إِذا قَالَ الرَّاوِي حَدثنِي فلَان أَو أَخْبرنِي فلَان أَو سَمِعت فلَانا وَقد حدث بذلك من سَمعه يَقُول هَذَا القَوْل فَلِمَنْ سَمعه أَن يَقُول حَدثنِي وَأَخْبرنِي وَسمعت مِنْهُ وَإِذا قريء على الْإِنْسَان الْأَحَادِيث ثمَّ قَالَ عِنْد الْفَرَاغ من الْقِرَاءَة الْأَمر كَمَا قريء عَليّ أَو قَالَ قد سَمِعت مَا قريء عَليّ فانه يكون بِهَذَا القَوْل مُحدثا على الْجُمْلَة فَلِمَنْ سمع الْقِرَاءَة عَلَيْهِ وَسمع الشَّيْخ يَقُول ذَلِك أَن يَقُول حَدثنِي وَأَخْبرنِي وَسمعت من فلَان أَلا ترى أَنه لَا فرق فِي جَوَاز الشَّهَادَة على البيع بَين أَن يلفظ البَائِع عِنْد الشَّاهِد بِلَفْظ البيع وَبَين أَن يقْرَأ عَلَيْهِ كتاب البيع فَيَقُول الْأَمر كَمَا قريء عَليّ فَأَما إِذا قريء عَلَيْهِ فَلم يُنكر وَلم يقل الْأَمر على مَا قريء عَليّ أَو قد سَمِعت مَا قريء فللسامعين أَن يعملوا على تِلْكَ الْأَحَادِيث لِأَن ترك النكير يدل على سَمَاعه الْأَحَادِيث وَلَيْسَ لمن سمع الْقِرَاءَة أَن يَقُول حَدثنِي أَو أَخْبرنِي أَو سَمِعت لِأَن الشَّيْخ لم يلفظ بِشَيْء سَمعه مِنْهُ وَلَا فصل بَين التحدث والإخبار
فان قيل إِمْسَاكه عَن النكير يجْرِي مجْرى إِبَاحَته أَن يتحدث عَنهُ قيل لَو أباحهم أَن يتحدثوا عَنهُ لم يجز لَهُم التحدث عَنهُ إِذا لم يُحَدِّثهُمْ لِأَن الْكَذِب لَا
[ ٢ / ١٧٠ ]
يصير مُبَاحا باباحته إِن قيل الْعَادة قد أجرت سكُوت الشَّيْخ عَن الْإِنْكَار مجْرى قَوْله قد سَمِعت مَا قريء عَليّ فَكَانَ لَهُم أَن يتحدثوا عَنهُ قيل إِمْسَاكه يجْرِي مجْرى قَوْله سَمِعت ذَلِك فِي الدّلَالَة على انه قد سَمعه وَلَيْسَ يخرج من ان يكون الشَّيْخ لم يتَلَفَّظ بالأخبار والتحدث وَله أَن يَقُول قَرَأت على فلَان أَو قريء عَلَيْهِ وَأَنا أسمع
وَأما المناولة فَهِيَ أَن يُشِير الْإِنْسَان إِلَى كتاب يعرف مَا فِيهِ من الْأَحَادِيث فَيَقُول لغيره قد سَمِعت مَا فِي هَذَا الْكتاب فَيكون بذلك مُحدثا لِأَنَّهُ سَمعه وَيجوز لذَلِك الْغَيْر أَن يرويهِ عَنهُ فَيَقُول حَدثنِي فلَان أَو أَخْبرنِي فلَان وَسَوَاء قَالَ اروه عني أَو لم يقل فَأَما إِذا قَالَ لَهُ حدث عني بِمَا فِي هَذَا الْجُزْء وَلم يقل سمعته فانه لَا يكون مُحدثا لَهُ بِهِ وَإِنَّمَا أجَاز لَهُ التحدث بِهِ عَنهُ فَلَيْسَ لَهُ أَن يحدث عَنهُ لِأَنَّهُ يكون بالتحدث عَنهُ كَاذِبًا وَلَيْسَ يصير ذَلِك مُبَاحا باباحته لَهُ
وَإِذا سمع الشَّيْخ نُسْخَة من كتاب مَشْهُور لم يجز لَهُ أَن يُشِير إِلَى غير تِلْكَ النُّسْخَة من ذَلِك الْكتاب فَيَقُول قد سمعته لِأَن النّسخ من الْكتاب الْوَاحِد قد تخْتَلف إِلَّا أَن يعلم أَن النسختين تتَّفقَانِ
وَأما الْكِتَابَة فَهِيَ أَن يكْتب الشَّيْخ إِلَى غَيره أَنه سمع الْكتاب الْفُلَانِيّ أَو النُّسْخَة الْفُلَانِيَّة فان اضْطر الْمَكْتُوب إِلَيْهِ أَنه خطه جَازَ أَن يروي عَنهُ وَإِن لم يضْطَر إِلَى ذَلِك لكنه ظَنّه جَازَ أَن يروي بِحَسب ظَنّه
وَأما الْإِجَازَة فَهِيَ أَن يَقُول الْإِنْسَان لغيره قد أجزت لَك أَن تروي عني مَا صَحَّ من أحاديثي وَأَصْحَاب الحَدِيث يجيزون ذَلِك ويسوغون لمن اجيز لَهُ أَن يَقُول أَخْبرنِي فلَان وَلَا يجيزون لَهُ أَن يَقُول حَدثنِي قَالُوا لِأَن قَوْله قد أجزت لَك أَن تروي مَا صَحَّ عني من أحاديثي يجْرِي فِي الْعَادة مجْرى قَوْله مَا صَحَّ عني من أحاديثي قد سمعته فاروه عني وَاعْلَم أَن ظَاهر الْإِجَازَة هِيَ إِبَاحَة الشَّيْخ التحديث عَنهُ والإخبار عَنهُ من غير أَن يُخبرهُ ويحدثه وَهَذَا
[ ٢ / ١٧١ ]
إِبَاحَة الْكَذِب وَلَيْسَ لَهُ ذَلِك وَلَا لغيره أَن يستبيح الْكَذِب إِذا أُبِيح فان ثَبت أَن قَوْله قد أجزت لَك أَن تروي عني إِقْرَار من جِهَة الْعَادة أَنه سمع مَا صَحَّ عَنهُ فَحكمه حكم المناولة وَالله أعلم - ﷺ َ - بَاب فِي قَول الصَّحَابِيّ أمرنَا بِكَذَا مَا حكمه - ﷺ َ -
يَنْبَغِي أَن نذْكر من الصَّحَابِيّ وَمَا طَرِيق كَونه صحابيا ثمَّ نتكلم فِي قَول الصَّحَابِيّ أمرنَا أَن نَفْعل كَذَا مَا الَّذِي يفِيدهُ
