- ﷺ َ - بَاب فِي حَقِيقَة النَّاسِخ - ﷺ َ -
قد حد أَصْحَابنَا الطَّرِيق النَّاسِخ بِأَنَّهُ مَا دلّ على أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ غير ثَابت على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ وَقُلْنَا يلْزم على هَذَا أَن يكون الْعَجز المزيل لمثل الحكم الَّذِي كَانَ ثَابتا على الْمُكَلف نَاسِخا لِأَنَّهُ قد دلّ على أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ غير ثَابت على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ فان قيل إِن الدَّال على أَن مثل الحكم غير ثَابت هُوَ دَلِيل الْعقل الدَّال على أَنه لَا تَكْلِيف مَعَ الْعَجز وَهَذَا الدَّلِيل مُتَقَدم على الدَّلِيل الدَّال على وجوب الْعِبَادَة غير متراخ عَنهُ قُلْنَا هَذَا يُوجب أَن لَا يُوصف فعل النَّبِي ﷺ بضد مَا أمرنَا بِهِ بِأَنَّهُ دَلِيل مَا نسخ عَنَّا الْعِبَادَة الْمَأْمُور بهَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون نَاسِخا عَنَّا لأجل مَا تقدم من الدَّلِيل على أَنا إِذا علمنَا الْوَجْه الَّذِي أوقع النَّبِي ﷺ فعله عَلَيْهِ كَانَ حكمنَا فِيهِ حكمه من وجوب أَو نفل أَو إِبَاحَة وَقد قَالَ أَصْحَابنَا بِأَن فعله يكون دَلِيلا نَاسِخا عَنَّا الْعِبَادَة وَإِن كَانَ دَلِيل اتباعنا أَيَّاهُ فِيهِ مُتَقَدما فَكَذَلِك يلْزم أَن يُقَال فِي الْعَجز الطاريء على الْمُكَلف وعَلى أَن الدَّلِيل الْعقلِيّ الدَّال على أَن الْعِبَادَة ترْتَفع بِالْعَجزِ وَهُوَ كالدليل الْعقلِيّ الدَّال على وجوب الْمصير إِلَى قَول النَّبِي ﷺ فَكَمَا لم يمْنَع أَن يكون قَول النَّبِي ﷺ هُوَ النَّاسِخ إِذا ورد بِرَفْع الْعِبَادَة فَكَذَلِك لَا يمْتَنع أَن يكون الْعَجز هُوَ النَّاسِخ وَإِن كُنَّا علمنَا بِالْعقلِ أَن الْعَجز ترْتَفع مَعَه الْعِبَادَة
[ ٢ / ٤١٨ ]
فان قيل قَول الله ﷿ ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ وَقَوله ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ يجْرِي مجْرى أَن يَأْمُرنَا بِعبَادة عبَادَة ويشرطها بالاستطاعة وَلَو فعل ذَلِك لم يكن وجود الْعَجز نسخا لِأَنَّهُ قد علق الْعِبَادَة بِشَرْط مَعْلُوم مفصل وَالْخطاب الْمُقَيد بِهَذَا الشَّرْط غير مُتَأَخّر فَلم يكن نسخا كتعليق الْعِبَادَة بغاية مفصلة مثل قَوْله ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ انه لَا يكون وجود اللَّيْل نَاسِخا وَلَا قَوْله ﴿إِلَى اللَّيْل﴾ نَاسِخا للصَّوْم فِي اللَّيْل قيل أَلَيْسَ لَو لم يقل الله ﷿ ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ وَلَا قَالَ ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ لَكَانَ وجود الْعَجز دَالا على أَن مثل حكم الْعِبَادَة غير ثَابت فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَا يكون ذَلِك نَاسِخا لِأَن النّسخ لَا يثبت بعد انْقِطَاع الْوَحْي وَالْعجز قد يطْرَأ على الْمُكَلّفين بعد موت النَّبِي ﷺ فقد وجد الْحَد فِي هَذَا الْموضع والمحدود لَيْسَ بحاصل وَلَا شُبْهَة فِي أَن الْعَجز وَالْمَوْت قد طرءا على بعض الْمُكَلّفين قبل نزُول هَاتين الْآيَتَيْنِ فَزَالَ مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ وَلم يكن ذَلِك نَاسِخا وَقد قُلْنَا فِي الْكتاب إِنَّه يلْزم على الْحَد الْمَذْكُور أَن تكون الْأمة إِذا اخْتلفت فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ وسوغت للعامي الْأَخْذ بايهما شَاءَ وأجازت للمجتهد أَن يَقُول بِأَيِّهِمَا شَاءَ إِذا أدّى اجْتِهَاده إِلَيْهِ أَو قَالَت إِن أَخذ بالْخَطَأ مِنْهُمَا لم يكن ملوما على قَول من قَالَ إِن الْحق فِي وَاحِد ثمَّ اجمعت على أحد الْقَوْلَيْنِ فَلم يسع للعامي الْأَخْذ بِمَا كَانَ يسوغ لَهُ الْأَخْذ بِهِ وَهُوَ القَوْل الآخر وَلَا كَانَ للمجتهد أَن يصير إِلَيْهِ ان يكون إِجْمَاعهم نَاسِخا لِأَنَّهُ دَال على أَن مثل الثَّابِت بنصهم غير ثَابت على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ
إِن قيل أهل الِاجْتِهَاد من الْأمة إِذا اخْتلفت على قَوْلَيْنِ فانها لم تنص على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا للعامي وللمجتهد قيل كَيفَ لم تنص على ذَلِك
[ ٢ / ٤١٩ ]
وَقد صرحت بِهِ فِي كتبهَا واستدلت عَلَيْهِ فان قيل لَيْسَ مَعكُمْ أَن كل وَاحِد من أهل الِاجْتِهَاد قد قَالَ بذلك نصا وَأَنه لم ينص عَلَيْهِ بَعضهم وَلم يُنكره الْبَاقُونَ قيل قد صَار الحكم ثَابتا بِالنَّصِّ من بَعضهم مَعَ علم البَاقِينَ وَذَلِكَ لَا يمْنَع من كَونه ثَابتا بِالنَّصِّ وَإِن كَانَ ثَابتا مَعَ غَيره ثمَّ يُقَال للسَّائِل الْيَسْ لَو نَص كل وَاحِد من الْأمة على جَوَاز تَقْلِيد الْعَاميّ لكل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ ثمَّ أَجمعُوا على أَحدهمَا فَحرم الْأَخْذ بالْقَوْل الآخر لم يكن ذَاك نسخا لِأَن النّسخ لَا يكون بعد انْقِطَاع الْوَحْي فَبَطل أَن يقْتَصر فِي الْحَد على مَا ذكر لِأَنَّهُ لَو اقْتصر عَلَيْهِ لوَجَبَ لَو وجد أَن يكون الْمَحْدُود قد وجد كَمَا أَن من حد الْجَهْل بِأَنَّهُ اعْتِقَاد الشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ وفرضنا أَنه لَا وجود للْجَهْل فانه يلْزمه لَو وجد مَا هُوَ اعْتِقَاد الشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ أَن يكون قد وجد الْجَهْل وَلَو قَالَ لَا يكون الْجَهْل مَوْجُودا وَإِن وجد الِاعْتِقَاد للشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ لزمَه أَن لَا يكون هَذَا حد للْجَهْل فَكَذَلِك إِذا قَالَ الدَّلِيل النَّاسِخ هُوَ مَا دلّ على أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ غير ثَابت على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ فانه وَإِن لم تنص الامة على جَوَاز تَقْلِيد الْعَاميّ لكل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ يلْزمه لَو نصت على ذَلِك ثمَّ أَجمعت على أحد الْقَوْلَيْنِ فَحرم الْأَخْذ بالْقَوْل الآخر أَن يكون إجماعها نَاسِخا فان لم يكن نَاسِخا فقد فسد الْحَد
فان قيل أَنْتُم اعترضتم الْحَد باعتراض غير مُقَدّر وَمَا تذكرونه الْآن هُوَ مُقَدّر فَهُوَ غير مَا ذكرتموه فِي الْكتاب قيل إِنَّمَا اعترضنا باخْتلَاف الامة على قَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَة وتسويغهم بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا وَلم نقل إِن ذَلِك مُحَقّق أَو مُقَدّر
