / ٣٨٧ ]
ذَلِك قَوْلنَا إِنَّا نعلم أَن الأولى أَن يكون ممطرا وكما أَن الرجل المتين الدّين الشَّديد التحرج أولى بِالصّدقِ فِيمَا يخبر بِهِ رجل هُوَ دونه فِي الدّين والتحرج وَلَا يجب من ذَلِك أَن يكون الَّذِي هُوَ أَشد تحرجا أصدق لَا محَالة بل قد يتَّفق أَن يكذب فِي بعض أخباره وَيصدق الَّذِي هُوَ دونه فِي التحرج وَكَذَلِكَ القَوْل فِي جَمِيع الأمارات فان قيل أفتقطعون على أَن تِلْكَ الْعلَّة هِيَ عِلّة الحكم فِي الْفَرْع قيل نعم لِأَن معنى قَوْلنَا إِنَّهَا عِلّة حكم الْفَرْع هُوَ أَن عِنْد علمنَا بوجودها فِي الْفَرْع يجب علينا أَن نحرم الْفَرْع إِن كَانَت عِلّة التَّحْرِيم أَو نبيحه إِن كَانَت عِلّة الْإِبَاحَة وَلَيْسَ يلْزم على هَذَا أَن نعلم أَنَّهَا عِلّة حكم الأَصْل لِأَن عِنْد علمنَا بوجودها فِي الأَصْل لَيْسَ يصير الأَصْل محرما علينا وَلَا مُبَاحا لنا بل تَحْرِيمه وإباحته يسبقان الْعلم بوجودها فِي الأَصْل وَلَا يتبعان علمنَا بوجودها فِيهِ وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يكون علمنَا بِكَوْنِهَا عِلّة حكم الْفَرْع يسْتَند إِلَى ظننا أَنَّهَا عِلّة حكم الأَصْل لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يقف الْعلم على شَرط مظنون كَمَا يقف علمنَا بِوُجُوب التَّحَرُّز من مضرَّة مخصومة على الظَّن لنزولها بِنَا
وَيلْزم الْمُسْتَدلّ بِهَذِهِ الشُّبْهَة مثل الَّذِي ألزمنا لِأَنَّهُ يَقُول إِن الْأمة إِذا اخْتلفت على قَوْلَيْنِ فَكل فرقة مِنْهَا مُصِيبَة من حَيْثُ نظرت فِي أَمارَة صَحِيحَة وَلَو نظرت فِي غير أَمارَة لم تكن مُصِيبَة وَلَا كَانَ لظنها حكم وَلم يدل الله قبل اجتهادها على صِحَة كل وَاحِدَة من الأمارتين وَفَسَاد مَا عداهما بل لَيْسَ على ذَلِك إِلَّا أَمَارَات فقد اقروا بِصِحَّة علتين وَفَسَاد مَا عداهما وَلم تدل دلَالَة قَاطِعَة على أَن كل وَاحِدَة مِنْهَا عِلّة وَأَن مَا عداهما لَيْسَ بعلة فان جَازَ ذَلِك مَعَ أَنه مَعَ فقد الدّلَالَة لَا يَثِق الْمُكَلف بالوصول إِلَى الْعلَّة الصَّحِيحَة دون الْفَاسِدَة فَلم لَا يجوز ذَلِك فِي الأمارة الْوَاحِدَة فان قَالُوا قد دلنا الله تَعَالَى على صِحَة الأمارتين وعَلى صِحَة الحكم بِمَا دلنا بِهِ على أَن كل مُجْتَهد مُصِيب قيل الدَّلِيل يَنْبَغِي أَن يتَقَدَّم الْعلم بالمدلول عَلَيْهِ والمجتهدون إِنَّمَا يعلمُونَ صِحَة كل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بعد أَن يَقُول بَعضهم بِأحد الْقَوْلَيْنِ وَيَقُول الْبَعْض الآخر بالْقَوْل الآخر وعَلى أَنه يلْزم أَن يعلمُوا صِحَة العلتين بعد اسْتِقْرَار الْخلاف
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وَفِي ذَلِك كَونهمَا دَلِيلين وخروجهما من كَونهمَا أمارتين فان قَالُوا مَا عدا الأمارتين لَو قَالَ بِهِ قَائِل لَكَانَ حَقًا أَيْضا وَلَيْسَ يجب نصب دلَالَة على فَسَاده قيل كَلَامه فِيهِ وَلَيْسَ بِحَق أَلَيْسَ لم ينصب الله دلَالَة على إِبْطَاله ليفصل بَينه وَبَين مَا هُوَ أَمارَة وايضا فقولكم إِن مَا عدا الأمارتين لَو قَالَ بِهِ قَائِل لَكَانَ حَقًا يَقْتَضِي أَن يقف كَونه حَقًا على قَول الْمُجْتَهد وَمَعْلُوم أَن قَول الْمُجْتَهد يتبع صِحَة الْعِلَل والأمارات وَهِي كالطرق إِلَى كَون أقاويلهم حَقًا ولأجلها حكمُوا بِمَا حكمُوا بِهِ وَقَوْلهمْ كَانَ على الصَّوَاب دلَالَة قَاطِعَة من الْقَوْلَيْنِ لنقض الحكم بِمَا عداهُ فَلم يسوغ الْفَتْوَى وَالْحكم بِهِ بل كَانَ الإِمَام لَا يولي من يُخَالِفهُ فِي الحكم ولمنع الْعَاميّ من استفتاء من يُخَالِفهُ ولفسق قَائِله لَا يَصح لأَنا قد بَينا أَنه لَيْسَ يجب أَن يكون هُنَاكَ دلَالَة قَاطِعَة إِلَّا