اخْتلف مثبتو التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد فِي جَوَاز تَخْصِيص الْقُرْآن وَالسّنة المتواترة فَمنع قوم من ذَلِك على كل حَال وَأَجَازَهُ مُعظم الْفُقَهَاء على كل حَال وَمنع مِنْهُ قوم فِي حَال دون حَال فَقَالَ عِيسَى بن أبان إِذا دخلهما التَّخْصِيص من
[ ٢ / ١٥٤ ]
وَجه جَازَ تخصيصهما بِخَبَر الْوَاحِد لِأَنَّهُمَا يصيران مجملين ومجازين بالتخصيص الأول وَإِذا لم يدخلهما التَّخْصِيص من وَجه آخر لم يجز تخصيصهما وَشرط قوم فِي جَوَاز تخصيصهما بأخبار الْآحَاد أَن يكون التَّخْصِيص قد دخلهما بِدَلِيل مُنْفَصِل
وَالدَّلِيل على تَخْصِيص الْقُرْآن بذلك أَن خبر الْوَاحِد يَقْتَضِي الظَّن وَالْعقل يَقْتَضِي الْعَمَل على الظَّن فِي الْمَنَافِع والمضار فَوَجَبَ الْمصير إِلَيْهِ وَإِن خص الْعُمُوم
إِن قيل الظَّن لصدق الرَّاوِي لَا يحصل مَعَ عُمُوم الْكتاب قيل إِذا كَانَ الظَّن لصدقه يحصل إِذا لم يُعَارضهُ عُمُوم الْكتاب وَجب حُصُوله مَعَ عُمُوم الْكتاب لِأَنَّهُ لَا وَجه يحِيل وُقُوع الظَّن لصِحَّة الْخَبَر مَعَ مُعَارضَة عُمُوم الْكتاب
فان قيل الْوَجْه الْمُحِيل لذَلِك هُوَ أَن عُمُوم الْكتاب إِذا انْفَرد اقْتضى الْعلم بشموله وَخبر الْوَاحِد إِذا انْفَرد اقْتضى الظَّن لصِحَّته فَلم يجز التَّعَبُّد بِهِ إِذا عَارضه عُمُوم الْكتاب وَإِذا لم يجز ذَلِك لم يحصل الظَّن بِأَن النَّبِي ﷺ قَالَه الْجَواب إِن خبر الْوَاحِد وَإِن اقْتضى الظَّن إِذا انْفَرد فان وجوب الحكم بِهِ مَعْلُوم غير مظنون والتعارض إِنَّمَا وَقع بَين حكمه وَبَين حكم الْعُمُوم فاذا كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا مَعْلُوما لَو انْفَرد لم يجز الْمَنْع من التَّعَبُّد بالْخبر مَعَ عُمُوم الْكتاب فَلم يمْنَع من وُقُوع الظَّن لصِحَّته بل وَجب التَّعَبُّد بِهِ لِأَنَّهُ أخص
فان قيل الدَّلِيل الَّذِي دلّ على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد إِنَّمَا دلّ بِشَرْط أَن يظنّ صدق الرَّاوِي وَمَعَ مُعَارضَة الْعُمُوم لَا يظنّ صدقه فَالشَّرْط لم يُوجد وَالدَّلِيل لم يحصل فَالْجَوَاب عَنهُ أَن عَدَالَة الرَّاوِي لَا ينفيها الْعُمُوم فالظن لصدقه حَاصِل وَقَول النَّبِي ﷺ بَيَان فَثَبت بِهِ التَّخْصِيص فِي الأَصْل بَيَاض مِقْدَار أَربع كَلِمَات وَوُجُوب الْعَمَل بِمُقْتَضى الْعُمُوم مَعْلُوم فقد صَار الْمصير إِلَيْهِ أولى لِأَن نَقله مَعْلُوم وَوُجُوب الْعَمَل بِهِ مَعْلُوم هَذَا الدَّلِيل
[ ٢ / ١٥٥ ]
