إِن قيل إِذا قُلْتُمْ إِن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة هِيَ الْمَعْلُومَة بأدلة شَرْعِيَّة من خطاب أَو فعل أَو استنباط أَو الْمَعْلُومَة بإمساك الشَّرِيعَة عَن نقلهَا عَن حكم الأَصْل فَيجب أَن يكون وجوب الْمعرفَة شَرْعِيًّا وَطَرِيقَة إمْسَاك الشَّرِيعَة عَن نقل وُجُوبهَا الثَّابِت بِالْعقلِ قيل لَا يلْزم ذَلِك لأَنا إِذا قُلْنَا الحكم الشَّرْعِيّ هُوَ الْمَعْلُوم بإمساك الشَّرِيعَة عَن نقل حكم الْعقل لم يلْزم عَلَيْهِ وجوب الْمعرفَة لِأَنَّهُ غير مَعْلُوم وُجُوبهَا بالشريعة بل لَا يَصح أَن يعلم ذَلِك بِالشَّرْعِ لِأَن صِحَة الشَّرْع مَبْنِيَّة على الْمعرفَة فاذا لم يَصح أَن نَعْرِف وُجُوبهَا بِدَلِيل مُبْتَدأ شَرْعِي فأحرى أَن لَا نَعْرِف ذَلِك بإمساك الشَّرِيعَة عَن نَقله وَأَيْضًا فانا لم نذْكر ذَلِك على أَنه حد للْحكم الشَّرْعِيّ وَإِنَّمَا ذَكرْنَاهُ لنبين أَنا أَشَرنَا بقولنَا حكم شَرْعِي إِلَى ذَلِك وَمَتى أردنَا أَن نحد ذَلِك قُلْنَا الحكم الشَّرْعِيّ هُوَ مَا رَجَعَ أهل الشَّرِيعَة فِي الْعلم بِهِ إِلَى الشَّرِيعَة إِمَّا بِأَن يستدلوا عَلَيْهِ بأدلة شَرْعِيَّة مُبتَدأَة أَو بإمساك الشَّرِيعَة عَن نَقله فَكل مَا سلك الْفُقَهَاء فِيهِ هَذَا المسلك فَهُوَ حكم شَرْعِي وَمَا لم يسلكوا فِيهِ هَذَا المسلك لَا يُسمى حكما شَرْعِيًّا وَإِن صَحَّ أَن يسْتَدلّ بإمساك الشَّرِيعَة عَن نَقله وَأما وجوب الْمعرفَة فَغير لَازم لما قُلْنَاهُ أَولا
فصل
إِن قيل إِذا حددتم الظَّن بِأَنَّهُ تَغْلِيب بِالْقَلْبِ لأحد مجوزين ظاهري التجويز والتجويز هُوَ الشَّك وَالشَّكّ هُوَ خلو الْحَيّ من اعْتِقَاد النقيضين وَالظَّن لَهما مَعَ خطورة بالبال فَيجب أَن يكون الظَّان شاكا والشاك غير ظان فالظان إِذا غير ظان فان أجبتم عَن ذَلِك فقلتم نُرِيد بالتجويز هَهُنَا اعْتِقَاد إِمْكَان كل وَاحِد من النقيضين قيل لكم فَمَا قَوْلكُم فِيمَن غلب على ظَنّه أَن أحد النقيضين مُمكن يجوز أَن يغلب على ظَنّه أَن الله لَا يَسْتَحِيل أَن يرى أَلَيْسَ
[ ٢ / ٤٠٤ ]
هَذَا ظان وَلَيْسَ هُوَ مُعْتَقدًا صِحَة رُؤْيَته وَلَا أَنَّهَا غير صَحِيحَة الْجَواب إِن قَوْلنَا فلَان شَاك فِي النقيضين أَو مجوز لكل وَاحِد مِنْهُمَا قد يُرَاد بِهِ أَنه غير مُعْتَقد وَلَا لوَاحِد مِنْهُمَا وَلَا ظان وَقد يُرَاد بذلك أَنه غير قَاطع على وَاحِد مِنْهُمَا وَلَا فِي حكم الْقَاطِع كالجاهل فعلى هَذَا نصف الظَّان بِأَنَّهُ شَاك وَبِأَنَّهُ مجوز لما ظَنّه وَلغيره بِمَعْنى أَنه مجوز لكل وَاحِد مِنْهُمَا غير قَاطع فصح أَن نقُول إِنَّه قد غلب بِقَلْبِه أحد المجوزين إِذْ هُوَ مجوز لكل وَاحِد مِنْهُمَا غير قَاطع وَلَا فِي حكم الْقَاطِع وَلَا فرق بَين أَن نقُول تَغْلِيب بِالْقَلْبِ لأحد المجوزين ظاهري التجويز وَبَين أَن نقُول تَغْلِيب الْحَيّ بِالْقَلْبِ لأحد أَمريْن غير قَاطع على وَاحِد مِنْهُمَا وَلَا فِي حكم الْقَاطِع - ﷺ َ - بَاب إِثْبَات الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَحدهمَا - ﷺ َ -