على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا وَلَو لزم أَن تكون على نفس الحكم دلَالَة قَاطِعَة تتناوله لما لزم مَا ذَكرُوهُ وَأَيْضًا أَلا ترى أَن كثيرا من الْمسَائِل يسْتَدلّ عَلَيْهَا بِالْقُرْآنِ نَحْو التَّرْتِيب فِي الْوضُوء وَنفي وُجُوبه لِأَن كل فريق يسْتَدلّ بِالْآيَةِ ففريق يَقُول إِن الْفَاء للتعقيب وفريق يَقُول إِن الْوَاو لَا توجب التَّرْتِيب وَذَلِكَ طَريقَة الْعلم وَلم يفسق قَائِله وَقد سَاغَ الْفَتْوَى بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ على أَنه لَيْسَ كل خطأ دلّ الدَّلِيل عَلَيْهِ فَهُوَ فسق بل قد يكون فسقا وَقد لَا يكون فسقا وَلَا يمْتَنع أَن يكون القَوْل خطأ من الْمُجْتَهد صَوَابا من الْمُقَلّد بِأَن يكون مصْلحَته الْأَخْذ عَن الْمُجْتَهد مخطئا كَانَ أَو مصيبا أَلا ترى أَن الْمُجْتَهد لَو لم يستقص الِاجْتِهَاد وَأَفْتَاهُ بِأول خاطر أَو استقصى الِاجْتِهَاد وَأَفْتَاهُ بِخِلَاف مَا أدّى اجْتِهَاده إِلَيْهِ لَكَانَ الْمُجْتَهد مخطئا والمقلد مصيبا وَلم يجب على الله أَن يظْهر خِيَانَة الْمُجْتَهد حَتَّى لَا يَقع الْمُقَلّد فِي الْمفْسدَة بل قُلْنَا بأجمعنا إِن ذَلِك مفْسدَة من الْمُفْتِي وَأخذ الْعَاميّ بِمَا أفتاه غير مفْسدَة لَهُ وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتنَا إِذا لم يمْتَنع أَن يكون القَوْل خطأ من الْمُفْتِي وَالْعَمَل بِهِ غير خطأ من المستفتي لم يجب أَن يمْنَع الْمُفْتِي من الْفَتْوَى لِأَنَّهُ لَو وَجب أَن يمْنَع
[ ٢ / ٣٨٩ ]
مِنْهُ لم يخل إِمَّا أَن يجب ذَلِك لِأَن قبُول المستفتي لَهُ مفْسدَة أَو لِأَن فَتْوَى الْمُفْتِي لَهُ خطأ وَالْأول بَاطِل لأَنا قد بَينا أَن قبُول المستفتي لَهُ غير مُمْتَنع أَن يكون مصلحَة مِنْهُ وَالثَّانِي لَا يُوجب أَن يمْنَع من الْفَتْوَى إِلَّا بالمناظرة والإيضاح وَأهل الِاجْتِهَاد يناظر بَعضهم بَعْضًا على أَن أحد الْمُجْتَهدين لَو منع الْعَاميّ من أَن يستفتي خَصمه لَكَانَ خَصمه يمْنَع الْعَاميّ أَن يستفتي غَيره وَلَا يكون الْعَاميّ بِأَن يقبل من أَحدهمَا أولى من الآخر فَيمْتَنع عَلَيْهِ أَن يستفتي أحدا
فان قيل أجمع الْمُسلمُونَ على أَن المخطىء لَا يُمكن من الدُّعَاء إِلَى خطابه قيل لَيْسَ فِي هَذَا إِجْمَاع لِأَن من يَقُول إِن الْحق فِي وَاحِد من الْأَقَاوِيل لَا يمْنَع مُخَالفَة من الْفَتْوَى فان قيل فَمَاذَا تعلمُونَ أَن الْعَاميّ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يمْتَنع من تَقْلِيد كل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ قيل نعم ذَلِك بِالْإِجْمَاع لِأَن الصَّحَابَة وَأهل الْأَعْصَار لَا يمْنَعُونَ الْعَامَّة من ذَلِك وَأما تَوْلِيَة الإِمَام مخالفيه فَلَيْسَ فِيهَا إِبَاحَة لَهُ الحكم بالْخَطَأ لِأَنَّهُ إِنَّمَا ولاه ليحكم بِالْحَقِّ لِأَن الطَّرِيق إِلَى الْحق مُمكن وَلَيْسَ الظَّاهِر من مُخَالفَة أَن يحكم بِمَا يُخَالِفهُ لِأَنَّهُ يجب على الْحَاكِم والمفتي أَن يجدد الِاجْتِهَاد فِي كل وَقت إِذا لم يذكر طَريقَة الِاجْتِهَاد فَكيف يظنّ بِمن يجدد الِاجْتِهَاد عِنْد حكمه وفتواه أَن لَا يظفر بِالْحَقِّ مَعَ إِمْكَان طَريقَة وَلَا يجب إِذا حكم الْحَاكِم بِخِلَاف رَأْي الإِمَام أَن ينْقضه عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون الْتِزَام الْخُصُوم لذَلِك الحكم لَيْسَ بخطأ كَمَا قُلْنَاهُ فِي الْتِزَام الْعَاميّ لفتوى الْمُفْتِي وَأَن يكون نَقصه بعد إمضائه مفْسدَة وَلَا يجب نقضه كَمَا لَا يجب إِذا علم الله أَن الْحَاكِم حكم بِغَيْر اجْتِهَاد أَو حكم بِخِلَاف اجْتِهَاده أَن يطلعنا الله على ذَلِك حَتَّى ننقضه أَو يبْعَث الله ﷿ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون إمضاؤه وإمضاء الْفَتْوَى بِهِ للعامي مصلحَة وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتنَا والداخل فِي زرع غَيره يقبح مِنْهُ الدُّخُول فِيهِ وَيحسن مِنْهُ التَّصَرُّف فِيهِ بِالْخرُوجِ مِنْهُ فَلَا يمْتَنع أَن يكون القَوْل خطأ من الْمُجْتَهد وَنقض الحكم بِهِ خطأ وَإِذا لم يمْتَنع أَن يكون الْتِزَام الْخُصُوم للْحكم مصلحَة لَهُم وَإِن كَانَ القَوْل بِهِ خطأ لم يجب على الإِمَام أَن يمْنَع الْحَاكِم من ذَلِك