أما الصَّحَابِيّ فَيَنْبَغِي أَن يجْتَمع فِيهِ أَمْرَانِ حَتَّى يكون صحابيا أَحدهمَا أَن يُطِيل مجالسة النَّبِي ﷺ لِأَن من رَآهُ من الوافدين عَلَيْهِ وَغَيرهم وَلكم يطلّ الْمكْث لَا يُسمى صحابيا وَالْآخر أَن يُطِيل الْمكْث مَعَه على طَرِيق التبع لَهُ وَالْأَخْذ عَنهُ والاتباع لَهُ وَلِهَذَا لَا نصف من أَطَالَ مجالسة الْعَالم وَلم يقْصد الْمُتَابَعَة لَهُ بِأَنَّهُ من أَصْحَابه
وَأما طريقنا إِلَى كَون الصَّحَابِيّ صحابيا فطريقان أَحدهمَا يَقْتَضِي الْعلم وَهُوَ الْخَبَر الْمُتَوَاتر بِأَنَّهُ صحب النَّبِي ﷺ ليتبعه وَالْآخر يَقْتَضِي الظَّن وَهُوَ إِخْبَار الثِّقَة بذلك إِمَّا هُوَ وَإِمَّا غَيره
فاذا قد عرفنَا من الصَّحَابَة فلنتكلم فِي مسَائِل
مِنْهَا قَول الصَّحَابِيّ امرنا بِكَذَا أَو نهينَا عَن كَذَا أَو أوجب علينا كَذَا أَو أُبِيح لنا كَذَا أَو حظر علينا كَذَا أَو من السّنة كَذَا
وَمِنْهَا أَن يَقُول الصَّحَابِيّ قلت هَذَا عَن رَسُول الله ﷺ
وَمِنْهَا قَول الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعل كَذَا وَكَذَا
[ ٢ / ١٧٢ ]
وَمِنْهَا قَول الصَّحَابِيّ كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا
وَمِنْهَا أَن يَقُول الصَّحَابِيّ قولا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ
أما قَول الصَّحَابِيّ أمرنَا أَن نَفْعل كَذَا أَو نهينَا عَن كَذَا فَذهب الشَّافِعِي وَالشَّيْخ أَبُو عبد الله وقاضي الْقُضَاة أَنه يُفِيد أَن الْآمِر هُوَ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن لَيْسَ ذَلِك هُوَ الظَّاهِر بل يجوز أَن يكون الْآمِر غَيره وَحمل على ذَلِك قَول الرَّاوِي أَمر بِلَال أَن يشفع الْأَذَان ويوتر الْإِقَامَة وَالدَّلِيل على القَوْل الأول أَن من الْتزم طَاعَة رَئِيس فانه إِذا قَالَ أمرنَا بِكَذَا وَكَذَا فانه يفهم مِنْهُ مَا يلْتَزم طَاعَته ويؤثر أمره أَلا ترى أَن الرجل من أَوْلِيَاء السُّلْطَان إِذا قَالَ فِي دَار السُّلْطَان أمرنَا بِكَذَا أَو نهينَا عَن كَذَا فهم مِنْهُ أَن السُّلْطَان الَّذِي يلْتَزم طَاعَته هُوَ الَّذِي أَمر وَأَيْضًا فغرض الصَّحَابِيّ أَن يعلمنَا الشَّرْع ويفيدنا الحكم فَيجب حمل ذَلِك على من يصدر الشَّرْع عَنهُ دون الْأَئِمَّة والولاة لِأَن امرهم لَا يُؤثر فِي الشَّرْع وَلَا هم المتبعون فِيهِ وَلَا يحمل هَذَا القَوْل على أَمر الله ﷿ لِأَن أَمر الله ﷿ ظَاهر للْكُلّ لَا نستفيده من كَلَام الصَّحَابِيّ وَلَا نحمله على جمَاعَة الْأمة لِأَن قَول الصَّحَابِيّ أمرنَا إِن أَفَادَ ذَلِك أَفَادَ أَن جَمِيع الامة أمرت بذلك وَهِي لَا تَأمر نَفسهَا
فاما قَول الصَّحَابِيّ أوجب علينا كَذَا أَو حظر علينا كَذَا أَو ابيح لنا كَذَا فانه يفهم مِنْهُ أَن الْمُوجب الْمُبِيح الحاظر هُوَ النَّبِي ﷺ لِأَن الْإِبَاحَة والحظر والإيجاب على الْحَقِيقَة لَا تحصل من بشر سواهُ
وَإِذا قَالَ الْإِنْسَان من السّنة كَذَا لم يعقل مِنْهُ إِلَّا سنة رَسُول الله ﷺ كَمَا أَن قَوْلنَا هَذَا الْفِعْل طَاعَة يُفِيد أَنه طَاعَة لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ
إِن قيل يجوز أَن يكون الصَّحَابِيّ إِنَّمَا قَالَ اوجب علينا كَذَا لِأَنَّهُ سمع من النَّبِي ﷺ الْأَمر بذلك الشَّيْء فَحَمله على الْإِيجَاب فَلَا يلْزم ذَلِك من لم يقل إِن الْأَمر لَيْسَ على الْوُجُوب الْجَواب أَن من يَقُول إِن الْأَمر على
[ ٢ / ١٧٣ ]
الْوُجُوب يلْزمه أَن يَأْخُذ بقول الصَّحَابِيّ أوجب علينا كَذَا وَلَا يسْقط عَنهُ الْوُجُوب لما قَالَه السَّائِل وَمن لم يقل إِن الْأَمر على الْوُجُوب يلْزمه ذَلِك أَيْضا لِأَن الظَّاهِر من الصَّحَابِيّ أَنه لم يقل ذَلِك إِلَّا مَعَ زول الْإِشْكَال وَالْخلاف وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يكون قد سمع من النَّبِي ﷺ لَفْظَة الْوُجُوب أَو اضْطر إِلَى ذَلِك من قَصده
إِن قيل أَلَيْسَ قد قَالَ النَّبِي ﷺ من سنّ سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا وعني بذلك سنة غَيره قُلْنَا لسنا نمْنَع من ذَلِك مَعَ التَّقْيِيد وَإِنَّمَا نمْنَع من أَن يفهم من إِطْلَاق السّنة سنة غير النَّبِي ﷺ