فَإِن قيل المجتهدون من الامة وَإِن قَالُوا يجوز للعامي الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ فان قَوْلهم لَا يُسمى نصا فِي الْعرف بل قَوْلنَا نَص فِي عرف الْفُقَهَاء يَقع على نَص الله ﷿ وَنَصّ رَسُوله فقولنا فِي الْحَد إِن الدَّلِيل النَّاسِخ هُوَ مَا دلّ على أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ لَا يتَنَاوَل نَص الامة لِأَنَّهُ لَا
[ ٢ / ٤٢٠ ]
يُسمى نصا فِي الْعرف قيل لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْفُقَهَاء يَقُولُونَ قد نصت الْأمة على كَذَا وَكَذَا كَمَا يَقُولُونَ نَص النَّبِي ﷺ على كَذَا وَكَذَا وَإِن كَانُوا لَا يَتَعَارَفُونَ من إِطْلَاق اسْم النَّص على نَص الْأمة فَأولى أَن لَا يتعارفوا من إِطْلَاقه نَص مُوسَى وَعِيسَى فَيجب أَن لَا يتَنَاوَل الْحَد الْمَذْكُور مَا دلّ على نسخ الشَّرَائِع لِأَن الْأمة إِذا أطلقت اسْم النَّص لَا تَعْنِي بِهِ نَص غير النَّبِي من الْأَنْبِيَاء وَمَعْلُوم ان قَول النَّبِي ﷺ إِذا رفع عبَادَة لبَعض الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين يكون نسخا وَلَا يلْزمنَا مثل ذَلِك على مَا حددنا النَّاسِخ بقولنَا إِنَّه قَول صادر عَن الله أَو عَن رَسُوله لأَنا لم نقصر النَّص على كَلَام نَبينَا ﷺ دون كَلَام غَيره
فان قَالُوا الامة إِنَّمَا سوغت للعامي أَن يقبل مِمَّن يفتيه بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ فاذا أَجمعُوا على أحد الْقَوْلَيْنِ لم يجد الْعَاميّ من يفتيه بالْقَوْل الآخر فَيُقَال قد حرم عَلَيْهِ الْأَخْذ بِهِ قيل لَهُم قد يجد من يفتيه بِأَن يصير بعض الْمُجْتَهدين إِلَى القَوْل الآخر بعد إِجْمَاعهم وَمن حد الدَّلِيل النَّاسِخ بِمَا ذَكرْنَاهُ يحرم الْأَخْذ بالْقَوْل الآخر وَلَا يُجِيز التَّقْلِيد فِيهِ وَأَيْضًا فانه يحرم على الْمُجْتَهد بعد الْإِجْمَاع على أحد الْقَوْلَيْنِ أَن يصير إِلَى القَوْل الآخر وَيكون مأثوما بَعْدَمَا كَانَ من أهل الِاجْتِهَاد سوغوا لَهُ ذَلِك أَو قَالُوا لَا تكون مأثوما فقد حصل معنى النّسخ فِي الْمُجْتَهد وَأَيْضًا فَلَو أَجمعُوا على أحد الْقَوْلَيْنِ إِلَّا مُجْتَهد وَاحِد وَأفْتى الْعَاميّ بقوله ثمَّ وَافق من عداهُ على قَوْلهم قبل أَن يعْمل الْعَاميّ بذلك ثمَّ عرف مُوَافَقَته لَهُم فانه لَا يجوز لَهُ الْعَمَل على ذَلِك بعد مَا جَازَ لَهُ الْعَمَل عَلَيْهِ فقد صَار اتِّفَاقهم دَالا على أَن مثل الحكم الثَّابِت بنصهم غير ثَابت
فان قيل الامة إِذا اخْتلفت على قَوْلَيْنِ فانما سوغت للعامي وللمجتهد الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بِشَرْط أَن لَا يتَّفق على أَحدهمَا وَهَذَا شَرط مفصل فوجوده لَا يكون نَاسِخا وَلَيْسَ كَذَلِك قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا﴾
[ ٢ / ٤٢١ ]
لِأَن السَّبِيل هَهُنَا مُجمل غير مفصل فَمَا ورد بتفصيله يكون نَاسِخا لإمساك فِي الْبيُوت وَهُوَ قَول النَّبِي ﷺ وخذوا عني قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا قيل يَنْبَغِي أَن يَقع الِانْفِصَال بِمَا هُوَ مَذْكُور فِي الْحَد وَهَذَا الَّذِي ذكرتموه من تَفْصِيل الشَّرْط لَيْسَ بمذكور فِي حد الدَّلِيل النَّاسِخ على أَن مَا ذكرتموه من الْحَد يَقْتَضِي أَن الْأمة لَو اخْتلفت فسوغت للعامي الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وَلم يشرط مَا ذكرتموه فِي الْحَال فَلَمَّا اجمعت على أحد الْقَوْلَيْنِ حرمت الْأَخْذ بِالْآخرِ أَن يكون نَاسِخا على أَنه لَيْسَ مَعكُمْ أَن الْأمة لما اخْتلفت فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ سوغت الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا على هَذَا الشَّرْط وَكَيف يمكنكم ادِّعَاء ذَلِك والمخالف يَقُول إِن الْأمة مَا منعت من الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وَإِن اتّفقت على أَحدهمَا وَكَيف يمكنكم على أصولكم أَن تَقولُوا إِن الْأمة قد قَالَت ذَلِك حِين اخْتلفت وَأَنْتُم تجوزون أَن يَأْمر الله بتكرار الْعِبَادَة وَهُوَ يُرِيد نسخهَا فَلَا يبين ذَلِك فِي الْحَال لَا مُجملا وَلَا مفصلا ويبينه عِنْد وَقت النّسخ فَمَا تنكرون ان تكون الْأمة لم تبين تَحْرِيم الْأَخْذ بالْقَوْل الَّذِي أَجمعت على خِلَافه إِلَّا حِين أَجمعت على خِلَافه فَلم تكن إباحتها الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ مَشْرُوطَة
فان قَالُوا نَحن وَإِن جَوَّزنَا ذَلِك فانا نجوز أَن تكون شَرْطِيَّة عِنْد اختلافها قيل إِذا جوزتم كلا الْأَمريْنِ فجوزوا كَون اتِّفَاقهمَا نَاسِخا لجَوَاز الْأَخْذ بالْقَوْل الآخر لأنكم لَا تأمنون أَن يَكُونُوا مَا شرطُوا إِبَاحَة الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ عِنْد اخْتلَافهمْ بِالشّرطِ الَّذِي ذكرتموه وَقد حددنا نَحن الطَّرِيق النَّاسِخ بِأَنَّهُ قَول صادر عَن الله أَو قَول أَو فعل أَو ترك منقولين عَن رَسُوله يُفِيد إِزَالَة مثل الحكم الثَّابِت بِنَصّ من الله أَو بِنَصّ أَو فعل منقولين عَن رَسُوله مَعَ تراخيه عَنهُ على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا
وَلقَائِل أَن يَقُول قَوْلكُم يُفِيد إِزَالَة مثل الحكم يَقْتَضِي أَن مثل الحكم
[ ٢ / ٤٢٢ ]
كَانَ ثَابتا فأزيل لِأَنَّهُ لَا يُقَال أزلت هَذَا الشَّيْء إِلَّا وَقد كَانَ ذَلِك الشَّيْء ثَابتا وَإِزَالَة الحكم بعد ثُبُوته هُوَ بداء وَلَيْسَ هُوَ نسخا قيل قد يُقَال فِي الشَّيْء إِنَّه أزيل إِذا كَانَ ثَابتا فازيل وَقد يُقَال قد أزيل الشَّيْء بِكَذَا إِذا كَانَ فلولا ذَلِك المزيل لثبت ذَلِك الشَّيْء سِيمَا إِذا كَانَ ذَلِك الشَّيْء يتَوَهَّم ثُبُوته ويتوقع فانه لَا يمْتَنع اُحْدُ إِذا كَانَ يتَوَقَّع اسْتِمْرَار توجهه إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ نهي عَن ذَلِك أَن يَقُول قد أزيل عَنَّا التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَإِنَّمَا يُرَاد إِزَالَة مَا يسْتَأْنف وَيصِح إِطْلَاق ذَلِك فِيهِ لما بَيناهُ وَقد دللنا فِي الْحَد على أَنا أردنَا هَذَا الْوَجْه بقولنَا مُفِيد لإِزَالَة مثل الحكم الثَّابِت بِنَصّ أَو فعل لِأَنَّهُ لَو كَانَ الحكم المزال قد كَانَ ثَبت ثمَّ أزيل لَكَانَ هُوَ حكم النَّص لَا مثله ودللنا على أَنه إِنَّمَا أزاله بِأَن دلّ على أَنه غير ثَابت وَبِأَنَّهُ منع من ثُبُوته بقولنَا على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا فَبَان بذلك أَنه مُفِيد لإِزَالَة الحكم على هَذَا الْوَجْه وَلنَا أَن نعتاض من قَوْلنَا مُفِيد لإِزَالَة مثل الحكم بقولنَا يُفِيد أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ أَو بِالْفِعْلِ غير ثَابت على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا وكل وَاحِد من هذَيْن الْكَلَامَيْنِ يتَرَجَّح على الآخر من وَجه أما قَوْلنَا يُفِيد أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ أَو بِالْفِعْلِ غير ثَابت فانه يتَرَجَّح على الْعبارَة الثَّانِيَة لِأَن فِيهَا تَصْرِيح بالإزالة وَهِي معنى النّسخ فِي الأَصْل وَالْحَد الْمُفِيد من جِهَة الصَّرِيح لِمَعْنى الْمَحْدُود وَفَائِدَته أولى
