اعْلَم أَن الْقيَاس على أصل من الاصول إِذا عَارض خبر وَاحِد فانما يُعَارضهُ إِذا اقْتضى الْخَبَر إِيجَاب أَشْيَاء وَاقْتضى الْقيَاس حظر جَمِيعهَا على الْحَد الَّذِي اقْتضى الْخَبَر إِيجَابهَا أَو بَان يكون الْخَبَر مُخَصّصا لعِلَّة الْقيَاس فان اقْتضى تخصيصها فِيمَن يُجِيز تَخْصِيص الْعلَّة يجمع بَينهمَا وَمن لَا يرى تَخْصِيص الْعلَّة
[ ٢ / ١٦٢ ]
يجرى هَذَا الْقسم مجْرى الْقسم الأول وَلَيْسَ تَخْلُو عِلّة الْقيَاس الَّذِي هَذِه حَاله إِمَّا أَن تكون مَنْصُوصا عَلَيْهَا أَو مستنبطة فان كَانَت منصوصة لم يخل النَّص عَلَيْهَا إِمَّا أَن يكون مَقْطُوعًا بِهِ أَو غير مَقْطُوع بِهِ فان كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ وَكَانَ خبر الْوَاحِد يَنْفِي مُوجبهَا وَلم يكن إِضْمَار زِيَادَة فِيهَا تخرج مَعَه الْعلَّة من ان يعارضها خبر الْوَاحِد فانه يجب الْعُدُول إِلَيْهَا عَن خبر الْوَاحِد لِأَن النَّص على الْعلَّة كالنص على حكمهَا فَكَمَا لَا يجوز قبُول خبر الْوَاحِد إِذا رفع مُوجب النَّص الْمَقْطُوع بِهِ فَكَذَلِك فِي هَذَا الْموضع وَلِأَن خبر الْوَاحِد فِي هَذَا الْمَكَان يخرج الْعلَّة المنصوصة من كَونهَا عِلّة وَالنَّص قد اقْتضى كَونهَا عِلّة فَصَارَ خبر الْوَاحِد رَافعا مُوجب النَّص الْمَقْطُوع بِهِ وَإِن لم يكن النَّص على الْعلَّة مَقْطُوعًا بِهِ وَلَا كَانَ حكمهَا فِي الأَصْل ثَابتا بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ فانه يكون مُعَارضا لخَبر الْوَاحِد لِأَنَّهُمَا خَبرا وَاحِد وَيكون الرُّجُوع إِلَى الْخَبَر فِي إِثْبَات الحكم أولى من الْخَبَر الدَّال على الْعلَّة لِأَن دَال بصريحه على الحكم وَالْخَبَر الدَّال على الْعلَّة لَيْسَ بدال على الحكم بصريحه وَنَفسه بل بِوَاسِطَة وَإِن كَانَ حكمهَا فِي الأَصْل ثَابتا بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ فَهُوَ مَوضِع اجْتِهَاد على مَا سنبينه الْآن فِي الْعلَّة المستنبطة
فَأَما إِن كَانَت عِلّة الْقيَاس مستنبطة فَلَا يَخْلُو أصل الْقيَاس إِمَّا أَن يكون حكمه ثَابتا بِخَبَر وَاحِد أَو بِنَصّ مَقْطُوع بِهِ فاذا كَانَ ثَابتا بِخَبَر وَاحِد لم يكن الْقيَاس أولى من الْخَبَر الْمعَارض لَهُ بل الْأَخْذ بالْخبر أولى فَأَما إِذا كَانَ الحكم فِي أصل الْقيَاس ثَابتا بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ وَالْخَبَر الْمعَارض للْقِيَاس خبر وَاحِد فَيَنْبَغِي أَن يكون النَّاس إِنَّمَا اخْتلفُوا فِي هَذَا الْموضع وَإِن كَانَ الاصوليون ذكرُوا الْخلاف فِيهِ مُطلقًا فَعِنْدَ الشَّافِعِي ﵁ أَن الْأَخْذ بالْخبر أولى وَهُوَ قَول أبي الْحسن وَقَالَ عِيسَى بن أبان إِن كَانَ رَاوِي الْخَبَر ضابطا عَالما غير متساهل فِيمَا يرويهِ وَجب قبُول خَبره وَترك الْقيَاس وَإِن كَانَ الرَّاوِي بِخِلَاف ذَلِك كَانَ مَوضِع الِاجْتِهَاد وَذكر أَن فِي الصَّحَابَة ﵈ من رد حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِالِاجْتِهَادِ وَحكي عَن مَالك أَنه رجح الْقيَاس على الْخَبَر وَمِنْهُم من قَالَ طَرِيقه الِاجْتِهَاد
[ ٢ / ١٦٣ ]
وَاحْتج المرجحون للْخَبَر بأَشْيَاء