وَأما قَول الصَّحَابِيّ عَن النَّبِي ﷺ فقد قَالَ قوم إِنَّه يحْتَمل أَن يكون أخبرهُ غَيره عَن النَّبِي ﷺ وَلم يسمعهُ مِنْهُ وَقَالَ قوم الظَّاهِر أَنه سَمعه مِنْهُ وَهَكَذَا ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح
فَأَما إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعل كَذَا وَكَذَا فَالظَّاهِر مِنْهُ أَنه قصد أَن يعلمنَا بِهَذَا الْكَلَام حكما ويفيدنا شرعا وَلَا يكون كَذَلِك إِلَّا وَقد كَانُوا يَفْعَلُونَهُ على عهد النَّبِي ﷺ على وَجه يظْهر لَهُ فَلَا يُنكره وَلِهَذَا كَانَ الظَّاهِر من قَول الرَّاوِي كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا أَن جمَاعَة الامة كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك أَو يفعل الْبَعْض فَلَا يُنكر أَو يفعل على عهد رَسُول الله ﷺ فَيعلم بِهِ وَلَا يُنكره وَذَلِكَ كَقَوْل عَائِشَة ﵂ كَانُوا لَا يقطعون الْيَد فِي الشَّيْء التافه
فَأَما إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ قولا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ فَحسن الظَّن بِهِ يَقْتَضِي أَن يكون قَالَه عَن طَرِيق فاذا لم يكن الِاجْتِهَاد فَلَيْسَ إِلَّا أَنه سَمعه عَن النَّبِي ﷺ =
[ ٢ / ١٧٤ ]
- ﷺ َ - بَاب فِي مَذْهَب الرَّاوِي إِذا كَانَ بِخِلَاف رِوَايَته مَا الْمَعْقُول مِنْهُ وَهل يخْتَص بِهِ رِوَايَته أم لَا - ﷺ َ -
حُكيَ عَن بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة وَغَيرهم أَن الرَّاوِي للْحَدِيث الْعَام إِذا خصّه أَو تَأَوَّلَه وَجب الْمصير إِلَى تَأْوِيله وتخصيصه لِأَن بمشاهدته النَّبِي ﷺ أعرف بمقاصده وَلذَلِك حملُوا رِوَايَة أبي هُرَيْرَة فِي غسل الْإِنَاء من ولوغ الْكَلْب سبعا على النّدب لِأَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يقْتَصر على الثَّلَاث وَقَالَ أَبُو الْحسن الْمصير إِلَى ظَاهر الْخَبَر أولى وَمِنْهُم من جعل التَّمَسُّك بِظَاهِر الْخَبَر أولى من تَأْوِيل الرَّاوِي إِذا كَانَ تَأْوِيله بِخِلَاف ظَاهر الْخَبَر قَالَ فان كَانَ تَأْوِيله هُوَ أحد محتملي الظَّاهِر حملت الرِّوَايَة عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي لِأَنَّهُ حمل مَا رَوَاهُ ابْن عمر من حَدِيث الِافْتِرَاق على افْتِرَاق الْأَبدَان لِأَنَّهُ مَذْهَب ابْن عمر ﵁ وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة إِن لم يكن لمَذْهَب الرَّاوِي وتأويله وَجه إِلَّا أَنه علم قصد النَّبِي ﷺ إِلَى ذَلِك التَّأْوِيل ضَرُورَة وَجب الْمصير إِلَى تَأْوِيله وَإِن لم يعلم ذَلِك بل جوز أَن يكون صَار إِلَى ذَلِك التَّأْوِيل لنَصّ أَو قِيَاس وَجب النّظر فِي ذَلِك الْوَجْه فان اقْتضى ذَلِك مَا ذهب إِلَيْهِ الرَّاوِي وَجب الْمصير إِلَيْهِ وَإِلَّا لم يصر إِلَيْهِ وَهَذَا صَحِيح وَكَذَلِكَ إِذا علم انه صَار إِلَى ذَلِك التَّأْوِيل لنَصّ جلي لَا مساغ للِاجْتِهَاد فِي خِلَافه وتأويله فَأَنَّهُ يلْزم الْمصير إِلَى تَأْوِيله كَمَا لَو صرح بالرواية عَن النَّبِي ﷺ لذَلِك التَّأْوِيل قَالَ قَاضِي الْقُضَاة فان كَانَ الْخَبَر الَّذِي رَوَاهُ مُجملا وَبَينه الرَّاوِي فان بَيَانه اولى
وَدَلِيل الشَّيْخ ابي الْحسن ﵀ هُوَ أَن مَذْهَب الرَّاوِي لَيْسَ بِحجَّة وَقَول النَّبِي ﵇ حجَّة فَلم يجز الْعُدُول عَنهُ إِلَى مَا لَيْسَ بِحجَّة وَدَلِيلنَا أَن نخص الْعُمُوم لتخصيص النَّبِي ﵇ وَإِنَّمَا نستدل بِمذهب الرَّاوِي على تَخْصِيص النَّبِي ﷺ لَهُ وَيجْرِي مَذْهَبهم مجْرى روايتهم عَن النَّبِي ﷺ وَوجه الِاسْتِدْلَال بذلك هُوَ انه إِذا لم يكن فِيمَا يعرفهُ من النُّصُوص ووجوه الِاجْتِهَاد مَا يَقْتَضِي
[ ٢ / ١٧٥ ]
ذَلِك التَّخْصِيص فَلَا يَخْلُو الرَّاوِي إِمَّا أَن يكون قَالَ مَا قَالَ لشَهْوَة أَو لِأَنَّهُ اضْطر إِلَى قصد النَّبِي ﷺ إِلَى التَّخْصِيص أَو لِأَنَّهُ سمع من النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك نصا جليا لَا يسوغ الِاجْتِهَاد فِي خِلَافه اَوْ سمع نصا مُحْتملا وَالظَّاهِر من دينه يمْنَع من تَخْصِيص الْعُمُوم بالتشهي وَيمْنَع من أَن لَا ينْقل الحَدِيث الْمُحْتَمل لِأَنَّهُ لَا يَأْمَن أَن يكون اجْتِهَاد غَيره فِيهِ خلاف اجْتِهَاده فَيثبت القسمان الْآخرَانِ وَأيهمَا كَانَ وَجب التَّخْصِيص كَمَا لَو أظهر الرِّوَايَة بذلك