وَاعْلَم أَن الْغَرَض بِهَذَا الْحَد هُوَ حصر مَا وَقع الِاصْطِلَاح على تَسْمِيَته طَرِيقا نَاسِخا وَهُوَ بتفسير الِاسْم أشبه مِنْهُ بِالْحَدِّ فقولنا قَول أَو فعل منقولين عَن رَسُول الله قد حصرنا بِهِ مَا نقل عَنهُ من قَول أَو فعل وتناولهما قبل أَن ينقلا وَبَعْدَمَا نقلا فأشرنا بِهَذَا القَوْل إِلَى كل مَا وَقع الِاصْطِلَاح بعد وَفَاته على أَنه طَرِيق نَاسخ وَلَك أَن تعتاض من ذَلِك فَنَقُول قَول أَو فعل مَعْلُوم ورودهما من النَّبِي ﷺ أَو مظنون وَلَيْسَ يلْزم على ذَلِك أَن يُقَال النّسخ يَقع بِالتّرْكِ ايضا وَذَلِكَ لِأَن الله أَو رَسُوله إِذا أوجبا صَلَاة متكررة فان نسخهَا
[ ٢ / ٤٢٣ ]
بعد أَن فعلهَا فَلَا بُد من أَن يفعل فعلا يدل بِهِ عَن الصَّلَاة إِمَّا بِفِعْلِهِ فِي وَقت الصَّلَاة أَو بِفِعْلِهِ قبل الْوَقْت ويستديمه إِلَى دُخُول الْوَقْت وَخُرُوجه نَحْو أَن يستلقي وَإِذا فعل ذَلِك كَانَ النَّاسِخ هُوَ مَا فعله أَو مَا تجدّد فعله فِي الْوَقْت فالناسخ هُوَ الْفِعْل فِي الْحَالين وايضا فالترك يُسمى فعلا فانك تَقول بئس مَا فعل فلَان فَيُقَال لَك مَا فعل فَنَقُول لم يخرج من دَار غَيره بَعْدَمَا نَهَاهُ مَالِكهَا عَن الْكَوْن فِيهَا وَاسم الْفِعْل يَقع على التّرْك فِي الْعرف وَلَك أَن تزيد فِي الْحَد التّرْك فَتَقول قَول أَو فعل أَو ترك وَمَعْلُوم وُرُوده عَن النَّبِي ﷺ أَو مظنون يُفِيد أَن مثل الحكم الثَّابِت بِمثل هَذِه الامور غير ثَابت فِي الْمُسْتَقْبل على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ وَأما الْمَنْسُوخ فَهُوَ الحكم المزال إِذا اخْتصَّ بالشرائط الَّتِي ذَكرنَاهَا وَلَك أَن تَقول هُوَ الحكم الَّذِي تنَاول الطَّرِيق النَّاسِخ وَالطَّرِيق النَّاسِخ هُوَ الْمُخْتَص بالشرائط الَّتِي ذَكرنَاهَا أَو تَقول هُوَ الحكم الَّذِي اقْتضى الطَّرِيق النَّاسِخ أَنه غير ثَابت مَعَ أَنه مثل الحكم الَّذِي كَانَ ثَابتا وَأما حد النّسخ فَهُوَ إِزَالَة مثل الحكم الْمُخْتَص بالشرائط الَّتِي ذَكرنَاهَا أَو تَقول هُوَ تَبْيِين كَون مثل الحكم الثَّابِت غير ثَابت إِذا اخْتصَّ الحكم وَمثله بالشرائط الَّتِي ذَكرنَاهَا وَمن حد النّسخ بِأَنَّهُ إِزَالَة الحكم بعد استقراره فانه إِن أَرَادَ بذلك اسْتِقْرَار نفس الحكم فَذَلِك بداء وَإِن أَرَادَ اسْتِقْرَار جنس الحكم فَذَلِك يَقْتَضِي كَون إِزَالَة الْعِبَادَة بِالْعَجزِ أَو إِزَالَة حكم الْعقل بِحكم الشَّرْع نسخا - ﷺ َ - بَاب الدّلَالَة على جَوَاز نسخ الشَّرَائِع - ﷺ َ -
اعْلَم أَنه لَا يجوز أَن يحمل جَوَاز بَيَان انْقِطَاع الْعِبَادَة بالنسخ على جَوَاز تَأْخِير بَيَان وَقت انقطاعهما بِالْمَوْتِ وَالْعجز لأَنا قد أشعرنا بِجَوَاز انقطاعها بِالْمَوْتِ وَالْعجز فِي كل وَقت الا ترى أَن الْإِنْسَان قبل التَّكْلِيف يجوز أَن يعجز وَيَمُوت
[ ٢ / ٤٢٤ ]
فِي كل وَقت ويمنعه الْمَوَانِع وَإِذا ورد عَلَيْهِ الْأَمر يفعل الْعِبَادَة على التّكْرَار لم يجوز دوَام حَيَاته وَقدرته بل يجوز ارتفاعها فِي كل وَقت للْعَادَة الَّتِي جرت فِي النَّاس وَإِذا اقْترن بذلك أَن يعْتَقد أَنه لَا يجوز أَن يعرف وَقت مَوته لِأَن ذَلِك إغراء بِالْمَعَاصِي تَأَكد تجويزه للْمَوْت وَالْعجز فِي كل وَقت وَإِذا اقْترن بذلك قَول الله ﷿ ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ يُؤَكد هَذَا التجويز فَبَان أَن الْمُكَلف قد أشعر إشعارا يجوز مَعَه أَن يتَعَذَّر عَلَيْهِ الْفِعْل فِي كل وَقت إِمَّا بِمَوْت أَو بِغَيْرِهِ فنظير ذَلِك أَن يُؤمر بِالْعبَادَة وَيُقَال لَهُ جوز وُرُود النّسخ عَلَيْهَا فِي الْمُسْتَقْبل أَو يُقَال لَهُ جوز فِي كل مَا يتعبدك بِهِ أَن يتَغَيَّر كَونه مصلحَة فِي وَقت من الْأَوْقَات الْمُسْتَقْبلَة
فان قيل فَيجب إِذا جرت الْعَادة بنسخ الْعِبَادَة الْمقيدَة بالتأييد أَو بالتكرار أَن يكون ذَلِك إشعارا بِجَوَاز النّسخ فَيجوز مَعَه أَن تنسخ الْعِبَادَة وَإِن لم يتَبَيَّن ذَلِك عِنْد وُرُود الْأَمر بهَا قيل الْعَادة إِنَّمَا تجْرِي عَن أول الْأَمر فَأول مَا يرد بالعبادات مُقَيّدا بالتكرار يَنْبَغِي أَن لَا يحسن نسخهَا إِلَّا أَن يشْعر بذلك عِنْد الْأَمر لِأَنَّهُ مَا تقدم هَذَا الْأَمر عَادَة فِي نسخ عبَادَة من دون إِشْعَار وَكَذَلِكَ فِي أَمر آخر بِعبَادة أُخْرَى وَفِي أَمر آخر وَإِذا توالى التَّعَبُّد مَعَ الْإِشْعَار صَارَت الْعَادة جَارِيَة بتأخر بَيَان النّسخ إِذا تقدمه الْإِشْعَار فَلَا يجوز من دون إِشْعَار - ﷺ َ - بَاب الدّلَالَة على جَوَاز نسخ الْكتاب بِالسنةِ - ﷺ َ -
إِذا كَانَ قَول الْقَائِل مَا آخذ مِنْك ثوبا آتِيك بِمَا هُوَ خير مِنْهُ أَو قَالَ بِشَيْء هُوَ خير مِنْهُ لَا يَقْتَضِي أَنه يَأْتِيهِ بِثَوْب آخر بل يجوز أَن يَأْتِيهِ بِثَوْب آخر وَيجوز أَن يَأْتِيهِ بِغَيْر ثوب وَهُوَ خير من الثَّوْب الَّذِي أَخذه لِأَن
[ ٢ / ٤٢٥ ]
قَوْله مَا هَهُنَا بِمَعْنى شَيْء وَقَوْلنَا شَيْء يَقع على ثوب وعَلى غَيره فَكَذَلِك إِذا قَالَ أَتَيْتُك بِخَير مِنْهُ وَلَا يَقْتَضِي أَن يَأْتِيهِ بِثَوْب لَا محَالة لِأَن قَوْلنَا خير يَقع على كل خير ثوبا كَانَ أَو غير ثوب فَهُوَ عَام فيهمَا كَمَا أَن قَوْلنَا شَيْء وَقَوْلنَا مَا يعم الثَّوْب وَغَيره فَكَمَا لَا يقتض الْكَلَام الأول أَنه يَأْتِيهِ بِثَوْب لَا محَالة فَكَذَلِك فِي الْكَلَام الثَّانِي - ﷺ َ - بَاب الزِّيَادَة على النَّص هَل هِيَ نسخ أم لَا - ﷺ َ -
قد قُلْنَا فِي هَذَا الْبَاب أَن قَاضِي الْقُضَاة قَالَ لَو خير الله بَين شَيْئَيْنِ واجبين ثمَّ أثبت لَهما ثَالِثا لَكَانَ ذَلِك نسخا لقبح تَركهمَا جَمِيعًا وَقُلْنَا نَحن إِن هَذَا رَافع لحكم عَقْلِي فَلَا يجوز أَن يُسمى نسخا