الأولى أَن نقسم الْحَقِيقَة إِلَى اللُّغَوِيَّة والعرفية والشرعية ثمَّ نحد كل وَاحِدَة مِنْهَا وَهُوَ أولى من أَن نحد الْكل بِحَدّ عَام لِأَنَّهُ يَقْتَضِي اضطرابا فِي الْحَد فَنَقُول
الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة هِيَ مَا أفيد بِهِ مَا وضع لَهُ فِي أصل اللُّغَة والحقيقة الْعُرْفِيَّة مَا أفيد بِهِ مَا وضع لَهُ فِي أصل الْعرف والحقيقة الشَّرْعِيَّة هِيَ مَا أفيد بِهِ مَا وضع لَهُ فِي أصل الشَّرْع وَاعْلَم أَنه إِذا حد الْمجَاز بِأَنَّهُ مَا أفيد بِهِ معنى مصطلحا عَلَيْهِ غير الْمَعْنى المصطلح عَلَيْهِ فِي الأَصْل بَطل إِذا وضع أهل اللُّغَة إسما لشَيْء ثمَّ تواضعوا على أَن يَجْعَلُوهُ إسما لشَيْء آخر وَلم ينقلوه عَن الأول لِأَنَّهُ قد أفيد بِهِ غير مَا وضع لَهُ فِي الأَصْل وَهُوَ مَعَ ذَلِك حَقِيقَة فِيهِ من جِهَة اللُّغَة كَمَا أَنه حَقِيقَة فِي الأول وَإِنَّمَا ينْفَصل من الْمجَاز بِالسَّبقِ إِلَى الأفهام فَيَنْبَغِي أَن نحد الْحَقِيقَة بذلك وَمَتى حددناها بذلك على الْإِطْلَاق لم يَصح أَيْضا لأجل الْحَقِيقَة الْمُشْتَركَة لِأَنَّهُ إِذا أفيد بِاللَّفْظِ أحد حقيقتيه لم يسْبق إِلَى الْفَهم دون
[ ٢ / ٤٠٥ ]
الْحَقِيقَة الْأُخْرَى فَيَنْبَغِي أَن نقسم الْحَقِيقَة إِلَى المفردة والمشتركة
فالمفردة هِيَ مَا أفيد بهَا مَا هُوَ الأسبق إِلَى فهم العارفين بالاصطلاح عِنْد سماعهَا وَلَا يبطل ذَلِك باللفظة إِذا علم أَنه مَا عني بِهِ الْحَقِيقَة وَكَانَ لَهَا وَجْهَان فِي الْمجَاز أَحدهمَا أسبق إِلَى الْفَهم من الآخر وأشبه بِالْحَقِيقَةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ وَجه الْمجَاز الأسبق لَيْسَ يسْبق إِلَى الْفَهم عِنْد سَماع اللَّفْظَة إِلَّا بعد أَن يخرج الْحَقِيقَة من ان تكون مُرَادة فَلذَلِك لم يكن اللَّفْظ حَقِيقَة فِيهِ
وَأما الْحَقِيقَة الْمُشْتَركَة فَهِيَ مَا أفيد بهَا معنى يُسَاوِيه غَيره فِي السَّبق إِلَى الْفَهم عِنْد سَماع أهل الِاصْطِلَاح لَهَا وَقد دخل فِي ذَلِك الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة والعرفية والشرعية وَلَا يَنْبَغِي أَن نحد الْحَقِيقَة الْمُشْتَركَة بِأَنَّهَا مَا سبق إِلَى الْفَهم مَعْنَاهَا أَو مَا يقوم مقَامه لِأَن للسَّائِل أَن يَقُول يقوم مقَامهَا فِي مَاذَا فان قُلْنَا فِي كَونهَا حَقِيقَة كُنَّا قد فسرنا اللَّفْظَة بِنَفسِهَا
وَأما الْمجَاز فَهُوَ مَا أفيد بِهِ معنى مصطلحا عَلَيْهِ والأسبق إِلَى الْفَهم فِي تِلْكَ الْمُوَاضَعَة غَيره