[ ٢ / ٣٩٠ ]
الحكم لِأَنَّهُ مفْسدَة للخصوم لأَنا قد بَينا أَن لَا يمْتَنع أَن لَا يكون مفْسدَة لَهُم وَإِنَّمَا يمْنَع من ذَلِك الحكم لما يرجع إِلَى الْحَاكِم وَذَلِكَ يكون بالمناظرة والتبين
فان قيل وَمن أَيْن قُلْتُمْ أَن القَوْل خطأ من الْمُجْتَهد وَالْعَمَل بِهِ غير خطأ من الْخُصُوم والمستفتي قيل يكفينا أَن نعلم أَنه لَا يجب إِذا كَانَ خطأ من الْمُجْتَهد أَن يكون خطأ من الْخُصُوم والمستفتي وَأَن كَونه خطأ من هَؤُلَاءِ يحْتَاج إِلَى دلَالَة فَلَا نبينه خطأ مِنْهُم إِلَّا لدلَالَة وعَلى الْمُسْتَدلّ أَن يبين أَنه خطأ من هَؤُلَاءِ حَتَّى يتم دلَالَته وَإِلَّا فَالَّذِي مَعَه هُوَ أَن الصَّحَابَة سوغت الْفَتْوَى وَالْحكم وَلم يمْنَع بَعْضهَا الْعَاميّ قبُول فَتْوَى الْبَعْض الآخر وَيحْتَمل أَن تكون فعلت ذَلِك لِأَنَّهَا اعتقدت أَن كل مُجْتَهد مُصِيب وَيحْتَمل أَن تكون فعلت ذَلِك لِأَن كَون القَوْل خطأ من قَائِله لَا يَقْتَضِي أَن يكون الْعَمَل بِهِ خطأ مِمَّن قَلّدهُ فِيهِ فقد سقط أَن يكون للخصم فِيهِ دلَالَة على أَنهم اعتقدوا أَن كل مُجْتَهد مُصِيب
فان قَالُوا فَلَو كَانُوا اعتقدوا مَا ذكرْتُمْ لكانوا قد اعتقدوه عَن دلَالَة فَأَي دلَالَة دلّت على أَن القَوْل خطأ من قَائِله دون من قلد فِيهِ قيل لَيْسَ يجب مطالبتهم بِالدّلَالَةِ وعَلى أَن ذَلِك لَازم للسَّائِل لِأَنَّهُ يُقَال لَهُم وإي دلَالَة دلتهم على أَن كل مُجْتَهد مُصِيب على أَنا نَحن قد بَينا أَنه يحْتَاج فِي كَون الْعَمَل بالْقَوْل خطأ من جِهَة الْمُقَلّد إِلَى دلَالَة وَأَنه مَتى لم يجد دلَالَة على ذَلِك وَجب نَفْيه كَمَا أَنا إِذا لم نجد دلَالَة على قَضَاء الْعِبَادَة الْفَاسِدَة وَجب نفي وُجُوبه
وَيُمكن أَن يسْتَدلّ فِي الْمَسْأَلَة فَيُقَال لَو كَانَ الْمُجْتَهد فِي الْفُرُوع مخطئا لَأَدَّى إِلَى أَقسَام كلهَا فَاسِدَة وَذَلِكَ أَنه مَا كَانَ يَخْلُو إِمَّا أَن يقطعوا فِي الْجُمْلَة على أَن المخطىء من الْمُجْتَهدين مغْفُور لَهُ تَقْصِيره فِي النّظر وَإِمَّا أَن لَا يقطعوا على ذَلِك فان لم يقطعوا على ذَلِك فإجماع الْمُجْتَهدين الْقَائِلين بِأَن على الْفُرُوع أَمَارَات يمْنَع من ذَلِك لأَنهم مجمعون على أَن المخطىء من الْمُجْتَهدين مغْفُور لَهُ وَلِأَن الصَّحَابَة مَا كَانَ يُنكر بَعضهم على بعض أقاويلهم فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد
[ ٢ / ٣٩١ ]
إِنْكَار من يجوز أَنه من اهل النَّار وَإِن كَانَ غفرانه فِي الْجُمْلَة مَقْطُوعًا لم يخل إِمَّا أَن يكون الْمُجْتَهد إِذا أَخطَأ يجوز كَونه مخطئا ومخلا بِنَظَر يلْزمه فعله أَو لَا يجوز ذَلِك فان لم يجوز ذَلِك لم يَصح تَكْلِيفه النّظر الَّذِي فرط فِيهِ لِأَنَّهُ قَاطع على أَنه مَا فرط فِي النّظر فَهُوَ كالعالم وَلِأَنَّهُ فِي حكم الذاهل والذاهل والساهي لَا يُكَلف فِي حَال سَهْوه وذهوله وَلَا يسْتَحق عقَابا فَيُقَال أَنه قد غفر لَهُ وَإِن كَانَ يجوز كَونه مخطئا ومخلا النّظر فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يعلم أَنه فِي تِلْكَ الْحَال مغْفُور إخلاله بِمَا أخل بِهِ من النّظر أَو لَا يعلم ذَلِك ومحال أَن يعلم ذَلِك لِأَن الْمُجْتَهد لَا