وَلقَائِل أَن يَقُول قبح الْإِخْلَال بهما لَيْسَ بِحكم عَقْلِي وَإِنَّمَا علم بِالشَّرْعِ وَهُوَ إِيجَابه ﷿ فعل الشَّيْئَيْنِ على الْبَدَل فَوَجَبَ أَن يكون إِيجَاب الثَّالِث نَاسِخا لقبح تَركهمَا وَالْجَوَاب أَن قبح تَركهمَا والإخلال بهما يتبع إِيجَاب الله الْفِعْلَيْنِ على الْبَدَل وَيتبع أَنه مَا كَانَ يجب فعل ثَالِث مَعَهُمَا أَلا ترى أَنا لَو لم نعلم إِلَّا وجوب الشَّيْئَيْنِ على الْبَدَل وَلم نعلم أَن الثَّالِث لَا يجب بل جَوَّزنَا وُجُوبه لم نعلم قبح تَركهمَا لتجويزنا وجوب ثَالِث إِذا تركناهما إِلَيْهِ لم يقبح منا تَركهمَا كَمَا أَنا لَو علمنَا أَن الثَّالِث لَا يجب وَلم نعلم وجوب الْفِعْلَيْنِ لم نعلم قبح تَركهمَا وَمَعْلُوم أَن إِيجَاب الْفِعْلَيْنِ على الْبَدَل يَقْتَضِي أَن للإخلال بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا تَأْثِيرا فِي اسْتِحْقَاق الذَّم وَلَا يتَعَرَّض للثَّالِث بايجاب وَلَا بِنَفْي إِيجَاب وَإِنَّمَا نعلم أَنه غير وَاجِب بَقَاء على حكم الْعقل فاذا كَانَ قبح تَركهمَا يتَفَرَّع على أَمر شَرْعِي وعَلى أَمر عَقْلِي لم يتَخَلَّص كَونه مَعْلُوما بِالشَّرْعِ فَلم يَصح القَوْل بِأَن رَفعه نسخ
[ ٢ / ٤٢٦ ]
- ﷺ َ - بَاب النُّقْصَان من الْعِبَادَة هَل هُوَ نسخ لغير مَا نقص مِنْهَا أم لَا - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الصَّلَاة لما كَانَت وَاجِبَة إِلَى بَيت الْمُقَدّس كَانَت وَاجِبَة فِي كل مَكَان على الْبَدَل وَكَانَ يجب على الْمُصَلِّي أَن يتَوَجَّه فِي الْمَكَان الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس فالتوجه فِي الْمَكَان إِلَى بَيت الْمُقَدّس هُوَ هَيْئَة من هيآت الصَّلَاة فِي الْمَكَان فنسخ التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِنَّمَا يتَنَاوَل هَذِه الْهَيْئَة فَلم يكن نسخا للصَّلَاة فِي الْمَكَان كَمَا أَنا لَو أمرنَا بِصَوْم يَوْم عَاشُورَاء على صفة وَهِي أَن نَكُون فِي ذَلِك الْيَوْم متوجهين إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ نسخ عَنَّا التَّوَجُّه فَقيل لَا تتوجهوا إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَإِن ذَلِك لَا يكون نسخا للصَّوْم فِي ذَلِك الْيَوْم على أَن النّسخ للتوجه ورد على وَجه فِيهِ تثبيت لجملة الصَّلَاة لِأَن الْمَرْوِيّ فِي ذَلِك هُوَ أَلا إِن الْقبْلَة قد حولت وَفِي ذَلِك تثبيت للصَّلَاة وَكَذَلِكَ مَا فِي القرأن من ذَلِك وَهُوَ قَوْله ﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ وَهَذَا هُوَ النّسخ للتوجه إِلَى بَيت الْمُقَدّس لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي وجوب التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة وَلَا يَصح الْجمع بَين التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَإِلَى الْكَعْبَة مَعًا فوجوب أَحدهمَا فِي كل صَلَاة يُصليهَا يَنْفِي وجوب الآخر فَأَما صَوْم عَاشُورَاء فانه مَا وَجب إِلَّا فِي ذَلِك الْيَوْم فنظيره أَن لَا تجب الصَّلَاة إِلَّا فِي مَكَان مَخْصُوص فَلَو قيل لَا تصلوا فِي ذَلِك الْمَكَان لَكَانَ قد انْتَفَت جملَة الصَّلَاة لِأَنَّهَا لم تجب إِلَّا فِي ذَلِك الْمَكَان أَلا ترى أَنا نحتاج فِي وُجُوبهَا فِي مَكَان آخر إِلَى دَلِيل آخر وَكَذَلِكَ إِذا قيل لنا صُومُوا يَوْم عَاشُورَاء ثمَّ قيل لنا بعد حِين لَا تَصُومُوا فِي يَوْم عَاشُورَاء فان ذَلِك يَنْفِي جملَة الصَّوْم لِأَنَّهُ لم يجب فِي زمَان آخر وَإِنَّمَا وَجب فِي هَذَا الزَّمَان فَقَط فنفيه فِيهِ نفي لجملته
فان قيل كَون ذَلِك نسخا لجملة الصَّلَاة لَا يمْنَع مِمَّا نريده وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ يجوز صَوْم عَاشُورَاء بنية بعد الْفجْر جَازَ فِي الصَّوْم الْوَاجِب فِيمَا بعد وَهُوَ صَوْم شهر رَمَضَان أَن يجب بنية بعد الْفجْر لِأَنَّهُ قد ثَبت أَن الشَّرْع قد صحّح
[ ٢ / ٤٢٧ ]
الصَّوْم بنية بعد الْفجْر فاذا لم تغير الشَّرِيعَة ذَلِك وَجب أَن يبْقى على مَا كَانَ عَلَيْهِ قيل إِنَّمَا كَانَ يجب ذَلِك لَو ورد فِي ذَلِك لفظ عُمُوم نَحْو أَن يُقَال كل صَوْم شَرْعِي فانه يَصح بنية بعد الْفجْر وَقبل الزَّوَال فَأَما إِذا قيل هَذَا الصَّوْم الْوَاقِع فِي صَوْم عَاشُورَاء يَصح بنية بعد الْفجْر فانه لَا يجب مثله فِي صَوْم زمَان آخر لِأَن ذَلِك عبَادَة أُخْرَى وَلَا يجب أَن تتفق الْعِبَادَات فِي شَرَائِط صِحَّتهَا بل ذَلِك مَوْقُوف على دَلِيل زَائِد على مَا دلّ على أَن النِّيَّة بعد الْفجْر لَا تمنع من صِحَة صَوْم عَاشُورَاء
فان قَالُوا فَمَا يؤمنكم أَن يكون مَا دلّ على صِحَة صَوْم عَاشُورَاء بنية بعد الْفجْر هُوَ لفظ عُمُوم يَشْمَل كل صَوْم شَرْعِي فِي الْحَال وَفِيمَا يتعبد بِهِ فِيمَا بعد قيل إِذا كَانَ ذَلِك غير مَأْمُون وَكَذَلِكَ خِلَافه وَجب على من أثبت أَحدهمَا ليدل بِهِ على أَن النِّيَّة بعد الْفجْر يَصح بهَا صَوْم شهر رَمَضَان أَن يدل على مَا يبْنى ذَلِك عَلَيْهِ وَمَتى لم يبين ذَلِك لم يَصح دَلِيله وَيَكْفِي من قصد الطعْن عِلّة أَن يشكله فِيمَا بنى عَلَيْهِ دَلِيله - ﷺ َ - بَاب فِي العمومين إِذا تَعَارضا - ﷺ َ -
إِذا تعَارض العمومان من وَجه دون وَجه بِأَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا عَاما فِيمَا الآخر خَاص فِيهِ فقد ذكرنَا فِي الْكتاب أَنه إِن علم تقدم أَحدهمَا على صَاحبه وَكَانَا معلومين أَو مظنونين أَو كَانَ الْمُتَقَدّم مِنْهُم مظنونا والمتأخر مَعْلُوما فانه يَجِيء على قَول من جعل الْعَام الْمُتَأَخر نَاسِخا للخاص الْمُتَقَدّم أَن يكون الْمُتَأَخر من هذَيْن العمومين نَاسِخا للمتقدم لِأَنَّهُ إِذا كَانَ عِنْدهم أَن الْعَام مُتَأَخّر ينْسَخ الْخَاص الْمُتَقَدّم فِيمَا لم يثبت كَونه أَعم من اللَّفْظ الْمُتَقَدّم أولى بِأَن يكون نَاسِخا وَهَذَا صَحِيح لِأَن هَذَا الْعُمُوم الْمُتَأَخر إِن كَانَ أَعم من الْمُتَقَدّم فقد أطْلقُوا القَوْل بِأَن الْعَام الْمُتَأَخر ينْسَخ الْخَاص الْمُتَقَدّم وَلم يبنوا الْعَام الْمُتَأَخر على الْخَاص الْمُتَقَدّم وَإِن كَانَ هَذَا الْعُمُوم الْمُتَأَخر هُوَ أخص من الْعَام الْمُتَقَدّم فَمن قَوْلهم إِنَّه يخرج ماتناوله من الْعُمُوم الْمُتَقَدّم على جِهَة النّسخ لَا على جِهَة التَّخْصِيص لِأَن بَيَان التَّخْصِيص لَا يتَأَخَّر عِنْدهم أَو عِنْد
[ ٢ / ٤٢٨ ]
أَكْثَرهم وَلَيْسَ هَهُنَا مَا يَقْتَضِي أَن يحكم بِأَنَّهُ قد كَانَ قَارن الْعَام مَا دلّ على تَخْصِيصه فَلذَلِك جعلُوا الْمُتَأَخر نَاسِخا للمتقدم
