وَاعْلَم أنني نظرت فِي هَذَا الْكتاب بعد سِنِين مُنْذُ ألفته فَأَرَدْت أَن أضم إِلَيْهِ كلَاما فِي الْقلب أَكثر مِمَّا ذكرته فِي الْكتاب أَولا
اعْلَم أَن قلب الْقيَاس هُوَ أَن يعلق القالب للْقِيَاس على الْعلَّة نقيض الحكم الْمَذْكُور فِي الْقيَاس وَيرد الْفَرْع إِلَى ذَلِك الأَصْل بِعَيْنِه فَلَا يكون أحد الْحكمَيْنِ بِأَن يعلق بِالْعِلَّةِ أولى من أَن يعلق بِهِ الآخر وَلَا يَصح أَن يعلقا جَمِيعًا بهَا لتنافيهما وَلقَائِل أَن يَقُول إِن وجود الْقلب لَا يَصح لِأَن القالب إِمَّا أَن يعلق على الْعلَّة مثل الحكم الَّذِي علقه القائس أَو خِلَافه أَو نقيضه فان
[ ٢ / ٤٥٩ ]
علق عَلَيْهَا مثل الحكم فَلَيْسَ ذَلِك بقلب بل هُوَ تَكْرِير الْقيَاس مِثَال ذَلِك أَن يَقُول القائس الِاعْتِكَاف لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَكَانَ من شَرطه اقتران معنى إِلَيْهِ اصله الْوُقُوف بِعَرَفَة فيقلبه القالب فَيَقُول فَوَجَبَ أَن يكون من شَرطه اقتران معنى إِلَيْهِ وَلَا يكون ذَلِك قلبا وَلكنه كرر الْقيَاس وَإِن علق على الْعلَّة حكما مُخَالفا لحكم الْقيَاس لم يكن ايضا قالبا وَلم يُمكن أَن يُقَال لَيْسَ بِأَن تعلق بهَا هَذَا الحكم أولى من الآخر لِأَن الْحكمَيْنِ الْمُخْتَلِفين غير الضدين يَصح اجْتِمَاعهمَا مِثَال ذَلِك أَن يَقُول الْقَائِل فِي الِاعْتِكَاف إِنَّه لبث فِي كَانَ مَخْصُوص فَكَانَ من شَرطه اقتران معنى آخر إِلَيْهِ اصله الْوُقُوف بِعَرَفَة فَيَقُول القالب لِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَجَاز أَن يكون طَاعَة وَعبادَة أَصله الْوُقُوف بِعَرَفَة فَلَا يكون قد قلب الْقيَاس لِأَنَّهُ يَصح اجْتِمَاع الْحكمَيْنِ أَعنِي أَن يكون اللّبْث طَاعَة وَأَن يكون من شَرطه اقتران معنى آخر إِلَيْهِ إِذْ هَذَانِ الحكمان لَا يتنافيان فَلم يجز أَن يكون الْقلب بِذكر حكم مُخَالف لحكم الْقيَاس غير مضاد لَهُ وَلَا متناقض وَإِن كَانَ الحكم فِي الْقلب نقيض حكم الْقيَاس لم يَصح ايضا لِأَن من شَرط الْقلب أَن يرد الْفَرْع إِلَى أصل الْقيَاس وَيكون القائس والقالب قد صدقا فِي إِثْبَات حكميهما فِي الأَصْل والنقيضان لَا يجوز أَن يجتمعا فِي شَيْء وَاحِد على حد وَاحِد مِثَال ذَلِك أَن يَقُول قَائِل فِي الِاعْتِكَاف إِنَّه لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَكَانَ من شَرطه اقتران معنى إِلَيْهِ فَيَقُول القالب فَلم يكن من شَرطه اقتران معنى لِأَن هذَيْن الْقَوْلَيْنِ لَا يصدقان فِي الْوُقُوف بِعَرَفَة وَهُوَ الأَصْل لِأَنَّهُمَا نقيضان الا ترى أَنه لَا يجوز أَن يكون من شَرط الْوُقُوف اقتران معنى إِلَيْهِ وَلَيْسَ من شَرطه اقتران معنى إِلَيْهِ أصلا فَلم يَصح الْقلب بِذكر نقيض حكم الْقيَاس فَبَان أَنه لَا وجوب للقلب وَالْجَوَاب أَنه قد يجوز أَن يعلق القالب على الْعلَّة حكما غير حكم الْقيَاس مِمَّا يجوز أَن يجْتَمع مَعَه فِي الأَصْل وَلَا يجوز أَن يجْتَمع فِي الْفَرْع لأجل إِجْمَاع من الامة أَو من القائس والقالب فيتنافى الحكمان فِي الْفَرْع بِوَاسِطَة الْإِجْمَاع مِثَال ذَلِك أَن يَقُول قَائِل فِي الِاعْتِكَاف لِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان
[ ٢ / ٤٦٠ ]