فان قيل لم لم ينْقل قصد النَّبِي ﷺ أَو النَّص الْجَلِيّ قيل لِأَن تَخْصِيصه الْعُمُوم مَعَ دينه يجْرِي مجْرى نَقله النَّص من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فان قيل أفما تجوزون أَن يكون قد وهم فَظن من قصد النَّبِي ﷺ مَا لَا أصل لَهُ وتوهم أَنه عَالم بذلك قيل الظَّاهِر من دينه أَنه مَا خص الْعُمُوم إِلَّا وَقد اضْطر إِلَى قصد النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك كَمَا أَن الظَّاهِر من رِوَايَة الضَّابِط المتيقظ أَنه لم يخطيء سَمعه وَإِن جَازَ خلاف ذَلِك بِأَن يتَوَهَّم خلاف مَا قَالَه النَّبِي ﷺ - ﷺ َ - بَاب فِي الاخبار الْمُعَارضَة - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْخَبَرَيْنِ المتعارضين إِمَّا أَن يَكُونَا معلومين أَو غير معلومين أَو أَحدهمَا مَعْلُوم وَالْآخر غير مَعْلُوم فان كَانَا معلومين فإمَّا ان يَكُونَا خاصين اَوْ عَاميْنِ اَوْ أَحدهمَا خَاص وَالْآخر عَام فان كَانَا عَاميْنِ فاما أَن يَكُونَا عَاميْنِ من كل وَجه أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا عَاما من وَجه خَاصّا من وَجه فان كَانَ احدهما عَاما وَالْآخر خَاصّا قضي بالخاص على الْعَام وَإِن كَانَا خاصين على الْإِطْلَاق أَو عَاميْنِ على الْإِطْلَاق وَعرف التأريخ فيهمَا قضينا بنسخ الْمُتَأَخر مِنْهُمَا للمتقدم فان لم يعرف التأريخ فيهمَا فَإِن أمكن التَّخْيِير فيهمَا فعل ذَلِك وَإِن لم يُمكن التَّخْيِير فيهمَا أَو أمكن ذَلِك لَكِن الْأمة منعت مِنْهُ حكمنَا بَان التَّعَبُّد فيهمَا بالنسخ عِنْد من عرف التأريخ وَأَن التَّعَبُّد علينا هُوَ بِالرُّجُوعِ إِلَى
[ ٢ / ١٧٦ ]
مُقْتَضى الْعقل لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحدهمَا أولى من الآخر وَلَا يجوز تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر بِمَا يرجع إِلَى إِسْنَاده لِأَن التَّرْجِيح بذلك يَقْتَضِي قُوَّة الظَّن لثُبُوت احدهما وَلَيْسَ وَاحِد مِنْهُمَا مظنونا فيقوى ظننا لَهُ وَيجوز ان يُقَال إِن التَّعَبُّد علينا بِأَحَدِهِمَا يُقَوي بِمَا يرجع إِلَى صفة الحكم نَحْو الْحَظْر وَالْوُجُوب لِأَن ذَلِك لَيْسَ يَقْتَضِي قُوَّة الظَّن لثُبُوت الْخَبَر وَإِنَّمَا يَقْتَضِي التَّعَبُّد والتعبد عِنْد التَّعَارُض قد يدْخل الظَّن فِي شَرَائِطه وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا خَاصّا من وَجه عَاما من وَجه فَلَيْسَ تَخْصِيص أَحدهمَا بِالْآخرِ أولى من الْعَكْس فَيجوز أَن يرجح كَون أَحدهمَا مُخَصّصا للْآخر بِمَا يرجع إِلَى الحكم من كَونه مَحْظُورًا أَو غير ذَلِك وَمِثَال ذَلِك من الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قد سلف﴾ وَقَوله ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ وَإِن كَانَ أحد الْخَبَرَيْنِ مَعْلُوما وَالْآخر مظنونا وَكَانَ أَحدهمَا خَاصّا فانه يَقع التَّخْصِيص بِهِ مَعْلُوما كَانَ الْخَاص أَو مظنونا وَإِن لم يكن أَحدهمَا خَاصّا حكم بالمعلوم لِأَنَّهُ لَا يجوز إطراحه إِلَى المظنون وَإِن كَانَا مظنونين قضي بالخاص مِنْهُمَا إِن كَانَ فيهمَا خَاص وَإِن لم يكن رجح أَحدهمَا على الآخر وَعمل على الْأَرْجَح
وَيُقَال أَيْضا فِي قسْمَة الْأَخْبَار المتعارضة أَن الْخَبَرَيْنِ إِذا تَعَارضا فإمَّا أَن يُمكن الْجمع بَينهمَا اَوْ لَا يُمكن فان أمكن فإمَّا ان يُمكن الْجمع بَينهمَا فِي وَقت وَاحِد أَو فِي وَقْتَيْنِ أما فِي وَقت وَاحِد فبأن يحمل أَحدهمَا لمَكَان الآخر على مجَاز إِمَّا بالتخصيص وَإِمَّا بِغَيْرِهِ وَأما فِي وَقْتَيْنِ فبأن يعلم تقدم أَحدهمَا بِعَيْنِه على الآخر فَيكون مَنْسُوخا بِمَا تاخر عَنهُ وَأما مَا لَا يُمكن الْجمع بَينهمَا فإمَّا أَن لَا يُمكن لأنفسهما أَو لأمر اقتران بهما فَمَا لَا يُمكن لأمر اقْترن بهما فَهُوَ أَن يُمكن تاويل أَحدهمَا بِالْآخرِ لَكِن الْأمة منعت من ذَلِك كَرِوَايَة ابْن عَبَّاس ﵁ لَا رَبًّا إِلَّا فِي النَّسِيئَة يُمكن تَخْصِيصه فِي الجنسين الْمُخْتَلِفين بِخَبَر أبي سعيد لَكِن السّلف على قَوْلَيْنِ أَكْثَرهم تَركه وَصَارَ إِلَى رِوَايَة أبي