ثمَّ قُلْنَا وَإِن كَانَ الْمُتَقَدّم مَعْلُوما والمتأخر مظنونا لم يجز عِنْدهم أَن ينْسَخ الثَّانِي الأول وَوَجَب الرُّجُوع فيهمَا إِلَى التَّرْجِيح لِأَن المظنون لَا ينْسَخ الْمَعْلُوم وَإِذا لم يكن الثَّانِي مِنْهُمَا نَاسِخا وَأمكن اسْتِعْمَاله مَعَ التَّرْجِيح وَجب الرُّجُوع إِلَى التَّرْجِيح وَهَذَا صَحِيح وَذَلِكَ أَنه لَا يُمكن بِمُجَرَّد هَذَا التَّعَارُض النّسخ لِأَن النّسخ إِنَّمَا يكون بالشَّيْء الْمُتَأَخر والمتأخر من هذَيْن العمومين مظنون والمتقدم مِنْهَا مَعْلُوم والمظنون لَا ينْسَخ الْمَعْلُوم وَلَا يُمكن أَيْضا لمُجَرّد هَذَا التَّعَارُض أَن نخرج من أَحدهمَا مَا تنَاوله الآخر لأجل أَن الآخر أخص لِأَنَّهُ لَيْسَ يتَخَلَّص كَون أَحدهمَا أخص من الآخر فقد بَان أَنه لَا يُمكن بِمُجَرَّد هَذَا التَّعَارُض لَا نسخ وَلَا تَخْصِيص فَوَجَبَ التَّرْجِيح فان رجحنا الْمَعْلُوم مِنْهُمَا بِكَوْنِهِ مَعْلُوما وَلم يثبت فِي المظنون وَجه تَرْجِيح استعملنا الْمَعْلُوم وأخرجنا مَا تنَاوله من المظنون لَا لمُجَرّد التَّعَارُض وَأَن لمعلوم أخص بل لأجل التَّرْجِيح وَإِن رجحنا المظنون مِنْهُمَا بِكَوْنِهِ مَعْلُوما وَلم يثبت فِي المظنون وَجه تَرْجِيح استعملنا الْمَعْلُوم وأخرجنا مَا تنَاوله من المظنون لَا لمُجَرّد التَّعَارُض وَأَن الْمَعْلُوم أخص بل لأجل التَّرْجِيح وَإِن رجحنا المظنون لِأَن حكمه حظر أَو إِيجَاب أخرجنَا مَا تنَاوله من الْمَعْلُوم لأجل التَّرْجِيح أَيْضا واستدللنا بذلك على أَنه قد كَانَ قَارب الْعُمُوم الْمُتَقَدّم مَا دلّ على تَخْصِيصه وَإِخْرَاج ذَلِك الْقدر مِنْهُ لِأَنَّهُ إِن لم يُمكن كَذَلِك كَانَ الثَّانِي نَاسِخا وَلَا يجوز نسخ الْمَعْلُوم بالمظنون
ثمَّ قُلْنَا فَأَما من يَقُول إِن الْعَام الْمُتَأَخر يبْنى على الْخَاص الْمُتَقَدّم وَأَن الْخَاص الْمُتَأَخر يخرج بعض مَا دخل تَحت الْعَام الْمُتَقَدّم فَالَّذِي يَجِيء على مذْهبه أَن لَا يفرق بَين أَن يَكُونَا معلومين أَو مظنونين أَو أَحدهمَا مَعْلُوما وَالْآخر مظنونا فِي اسْتِعْمَال التَّرْجِيح وَترك النّسخ بِأَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ يتَخَلَّص كَون الْمُتَأَخر أخص من الْمُتَقَدّم فَيخرج من الْمُتَقَدّم مَا دخل تَحت الْمُتَأَخر وَهَذَا صَحِيح لأَنا اردنا أَنه لَا يثبت عِنْدهم بِمُجَرَّد هَذَا التَّعَارُض إِخْرَاج مَا تنَاوله أَحدهمَا من الآخر لَا على جِهَة النّسخ وَلَا على جِهَة التَّخْصِيص وَالْبناء اما النّسخ فَلِأَن عِنْدهم أَن الْعَام الْمُتَأَخر لَا ينْسَخ الْخَاص الْمُتَقَدّم بل يبْنى على
[ ٢ / ٤٢٩ ]
الْخَاص الْمُتَقَدّم فَلَو كَانَ الْمُتَأَخر أَعم لم يجب فِيهِ النّسخ وَلَيْسَ يتَخَلَّص أَن أحد هذَيْن العمومين أخص من الآخر فَيُقَال إِن الْمُتَأَخر مِنْهَا أخص من الْمُتَقَدّم فَيخرج مَا تنَاوله من الْمُتَقَدّم إِمَّا بنسخ أَو بِأَن يدل على مُقَارنَة الْمُخَصّص لَهُ فَبَان أَن مُجَرّد هَذَا التَّعَارُض لَا يَقْتَضِي على قَوْلهم لَا نسخا وَلَا تَخْصِيصًا وَأَنه يجب الرُّجُوع إِلَى التَّرْجِيح فان رجحنا الْمَعْلُوم مِنْهُمَا بِكَوْنِهِ مَعْلُوما أَو المظنون بِمَا يرجع إِلَى حكمه فَلَا بُد من أَن يخرج مَا تنَاوله من الآخر إِمَّا على جِهَة نسخ أَو تَخْصِيص وَلَيْسَ ينْقض ذَلِك قَوْلنَا إِنَّه يَجِيء على مَذْهَبهم أَن لَا ينسخوا وَلَا يخرجُوا من أَحدهمَا بعضه على جِهَة التَّخْصِيص لأَنا قُلْنَا لَا يجب ذَلِك لمُجَرّد التَّعَارُض قبل التَّرْجِيح وَلم نقل إِنَّهُم بعد التَّرْجِيح لَا يخرجُون من أحد العمومين بعض مَا تنَاوله بل قد دللنا بقوله إِنَّه يرجع إِلَى التراجيح على أَنه إِذا ترجح أَحدهمَا على الآخر فَحكم بِظَاهِرِهِ أَنه يخرج مَا تنَاوله من الْعُمُوم الآخر أَلا ترى أَنا إِذا رجحنا قَول النَّبِي ﷺ من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا وَقُلْنَا لَا يُصليهَا عِنْد قيام الظهيرة فقد أخرجنَا الصَّلَاة الْمُقْتَضِيَة من مُطلق نَهْيه ﷺ عَن الصَّلَاة فِي هَذَا الْوَقْت وَلَكِن لم نَفْعل ذَلِك لمُطلق التَّعَارُض فقد بَان أَن مَا حكمنَا بِهِ إِنَّمَا حكمنَا بِهِ على مُطلق التَّعَارُض قبل التَّرْجِيح لِأَن الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ مَفْرُوض على مُجَرّد التَّعَارُض - ﷺ َ - بَاب الدّلَالَة على صِحَة القَوْل بِالْإِجْمَاع - ﷺ َ -
قَول الله ﷿ ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ خرج مخرج الْمَدْح وتمييز هَذِه الْأمة من سَائِر الامم فَلَا يجوز أَن يُرَاد بذلك أَنهم يأمرون بِبَعْض الْمَعْرُوف وَينْهَوْنَ عَن بعض الْمُنكر لِأَن كل أمة قد نهم عَن بعض الْمُنكر وَأمرت بِبَعْض الْمَعْرُوف وَلَا يجوز أَن يكون المُرَاد أَكثر مَا ينهون عَنهُ مُنكر لِأَن الْخِيَار من الْأُمَم السالفة الْأَكْثَر مِمَّا نهوا عَنهُ مُنكر وَلِأَن قَوْلنَا الْمُنكر إِمَّا أَن يكون لاستغراق
[ ٢ / ٤٣٠ ]
الْمُنكر أَو للْجِنْس دون الِاسْتِغْرَاق وَلَيْسَ لَام الْجِنْس مَوْضُوعَة للْأَكْثَر وَلَا يجوز أَن يُرَاد بذلك الْوَصْف لَهُم بِأَنَّهُم فِيمَا مضى كَانُوا يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر لِأَن الْكَلَام مدح لَهُم فِي الْحَال فَلَا يجوز أَن يُفِيد تقدم كَونهم على خِصَال الْمَدْح وَلَا يُفِيد حصولهم الْآن على خِصَال الْمَدْح لِأَن الْإِنْسَان لَا يكون مُسْتَحقّا للمدح بِمَا فعله من قبل إِذا عدل عَنهُ إِلَى ضِدّه وخلافه حَتَّى يكون ناهيا عَن الْمُنكر ثمَّ يصير آمرا بالمنكرات فاذا ثَبت أَنهم ينهون عَن كل مُنكر فِي كل حَال إِلَّا مَا خرج بِدَلِيل فَلَو أَجمعُوا على خطأ لكانوا قد أَجمعُوا على مُنكر وَلَو أَجمعُوا عَلَيْهِ لكانوا غير ناهين عَنهُ
دَلِيل آخر قَول الله ﷿ ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى﴾ يَقْتَضِي اتِّبَاع سبيلهم على مَا بَيناهُ فِي الْكتاب فان قيل الاية تَقْتَضِي اتِّبَاع سبيلهم فِي الِاسْتِدْلَال على الحكم الَّذِي قَالُوا بِهِ بِدَلِيل وَلَا يَأْخُذُوا بِهِ بِغَيْر دَلِيل قيل كَذَلِك نقُول لأَنا إِذا أَخذنَا بذلك القَوْل كُنَّا قد أخذناه بِدَلِيل وَهُوَ إِجْمَاعهم وَقد دلّ الدَّلِيل على صِحَّته فَلَيْسَ فِي قَوْلنَا إِنَّه يجب علينا الرُّجُوع إِلَى قَوْلهم تَسْلِيم للخصم أَنا أَخذنَا بقَوْلهمْ بِلَا دَلِيل فَتكون الْآيَة حجَّة علينا
فان قيل يجب أَن يسْتَدلّ بِمَا استدلوا بِهِ يُعينهُ قيل لَا يجب ذَلِك لِأَن أهل كل عصر لَا يوجبون على الْمُكَلف الِاسْتِدْلَال على الحكم بِدَلِيل معِين إِذا أمكنه أَن يسْتَدلّ عَلَيْهِ بِدَلِيل آخر فَلم يكن وجوب الِاسْتِدْلَال بدليلهم الْمعِين سَبِيلا لَهُم فَلم يدْخل تَحت الظَّاهِر