يُعَارضهُ أَن الْعُمُوم مَعْلُوم يتَنَاوَلهُ الْأَشْخَاص وَالْعقل يَقْتَضِي أَن لَا يتْرك الْعَمَل على مَا يغلب الظَّن فَوَجَبَ الْعَمَل عَلَيْهِ وَإِن عَارضه خبر وَاحِد لِأَنَّهُ من لم يتْرك مَا يعلم لما يظنّ فقد تحرز من المضار وَلِأَن الْعُمُوم لَو أَفَادَ الظَّن لقَائِل خبر الْوَاحِد وتعارضا وَوَجَب الْمصير إِلَى دَلِيل الْعقل أَو دَلِيل غَيرهمَا وَلِأَن خبر الْوَاحِد لَو قدح فِي الْعُمُوم لوَجَبَ اسْتِعْمَاله وَلَو رفع جَمِيع مَا يتَنَاوَلهُ الْعُمُوم وجوزنا فِي كل وَاحِد من الْأَخْبَار المخصصة أَنه صَحِيح وَالْآخر فَاسد فَكَانَ يبْقى من الْعُمُوم ثَلَاثَة أشخاص لَا بِأَعْيَانِهَا أَو شخص وَاحِد لَا بِعَيْنِه لِأَن كل خبر يكْسب الظَّن وَالظَّن يَقْتَضِي الْعقل وَالْعَمَل عَلَيْهِ وَيجوز فِي التناهي إِلَى الْوَاحِد من الْعُمُوم أَن يكون الْخَبَر الْوَارِد بِهِ مَعَ ذَلِك الْوَاحِد صَحِيحا وَغَيره مِمَّا تقدم كذب فَيَجِيء من ذَلِك أَن يرفع جَمِيع مَا تنَاوله الْعُمُوم بِخَبَر الْوَاحِد وَذَلِكَ محَال فان قيل من الْعجب أَن يجْتَمع علم وَظن متعارضين فيقدح الظَّن فِي الْعلم وَلَا يبطل الظَّن بِالْعلمِ قيل قد كُنَّا نجوز أَن يكون هُنَاكَ دَلِيل يَقْتَضِي تَخْصِيص الْعَام قبل الْعلم بِخَبَر الْوَاحِد وَلَو كَانَ الْعُمُوم مَقْطُوعًا أَنه لَا يجوز تَخْصِيصه لم يَخُصُّهُ بِخَبَر الْوَاحِد وَكَانَ الْعلم لَا يرْتَفع بِالظَّنِّ
إِن قيل الْعقل يمْنَع من الْعُدُول عَن الْمَعْلُوم إِلَى المظنون وَعُمُوم الْكتاب مَعْلُوم شُمُوله وَخبر الْوَاحِد مظنون صِحَّته فَلم يجز الْعَمَل عَلَيْهِ مَعَ عُمُوم الْكتاب قيل إِن أُرِيد أَن خبر الْوَاحِد مظنون لَو انْفَرد فقد تكلمنا فِي ذَلِك وَإِن أُرِيد أَن مظنون صِحَّته مَعَ مُعَارضَة الْعُمُوم فَذَلِك يمْنَع من الْعلم بشمول الْعُمُوم لأَنا إِذا ظننا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا رَوَاهُ الرَّاوِي فقد جَوَّزنَا ثُبُوت حكم الْخَبَر وَمَعَ تَجْوِيز ذَلِك لَا يحصل الْعلم بِمَا اقْتَضَاهُ الْعُمُوم من الحكم الْمُخَالف لحكم الْخَبَر وَيدل عَلَيْهِ إِجْمَاع الصَّحَابَة لأَنهم خصوا قَول الله ﷿ ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ بِمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا نورث مَا تركنَا فَهُوَ صَدَقَة وَلما رُوِيَ أَن الْقَاتِل لَا يَرث وَالصَّحِيح أَن
[ ٢ / ١٥٦ ]
فَاطِمَة ﵍ طالبت بعد ذَلِك بالنحلة لَا بِالْمِيرَاثِ وخصوا الْآيَة أَيْضا بِمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه جعل للجدة السُّدس وَهَذَا يُغير فرض مَا تضمنته الْآيَة فَكَانَت مخصصة لَهَا وخصوا قَول الله ﷿ ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ بِمَا روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وَلَا على خَالَتهَا وخصوا قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَأحل الله البيع﴾ بِخَبَر