يُمَيّز الْمرتبَة الَّتِي إِذا انْتهى إِلَيْهَا غفر لَهُ إخلاله بِمَا بعْدهَا من النّظر من الْمرتبَة الَّتِي إِذا انْتهى إِلَيْهَا لم يغْفر لَهُ إخلاله بِمَا بعْدهَا من النّظر وَذَلِكَ أَنه يعلم أَنه إِن اقْتصر على أول النّظر لم يغْفر لَهُ مَا بعده وَلَيْسَ مرتبَة أولى بذلك من مرتبَة وَلَا يُمكن الاشارة إِلَى مَا يتَمَيَّز بِهِ بعض الْمَرَاتِب من بعض مَعَ كَونه مجوزا فِي جَمِيعهَا كَونه مخلا بِنَظَر يلْزمه فعله وَبعد فَلَو علم الْمُجْتَهد أَنه مغْفُور لَهُ إخلاله بِالنّظرِ لَكَانَ ذَلِك إغراء لَهُ بالمعصية لِأَنَّهُ قد أعلم أَنه لَا ضَرَر عَلَيْهِ فِي تَركه النّظر الزَّائِد مَعَ كَونه شاقا عَلَيْهِ فاذا كَانَ تَعْرِيف الصَّغَائِر عِنْد شيوخكم إغراء بهَا فَكَذَلِك تَعْرِيف هَذَا الْمُجْتَهد أَنه مغْفُور لَهُ وَإِن كَانَ الْمُجْتَهد المخطىء إِنَّمَا يعلم فِي الْجُمْلَة ان المخطىء من الْمُجْتَهدين مغْفُور لَهُ إِذا انْتهى إِلَى مرتبَة مَا من مَرَاتِب النّظر وأخل بِمَا بعْدهَا وَلم يتَعَيَّن لَهُ تِلْكَ الْمرتبَة وَجوز أَن يكون حِين أخل بِالنّظرِ الزَّائِد مَا انْتهى إِلَى الْمرتبَة الَّتِي يغْفر لَهُ إخلاله بِمَا بعْدهَا من النّظر لزم أَن يجوزوا كَون الْمُجْتَهدين المخطئين مَا انْتَهوا إِلَى هَذِه الْمرتبَة وَفِي ذَلِك تَجْوِيز كَونهم غير مغْفُور لَهُم وَأَنَّهُمْ من اهل الْعقَاب وَإِجْمَاع الْمُجْتَهدين بِخِلَاف ذَلِك لأَنهم يقضون بِأَن الْخَطَأ فِي الْمسَائِل الْوَاقِعَة من لدن الصَّحَابَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا مغْفُور عِنْد من قَالَ إِن فِيهَا أقاويل خطأ مَعَ معرفَة كل فريق مَا انْتهى إِلَيْهِ مُخَالفَة من الْمرتبَة فِي النّظر وكل مُجْتَهد يعلم من نَفسه أَنه إِن كَانَ مخطئا فَهَذِهِ حَاله وَكَذَلِكَ قَوْلكُم فِيمَا يحدث من
[ ٢ / ٣٩٢ ]
مسَائِل الِاجْتِهَاد فقد بَان أَن القَوْل بخطأ الْمُجْتَهدين يُؤَدِّي إِلَى أَقسَام كلهَا فَاسِدَة وَفِي القَوْل باصابتهم أَجْمَعِينَ خلاص من هَذِه الْوُجُوه أجمع - ﷺ َ - بَاب القَوْل فِي الْأَشْبَه - ﷺ َ -
اعْلَم أَن مِمَّن قَالَ إِن كل مُجْتَهد مُصِيب لما كلف من قَالَ إِن فِي كل مَسْأَلَة أشبه مَطْلُوبا لَو نَص الله سُبْحَانَهُ على حكم الْمَسْأَلَة لنَصّ عَلَيْهِ فَيُقَال لَهُم أتريدون بالأشبه الحكم بأقوى الأمارات أَو تُرِيدُونَ حكما معينا يجوز أَن يكون غير الحكم بالأقوى من الأمارات فان قَالُوا بِالثَّانِي قيل لَهُم أتقولون إِن ذَلِك الحكم هُوَ مصلحَة الْمُجْتَهد وَمَا عداهُ مفسدته أَو تَقولُونَ لَيْسَ هُوَ مصْلحَته أَو تَقولُونَ هُوَ وَغَيره مصْلحَته على الْبَدَل فان قَالُوا لَيْسَ هُوَ مصْلحَته قيل لَهُم فَمَا وَجه طلبه لما لَيْسَ هُوَ مصْلحَته وَأَيْضًا فاذا لم يكن مصْلحَته فَكيف قُلْتُمْ لَو نَص الله تَعَالَى على الحكم فِي هَذِه الْحَال لنَصّ عَلَيْهِ أَيجوزُ أَن ينص على مَا لَيْسَ بمصلحة وَأَيْضًا إِذا لم يكن ذَلِك مصلحَة فَمَا مصْلحَته فان قَالُوا هُوَ الحكم بأشبه الأمارات صَارُوا إِلَى أَن الْحق هُوَ وَإِن أَرَادوا الْإِشَارَة إِلَى حكم آخر لم يُمكنهُم فان قَالُوا هُوَ مصْلحَته قيل لَهُم أكلفه الله الْوُصُول إِلَيْهِ أَو لم يكلفه ذَلِك فان قَالُوا مَا كلفه الْوُصُول إِلَيْهِ قيل لَهُم فَإِذن قد أَبَاحَهُ الْعُدُول عَن مصْلحَته إِلَى الْمفْسدَة وَذَلِكَ لَا يجوز فِي حكمته وَإِن قَالُوا قد كلفه الله إِصَابَته قيل لَهُم فَمن لم يصبهُ إِذن فقد أَخطَأ مَا كلف فَكيف تَقولُونَ إِنَّه مُصِيب مَا كلف وَيجب إِذا كلفه الله الْوُصُول إِلَى ذَلِك أَن يَجْعَل لَهُ إِلَيْهِ طَرِيقا إِمَّا دلَالَة وَإِمَّا أَمارَة وَقد قُلْنَا إِنَّه لَيْسَ على اعيان الْفُرُوع أَدِلَّة لِأَنَّهَا تستند إِلَى ظنون فَبَقيَ أَن يكون طَرِيق ذَلِك هُوَ الأمارة والأمارة ضَرْبَان قَوِيَّة وضعيفة وَلَيْسَ يجوز أَن الطَّرِيق إِلَى ذَلِك هُوَ الأمارة الأضعف لِأَن الْمُكَلف لَا يجوز لَهُ إِذا عرضت لَهُ أمارتان إِحْدَاهمَا أقوى من الْأُخْرَى أَن يعدل عَن الأفوى إِلَى الأضعف فَثَبت