إِن قيل قَول الله ﷿ ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ يَقْتَضِي ظَاهره مُؤمنين مُعينين وَأَن نصير إِلَيْهِم لأَنهم قَالُوا على مَا قدرتموه فِي الْكتاب وَيَقْتَضِي ظَاهر الْآيَة ايضا أَن يَكُونُوا مُؤمنين على الْحَقِيقَة بِحَسب ظننا إِمَّا الْإِيمَان اللّغَوِيّ أَو الْعرفِيّ أَو الديني وَلَا سَبِيل لنا إِلَى الْعلم بذلك فَلَيْسَ لكم أَن تتركوا هَذَا الظَّاهِر بِأولى من أَن نَتْرُك الظَّاهِر الأول ونقول المُرَاد بذلك مُؤمنين موصوفين كَأَنَّهُ قَالَ وَيتبع غير سَبِيل من حَقّهَا أَن تكون سَبِيل
[ ٢ / ٤٣١ ]
الْمُؤمنِينَ قيل إِذا فَعلْتُمْ ذَلِك تركْتُم الظَّاهِر من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَنكُمْ تحملون الْكَلَام على التّكْرَار وَنحن نحمله على فَائِدَة محدودة وَذَلِكَ أَن سَبِيل الْمُؤمنِينَ فِي الْجُمْلَة قد دخل فِي ترك مشاقة الرَّسُول فزجره ﷿ عَن مشاقة الرَّسُول هُوَ زجر عَن اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ لأَنا قد علمنَا أَن مشاقته لَيست سَبِيل الْمُؤمنِينَ
وَالْآخر انكم إِذا حملتم الاية على مُؤمنين موصوفين احتجتم إِلَى إِضْمَار حَتَّى يكون تَقْدِير الْكَلَام وَيتبع سَبِيلا من حَقّهَا أَن تكون غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ أَو من حق الْمُؤمنِينَ أَن لَا يسلكوها وَإِذا حملنَا نَحن الْإِيمَان على الْإِيمَان اللّغَوِيّ كُنَّا تاركين للظَّاهِر من وَجه وَاحِد وَقَول الْخصم إِنَّكُم لَا تحملون الْآيَة على مُؤمنين على الْحَقِيقَة بل على مُؤمنين بِحَسب ظنكم لَا يَصح لأَنا إِذا حملنَا ذَلِك على التَّصْدِيق فَنحْن نعلم أَنه لَا يجوز أَن يكون أهل كل عصر على كثرتهم يخبرون أَنهم يُؤمنُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ الْإِسْلَام وَلَيْسَ فيهم من يصدق بذلك أصلا أَو لَيْسَ فيهم من يصدق بذلك إِلَّا الْوَاحِد والاثنان بل نعلم أَن الْكثير مِنْهُم كَذَلِك ونظن أَن الْكل كَذَلِك
دَلِيل آخر قَول الله ﷿ ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ فَاقْتضى هَذَا الشَّرْط أَنهم إِن لم يتنازعوا لَا يجب الرَّد إِلَى كتاب الله وَسنة نبيه وَلقَائِل أَن يَقُول إِن اراد الله بقوله ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء﴾ أهل عصر وَاحِد فَلَيْسَ يَخْلُو إِذا لم يتنازعوا إِمَّا أَن يَكُونُوا لم يردوا إِلَى الله وَالرَّسُول فَلَا يجب اتباعهم وَلَا يكون قَوْلهم صَحِيحا وَإِمَّا أَن يَكُونُوا ردوا إِلَى الله وَالرَّسُول فَلَا يَصح أَن يبيحهم ترك الرَّد إِلَى كتاب الله وَسنة نبيه لِأَن ردهم الشَّيْء إِلَى الله وَرَسُوله هُوَ طلب حكمه فِي الْكتاب وَالسّنة فاذا طلبوه فيهمَا فوجدوه فيهمَا لم يَصح طلبه من بعد لِأَن طلب الْإِنْسَان لما هُوَ وَاجِد لَهُ محَال وَإِبَاحَة ترك الْمحَال عَبث وَإِن كَانَ المُرَاد بِالْآيَةِ أهل الْعَصْر الثَّانِي مَعَ أهل الْعَصْر الأول لم يَصح القَوْل بذلك لِأَن قَوْله فَإِن تنازعتم مُوَاجهَة لمن ترك الْقُرْآن وَهُوَ حَاضر فَعلمنَا أَن المُرَاد بذلك تنَازع
[ ٢ / ٤٣٢ ]
بَعضهم مَعَ بعض وَأَيْضًا فقد بخالف أهل الْعَصْر الثَّانِي بعد انْقِرَاض الأول فَلَا يكون أهل العصرين متنازعين لِأَن التَّنَازُع بَين اثْنَيْنِ هُوَ أَن يُنَازع كل وَاحِد مِنْهُمَا الآخر وَلَيْسَ يُمكن أَن يُنَازع أهل الْعَصْر الأول لأهل الْعَصْر الثَّانِي إِن نازعوا أهل الْعَصْر الأول وَجب عَلَيْهِم الرُّجُوع إِلَى قَوْلهم إِلَى طلب الحكم فِي الْكتاب وَالسّنة وَالرُّجُوع إِلَى الْإِجْمَاع عِنْد الْمُسْتَدلّ لَيْسَ هُوَ رد إِلَى الْكتاب وَالسّنة لِأَنَّهُ لَو كَانَ ردا إِلَيْهِمَا بَطل قَوْلهم إِذا لم يتنازعوا لم يجب الرَّد إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَلَا يجب عِنْد الْمُسْتَدلّ ايضا إِذا تنَازع أهل العصرين أَن يطْلب أهل الْعَصْر الأول الحكم فِي الْكتاب وَالسّنة لأَنهم قد طلبُوا قَوْلهم من قبل فِي الْكتاب وَالسّنة فوجدوه وَطلب مَا هم واجدين لَهُ محَال فَعِنْدَ التَّنَازُع لَا يجب على قَوْلهم الطّلب فِي الْكتاب وَالسّنة لَا على أهل الْعَصْر الأول وَلَا على أهل الْعَصْر الثَّانِي على قَول الْمُسْتَدلّ فَأَما إِذا لم يُنَازع أهل الثَّانِي أهل الْعَصْر الأول فعلى مَوْضُوع الِاسْتِدْلَال مُبَاح أَن لَا يردوا بأجمعهم إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَلَا يَصح هَذِه الْإِبَاحَة لجميعهم لِأَن بَعضهم وهم أهل الْعَصْر الأول قد رد ذَلِك القَوْل إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَإِبَاحَة ترك طلب مَا قد طلب وَوجد عَبث - ﷺ َ - بَاب الْإِجْمَاع بعد الْخلاف - ﷺ َ -
إِذا اخْتلفت الْأمة فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ فقد سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا على قَول من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب بِشَرْط بَقَاء الْخلاف وَكَون الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد لأَنهم لَو سئلوا عَن عِلّة جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا لعللوا بِمَا ذكرنَا فاذا أَجمعُوا على أحد الْقَوْلَيْنِ فقد زَالَ الشَّرْط وتناولتهم أَدِلَّة الْإِجْمَاع وَلَا دَلِيل يدل على اشْتِرَاط هَذَا الْإِجْمَاع بِشَرْط فَلم يجز خِلَافه - ﷺ َ - بَاب الطَّرِيق إِلَى معرفَة الْإِجْمَاع - ﷺ َ -
إِذا لم تكن الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَقَالَ فِيهَا بعض أهل الْعلم قولا
[ ٢ / ٤٣٣ ]
وانتشر فِي أهل الْعَصْر وَكَانَ على أهل الْعلم فِيهَا تَكْلِيف فان سكوتهم على النكير يدل على أَنه صَوَاب وَأَن خِلَافه خطأ لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُنْكرا لكانوا قد تطابقوا على ترك إِنْكَار الْمُنكر مَعَ وجوب ذَلِك عَلَيْهِم هَذَا إِذا مر من الزَّمَان مَا يَنْقَضِي مَعَه زمَان المهلة لِأَنَّهُ مَعَ ذَلِك يلْزمهُم أَن يعتقدوا فِي الْمَسْأَلَة حكما من الْأَحْكَام فيلزمهم إِظْهَار الْخلاف إِذا كَانُوا مخالفين فَأَما أول مَا ينتشر الْمَسْأَلَة فِي أهل الْعَصْر قبل اسْتِيفَاء النّظر فانه لَا يدل سكوتهم على رضاهم بذلك القَوْل الْمُنْتَشِر وَالْقسم الأول هُوَ الَّذِي اردناه فِي الْكتاب وَالتَّعْلِيل الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الْكتاب يدل عَلَيْهِ - ﷺ َ - بَاب فِي قَول الصَّحَابَة إِذا لم ينتشر - ﷺ َ -