أبي سعيد فِي الْمَنْع من بيع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ وخصوا قَوْله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ بِمَا رُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ فِي الْمَجُوس سنوا بهم سنة أهل الْكتاب وكل هَذِه أَخْبَار آحَاد وَتَخْصِيص الصَّحَابَة ﵂ ظواهر الْقُرْآن بهَا ظَاهر لَا يُمكن دَفعه وَلَا يُمكن أَن يُقَال خصوها بِغَيْر ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يرْوى مَا خصوها بِهِ ويروى مَا لم يجر لَهُ ذكر وَمَا ذَكرْنَاهُ يَقْتَضِي أَن يحمل قَول عمر ﵁ لَا نَدع كتاب رَبنَا وَسنة نَبينَا لقَوْل امْرَأَة لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا نسيت أم كذبت على أَنه لَا يَدعه نسخا ليجمع بَين هَذَا الْخَبَر وَبَين الْأَخْبَار الَّتِي ذَكرنَاهَا وَلِأَن قَوْله لَا نَدع كتاب رَبنَا وَسنة نَبينَا يُفِيد النّسخ دون التَّخْصِيص وَلِهَذَا لَا يُقَال فِيمَن خص آيَة من الْقُرْآن قد ترك الْقُرْآن
فان قيل هلا قبلوا خَبَرهَا فِي نَفسهَا خَاصَّة وأخرجوها وَحدهَا من الْآيَة وَهِي قَوْله ﴿أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم من وجدكم﴾ قيل إِن حكمهَا قد كَانَ يقْضِي وَإِنَّمَا رَوَت الْخَبَر ليعْمَل بِهِ فِي غَيرهَا فَلَو قبلوا خَبَرهَا لقبلوه فِي غَيرهَا على أَنهم لَو قبلوا خَبَرهَا فِي نَفسهَا لقبلوه فِيمَن هُوَ بِمثل صفتهَا على مَا جرت بِهِ عَادَتهم فِي إِجْرَاء الْخَبَر فِي كل من كَانَت صفته صفة من ورد فِيهِ الْخَبَر
[ ٢ / ١٥٧ ]
وَقد قَالَ بَعضهم إِن قَول عمر لَا نَدع كتاب رَبنَا وَسنة نَبينَا لقَوْل امْرَأَة لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا نسيت أم كذبت يدل على أَنه ترك قَوْلهَا لهَذِهِ الْعلَّة لَا لما ذكرتموه فِي أَنه لَو قبل خَبَرهَا فِي نَفسهَا لقبله فِي غَيرهَا الْجَواب أَنهم لَو قبلوا خَبَرهَا لدل على إخْرَاجهَا وَإِخْرَاج غَيرهَا وَكَانُوا تاركين للْكتاب لأَنهم لَا يكونُونَ تاركين للْكتاب إِلَّا باخراجها وَإِخْرَاج غَيرهَا فصح أَنهم إِنَّمَا يتركون الْكتاب لأجل قَوْلهَا وروايتها هُوَ الدَّال على تخصيصها وَتَخْصِيص غَيرهَا
إِن قيل قد قبل أهل قبا خبر الْوَاحِد فِي نسخ الْقبْلَة أفيتجوزون نسخ الْقُرْآن بأخبار الْآحَاد قيل ذَلِك جَائِز فِي الْعقل وَقد كَانَ مَعْمُولا فِي صدر الْإِسْلَام بِدلَالَة حَدِيث أهل قبا ثمَّ نسخ ذَلِك وَدلّ على نسخه خبر عمر ﵁ وَإِجْمَاع السّلف عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو على ﵀ لَا يمْتَنع أَن يكون النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُم إِنِّي أنفذ اليكم فلَانا بنسخ الْقبْلَة فاقبلوا خَبره فانه صَادِق وَذَلِكَ دلَالَة قَاطِعَة على صدقه