مَخْصُوص فَكَانَ من شَرطه اقتران معنى إِلَيْهِ اصله الْوُقُوف ونفرض أَن الْأمة أَجمعت على أَنه لَيْسَ من شَرط الِاعْتِكَاف النِّيَّة وَأَنه لَو ثَبت أَن من شَرطه اقتران معنى إِلَيْهِ لم يكن إِلَّا الصَّوْم فثبوت هَذَا الْقيَاس مَعَ هَذَا الْإِجْمَاع يَقْتَضِي كَون الصَّوْم من شَرط الِاعْتِكَاف فاذا قَالَ القالب لِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَلم يكن من شَرطه الصَّوْم اقتضي نفي كَون الصَّوْم شرطا فِي الِاعْتِكَاف وَالْقِيَاس الأول فِي الْإِجْمَاع اقْتضى كَون الصَّوْم شرطا فِي الِاعْتِكَاف فيتنافى الحكمان فِي الْفَرْع لأجل هَذَا الْإِجْمَاع وَلم يتناف الحكمان بأنفسهما فِي الأَصْل أَعنِي أَن يكون من شَرطه اقتران معنى إِلَيْهِ وَأَن لَا يكون الصَّوْم من شَرطه وَلم نفرض أَن الْأمة أَجمعت على أَنه لَو كَانَ من شَرط الْوُقُوف اقتران معنى إِلَيْهِ لما كَانَ إِلَّا الصَّوْم فصح أَن للقلب وجودا
وَقد يكون الحكم فِي الْفَرْع ذَا جِهَتَيْنِ لَا تتنافيان فِي الأَصْل بل توجدان فِيهِ وتتنافيان فِي الْفَرْع لأجل إِجْمَاع من الامة أَو من الْخصم مِثَال ذَلِك أَن يَقُول قَائِل الرَّأْس عُضْو من أَعْضَاء الطَّهَارَة فَلم يتَقَدَّر الْغَرَض فِيهِ بِأَقَلّ مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم أَصله الْوَجْه فيقلب الْخصم ذَلِك فَيَقُول فَوَجَبَ أَن لَا يتَقَدَّر فِيهِ بِالربعِ أَصله الْوَجْه وَهَذَانِ الحكمان لَا يتنافيان فِي الْوَجْه ويتنافيان فِي الْفَرْع على قَول الْخَصْمَيْنِ لِأَنَّهُمَا قد اتفقَا على أَنه إِذا لم يتَقَدَّر الْفَرْض فِي الرَّأْس بِالربعِ فَالْوَاجِب تَعْلِيقه بِأول مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الْمسْح لبُطْلَان وجوب مسح جَمِيعه عِنْد الْخَصْمَيْنِ فَمَتَى ثَبت ان الْفَرْض لَا يتَعَلَّق بِأول الِاسْم صَحَّ قَول الْحَنَفِيّ لِاتِّفَاق مِنْهُ وَمن الشَّافِعِي وَمَتى ثَبت أَن الْفَرْض لَا يتَقَدَّر بِالربعِ ثَبت أَنه يتَعَلَّق بِأول مَا يَقع الِاسْم عَلَيْهِ لأجل اتِّفَاقهمَا على ذَلِك فتنافى الحكمان فِي الْفَرْع فَلم يكن بِأَن يعلق أَحدهمَا بِالْعِلَّةِ أولى من أَن يعلق بهَا الآخر وَهَذَا الحكمان هما منفصلان وَإِن لم يتنافيا بأنفسهما
وَيدخل فِي الْقلب قلب التَّسْوِيَة مِثَاله أَن يَقُول قَائِل فِي طَلَاق الْمُكْره لِأَنَّهُ مُكَلّف مَالك للطَّلَاق فَوَقع طَلَاقه أَصله الْمُخْتَار فَيَقُول القالب فَوَجَبَ
[ ٢ / ٤٦١ ]
أَن يَسْتَوِي حكم إِيقَاعه للطَّلَاق وَحكم إِقْرَاره بِهِ كالمختار وَهَذَا الحكمان لَا يتنافيان فِي الأَصْل لِأَن طَلَاق الْمُخْتَار يَقع وَمَعَ ذَلِك فَحكم إِيقَاعه للطَّلَاق كَحكم إِقْرَاره بِهِ فِي اللُّزُوم والثبوت ويتنافى هَذَانِ الحكمان فِي الْفَرْع لِأَنَّهُ إِذا كَانَ طَلَاق الْمُكْره كاقراره بِالطَّلَاق وَكَانَ إِقْرَاره بِالطَّلَاق لَا يثبت حكمه وَجب أَن يكون طَلَاقه لَا يثبت حكمه وَذَلِكَ منَاف لِلْقَوْلِ بِأَن طَلَاقه يثبت حكمه فَهَذَا وَجه من وُجُوه الْقلب صَحِيح لِأَن الْحكمَيْنِ قد تنافيا فِي الْفَرْع لأجل الْإِجْمَاع فَلم يكن بِأَن يعلق أَحدهمَا بِالْعِلَّةِ أولى من الآخر فَبَان أَن للقلب وجودا من وُجُوه ثَلَاثَة أَحدهمَا أَن يكون أحد الْحكمَيْنِ مُجملا من غير ذكر تَسْوِيَة وَالْآخر مفصلا كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الِاعْتِكَاف وَالْآخر أَن يكون الحكمان مفصلين غير متنافيين بِأَن يكون الحكم فِي الْفَرْع ذَا جِهَتَيْنِ فيقصد كل وَاحِد من القائس والقالب إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ وَلَا تتنافيان فِي الأَصْل وتتنافيان فِي الْفَرْع لأجل الْإِجْمَاع وَالْآخر أَن يكون أحد الْحكمَيْنِ مفصلا وَالْآخر مُجملا وإجماله من جِهَة التَّسْوِيَة كَمَا ذَكرْنَاهُ آخرا
تمّ وَالْحَمْد لله على ذَلِك
[ ٢ / ٤٦٢ ]