إِذا لم ينتشر القَوْل فِي جَمِيع أهل الْعَصْر وَكَانَت الْبلوى بِتِلْكَ الْمَسْأَلَة عَامَّة فقد ذكرنَا فِي الْكتاب أَنه لَا بُد من أَن يكون لغير من قَالَ بالْقَوْل الَّذِي لم ينتشر قَول لِأَنَّهُ مُكَلّف للنَّظَر فِيهَا فاذا كَانَ لَهُ فِيهَا قَول وَجب أَن يكون مُوَافقا لهَذَا القَوْل لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُخَالفا لَهُ لنقلته النقلَة لعلمنا باهتمامهم بِالنَّقْلِ وَلقَائِل أَن يَقُول لَا يتم ذَلِك فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد على قَول من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون بعض الْمُجْتَهدين لم يجْتَهد فِي الْحَادِثَة وَإِن لَزِمَهُم أَن يجتهدوا فِيهَا ليعلموا بهَا فِي أنفسهم ويكونوا قد أخطأوا فِي ذَلِك
فَإِن قُلْتُمْ لَو كَانَ كَذَلِك لأنكر عَلَيْهِم الْبَاقُونَ فاذا لم ينكروا عَلَيْهِم وَلَا هم أَنْكَرُوا على أنفسهم فقد تطابقوا على أَن لم ينكروا تَركهم الِاجْتِهَاد قيل لكم لم يلْزمهُم أَن ينكروا عَلَيْهِم ذَلِك لأَنهم لَا يعلمُونَ أَنهم قد تركُوا الِاجْتِهَاد فِي الْمَسْأَلَة بل يجوزون أَنهم إِنَّمَا سكتوا لأَنهم قد اجتهدوا فان قُلْتُمْ إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فقد تطابقوا على الْعُدُول عَن الصَّوَاب قيل لَا يَصح ذَلِك على قَول من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب لِأَن القَوْل الَّذِي قَالَه من لم ينتشر قَوْله فَهُوَ صَوَاب فَمَا عدلوا بأجمعهم عَن الصَّوَاب وَإِنَّمَا يتم ذَلِك على قَول من قَالَ إِن الْحق وَاحِد بل يُقَال إِن الصَّوَاب هُوَ قَول وَاحِد فان لم يكن
[ ٢ / ٤٣٤ ]
ذَلِك القَوْل الَّذِي لم ينتشر هُوَ الصَّوَاب كَانُوا قد عدلوا بأجمعهم عَن الصَّوَاب - ﷺ َ - بَاب فِي اسْم الْخَبَر وَحده - ﷺ َ -
قد حد الْخَبَر بِأَنَّهُ الَّذِي يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب وَاعْترض ذَلِك بِأَن قَول الْقَائِل مُحَمَّد ومسيلمة صادقان خبر وَلَيْسَ بِصدق وَلَا كذب واجاب قَاضِي الْقُضَاة عَن ذَلِك بِأَنا أردنَا بِدُخُول الصدْق وَالْكذب أَن الْإِنْسَان إِذا صدق الْمخبر أَو كذبه لم يحظر اللُّغَة ذَلِك وَهَذِه صُورَة هَذَا الْخَبَر وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه قد سلم أَن هَذَا الْخَبَر لَيْسَ بِصدق وَلَا كذب وَهَذَا يعْتَرض مَا يَقُوله من أَن كل خبر فانه لَا يَخْلُو من أَن يكون إِمَّا صَادِقا وَإِمَّا كَاذِبًا لِأَن هَذَا الْخَبَر قد خلا مِنْهُمَا وَإِذا حددنا الْخَبَر بِأَنَّهُ كَلَام يُفِيد بِنَفسِهِ إِضَافَة أَمر من الْأُمُور إِلَى أَمر من الامور نفيا أَو إِثْبَاتًا لم يلْزم إِذا قُلْنَا زيد الظريف فِي الدَّار أَن يكون قَوْلنَا زيد الظريف من جملَة هَذَا الْكَلَام خَبرا لِأَن ذَلِك لَا يُفِيد أَنه ظريف كَمَا أَنا إِذا قُلْنَا الظريف فِي الدَّار لَا يُفِيد أَنا حكمنَا بِأَن من أَشَرنَا إِلَيْهِ بِهَذَا الْكَلَام هُوَ ظريف وَإِنَّمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ بقولنَا هُوَ ظريف ثمَّ أفدنا أَنه فِي الدَّار كَمَا نشِير بقولنَا زيد فِي الدَّار إِلَى أَنه فِي الدَّار وَلم نفد أَنه يُسمى زيدا وَلنَا أَن نحترس من ذَلِك ونقول الْخَبَر كَلَام تَامّ يُفِيد بِنَفسِهِ إِضَافَة أَمر من الْأُمُور إِلَى أَمر من الْأُمُور نفيا أَو إِثْبَاتًا ونعني بقولنَا كَلَام تَامّ أَنه لَا يَقْتَضِي بِوَقع كَلَام آخر بل تقع بِهِ الْفَائِدَة بِنَفسِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا قُلْنَا زيد الظريف لِأَن ذَلِك لَيْسَ بِكَلَام تَامّ
فان قيل قَول الْقَائِل لَا ثَانِي لله ﷿ هُوَ خبر وَلَيْسَ يُفِيد إِضَافَة أَمر إِلَى أَمر لِأَن الْوُجُود لَيْسَ بِصفة عنْدكُمْ وَلَا الثَّانِي ذاتا فتكونوا قد أضفتم نفي الصّفة إِلَى الذَّات الْجَواب إِنَّا نعني بقولنَا إِنَّه لَا ثَانِي للقديم هُوَ أَن مَا نعقله من ذَات لَهَا صفة الْقَدِيم لَيْسَ لَهَا وجود من خَارج عقلنا سوى الْقَدِيم ﷿ فقد نَفينَا عَن عقلنا لما عَقَلْنَاهُ من ذَلِك أَن يتَعَلَّق بِذَات من خَارج لَيست بِذَات الْقَدِيم ﷿
[ ٢ / ٤٣٥ ]
- ﷺ َ - بَاب فِي بَيَان وُقُوع الْعلم بالأخبار - ﷺ َ -
قد قُلْنَا فِيهِ إِنَّه لَو كَانَ كل مَا أَجمعُوا على مُقْتَضَاهُ من أَخْبَار الْآحَاد قد قَامَت الْحجَّة بِهِ لم يَصح الِاسْتِدْلَال باجماع الصَّحَابَة على الْعلم بأخبار الْآحَاد على جَوَاز الْعَمَل على خبر مظنون غير مَقْطُوع بِهِ إِن قيل يَصح الِاسْتِدْلَال على ذَلِك بأخبار آحَاد لم يجمع الصَّحَابَة على الْعَمَل بهَا لَكِن عمل بَعضهم بهَا وَلم يعْمل الْبَاقُونَ بهَا وَلم ينكروا على الْعَامِل بهَا قيل أَنْتُم استدللتم على الْعلم بِخَبَر الْوَاحِد باجماعهم على الْعَمَل بِخَبَر عبد الرَّحْمَن فِي الْمَجُوس وَخبر حمل بن مَالك فِي الْجَنِين وَالْخَبَر الْمَرْوِيّ فِي دِيَة الْأَصَابِع كل ذَلِك قد أَجمعُوا على الْعَمَل بِهِ وَلَعَلَّه لَا يُوجد خبر عمل بِهِ بَعضهم وَلم يُنكر من لم يعْمل بِهِ على الْعَامِل بِهِ إِلَّا خبر أَو خبران أَو ثَلَاثَة مِمَّا لم يبلغ كَثْرَة فَيكون قد علم فِي الْجُمْلَة أَن الصَّحَابَة لم يُنكر بَعْضهَا على بعض الْعَمَل بهَا - ﷺ َ - بَاب فِي شُرُوط وُقُوع الْعلم بالْخبر الْمُتَوَاتر - ﷺ َ -
إِذا قَالَ قَائِل جوزوا أَن يخبر المتواترون بِالْكَذِبِ لِأَن السُّلْطَان حملهمْ على ذَلِك بالرهبة لم يجز إبِْطَال ذَلِك بِأَنَّهُ كَانَ يجب أَن يظْهر رهبة السُّلْطَان لِأَن للسَّائِل أَن يَقُول حملهمْ على الْكَذِب وعَلى كتمان الرهبة وَإِنَّمَا كَانَ للسَّائِل أَن يَقُول ذَلِك لِأَن الْمُجيب لما تعاطى الْجَواب عَن السُّؤَال سلم صِحَة الشَّك فِي الِاجْتِمَاع على الْكَذِب للرهبة وَإنَّهُ إِنَّمَا يَزُول هَذَا الشَّك بِالْجَوَابِ فَلَزِمَهُ كَمَا سوغ الشَّك فِي ذَلِك قبل النّظر أَن يسوغ الشَّك فِي الْحمل على كتمان الرهبة قبل النّظر وَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِنَّه لَا يُمكن أَن يضْبط السُّلْطَان الْكَثْرَة الْعَظِيمَة حَتَّى يرهبها فَلَا تَتَحَدَّث بِالْكَذِبِ عَن كل إِنْسَان وَفِي كل حَال بل كثير مِنْهُم لَا يتحدث بِهِ وَكثير مِنْهُم يظْهر خلاف الْكَذِب عِنْد خاصته وثقاته ثمَّ لَا يلبث الصدْق أَن يشيع
[ ٢ / ٤٣٦ ]
- ﷺ َ - بَاب التَّعَبُّد بالْخبر الْوَاحِد - ﷺ َ -