وَحكى قَاضِي الْقُضَاة ﵀ فِي الشَّرْح عَن الشَّافِعِي ﵁ أَنه منع من نسخ الْقُرْآن بأخبار الْآحَاد فِي الْجُمْلَة دون التَّفْصِيل وَمعنى ذَلِك أَنه منع من نسخه بِخَبَر غير مَقْطُوع بِهِ وَجوز أَن يصل نسخه إِلَى بعض الْمُكَلّفين بِخَبَر وَاحِد فَيلْزمهُ الْعَمَل بِهِ دَلِيل الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَاجِب إِذا اخْتصَّ بشرائط وَهَذِه الشَّرَائِط حَاصِلَة فِيهِ إِذا عَارضه عُمُوم الْكتاب فَوَجَبَ الْعَمَل بِهِ
فان قيل من شَرط الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد أَن لَا يُعَارضهُ عُمُوم الْكتاب قيل قد أُجِيب عَن ذَلِك بِأَن إِجْمَاع الصَّحَابَة على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد يُوجب الْعَمَل بِهِ وَلَا يجوز أَن يشْتَرط فِي الْعَمَل بِهِ شَرط إِلَّا بِدَلِيل وَلَيْسَ على مَا اشْترط السَّائِل دَلِيل وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا يجب ذَلِك لَو أَجمعُوا على الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بِلَفْظ عَام يتَنَاوَل حَال مُعَارضَة الْعُمُوم حت لَا يخرج مِنْهُ حَالَة من الْحَالَات إِلَّا لدلَالَة وَمَا اجْمَعُوا كَذَا بل اجْمَعُوا على الْعَمَل بِهِ فِي مَوضِع
[ ٢ / ١٥٨ ]
فَيَنْبَغِي أَن ينظر فِي الْموضع الَّذِي أَجمعُوا عَلَيْهِ فِيهِ فان تنَاول هَذِه الْمَسْأَلَة قضى بِهِ وَلَا ينْقل مِنْهُ إِلَى مَوضِع آخر إِلَّا لدلَالَة فان قُلْتُمْ قد عمِلُوا بِهِ مَعَ مُعَارضَة عُمُوم الْكتاب كَانَ رُجُوعا إِلَى دَلِيل آخر
فان قيل إِجْمَاع الصَّحَابَة على الْعَمَل بِهِ يَكْفِي فِي وجوب الْعَمَل بِهِ فِي كل مَوضِع من الدّلَالَة أَلا ترى أَنهم لَو أَجمعُوا على قبُوله فِي الصَّلَاة لدل ذَلِك على قبُوله فِي فرع من فروع الصّيام قيل إِنَّمَا يدل قبولهم لَهُ فِي فرع من فروع الصَّلَاة على قبُوله فِي غير ذَلِك من الْفُرُوع لِأَنَّهُ لَا فرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ وَلَيْسَ يُمكن أَن يُقَال لَا فرق بَين الْعَمَل بِهِ مَعَ مُعَارضَة عُمُوم الْكتاب لَهُ وَمَعَ فقد ذَلِك وَإِن الْحَال فِي خبر الْوَاحِد مَعَ مُعَارضَة دَلِيل شَرْعِي كالحال فِيهِ إِذا لم يُعَارضهُ ذَلِك أَلا ترى أَن كثيرا من الْعلمَاء قد فرق بَينهمَا