[ ٢ / ١٧٧ ]
سعيد والأقل أَخذ بِهِ وَأما الَّذِي لَا يُمكن ذَلِك فِيهِ لأنفسهما فَلهُ شُرُوط
مِنْهَا أَن يكون حكم أَحدهمَا نفيا لحم الآخر أَو حكم أَحدهمَا ضدا لحكم الآخر
وَمِنْهَا أَن يتَعَلَّق كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا تعلق بِهِ الآخر على الْحَد الَّذِي تعلق بِهِ الآخر فِي الْوَقْت الَّذِي تعلق بِهِ الآخر وَلَا يكون أَحدهمَا خَاصّا وَالْآخر عَاما بل يكونَانِ خاصين أَو عَاميْنِ أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا خَاصّا من وَجه عَاما من وَجه فَلَا يكون أَحدهمَا بِأَن يكون مَخْصُوصًا بِالْآخرِ بِأولى من الْعَكْس
وَمِنْهَا أَن لَا يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر وَمَتى تَعَارضا هَذَا التَّعَارُض رجح بَينهمَا وَعمل على التَّرْجِيح وَإِن تَسَاويا فِي التَّرْجِيح فسنذكر حكمه إِن شَاءَ الله
إِن قيل كَيفَ يثبت التَّنَافِي فِي الْأَخْبَار وَلَيْسَ فِي الألفلظ إِلَّا مَا يُمكن تَأْوِيله على مُوَافقَة غَيره قيل قد يكون فِي الْأَلْفَاظ مَا لَا يُمكن ذَلِك فِيهِ إِلَّا بالتعسف الشَّديد فِي التَّأْوِيل وَمثل ذَلِك لَا يُوجد فِي كَلَام حَكِيم - ﷺ َ - بَاب فِيمَا يتَرَجَّح بِهِ أحد الْخَبَرَيْنِ على الآخر - ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْخَبَر يرجح على الْخَبَر بِمَا يرجع إِلَى سَنَده وَبِمَا يرجع إِلَى مَتنه والراجع إِلَى سَنَده ضَرْبَان أَحدهمَا كَثْرَة الروَاة وَالْآخر أَحْوَالهم وَكَثْرَة الروَاة ضَرْبَان أَحدهمَا تكون الْكَثْرَة مُسَمَّاة وَالْآخر لَا تكون مُسَمَّاة فَالْأول أَن يروي أحد الْخَبَرَيْنِ صَحَابِيّ مَذْكُور وَالْآخر يرويهِ صحابيان مذكوران وَالثَّانِي أَن يروي كل وَاحِد من الْخَبَرَيْنِ صَحَابِيّ مَذْكُور ويروي أَيْضا أَحدهمَا تَابِعِيّ ثِقَة عَن النَّبِي ﷺ والمعلوم أَنه مَا أَخذ الْعلم ذَلِك عَن الصَّحَابِيّ الْمَذْكُور الَّذِي رَوَاهُ وَلَا عَمَّن أَخذ الْعلم عَنهُ فَيعلم أَنه قد رَوَاهُ صَحَابِيّ آخر
[ ٢ / ١٧٨ ]
وَأما التَّرْجِيح بأحوال الروَاة فانه يَقع بِقُوَّة الْأَحْوَال المراعاة فِي قبُول الْخَبَر وَهِي ضَرْبَان أَحدهمَا الدّين والورع والتحري وَالْآخر الْعلم والبصيرة بِمَا يرويهِ أما الأول فبأن يكون رَاوِي أحد الْخَبَرَيْنِ أَشد تحريا وَأكْثر ورعا وَأما الثَّانِي فضربان أَحدهمَا أَن تكون قُوَّة علم الرَّاوِي وَشدَّة بصيرته لَا تخْتَص بذلك الْخَبَر وَمَا يتَعَلَّق بِهِ وَالْآخر يخْتَص بذلك الْخَبَر وَمَا يتَعَلَّق بِهِ أما الأول فبأن يكون أَحدهمَا أضبط وَقد يكون أضبط لِأَنَّهُ أَشد تيقظا وأوفر عقلا وأغزر فقها وَقد يسْتَدلّ على أَنه أضبط بِكَوْنِهِ أَكثر اشتغالا بِالْحَدِيثِ وَأَشد انْقِطَاعًا إِلَيْهِ بقلة مَا يَقع فِي حَدِيثه إِلَيْهِ من الْخلَل فِي الْمَعْنى وَاللَّفْظ وَأما مَا يخْتَص الْخَبَر وَمَا يتَعَلَّق بِهِ فراجع إِلَى قُوَّة طَرِيق الرَّاوِي نَحْو أَن يروي زيد أَنه شَاهد عمرا بِبَغْدَاد فِي الْيَوْم الْفُلَانِيّ فِي وَقت السحر ويروي الآخر أَنه شَاهده فِي ذَلِك الْيَوْم بِالْبَصْرَةِ الظّهْر فان طَرِيق هَذَا أظهر وَدخُول اللّبْس على الرَّاوِي وَالْآخر أَكثر وَنَحْو أَن يُرْسل أَحدهمَا الحَدِيث ويسنده الآخر على قَول بَعضهم لِأَن الثِّقَة لَا يُرْسل الحَدِيث فَيَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ إِلَّا وَقد اشتدت ثقته بقول النَّبِي ﷺ لذَلِك وَنَحْو أَن يكون أحد الراويين أَشد مُلَابسَة بِمَا رَوَاهُ فَيكون طَرِيقه إِلَيْهِ أظهر فَكَذَلِك رجعت الصَّحَابَة إِلَى أَزوَاج النَّبِي ﷺ فِي أَحْكَام الْجَنَابَة وَرجح الشَّافِعِي رِوَايَة أبي رَافع فِي تَزْوِيج مَيْمُونَة على رِوَايَة ابْن عَبَّاس لأَنا أَبَا رَافع السفير فِي ذَلِك فَكَانَ أعرف بالقصة وَنحن نذْكر الْآن الْأَدِلَّة على ذَلِك إِن شَاءَ الله