[ ٢ / ٣٩٣ ]
أَنه كلف الْمُجْتَهد الحكم بأقوى الأمارات وَجعل الله لنا طَرِيقا إِلَى أَن الأمارة أقوى الأمارات بِمَا نَصبه من وُجُوه التَّرْجِيح وَلَا بُد من استناد ذَلِك إِلَى علم على مَا بَينا من قبل فان قَالُوا مصلحَة الْمُجْتَهد فِي كل مَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد هُوَ ذَلِك الحكم وَغَيره على الْبَدَل قيل لَهُم فاذن الحكم الْمَطْلُوب فِي كل مَسْأَلَة هُوَ التَّخْيِير وَيجب أَن يكون هُوَ المتعبد بِهِ وَأحد لم يقل بذلك وَيجب أَن يكون على الْحكمَيْنِ أمارتان مُخْتَلِفَتَانِ وَأحد لم يقل بذلك فِي كل الْمسَائِل
فان قَالُوا نُرِيد بالأشبه الحكم بأشبه الأمارات وأقواها فقد قَالُوا بِالْحَقِّ ثمَّ يُقَال لَهُم فَهَل كلف الله سُبْحَانَهُ كل مُجْتَهد إِصَابَة ذَلِك الْأَشْبَه أم لم يكلفه ذَلِك فان قَالُوا لم يكلفه قيل لَهُم فَلَا وَجه لطلبه لما لم يكلفه الله إِصَابَته وَإِن قَالُوا قد كلفه الله ﷿ ذَلِك قيل لَهُم فَمن لم يصل إِلَيْهِ فقد أَخطَأ مَا كلف فَكيف قُلْتُمْ كل مُجْتَهد مُصِيب لما كلف فان قَالُوا كل أَمَارَات الْمُجْتَهدين تتساوى فِي الْقُوَّة قيل فَالْحكم فِيهَا إِذن هُوَ التَّخْيِير فَمن قَالَ لَيْسَ الحكم هُوَ التَّخْيِير فقد أَخطَأ وَأَيْضًا فالأمة مجمعة على انه لَيْسَ كل الأمارات مُتَسَاوِيَة فِي الْقُوَّة وَذَلِكَ أَن مِنْهُم من يمْنَع من تَسَاوِي الأمارات وَمِنْهُم من يُجِيز ذَلِك وَيَقُول إِن الْيَسِير مِنْهَا مُتَسَاوِيَة وباقيها غير مُتَسَاوِيَة ويدعى أَن الأمارات الَّتِي صَار إِلَيْهَا أقوى من أَمَارَات خَصمه وخصمه يَقُول بل اماراتي أقوى من أَمَارَات من خالفني وَلم يقل أحد من الْمُجْتَهدين أَن كل الْمسَائِل فأماراتها متكافئة
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا قَول النَّبِي ﷺ إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر قَالُوا فَتبين أَن فِي الْمسَائِل حكما يجوز أَن يُصِيبهُ ويخطئه فَالْجَوَاب إِن من الْحَوَادِث مَا هَذِه سَبيله وَهُوَ الحكم بأشبه الأمارات وأقواها فان احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْأَشْبَه فَصَحِيح وَإِن احْتَجُّوا بِغَيْرِهِ
[ ٢ / ٣٩٤ ]
قيل لَهُم مَا تنكرون أَن يكون مَا يجوز أَن يُصِيبهُ الْمُجْتَهد ويخطئه هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ وَيُقَال لَهُم إِن كَانَ الْأَشْبَه حكما معينا عِنْد الله سوى الحكم بأشبه الأمارات فَذَلِك لم يُكَلف الْإِنْسَان إِصَابَته عنْدكُمْ فَكيف يكون مخطئا بالعدول عَنهُ وَلم ينقص ثَوَابه إِذا لم يظفر بِمَا لم يُكَلف الظفر بِهِ
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْمُجْتَهد طَالب والطالب لَا بُد لَهُ من مَطْلُوب وَالْجَوَاب أَن مَطْلُوبه هُوَ الحكم بأقوى الأمارات فَلَا يجوز أَن يطْلب الْأَشْبَه الَّذِي لم يَجْعَل لَهُ إِلَيْهِ طَرِيق وسبيل على قَوْلكُم