فان قيل إِنَّا نستدل باجماع الصَّحَابَة على ان الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد مَعْلُوم إِذا انْفَرد كَمَا أَن الْعَمَل باستغراق الْعُمُوم مَعْلُوم إِذا انْفَرد ثمَّ نقُول فاذا اجْتمعَا لم يجز إطراح أَحدهمَا وَالْعَمَل بهما لَا يُمكن إِلَّا مَعَ التَّخْصِيص قيل إِذا كَانَ الْعَمَل بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا مَعْلُوما إِذا انْفَرد جَازَ أَن يكون الْعَمَل بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا مَعْلُوما مَعَ التَّعَارُض وَجَاز أَن يكون الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد مَعْلُوما بِشَرْط أَن لَا يُعَارضهُ الْعُمُوم وَإِذا جَازَ كلا الْأَمريْنِ وَجب التَّوَقُّف فَمن أَيْن قطعْتُمْ على وجوب الْعَمَل بهما وَأَنْتُم المستدلون وَأَيْضًا فان عُمُوم الْكتاب مَعْلُوم وجوب الحكم باستغراقه إِلَّا أَن يُعَارضهُ مَا يكون حكمه مَعْلُوما عِنْد مُعَارضَة الْعُمُوم فاذا لم يثبت لكم ذَلِك فِي خبر الْوَاحِد لأنكم لم تثبتوا أَن الصَّحَابَة أَجمعت على الْعَمَل فِي هَذَا الْموضع وَجب الْقَضَاء باستغراق الْعُمُوم
وَاحْتج الْمُخَالف فَقَالَ إِن خبر الْوَاحِد يَقْتَضِي الظَّن وَعُمُوم الْكتاب يَقْتَضِي الْقطع وَلَا يجوز الْعَمَل بِمَا يَقْتَضِي الظَّن والعدول إِلَيْهِ عَمَّا يَقْتَضِي الْقطع الْجَواب يُقَال لَهُ أَتُرِيدُ أَن عُمُوم الْكتاب يَقْتَضِي الْعلم بشمول حكمه وَأَن خبر الْوَاحِد يَقْتَضِي الظَّن بِثُبُوت حكمه أَو تُرِيدُ أَن عُمُوم الْكتاب مَعْلُوم
[ ٢ / ١٥٩ ]
أَنه كَلَام الله سُبْحَانَهُ وَخبر الْوَاحِد يظنّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَه فان قَالَ بِالْأولِ قيل لَهُ أتعني ذَلِك لَو انْفَرد كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه أَو إِذا اجْتمعَا فان قَالَ إِذا اجْتمعَا أَو انْفَرد كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه قيل لَا نسلم ذَلِك لِأَن عندنَا أَن الْعَمَل على خبر الْوَاحِد مَعْلُوم سَوَاء عَارضه عُمُوم كتاب أَو لم يُعَارضهُ فَمَا ذكرته هُوَ نفس الْمَسْأَلَة وَإِن قَالَ أُرِيد الْوَجْه الثَّانِي قيل وَلم إِذا علمنَا أَن الله سُبْحَانَهُ تكلم بِالْعُمُومِ وَغلب على ظننا أَن النَّبِي ﵇ تكلم بالْخبر وَلم نعلمهُ لَا يجوز أَن نعلم عِنْده وجوب الْعَمَل فان قَالَ لِأَن الْخَبَر إِذا كَانَ مظنونا أَن النَّبِي ﷺ قَالَه لم يجز أَن يعلم عِنْده وجوب الْعَمَل قيل فَيجب أَن لَا نعلم عِنْده وجوب الْعَمَل مَعَ فقد الْكتاب لِأَن الظَّن لَا يكون طَرِيقا إِلَى الْعلم على كل حَال وايضا فان طريقنا إِلَى الْعلم بِوُجُوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد هُوَ الْإِجْمَاع وَشرط ذَلِك ظننا صدق الرَّاوِي وَالْإِجْمَاع مَعْلُوم وظننا صدق الرَّاوِي مَعْلُوم فان قَالَ عُمُوم الْكتاب لَيْسَ يقف على شَرط مظنون فَالْخَبَر مظنون صدقه فقد وقف الْعَمَل بِهِ على أَمر مظنون فَلم يجز الْعُدُول إِلَيْهِ عَن عُمُوم الْكتاب قيل إِنَّمَا كَانَ يمْنَع مَا ذكرت لَو كَانَ طريقنا إِلَى الحكم