أما كَثْرَة الروَاة فقد رجح بهَا الشَّافِعِي وَالشَّيْخ أَبُو الْحسن وَلم يرجح بهَا قوم وَالدَّلِيل على التَّرْجِيح بِهِ أَن أحد الْخَبَرَيْنِ إِنَّمَا يرتجح على صَاحبه بِقُوَّة يتَمَيَّز بهَا وَكَثْرَة الْعدَد قُوَّة أما اعْتِبَار الْقُوَّة فِي الْأَخْبَار فقد رَجَعَ إِلَيْهِ الْقَائِلُونَ بأخبار الْآحَاد وَأَجْمعُوا على الِاحْتِيَاط فِي الْإِخْبَار وَأما أَن كَثْرَة الروَاة تحصل بهَا قُوَّة الْخَبَر فَلِأَن الروَاة إِذا بلغُوا حدا من الْكَثْرَة وَقع الْعلم بخبرهم فَكلما قاربوا تِلْكَ الْكَثْرَة قوي الظَّن لصدقهم وَلِأَن السَّهْو والغلط مَعَ الْكَثْرَة أقل وَكَذَلِكَ الْكَذِب لِأَن الْإِنْسَان يستحي أَن يطلع غَيره على كذبه وَلَا يستحي إِذا
[ ٢ / ١٧٩ ]
لم يشْعر بِهِ غَيره
وقاس الْمُخَالف الْخَبَر على الشَّهَادَة بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا خبر عَمَّا يتَعَلَّق بِهِ حكم فَلم يتَرَجَّح بِكَثْرَة المخبرين الْجَواب إِن قَاضِي الْقُضَاة ﵀ حكى فِي الدَّرْس أَن مَالِكًا ﵀ رجح إِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ بِكَثْرَة الشُّهُود وَغَيره لم يرجحها بِالْكَثْرَةِ قَالَ لِأَن الشَّهَادَة أصل فِي نَفسه أَلا ترى أَنه اعْتبر فِيهَا لفظ مَخْصُوص وَلَيْسَ يجب إِذا لم يجز الشَّهَادَة على مُوجب الْقيَاس فِي ذَلِك من التَّرْجِيح بِقُوَّة الظَّن أَن لَا يجْرِي الْخَبَر على ذَلِك لِأَن الأَصْل هُوَ التَّرْجِيح بِقُوَّة الظَّن إِذْ الظَّن الْقوي مَعَ ظن أَضْعَف مِنْهُ كَالْعلمِ مَعَ الظَّن لِأَن فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا زِيَادَة لَيست فِي الآخر فاذا كَانَ الأَصْل ثُبُوت التَّرْجِيح بذلك فَمَا خرج عَن هَذَا الأَصْل لَا يجوز قِيَاس مَا عداهُ عَلَيْهِ بل يجب تبقيه مَا عداهُ على حكم الأَصْل وقاس الْمُخَالف أَيْضا الْخَبَر على الْفَتْوَى فِي أَنه لَا يتَرَجَّح إِحْدَى الفتويين على الْأُخْرَى بِكَثْرَة الْمُفْتِينَ وَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ من أَن خُرُوج الْبَعْض من هَذِه الْمسَائِل عَن مُوجب الْقيَاس لَا يَقْتَضِي خُرُوج الْبَعْض الآخر مِنْهُ وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح إِنَّه لَو رجح إِحْدَى الفتويين بِكَثْرَة الْمُفْتِينَ جَازَ
وَأما التَّرْجِيح بِزِيَادَة الْوَرع والتحري فانما وَجب لِأَن الْكَذِب والتساهل مَعهَا أبعد فالظن لصدق الرَّاوِي أقوى وَالْخَطَأ مَعَ قُوَّة الضَّبْط أبعد فالظن لصدق الْخَبَر مَعَه يكون أقوى وَالْخَطَأ مَعَ كَون الرَّاوِي أفقه ابعد إِذا كَانَ يروي على الْمَعْنى فَأَما رِوَايَة اللَّفْظ فانه يَسْتَوِي فِيهِ الْفَقِيه وَغَيره والغلط مَعَ الْأَشْيَاء الَّتِي لَا تَلْتَبِس الْحَال فِيهَا أبعد وَكَون أحد الراويين أَشد مُلَابسَة لما ورد الْخَبَر فِيهِ يبعد مَعَه الالتباس والاشتباه
وَأما تَرْجِيح الْمُرْسل على الْمسند فَلم يذهب إِلَيْهِ أَكثر النَّاس وَذهب عِيسَى ابْن ابان إِلَى التَّرْجِيح بِهِ لِأَن الثِّقَة لَا يُرْسل الحَدِيث وَيَقُول قَالَ النَّبِي ﷺ إِلَّا وَقد وثق أَن النَّبِي ﷺ قَالَه قَالَ قَاضِي الْقُضَاة هَذَا الْكَلَام يتَوَجَّه إِذا قَالَ الرَّاوِي قَالَ النَّبِي فَأَما إِذا قَالَ عَن النَّبِي فانه لَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ هَذَا
[ ٢ / ١٨٠ ]
الْكَلَام وَأَيْضًا فان قَول الرَّاوِي قَالَ النَّبِي ﵇ يحسن مَعَه الظَّن لكَونه قَائِلا لذَلِك كَمَا يحسن مَعَ الْعلم فَمن ايْنَ أَنه لم يقل قَالَ النَّبِي إِلَّا وظنه آكِد من الظَّن الْحَاصِل بِرِوَايَة الْمسند الْمعَارض لَهُ فان قَالَ الْمُرْسل للْحَدِيث إِذا أرْسلت فقد حدثت عَن جمَاعَة من الثِّقَات فَحِينَئِذٍ يكون مرسله اقوى مِمَّن أسْند حَدِيثه إِلَى وَاحِد لأجل الْكَثْرَة