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو نَص الله تَعَالَى على الحكم فِي الْمَسْأَلَة لنَصّ على حكم معِين وَذَلِكَ دَلِيل على ان ذَلِك الحكم هُوَ الصَّوَاب عِنْد الله تَعَالَى وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم لَو نَص الله تَعَالَى على الحكم لنَصّ على حكم أشبه الأمارات فَيجب أَن يكون هُوَ الْأَشْبَه فان قَالُوا لَو كَانَت مصلحتنا حكما معينا لَيْسَ هُوَ حكم أشبه الأمارات ثمَّ أَرَادَ النَّص فِي الْمَسْأَلَة أَلَيْسَ ينص عَلَيْهِ قيل بلَى فان قَالُوا فَيجب أَن يكون الحكم الْمَطْلُوب الْآن هُوَ ذَلِك الحكم قيل لَهُم لَو كَانَت مصلحتنا حكما آخر لكلفناه الله وَنَصّ عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي إِذا لم ينص عَلَيْهِ وَلم يكلفنا إِيَّاه أَن لَا يكون هُوَ مصلحتنا وَإِذا لم يكن الْآن مصلحتنا لم يجب أَن نطلبه وَأَيْضًا كَيفَ تَقولُونَ إِنَّه الْآن مصلحتنا وَأَنْتُم تَقولُونَ مَا كلفنا إِصَابَته
وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا كَانَ الْمُجْتَهد فِي الْقبْلَة مَطْلُوبَة الْقبْلَة بِعَينهَا وَكَذَلِكَ الطَّالِب لعَبْدِهِ الْآبِق مَطْلُوبَة العَبْد بِعَيْنِه فَكَذَلِك يجب أَن يكون مَطْلُوب الْمُجْتَهد فِي الْحَوَادِث حكما معينا عِنْد الله وَالْجَوَاب أَن لَيْسَ مَطْلُوب الْمُجْتَهد فِي الْقبْلَة الْقبْلَة بِعَينهَا وَلَا الْجِهَة الَّتِي الْقبْلَة فِيهَا قطعا وَكَيف يطْلب الْقطع على ذَلِك من يعلم أَنه لَا طَرِيق لَهُ إِلَى الْقطع وَإِنَّمَا مَطْلُوبه الأول أَن يظنّ جِهَة الْقبْلَة بأقوى الأمارات وأشبهها وَيتبع هَذَا الْمَطْلُوب مَطْلُوب آخر وَهُوَ الْعلم بِوُجُوب الصَّلَاة إِلَى تِلْكَ الْجِهَة وَيتبع ذَلِك فعل الصَّلَاة إِلَى تِلْكَ الْجِهَة وَكَذَلِكَ
[ ٢ / ٣٩٥ ]
نقُول فِي الْحَوَادِث إِن مَطْلُوب الْمُجْتَهد أَن يظنّ عِلّة الأَصْل بأقوى الأمارات وَيتبع ذَلِك أَن يعلم وجوب إِلْحَاق الْفَرْع بِالْأَصْلِ وَيتبع هَذَا الْعلم أَن يعْمل بذلك فان قَالُوا أَلَيْسَ الْمُجْتَهد فِي الْقبْلَة يعلم أَن الْقبْلَة عين من الْأَعْيَان يجوز أَن تكون فِي الْجِهَة الَّتِي يظنّ باقوى الأمارات أَن الْقبْلَة فِيهَا وَيجوز أَن لَا يكون فِيهَا فَقولُوا إِن حكم الْمَسْأَلَة هُوَ حكم معِين عِنْد الله يجوز أَن يكون هُوَ حكم أقوى الأمارات وَيجوز أَن يكون غَيره قيل لَهُم وَلم إِذا جَازَ أَن تكون الْقبْلَة فِي غير الْجِهَة الَّتِي يطْلبهَا الْمُجْتَهد فِيهَا جَازَ أَن يكون حكم الْمَسْأَلَة غير حكم أشبه الأمارات وَيُقَال لَهُم الْفرق بَينهمَا أَن الْقبْلَة نَفسهَا لَيْسَ هِيَ مَطْلُوب الْمُجْتَهد الَّذِي كلف الصَّلَاة إِلَيْهِ بِعَيْنِه فَلم يمْتَنع أَن تكون فِي غير الْجِهَة الَّتِي يطْلبهَا فِيهَا بل مَطْلُوبَة الَّذِي كلف هُوَ الصَّلَاة إِلَى الْجِهَة الَّتِي يظنّ الْقبْلَة فِيهَا لَا إِلَى الْقبْلَة بِنَفسِهَا ولسنا نمْنَع أَن يكون مَا لم يُكَلف الْمَرْء إِصَابَته غير مَوْجُود بِحَيْثُ نظنه وَأما حكم الْحَادِثَة الَّذِي هُوَ مصلحَة الْمُكَلف فقد كلف الْوُصُول إِلَيْهِ فَلَا بُد أَن يكون ذَلِك الحكم إِمَّا مُقْتَضى دلَالَة أَو مُقْتَضى امارة قَوِيَّة أَو ضَعِيفَة فاذا لم يكن دلَالَة وَلَا أَمارَة ضَعِيفَة مَعَ تمكن الْمُجْتَهد من القوية فَلَا بُد من كَونه مُقْتَضى أَمارَة قَوِيَّة وَالْقَوْل بعد ذَلِك بانه يجوز أَن لَا يكون ذَلِك الحكم مُقْتَضى الأمارة القوية مناقضة ظَاهِرَة فان قَالُوا ذَلِك الحكم أَيْضا مَا كلف الْمَرْء إِصَابَته كَمَا لم يُكَلف إِصَابَة الْقبْلَة قيل قد أفسد ذَلِك فِيمَا تقدم - ﷺ َ - بَاب الْفرق بَين مسَائِل الِاجْتِهَاد وَمَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد - ﷺ َ -
اعْلَم أَن قَاضِي الْقُضَاة ذكر فِي الْعمد أَن مَا عَلَيْهِ دلَالَة قَاطِعَة فَلَيْسَ هُوَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَالْحق فِي وَاحِد مِنْهُ لَا يحل خِلَافه سَوَاء كَانَت تِلْكَ الدّلَالَة خُفْيَة اَوْ جلية وَلم يفصل بَين الْإِجْمَاع الْمُبْتَدَأ وَبَين الْإِجْمَاع بعد
[ ٢ / ٣٩٦ ]