هُوَ قَول النَّبِي ﷺ فَكُنَّا إِذا لم نَأْمَن أَن يكون لم يقل ذَلِك القَوْل لَا يجوز لنا الحكم بِهِ وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْأَمر كَذَلِك لما جَازَ الْعَمَل على خبر الْوَاحِد وَإِن لم يُعَارضهُ عُمُوم الْكتاب وَإِنَّمَا طريقنا إِلَى ذَلِك هُوَ ظننا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَلِك القَوْل مَعَ قيام الدّلَالَة على الْعَمَل بِمَا يغلب على ظننا من ذَلِك وكلا هذَيْن مَعْلُوم لأَنا نعلم أَنا ظانون صدق الرَّاوِي ونعلم الدّلَالَة على وجوب الْعَمَل بِمَا ظنناه فَثَبت مُسَاوَاة طريقنا إِلَى الْعلم بِحكم الْخَبَر لطريقنا إِلَى الْعلم لشمُول الْآيَة فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا طَرِيق مَعْلُوم وَبَطل إحالتهم قيام الدّلَالَة على الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد مَعَ عُمُوم الْكتاب
فان قيل الْعُمُوم مَعْلُوم وَمَعْلُوم أَنه قَول الله سُبْحَانَهُ وَقد دلّ على وجوب الْعَمَل بِهِ دَلِيل قَاطع وَهَذَا لَا يتَغَيَّر وَخبر الْوَاحِد قد يَزُول الظَّن فِيهِ بالبحث عَن الرَّاوِي وَالظَّن فِي حَاله فيزول الَّذِي دلّ على وجوب الْعَمَل بِهِ
[ ٢ / ١٦٠ ]
فَكيف يَزُول مَا لَا يتَغَيَّر بِحَال مَا يتَغَيَّر وَقد نقضت الشُّبْهَة بانتقالنا عَن مُقْتَضى الْعقل بِخَبَر الْوَاحِد وَهَذَا لَا يلْزم لِأَن عُمُوم الْكتاب دلّ لَفظه على شُمُول الحكم على طَرِيق الْقطع لَو انْفَرد أَلا ترى أَنه يتَنَاوَل لَفظه كل وَاحِد من أشخاص النَّوْع وَالْجِنْس فَلَو عدلنا عَن بعضه بِخَبَر الْوَاحِد كُنَّا قد عدلنا عَن مُوجب دَلِيل قَاطع وَأما الْعقل فانه لَا يَقْتَضِي قبح ذبح الْحَيَوَان إِلَّا من حَيْثُ أَنه ألم مَحْض وَلَيْسَ يدل الْعقل على انه مَحْض وَإِنَّمَا يعلم الْعَاقِل أَنه مَحْض لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعقل وَلَا فِي السّمع مَا يدل عَلَيْهِ فاذا ورد الْخَبَر باباحته علمنَا أَن فِيهِ مَنْفَعَة موفية فَزَالَ الشَّرْط الَّذِي مَعَه قضى الْعقل بقبحه وَلم نَكُنْ تاركين لموجب الْعقل بِخَبَر الْوَاحِد لِأَن الْعقل لم يدل على أَنه لَيْسَ فِيهِ نفع موف وَخبر الْوَاحِد دلّ على ذَلِك فَلم نَكُنْ بتاركين لدلَالَة مَعْلُومَة إِلَى شَيْء مظنون
واجيب عَن الشُّبْهَة أَيْضا بِأَن خبر الْوَاحِد وَعُمُوم الْكتاب طريقهما الِاجْتِهَاد فهما يتساويان وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ إِن أُرِيد أَن طريقهما الِاجْتِهَاد الَّذِي هُوَ بذل الْجهد فِي الِاسْتِدْلَال فَصَحِيح لِأَن أَحدهمَا مظنون أَن النَّبِي ﷺ قَالَه وَالْآخر مَعْلُوم أَن الله ﷿ قَالَه وَإِن أُرِيد أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مظنون فَلَا يَصح