وَقد رجح قوم الْخَبَر بِكَوْن الرَّاوِي من أكَابِر السّلف وَكَونه أقدم هِجْرَة وَهَذَا إِنَّمَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح من حَيْثُ كَانَ من هَذِه سَبيله أعرف بأحوال النَّبِي ﵇ واشد خبْرَة بِهِ وَرجح قوم الْخَبَر بِالْحُرِّيَّةِ والذكورية أما الْحُرِّيَّة فَلَا تَأْثِير لَهَا فِي قُوَّة الظَّن وَأما الذكورية فان كَانَ الضَّبْط مَعهَا أَشد وَقع بهَا التَّرْجِيح وكل ذَلِك قد دخل فِيمَا تقدم
وَأما التَّرْجِيح بِمَا يرجع إِلَى متن الْخَبَر فضربان أَحدهمَا رَاجع إِلَى لفظ الْخَبَر وَالْآخر لَا يرجع إِلَى لَفظه اما الرَّاجِع إِلَى لَفظه فبأن يكون فِي أَحدهمَا اختلال فِي اللَّفْظ أَو فِي الْمَعْنى وَالْآخر سليما من ذَلِك فيقوى الظَّن لبعده عَن الْخَطَأ والسهو فان قيل فَمَا كَانَ اضْطِرَاب لَفظه بِغَيْر الْمَعْنى يَنْبَغِي أَن لَا يقبل فَلَا معنى للترجيح عَلَيْهِ قيل قد يقبل إِذا أمكن تَأْوِيل ذَلِك الِاضْطِرَاب على بعض الْوُجُوه وَأما مَا لَا يرجع إِلَى اللَّفْظ فضربان أَحدهمَا صفة حكمه وَالْآخر طَرِيق يشْهد بِحكمِهِ فَأَما مَا يشد بالحكم فضربان أَحدهمَا يَكْفِي نَفسه فِي ثُبُوت الحكم وَالْآخر لَا يَكْفِي وَمَا يَكْفِي نَفسه فِي ذَلِك ضَرْبَان احدهما دَلِيل وَالْآخر أَمارَة فالدليل هُوَ الْكتاب وَالسّنة الْمَقْطُوع بهَا لِأَنَّهُ إِذا وَقع التَّرْجِيح بِمَا لَا يَكْفِي نَفسه فِي ثُبُوت الحكم فالترجيح بِمَا لَا يَكْفِي نَفسه أولى وَهَذَا مَفْرُوض فِي كتاب يدل على الحكم على ضرب من الِاشْتِبَاه وَيكون خبر الْوَاحِد تدل عَلَيْهِ دلَالَة ظَاهِرَة فَحِينَئِذٍ يرجح بِالْكتاب وَإِلَّا فَإِن دلّ الْكتاب دلَالَة ظَاهِرَة فَلَا معنى لِأَن يَقع التَّرْجِيح بِهِ بل هُوَ الأَصْل فِي الدّلَالَة وعَلى هَذَا قد يعضد الْإِجْمَاع الْخَبَر فيرجح بِهِ وَإِن انْعَقَد الْإِجْمَاع عَن غَيره وَمن ذَلِك أَن
[ ٢ / ١٨١ ]
يكون من عمل بِأحد الْخَبَرَيْنِ قد عمل بِالْآخرِ وَإِن لم يعلم أَي عمليه هُوَ الْمُتَأَخر فَيكون الْخَبَر الَّذِي عمل بِهِ الْفَرِيقَانِ أولى قَالَ قَاضِي الْقُضَاة لأَنا إِذا لم نعلم أَي العملين هُوَ الْمُتَأَخر كَانَ إِجْمَاعًا وَلَيْسَ لنا أَن ندفعه بالمحتمل
وَلقَائِل أَن يَقُول سَوَاء كَانَ الْعَمَل بذلك الْخَبَر مُتَقَدما أَو مُتَأَخِّرًا فانه يكون إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ إِن كَانَ مُتَقَدما فقد وافقوا رِوَايَة الْخَبَر الآخر وَكَذَلِكَ إِن كَانَ مُتَأَخِّرًا لِأَن رُوَاة الْخَبَر الآخر عاملون بِهِ على كل حَال
وَأما الأمارة المرجحة للْخَبَر فَقِيَاس الْأُصُول إِذا شهد بِمَا دلّ عَلَيْهِ الْخَبَر
فَأَما مَا لَا يَكْفِي فِي ثُبُوت الحكم فضربان
أَحدهمَا أَن يُوَافق أحد الْخَبَرَيْنِ حكم الْعقل الَّذِي يجوز الِانْتِقَال عَنهُ وَذَلِكَ أَن الْعقل لَيْسَ يَكْفِي فِي قبح الْمضرَّة إِلَّا بِشَرْط أَن لَا يُوجد دَلِيل شَرْعِي يدل على أَن فِيهِ مصلحَة وَمَنْفَعَة موفية فان وَافق حكم الْعقل أحد الْخَبَرَيْنِ لم يرجح بذلك على الْخَبَر الآخر فَلذَلِك أخرنا الْكَلَام فِي هَذَا الْقسم
وَالضَّرْب الآخر أَن يعْمل أَكثر السّلف بِأحد الْخَبَرَيْنِ ويعيبوا على من خَالفه كَخَبَر الرِّبَا وَقد رجح بذلك عيس بن أبان لِأَن الْأَغْلَب أَن الصَّوَاب يكون مَعَ الْأَكْثَر وَيمْنَع مِنْهُ قَاضِي الْقُضَاة لِأَن عمل الْأَكْثَر لَيْسَ بِحجَّة وَيجوز الْغَلَط عَلَيْهِم كجوازه على الْأَقَل
وَأما التَّرْجِيح بِصفة حكم الْخَبَر فوجوه
مِنْهَا أَن يكون جكم أحد الْخَبَرَيْنِ مطابقا للْأَصْل وَيكون الآخر نَاقِلا عَن الأَصْل نفيا كَانَ أَو إِثْبَاتًا
وَمِنْهَا أَن يكون لأحد الْخَبَرَيْنِ حكم بَاقٍ بِاتِّفَاق وَلَيْسَ كَذَلِك للْخَبَر الآخر
[ ٢ / ١٨٢ ]
وَمِنْهَا أَن يكون حكم أَحدهمَا أحوط
وَمِنْهَا أَن يكون آكِد
وَمِنْهَا أَن يكون حكم أَحدهمَا قد ندبنا إِلَى إِسْقَاطه
أما إِذا كَانَ حكم احدهما هُوَ الأَصْل فضربان أَحدهمَا أَن يكون الأَصْل من حَال الْمَرْوِيّ عَنهُ وَالْآخر أَن يكون هُوَ الأَصْل فِي الْعقل