الْخلاف وَالْإِجْمَاع الصَّادِر عَن اجْتِهَاد وَحكي عَن مُحَمَّد بن الْحسن أَنه نقض حكم الْحَاكِم فِي بيع امهات الْأَوْلَاد لوُقُوع الْإِجْمَاع على ذَلِك وَإِن كَانَ بعد الْخلاف وَعَن أبي حنيفَة أَنه لَا ينْقض بِهِ حكم الْحَاكِم وَحكي عَن أبي الْحسن أَن أَبَا حنيفَة لم يخرج هَذَا الْإِجْمَاع من كَونه حجَّة وَلكنه لَا ينْقض بِهِ حكم الْحَاكِم وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْعُمُوم إِذا خص بعضه أَن مَا دخل تَحت الْعُمُوم بعد التَّخْصِيص لَا يسوغ خِلَافه
وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة إِن مَا لَيْسَ عَلَيْهِ دلَالَة قَاطِعَة بل عَلَيْهِ أَمارَة فَقَط كَخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فَالْوَاجِب على الْمُجْتَهد أَن يعْمل بِمَا يُؤَدِّيه إِلَيْهِ اجْتِهَاده فَكل مُجْتَهد فِيهِ مُصِيب وَيحل خلاف بعض الْمُجْتَهدين لبَعض وَسَوَاء كَانَ خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس مخصصين لعُمُوم الْكتاب أَو لم يَكُونَا مخصصين لَهُ
وَاعْلَم أَن الْفُقَهَاء يعدون من مسَائِل الِاجْتِهَاد مَا يسْتَدلّ عَلَيْهِ بِالْكتاب كالنية فِي الْوضُوء وَالتَّرْتِيب وَأَن الْوَاو للتَّرْتِيب أَو للْجمع وَأَن الْفَاء للتعقيب وَهَذِه أَدِلَّة مَعْلُومَة وَلَيْسَ فيهم من يسلم أَن ظَاهر الْآيَة مَعَ مُخَالفَة وَأَنه عدل عَن ذَلِك لخَبر وَاحِد أَو قِيَاس فَيكون طَرِيق الْمَسْأَلَة الأمارات فَقَط بل كل مِنْهُم يَقُول إِن الْآيَة تفِيد مَا أقوله اللَّهُمَّ إِلَّا ان يُقَال إِن كَون الْوَاو للْجَمِيع أَن للتَّرْتِيب وَأَن الْفَاء للتعقيب فِي اللُّغَة طَريقَة الأمارات دون الْأَدِلَّة وَهَذَا بعيد وَإِذا ثَبت ذَلِك لم يكن الْفرق بَين مسَائِل الِاجْتِهَاد وَمَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد مَا ذكره وَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِن مسَائِل الِاجْتِهَاد الَّتِي لَا لوم على المخطىء فِيهَا هِيَ مَا اخْتلف فِيهِ أهل الِاجْتِهَاد من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَلَا يدْخل فِي ذَلِك مَا لَيْسَ من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَلَا مَا اتّفق عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ وَلَا مَا خَالف فِيهِ من لَيْسَ من أهل الِاجْتِهَاد وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يكون الْخَطَأ فِي الْفُرُوع الَّتِي عَلَيْهَا أَمَارَات إِن كَانَ لَهُ ثَوَاب أَو يتفضل الله بغفرانه وَهَذَا الْفَصْل يَصح على قَول من قَالَ إِن الْحق فِي وَاحِد فَأَما من قَالَ كل
[ ٢ / ٣٩٧ ]
مُجْتَهد مُصِيب فأنما يفصل بَين مسَائِل الِاجْتِهَاد وَبَين غَيرهَا فِي إِصَابَة الْمُجْتَهدين وَلَيْسَ يجوز ان يُصِيبُوا عِنْده كلهم إِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة دلَالَة لِأَن خلاف الدّلَالَة خطأ وَيجوز لمن قَالَ إِن الْحق فِي وَاحِد أَن يَقُول خلاف الدّلَالَة خطأ وَأَنه مغْفُور
وَإِذ قد ذكرنَا أَحْكَام الْمُجْتَهدين فِي الْفُرُوع فلنذكر أَحْكَام الْمُجْتَهدين فِي الاصول وَعند الْفَرَاغ مِنْهُ يَقع الْفَرَاغ من الْكتاب إِن شَاءَ الله - ﷺ َ - بَاب فِي أَن الْمُجْتَهدين فِي الْأُصُول لَا يجوز أَن يَكُونُوا على تباينهم مصيبين - ﷺ َ -
اعْلَم أَن المعتقدين للشَّيْء باعتقادات متنافية لَا يجوز كَونهم بأجمعهم مصيبين كالمعتقدين أَن الله سُبْحَانَهُ يرى فِي بعض الْحَالَات والمعتقدين أَنه لَا يرى بِحَال وَقَالَ عبيد الله بن الْحسن الْعَنْبَري إِن الْمُجْتَهدين فِي الاصول من أهل الْقبْلَة كالموحدة والمشبهة وَأهل الْعدْل والقدرية مصيبون وَيَنْبَغِي أَن نبين معنى قَوْلنَا صَوَاب ثمَّ نبين أَنه لَا يُمكن اجْتِمَاع الاعتقادات المتنافية فِيهِ فَنَقُول