إِن قيل لَا يمْتَنع أَن يكون بعض الصَّحَابَة عمل على الْخَبَر الْوَاحِد وَلم يُنكر عَلَيْهِ غَيره لِأَن غَيره كَانَ نَاظرا متوقفا فِي وجوب الْعَمَل بِهِ فَلذَلِك لم يُنكره وَلَيْسَ فِي ذَلِك اتِّفَاق مِنْهُم على ترك الْوَاجِب لأَنهم وَإِن اتَّفقُوا على ترك إِنْكَار الْعَمَل بذلك مَعَ أَن الْعَمَل بِهِ مُنكر فِي نَفسه فانهم لم يتفقوا على ترك الْوَاجِب لِأَن هَؤُلَاءِ الناظرين لَا يجب عَلَيْهِم الْإِنْكَار لأَنهم ناظرون الْجَواب إِن الله ﷿ إِذا كلف الْمُجْتَهدين أَن يعرفوا هَل تعبدهم بِالْعَمَلِ بأخبار الْآحَاد أم لَا فَلَا بُد من أَن يمْضِي عَلَيْهِم من الزَّمَان مَا يتمكنون فِيهِ من الْوُصُول إِلَى مَا كلفهم فاذا مضى هَذَا الزَّمَان وَلم ينكروا الْعَمَل بأخبار الْآحَاد فَلَو كَانَ الْعَمَل بهَا مُنْكرا لكانوا قد أَجمعُوا على ترك الْوَاجِب إِذْ الْإِنْكَار وَاجِب
دَلِيل وُرُود التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد هُوَ أَنه لَا يجوز أَن يكون مَا رُوِيَ من أَخْبَار الْآحَاد على كثرتها لم يقل النَّبِي ﷺ شَيْئا مِنْهَا بل يَنْبَغِي أَن يكون جَمِيعهَا أَو كثير مِنْهَا قد قَالَه النَّبِي ﷺ وَلَيْسَ يجوز أَن يكون مَا قَالَه ﷺ من ذَلِك تعبدا لمن شافهه النَّبِي ﷺ دون من لم يشافهه لِأَن الْإِجْمَاع بِخِلَاف ذَلِك وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لبين النَّبِي ﷺ أَن التَّعَبُّد بذلك مَقْصُور على من شافهه دون من لم يشافهه وَلم بَين ذَلِك فِي هَذِه الْأَخْبَار مَعَ كثرتها وَمَعَ إشاعته لهَذَا الْبَيَان لما جَازَ أَن ينكتم ذَلِك وَلَا ينْقل فَثَبت أَن التَّعَبُّد بذلك يتَوَجَّه إِلَى من شافهه النَّبِي ﷺ وَمن لم يشافهه مِمَّن يَأْتِي بعده وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون النَّبِي ﷺ قد شافه بهَا من يكون نَقله متواترا وَإِمَّا أَن يكون شافه بذلك الْآحَاد وَالْأول يَقْتَضِي أَن ينْقل عَنهُ متواترا لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يشيع النَّبِي ﷺ حكما عَاما فَلَا ينْقل متواترا فَثَبت أَن النَّبِي ﷺ شافه بِهَذِهِ الْأَخْبَار الْآحَاد فَلَو كَانَ الْعَمَل بهَا لَا يلْزمنَا إِلَّا بِنَقْل متواتر لَكَانَ النَّبِي ﷺ قد تعبدنا بِمَا لم يَجْعَل لنا طَرِيقا إِلَى أَن تعبدنا بِهِ فان قيل لَيْسَ يجب إِذا أشاع النَّبِي ﷺ الْخَبَر بِحَضْرَة من يكون نَقله
[ ٢ / ٤٣٧ ]
متواترا أَن ينقلوه متواترا لِأَن الْإِنْسَان قد يتَكَلَّم بأنواع كَثِيرَة من الْكَلَام بِحَضْرَة الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة فَلَا تنقل جَمَاعَتهمْ عَنهُ كل مَا تكلم بِهِ بل قد يروي الْوَاحِد عَنهُ شَيْئا وَالْآخر عَنهُ شَيْئا آخر فَلم زعمتم أَنه يجب مَا ذكرْتُمْ قيل لَو لم ينقلوه متواترا مَعَ وجوب ذَلِك عَلَيْهِم لكانوا قد أَجمعُوا على ترك النكير مَعَ وجوب النكير عَلَيْهِم لِأَن النَّاقِل لم يُنكر على من لم ينْقل وَمن لم ينْقل فمعلوم أَنه لم يُنكر ترك النَّقْل وَلقَائِل أَن يَقُول جوزوا أَن يكون النَّبِي ﷺ قد شافه بالحكم من يحجّ نَقله وهم بعض الامة وَلَيْسَ خطأهم هُوَ خطأ جَمِيع الْأمة جَوَاب آخر عَن السُّؤَال وَهُوَ أَن النَّبِي ﷺ لَو كَانَ شافه بِهَذِهِ الْأَخْبَار من يتواتر الْخَبَر بنقله وَكَانَ من دينه الْعَمَل بالمتواتر من الْأَخْبَار دون الْآحَاد لَكَانَ قد أوجب عَلَيْهِم التَّوَاتُر وأعلمهم بذلك وَلَا يجوز فِي الْعَادة أَن يتدين الْجَمَاعَة الْعَظِيمَة بِوُجُوب نقل كَلَام رجل ويكونوا على غَايَة الْحِرْص على نقل كَلَامه وأحواله وَيُوجب عَلَيْهِم ذَلِك وَلَا ينْقل الْجَمَاعَة كَلَامه الَّذِي شاع فيهم واعتقدوا وجوب نَقله عَلَيْهِم لِأَن مَا هم عَلَيْهِ من شدَّة الْحِرْص على نقل كَلَامه يمْنَع من ذَلِك وَيُفَارق ذَلِك سَماع الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة أَنْوَاع الْكَلَام من الْوَاحِد منا لِأَنَّهَا غير حريصة على نقل كَلَام الْوَاحِد منا فان كَانَ لَهَا فِي ذَلِك غَرَض وَاشْتَدَّ حرصها عَلَيْهِ وَجب أَن تنقله فَأَما كَلَام النَّبِي ﷺ وأحواله فقد علمنَا من حَال الصَّدْر الأول شدَّة الْحِرْص على نَقله حَتَّى نقلوا مِنْهُ مَا لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم
فان قيل أَلَيْسَ قد رُوِيَ عَنهُ بالآحاد أَخْبَار كَثِيرَة فِي التَّوْحِيد وَالْعدْل والوعيد والشفاعة وَغير ذَلِك مِمَّا يتَضَمَّن علما لَا عملا وَلَا يجوز أَن يكون ﷺ مَا قَالَ شَيْئا من ذَلِك لكثرته فَيجب أَن يكون قد قَالَه أَو بعضه فان كَانَ قد قَالَه عَن الْجَمَاعَة الْعَظِيمَة وَلم تنقله متواترا فقد انْتقض قَوْلكُم إِن مَا يشيعه النَّبِي ﷺ يجب أَن ينْقل عَنهُ متواترا وَإِن لم يشعه كَانَ قد اقْتصر على الْوَاحِد فِيمَا لَا يكون خبر الْوَاحِد حجَّة فِيهِ قيل إِن مَا رُوِيَ عَنهُ من ذَلِك لَا يداني مَا رُوِيَ عَنهُ ﷺ من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَأَيْضًا فَمَا
[ ٢ / ٤٣٨ ]
رُوِيَ عَنهُ من ذَلِك إِن كَانَ مُوَافقا لدَلِيل الْعقل فَلَيْسَ يمْتَنع أَن يشافه النَّبِي ﷺ بِهِ بعض النَّاس وَلَا يَجْعَل نقل ذَلِك الْبَعْض حجَّة على من يَنْقُلهُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يلْزم من ذَلِك أَن لَا يكون لنا طَرِيق إِلَى الْعلم بِمَا كلفنا لِأَن الْعقل طريقنا إِلَى الْعلم بِمَا تضمنه الْخَبَر وَإِن كَانَ ظَاهر الْخَبَر بِخِلَاف مُقْتَضى الْعقل فمراد النَّبِي ﷺ بِهِ خلاف ظَاهره فاذا شافه بِهِ الْوَاحِد فقد تعبده أَن يناوله ويحمله على الْمجَاز حَتَّى يُوَافق دَلِيل الْعقل وَلَيْسَ يجب أَن يتعبد غَيره بذلك الْخَبَر إِلَّا أَن يرْوى لَهُ فَيلْزمهُ أَن يعلم أَن النَّبِي ﷺ إِن كَانَ قَالَه فمراده الْمجَاز الْمُوَافق لدَلِيل الْعقل وَأَنه لم يرد ظَاهره وَهَذَا لَيْسَ بموقوف على أَن يعلم أَن النَّبِي ﷺ قَالَه فَيلْزم أَن يَجْعَل لَهُ طَرِيق إِلَى الْعلم بَان النَّبِي ﷺ قَالَه تمت الزِّيَادَات بِحَمْد الله واهب العطيات
[ ٢ / ٤٣٩ ]
= كتاب الْقيَاس الشَّرْعِيّ لأبي الْحُسَيْن مُحَمَّد بن عَليّ بن الطّيب الْبَصْرِيّ ﵀ وَقد صنفه قبل كتاب الْمُعْتَمد كَمَا يظْهر من الإشارات العديدة إِلَيْهِ فِي كتاب الْمُعْتَمد من المخطوطة الوحيدة فِي لاله لي باستانبول=
[ ٢ / ٤٤١ ]
بِسم الله البرحمن الرَّحِيم = كتاب الْقيَاس الشَّرْعِيّ =
اعْلَم أَن الْغَرَض بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة أَن نورد الْوُجُوه الَّتِي يتَكَلَّم بهَا فِي الْقيَاس الشَّرْعِيّ على قسْمَة ملخصة وَنَذْكُر مَا يَدُور بَين الْفُقَهَاء فِي مناظرة الْفِقْه دون مَا يخْتَص أصُول الْفِقْه نَحْو الدّلَالَة على الْمَنْع من تَخْصِيص الْعلَّة وَمَا أشبه ذَلِك وَنحن أَولا نجد الْقيَاس لنستخرج من حَده الْقِسْمَة الَّتِي يَتَرَتَّب الْكَلَام فِي الْقيَاس عَلَيْهَا