مِنْهَا إِجْمَاع الصحاب لِأَن أَبَا بكر ﵁ نقض حكما حكم بِهِ بِرَأْيهِ لحَدِيث سَمعه من بِلَال وَترك عمر ﵁ رَأْيه فِي الْجَنِين وَفِي التَّسْوِيَة بَين الْأَصَابِع للْحَدِيث فان قيل إِن ابْن عَبَّاس قد خَالف فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لم يقبل خبر أبي هُرَيْرَة إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من نَومه فَلَا يغمس يَده فِي الْإِنَاء حَتَّى يغسلهَا ثَلَاثًا وَقَالَ مَا نصْنَع بمهراسنا والمهراس حجر عَظِيم كَانُوا يجْعَلُونَ فِيهِ المَاء ويتوضؤن مِنْهُ فَأَشَارَ بذلك إِلَى أَنه لَا يُمكن غسل الْيَد مِنْهُ قبل إدخالها فِيهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَة يَا بن أخي إِذا حدثتك عَن رَسُول الله ﷺ حَدِيثا فَلَا تضرب لَهُ الْأَمْثَال قيل إِن ابْن عَبَّاس ترك هَذَا الحَدِيث لِأَنَّهُ لَا يُمكن الْأَخْذ بِهِ إِذْ كَانَ لَا يُمكن قلب المهراس على الْيَد وَذَلِكَ خَارج عَن قِيَاس علته مظنونة فان قيل لَيْسَ فِي ذك تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق لِأَنَّهُ كَانَ يُمكنهُم غسل أَيْديهم من إِنَاء آخر غير المهراس ثمَّ يدخلُوا أَيْديهم فِي المهراس فَعلمنَا أَنه رد الْخَبَر لِأَنَّهُ مُخَالف لقياس الْأُصُول لَا لِأَنَّهُ لَا يُمكن الْأَخْذ بِهِ قيل فاذا أمكن الْأَخْذ بِهِ فَمن أَيْن أَن قِيَاس الاصول كَانَ يُبِيح غسل الْيَد من ذَلِك الْإِنَاء حَتَّى يكون قد رد الْخَبَر لذَلِك الْقيَاس وَإِذا صَحَّ ذَلِك لم يثبت لَهُم أَن ابْن عَبَّاس رجح قِيَاس الاصول على الْخَبَر حَتَّى يكون قادحا فِي الْإِجْمَاع
وَمِنْهَا أَن خبرالواحد أصل للْقِيَاس وَلَا يجوز أَن يتْرك الأَصْل بالفرع وَلقَائِل أَن يَقُول إِن أردتم بقولكم إِن خبر الْوَاحِد أصل للْقِيَاس أَنه هُوَ الدَّلِيل على صِحَة الْعَمَل بِالْقِيَاسِ فَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْعَمَل بِالْقِيَاسِ لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ وَإِن أردتم أَن خبر الْوَاحِد هُوَ أصل الْقيَاس الَّذِي وَقعت الْمُعَارضَة بِهِ وَأَن الْقيَاس هُوَ قِيَاس على حكمه فَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن أصل الْقيَاس هُوَ غير هَذَا الْخَبَر فان قَالُوا نُرِيد بذلك أَن خبر الْوَاحِد فِي الْجُمْلَة هُوَ أصل الْقيَاس أَلا ترى أَن أصل الْقيَاس هُوَ خبر وَاحِد مثل هَذَا الْخَبَر الْمعَارض قيل إِنَّمَا يلْزم هَذَا من قَالَ إِن الْقيَاس على حكم خبر الْوَاحِد أولى
[ ٢ / ١٦٤ ]
من خبر وَاحِد يُعَارض الْقيَاس فَأَما من قَالَ إِن الْقيَاس أولى من خبر الْوَاحِد إِذا كَانَ الْقيَاس قِيَاسا على دَلِيل قَاطع فَلَا يلْزمه هَذَا الْكَلَام
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن خبر الْوَاحِد يجْرِي مجْرى مَا سمع من النَّبِي ﷺ فَكَانَ أولى من الْقيَاس وَلقَائِل أَن يَقُول إِن خبر الْوَاحِد يجْرِي مجْرى مَا سمع من النَّبِي ﷺ فِي وجوب الْعَمَل وَهَكَذَا الْقيَاس وَأَيْضًا فَلَيْسَ يجب إِذا جرى خبر الْوَاحِد مجْرى مَا سمع من النَّبِي ﷺ فِي بعض الْأُمُور أَن يجْرِي مجْرَاه فِي أُمُور أخر أَلا ترى انه لَا يجْرِي مجْرَاه فِي نسخ الْقُرْآن
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن إِثْبَات الحكم بِخَبَر الْوَاحِد يسْتَند إِلَى قَول النَّبِي ﷺ بِغَيْر وَاسِطَة وإثباته بِالْقِيَاسِ يسْتَند إِلَى قَوْله بِوَاسِطَة فَكَانَ إثْبَاته بالْخبر أولى وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه كَانَ لإِثْبَات الحكم بالْخبر هَذِه المزية فان لإِثْبَات الحكم بِهَذَا الْقيَاس مزية أُخْرَى وَهِي استناده إِلَى أصل مَعْلُوم وَإِن كَانَ بِوَاسِطَة الِاجْتِهَاد فِي الأمارة فَكَمَا أَن الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد يسْتَند إِلَى أصل مَعْلُوم وَهُوَ مَا دلّ على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد فَكَذَلِك الحكم بِالْقِيَاسِ يسْتَند إِلَى مَا دلّ على الْعَمَل بِالْقِيَاسِ وَهُوَ مَعْلُوم وكما أَن الْعَمَل بِالْقِيَاسِ يفْتَقر إِلَى الِاجْتِهَاد فِي الأمارة فَالْحكم بِخَبَر الْوَاحِد يفْتَقر إِلَى الِاجْتِهَاد فِي أَحْوَال المخبرين فهما يتساويان من هَذِه الْوُجُوه وَهَذَا من أقوى مَا يحْتَج بِهِ من رد الْأَمر فِيهَا إِلَى الِاجْتِهَاد