إِن كَانَ الْفِعْل الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ صوب خَارِجا عَن الاعتقادات والظنون وَالْأَخْبَار وَكَانَ من أَفعَال الْجَوَارِح وَغَيرهَا كالارادات والكراهات فَالْمُرَاد بذلك أَن فاعلة قد أصَاب بِهِ مَا كلف مَأْخُوذ من إِصَابَة الرَّامِي بسهمه الْغَرَض وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة المُرَاد بذلك أَنه أصَاب بِهِ فَاعله الْحسن وَإِن كَانَ الْفِعْل من حيّز الاعتقالات فقد يُوصف بِأَنَّهُ صَوَاب وَيُرَاد بِهِ هَذَا الْمَعْنى وَيُرَاد بِهِ أَيْضا أَنه أُصِيب بِهِ الْحق وَأَنَّهَا تعلّقت بالمعتقد والمخبر عَنهُ على مَا هما بِهِ وَإِن كَانَ الْفِعْل ظنا فقد يُوصف بِأَنَّهُ صَوَاب وَيُرَاد بِهِ الْوَجْه الأول وَقد يُرَاد بِهِ أَن مظنونه على مَا ظَنّه أَي أَن الْأَقْرَب فِي مظنونه أَنه يكون على مَا تنَاوله
[ ٢ / ٣٩٨ ]
الظَّن سَوَاء وجد مظنونه أَو لم يُوجد وَقد يُقَال أَيْضا أَخطَأ ظن فلَان إِذا ظن وجود الشَّيْء فَلم يُوجد وَيُقَال أصَاب ظَنّه إِذا وجد مظنونه على حد مَا ظَنّه فالظن يُوصف بِأَنَّهُ صَوَاب على أحد هَذِه الْوُجُوه الثَّلَاثَة
فاذا ثَبت ذَلِك لم يجز كَون اعْتِقَاد الرُّؤْيَة واعتقاد نَفيهَا صوابين على كل هَذِه الْوُجُوه لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ الْمُخَالف بكونهما صوابين أَنَّهُمَا يتناولان الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ فَذَلِك يَقْتَضِي أَن يكون البارىء سُبْحَانَهُ يرى فِي الْحَالَات وَلَا يرى فِي شَيْء من الْحَالَات وَذَلِكَ يتنافى وَكَذَلِكَ القَوْل فِي كل اعتقادين ضدين لِأَنَّهُمَا إِنَّمَا يكونَانِ ضدين إِذا تعلقا باثبات وَنفي يَسْتَحِيل اجْتِمَاعهمَا وَكَذَلِكَ الخبران عَن نفي وَإِثْبَات يَسْتَحِيل اجْتِمَاعهمَا لَا يجوز كَونهمَا متناولين للشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ لِاسْتِحَالَة اجْتِمَاع الْإِثْبَات وَالنَّفْي المتنافيين وَكَذَلِكَ الْخَبَر بِأَن الْعَالم قديم وَالْخَبَر بِأَنَّهُ مُحدث وغن أَرَادَ أَن هذَيْن الاعتقادين صوابان على معنى أَنَّهُمَا حسنان أَو قد اصيب بهما التَّكْلِيف لم يجز لِأَنَّهُ إِذا كَانَ أَحدهمَا متناولا للشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ فَهُوَ جهل وَالْجهل قَبِيح لَا يتَنَاوَلهُ التَّكْلِيف وَالْخَبَر المتناول للشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ كذب وقبيح لَا يتَنَاوَلهُ التَّكْلِيف واما الظَّن الصَّادِر عَن أَمارَة مُجْتَهد فَهُوَ أبدا صَوَاب لِأَنَّهُ متناول لما الْأَغْلَب كَونه فَهُوَ كَذَلِك كَانَ مظنونه أَو لم يكن وَأما أَنه صَوَاب بِمَعْنى أَن فَاعله قد أصَاب مَا كلف فانه إِن كَانَ مَا قد كلف فعله فَهُوَ صَوَاب على هَذَا الْمَعْنى وَإِن لم يُكَلف فعله فَلَيْسَ بصواب على هَذَا الْمَعْنى
فان قَالَ الْمُخَالف إِن الله تَعَالَى كلف أهل الْقبْلَة الظَّن لكَونه يرى أَو لَا يرى واماراتهم هَذِه الْآيَات المتشابهة فالظانون لِكِلَا الْأَمريْنِ مصيبون لما كلفوه من الظَّن قيل إِن الْمَرْء إِنَّمَا كلف الظَّن إِذا تعذر عَلَيْهِ الْعلم وَالْعلم هَا هُنَا غير مُتَعَذر وَأَيْضًا فالمخالفون فِي الرُّؤْيَة وَفِي الْجَبْر وَفِي الْعدْل يَدعِي كل فريق مِنْهُم أَنه عَالم غير ظان فَالْقَوْل بِأَنَّهُم كلفوا الظَّن خَارج عَن الْإِجْمَاع
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وَيلْزم السَّائِل تَكْلِيف الْيَهُود وَالنَّصَارَى والملحدة الظَّن وأماراتهم الشّبَه الَّتِي يتعلقون بهَا ويكونوا مصيبين فِي ظن النَّفْي وَالْإِثْبَات وَهَذَا محَال
[ ٢ / ٤٠٠ ]