ذهب جلّ الْقَائِلين بأخبار الْآحَاد إِلَى قبُول الْخَبَر وَإِن رَوَاهُ وَاحِد وَقَالَ أَبُو عَليّ إِذا روى العدلان خَبرا وَجب الْعَمَل بِهِ وَإِن رَوَاهُ وَاحِد فَقَط لم يجز الْعَمَل بِهِ إِلَّا بِأحد شُرُوط مِنْهَا أَن يعضده ظَاهر أَو عمل بعض الصَّحَابَة أَو اجْتِهَاد أَو يكون منتشرا وَحكى عَنهُ قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنه لم يقبل فِي الزِّنَا إِلَّا خبر اربعة كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَلم تقبل شَهَادَة الْقَابِلَة الْوَاحِدَة
وَالدَّلِيل على القَوْل الاول قِيَاسه على أَخْبَار الْمُعَامَلَات على مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب الْمُتَقَدّم وَيدل عَلَيْهِ إِجْمَاع السّلف عمل أَبُو بكر ﵁ على خبر رَوَاهُ بِلَال وَعمل عمر على خبر حمل بن مَالك وعملت الصَّحَابَة على خبر أبي سعيد فِي الرِّبَا وعملت على خبر أبي رَافع فِي المخابرة وَكَانَ عَليّ ﵇ يسْتَحْلف وَيقبل خبر ابي بكر بِغَيْر استحلاف وَلَيْسَ يجوز أَن يُقَال لَعَلَّهُم قبلوا مَا قبلوه لِأَن اجْتِهَادًا عضده لأَنهم كَانُوا يتركون اجتهادهم لبَعض هَذِه الْأَخْبَار وَكَانُوا لَا يرَوْنَ بالمخابرة بَأْسا حَتَّى رُوِيَ لَهُم عَن النَّبِي ﷺ النَّهْي عَنْهَا
وَحجَّة أبي عَليّ ﵀ هِيَ الْمرجع فِي قبُول خبر الْوَاحِد إِلَى الشَّرْع وَقد رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ لم يعْمل على خبر ذِي الْيَدَيْنِ حَتَّى سَأَلَ ابا بكر وَعمر وَقد اعْتبرت الصَّحَابَة الْعدَد فِي الْأَخْبَار فان ابا بكر لم يقبل خبر الْمُغيرَة فِي الْجدّة حَتَّى رَوَاهُ مَعَه مُحَمَّد بن مسلمة وَلم يعْمل عمر على خبر أبي مُوسَى فِي الاسْتِئْذَان
[ ٢ / ١٣٨ ]
حَتَّى رَوَاهُ مَعَه غَيره وَلَا عمل على خبر فَاطِمَة بنت قيس وَلم يقبلا خبر عُثْمَان فِي رد الحكم وَقَالا إِنَّك شَاهد وَاحِد قَالَ فَعلمت أَن ذَلِك إِجْمَاع لِأَنَّهُ لم يُنكر عَلَيْهِم
الْجَواب أما رُجُوع النَّبِي ﷺ إِلَى خبر ابي بكر وَعمر ﵄ فِي خبر ذِي الْيَدَيْنِ فان دلّ فانما يدل على اعْتِبَار ثَلَاثَة ابي بكر وَعمر وَذي الْيَدَيْنِ على أَن الْإِنْسَان قد يخبر عَن أُمُور الدُّنْيَا بِمَا يظنّ خِلَافه فَيرجع فِي تَحْقِيق ذَلِك إِلَى جمَاعَة استظهارا وطلبا لقُوَّة الظَّن فَلَا يدل على أَنه لَا يعول فِي أُمُور الدُّنْيَا إِلَّا على خبر جمَاعَة وَأما طلب الصَّحَابَة لراو آخر فانه لَا يدل على أَنهم اعتقدوا أَنه لَا يعْمل على الْوَاحِد لَو انْفَرد لِأَن الْحَاكِم قد يطْلب شَاهدا ثَالِثا ليقوي ظَنّه وَإِن كَانَ لَو لم يشْهد الثَّالِث عمل على شَهَادَة الِاثْنَيْنِ وَقد يعْمل الانسان فِي امور الدُّنْيَا على خبر الْوَاحِد وَيطْلب فِي بعض الْأَشْيَاء مخبرا ثَانِيًا ليقوي ظَنّه وَقد يضعف الظَّن لصدق الرَّاوِي مرّة وَلَا يضعف لصدقه أُخْرَى وَقد ينْفَرد الْعدْل بالرواية لأمر مستبعد فِي الْعَادة أَو لأمر تَقْتَضِي الْعَادة أَن لَا ينْفَرد بروايته الْوَاحِد وَلَا يظنّ تَعَمّده بِهِ الْكَذِب لَكِن يظنّ بِهِ السَّهْو والغلط وَلَا يظنّ بِهِ ذَلِك مرّة اخرى إِذا انْتَفَت هَذِه الْأُمُور فاذا كَانَ طَرِيق قبُول خبر الْوَاحِد وَالِاجْتِهَاد فِي عَدَالَة الرَّاوِي وَضَبطه وَاخْتلفت الاحوال فِي ذَلِك وَوجدنَا الَّذين طلبُوا رَاوِيا آخر هم الَّذين لم يطلبوه فِي حَالَة اخرى علمنَا أَنهم إِنَّمَا طلبُوا مخبرا ثَانِيًا لتقوية الظَّن أَو لِأَنَّهُ اعتراضهم بعض مَا ذَكرْنَاهُ لَا لأَنهم اعتقدوا حظر الْعَمَل على خبر الْوَاحِد على أَنه رُوِيَ عَن عمر أَنه قَالَ لأبي مُوسَى مَا اتهمتك وَلَكِنِّي خفت أَن يتقول النَّاس على رَسُول الله ﷺ وَقد بَينا أَن ردة خبر فَاطِمَة بنت قيس إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ نسخ لكتاب الله ﷿ وَإِنَّمَا لم يعْمل أَبُو بكر وَعمر ﵄ على خبر عُثْمَان ﵁ فِي رد الحكم لِأَن ذَلِك شَهَادَة لِأَنَّهُ إِثْبَات حكم فِي عين لَا يتعداها أَلا ترى أَنَّهُمَا سميا ذَلِك شَهَادَة فَدلَّ ذَلِك على أَنه كَانَ شَهَادَة عِنْدهمَا
[ ٢ / ١٣٩ ]
وقاس أَبُو عَليّ ﵀ الْخَبَر على الشاهدة لعِلَّة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا إِخْبَار عَن الْغَيْر يجب عِنْده الْعَمَل فَكَانَ من شَرطه الْعدَد وَهَذِه عِلّة غير مَعْلُومَة فَلَا يجوز الِاعْتِمَاد عَلَيْهَا فِيمَا يجب فِيهِ الْعلم وَلَيْسَ يمْتَنع أَن تكون الشَّهَادَة إِنَّمَا شَرط فِيهَا الْعدَد لكَونهَا شَهَادَة وَلِهَذَا قبل فَتْوَى الْفَقِيه الْوَاحِد لما لم يكن شَهَادَة وَلِهَذَا لم يعْتَبر فِي الْمخبر مَا اعْتبر فِي الشَّاهِد من الْحُرِّيَّة