وَمِنْهَا أَن عُمُوم الْكتاب يدل تصريحه على مَا تنَاوله لَفظه وَيدل على حكم الْفُرُوع بِوَاسِطَة الْقيَاس ودلالته على مَا تنَاوله لَفظه أقوى لِأَنَّهُ يتَنَاوَلهُ بِنَفسِهِ من غير وَاسِطَة وَلَيْسَ كَذَلِك دلَالَته على حكم الْفُرُوع فاذا جَازَ أَن يخرج مِنْهُ بعض مَا تنَاوله لَفظه بِخَبَر الْوَاحِد مَعَ قُوَّة دلَالَته عَلَيْهِ كَانَ بِأَن يخرج مِنْهُ مَدْلُوله الأخفى وَهُوَ مَا دلّ عَلَيْهِ بِوَاسِطَة الْقيَاس لأجل خبر الْوَاحِد أولى إِذْ كَانَ إِخْرَاج مَا دلّ عَلَيْهِ بِوَاسِطَة الْقيَاس يجْرِي مجْرى التَّخْصِيص لِأَنَّهُ إِخْرَاج بعض مَا دلّ عَلَيْهِ إِذْ كَانَ يدل على أَشْيَاء بِوَاسِطَة وَبِغير وَاسِطَة
[ ٢ / ١٦٥ ]
وللخصم أَن يَقُول إِن عُمُوم الْكتاب لَا يدل على حكم الْفُرُوع لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلهَا فَلَا يدل على امارة الْقيَاس فَصَارَ حكم الْفُرُوع هُوَ مَدْلُول دَلِيل آخر وَهُوَ الْقيَاس فَلَيْسَ بِأَن يَتْرُكُوهُ بِخَبَر الْوَاحِد لِأَن خبر الْوَاحِد يخص بِهِ عُمُوم الْكتاب مَعَ قُوَّة عُمُوم الْكتاب بِأولى من أَن يتْركُوا الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد لأجل الْقيَاس إِذْ كَانَ الْقيَاس يخص بِهِ عُمُوم الْكتاب
وَاحْتج من قدم الْقيَاس على الاصول على خبر الْوَاحِد بِأَن الْقيَاس لَا يحْتَمل وَلَا يجوز تَخْصِيصه وَلَيْسَ كَذَلِك الْخَبَر فَكَانَ الْقيَاس أولى الْجَواب أَن ذَلِك يَقْتَضِي تَقْدِيمه على نَص الْكتاب وَالسّنة المتواترة وَأَيْضًا فانه إِن اخْتصَّ الْقيَاس بِهَذِهِ المزية فَالْخَبَر مُخْتَصّ بمزية اخرى وَهِي أَن دلَالَة الْأَلْفَاظ لَا تستنبط من غَيرهَا وَالْقِيَاس مستنبط من الْأَلْفَاظ فَكَانَت الْأَلْفَاظ أقوى من الدّلَالَة
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الْقيَاس أثبت من الْخَبَر لتجويز الْخَطَأ وَالْكذب على الْمخبر وَالْجَوَاب أَن جَوَاز ذَلِك كجواز كَون الحكم غير مُتَعَلق بالأمارة فِي الْقيَاس وَإِن كَانَ الْأَغْلَب صدق الرَّاوِي وَتعلق الحكم بالأمارة
وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا كَانَ الْقيَاس يخص بِهِ عُمُوم الْكتاب فبأن يتْرك لأَجله خبر الْوَاحِد أولى إِذْ هُوَ أَضْعَف من الْعُمُوم الْجَواب أَنا إِذا خصصنا الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ لم نَكُنْ تاركين لَهُ أصلا بِالْقِيَاسِ وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا تركنَا الْخَبَر أصلا بِالْقِيَاسِ وَالْأولَى أَن يكون طَرِيق تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر الِاجْتِهَاد لتساويهما من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا فان قوي عِنْد الْمُجْتَهد امارة الْقيَاس وَكَانَت تزيد عِنْده فِي الْقُوَّة على عَدَالَة الرَّاوِي وَضَبطه وَجب الْمصير إِلَيْهِ وَإِن كَانَ ضبط الرَّاوِي وثقته يزِيد عِنْد الْمُجْتَهد على أَمارَة الْقيَاس وَجب عَلَيْهِ الْمصير إِلَى الْخَبَر
[ ٢ / ١٦٦ ]