وَقد قَاس الْمُخَالف الْمَنْع من تَخْصِيص الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد على الْمَنْع من نسخه بِخَبَر الْوَاحِد بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا عدُول إِلَى مظنون عَن مَعْلُوم الْجَواب إِنَّهُم إِن قاسوا أَحدهمَا على الآخر فِي الْمَنْع من التَّعَبُّد بهما من جِهَة الْعُقُول لم نسلم الحكم فِي الأَصْل لأَنا نجوز من جِهَة الْعقل نسخ الْقُرْآن بِخَبَر الْوَاحِد وَإِن قاسوا أَحدهمَا على الآخر فِي الْمَنْع من التَّعَبُّد شرعا فَمَا ذَكرُوهُ من الْعلَّة غير مَعْلُومَة فَلم يجز الْقيَاس بهَا فِي هَذَا الْموضع وَأما من منع تَخْصِيص عُمُوم الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد إِذا لم يتقدمه تَخْصِيص فقد أبطل لِأَن الْعُمُوم الْمَخْصُوص كَالَّذي لَيْسَ بمخصوص فِي أَنه مَعْلُوم صدوره من حَكِيم وتناوله من جِهَة الْحَقِيقَة لما لم يتَنَاوَلهُ التَّخْصِيص فاذا خصت الصَّحَابَة بِخَبَر الْوَاحِد
[ ٢ / ١٦١ ]
الْعُمُوم الْمَخْصُوص دلّ ذَلِك على جَوَاز تَخْصِيصه عُمُوما لم يدْخلهُ التَّخْصِيص إِذْ أَحدهمَا فِي معنى الآخر كَمَا أَن إجماعها على تَخْصِيص بعض الْآيَات بِخَبَر الْوَاحِد دَلِيل على تَخْصِيص آيَة أُخْرَى بِخَبَر الْوَاحِد لِأَن أَحدهمَا فِي معنى الآخر
وقلوهم إِن الْعُمُوم الْمَخْصُوص قد صَار مجَازًا أَو مُجملا فَجَاز تَخْصِيصه وَلَيْسَ كَذَلِك الْعُمُوم إِذا لم يخص فَبَاطِل لِأَن الْعُمُوم الْمَخْصُوص لَيْسَ بمجاز من حَيْثُ يتَنَاوَل مَا لم يدْخلهُ التَّخْصِيص فَصَارَ من هَذِه الْجِهَة كَالَّذي لم يتقدمه تَخْصِيص وَإِنَّمَا هُوَ مجَاز من حَيْثُ لم يرد بِهِ بعض مَا يتَنَاوَلهُ وَقَوْلهمْ إِنَّه مُجمل لَا نسلمه وَقَوْلهمْ إِن عمر ﵇ امْتنع من تَخْصِيص قَوْله ﷿ ﴿أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم من وجدكم﴾ بِخَبَر فَاطِمَة بنت قيس بقوله لَا نَدع كتاب رَبنَا وَسنة نَبينَا لقَوْل امْرَأَة لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا نسيت أم كذبت لَا يَصح لأَنا قد بَينا أَن ذَلِك ينْصَرف إِلَى النّسخ على أَن هَذِه الْآيَة مَخْصُوصَة بِخُرُوج الْمُرْتَدَّة مِنْهَا وَقَول من فرق بَين الْعُمُوم الْمَخْصُوص بِالِاسْتِثْنَاءِ وَبَين الْمَخْصُوص بِالدّلَالَةِ الْمُنْفَصِلَة بِأَن الْعُمُوم الْمَخْصُوص بِالِاسْتِثْنَاءِ حَقِيقَة فِيمَا عدا الْمُسْتَثْنى لِأَن الْعُمُوم مَعَ الِاسْتِثْنَاء يجْرِي مجْرى لفظ الْعدَد مَعَ الِاسْتِثْنَاء فِي أَنه يتَنَاوَل مَا عدا الْمُسْتَثْنى من الْأَعْدَاد وَأما الْعُمُوم الْمَخْصُوص بِدَلِيل مُنْفَصِل فَهُوَ مجَاز فَبَاطِل بِمَا ذَكرْنَاهُ الْآن