فَالْأول نَحْو مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ لم يصل فِي الْكَعْبَة وَأَنه لم يقبل وَهُوَ صَائِم وَأَنه تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال لِأَن الأَصْل هُوَ عدم الصَّلَاة فِي الْكَعْبَة وَعدم الْقبْلَة وَعدم التَّزْوِيج فَالْخَبَر الْمَرْوِيّ أَنه صلى فِي الْكَعْبَة أولى لِأَن ثِقَة من روى أَنه صلى فِيهَا تَقْتَضِي أَن تحمل رِوَايَة من روى أَنه لم يصل فِيهَا على حسب اعْتِقَاده وَأَنه خَفِي عَلَيْهِ بعض احوال النَّبِي ﷺ وَأما رِوَايَة أم سَلمَة أَن النَّبِي ﷺ لم يقبلهَا وَهُوَ صَائِم فانما هِيَ رِوَايَة عَن حَالهَا مَعَه لَا تعَارض رِوَايَة عَائِشَة أَنه قبلهَا وَهُوَ صَائِم فَلَا يمْنَع من الْأَخْذ بهَا وعدالة رَاوِي تَزْوِيج النَّبِي ﷺ مَيْمُونَة وَهُوَ حرَام تَقْتَضِي أَن ينْسب رَاوِي تَزْوِيجه إِيَّاهَا وَهُوَ حَلَال إِلَى أَنه استدام الأَصْل فَكَانَت أولى من هَذِه الرِّوَايَة
وَالضَّرْب الثَّانِي كَرِوَايَة من روى حكما يَقْتَضِيهِ الْعقل نَحْو إِسْقَاط عبَادَة ويروي الآخر التَّعَبُّد بهَا فرواية الْإِثْبَات أولى لِأَن الظَّاهِر ان النَّبِي ﷺ إِنَّمَا يعلمنَا مَا لَا نعلمهُ من دونه وَهَذَا الظَّاهِر مُطَابق لرِوَايَة من روى الحكم الشَّرْعِيّ فَكَانَت أولى وَلِأَن الظَّاهِر مِمَّا يُطَابق حكم الْعقل أَنه هُوَ الأَصْل الْمُتَقَدّم وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى متأخره فَكَانَت أشبه بالناسخ وَالْأَخْذ بالناسخ أولى وَالْوَجْه الأول أقوى
إِن قيل هلا عملتم بِمَا يُوَافق أصل الْعقل لِأَنَّهُ قد عضده دَلِيل وَلَيْسَ كَذَلِك الحكم النَّاقِل قيل إِن الْعقل إِنَّمَا لَا يُوجب الْعِبَادَة بِشَرْط أَن لَا ينْقل
[ ٢ / ١٨٣ ]
شرع فاذا روى شرع ناقل صَار كَأَن الْعقل مَا اقْتضى نفي تِلْكَ الْعِبَادَة لِأَن شَرط اقتضائه لنفيها قد زَالَ وَالتَّرْجِيح وَاقع بِهَذَا الْقَبِيل وَإِن كَانَ الخبران معلومين إِذا احتججنا بِمَا ذَكرْنَاهُ أخيرا من أَن الْخَبَر النَّاقِل كالناسخ لِأَن النَّاسِخ يقدم على الْمَنْسُوخ وَإِن كَانَا معلومين وَذكر قَاضِي الْقُضَاة ﵀ أَن الْخَبَرَيْنِ إِذا كَانَ أَحدهمَا نفيا وَالْآخر إِثْبَاتًا وَكَانَا شرعيين فانهما سَوَاء
وَلقَائِل أَن يَقُول لَا بُد أَن يكون أَحدهمَا مطابقا لحكم الْعقل لِأَنَّهُ لَا فعل من الْأَفْعَال إِلَّا وَله فِي الْعقل حكم إِمَّا الْقبْح أَو الْحسن أَو مَا زَاد على الْحسن وَلَيْسَ يكون أحد الْخَبَرَيْنِ نفيا وَالْآخر إِثْبَاتًا إِلَّا وَالنَّفْي مِنْهُمَا نفي لوَاحِد من هَذِه الْأَحْكَام وَالْإِثْبَات مِنْهُمَا إِثْبَات لبعضها فَإِذن أحد هذَيْن الْخَبَرَيْنِ وَاجِب أَن يكون مطابقا لحكم الْعقل
وَقد مثل قَاضِي الْقُضَاة ذَلِك بِمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي الْكَعْبَة وَمَا رُوِيَ أَنه لم يصل فِيهَا وَبِمَا رَوَت عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ قبلهَا وَهُوَ صَائِم وَمَا رَوَت أم سَلمَة أَنه مَا كَانَ يقبلهَا وَهُوَ صَائِم وَلَيْسَ هَذَا بمثال الْمَسْأَلَة لِأَن الْقبْلَة ونفيها وَالصَّلَاة ونفيها هِيَ أَفعَال وَلَيْسَت بِأَحْكَام فَيُقَال إِنَّهَا عقلية اَوْ شَرْعِيَّة وَإِنَّمَا الْأَحْكَام جَوَاز الصَّلَاة وَنفي جَوَازهَا وَالْعقل لَو تجرد لَكَانَ مطابقا لنفي جَوَازهَا وَأَنَّهَا غير مصلحَة وَكَون الْقبْلَة غير مفْسدَة للصَّوْم هُوَ مُقْتَضى الْعقل وَكَذَلِكَ تَزْوِيج النَّبِي ﷺ مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال أَو حرَام هُوَ إِيقَاع فعل فِي أَحْوَال وَلَيْسَ ذَلِك بِحكم وَإِنَّمَا الحكم هُوَ حسن ذَلِك مَعَ الْإِحْرَام أَو قبحه وَمُقْتَضى الْعقل هُوَ حسنه فَبَان أَن أَحْكَام هَذِه الْأَفْعَال لَيْسَ يَخْلُو أَن تطابق الْعقل إِمَّا النَّفْي مِنْهَا وَإِمَّا الْإِثْبَات فان مثل ذَلِك بِأَن يَقْتَضِي الْعقل قبح الْفِعْل ويروي خبر فِي إِبَاحَته وَخبر فِي وُجُوبه فَيُقَال إِن وُجُوبه وإباحته شرعيان وَالْإِبَاحَة نفي الْوُجُوب فَالْجَوَاب إِن مَا تضمن الْإِبَاحَة لَا يتَضَمَّن نفي الْوُجُوب فَقَط وَلَو تضمن ذَلِك كَانَ قد تضمن حكما عقليا لِأَن الْقبْح قد اقْتَضَاهُ الْعقل والقبيح غير وَاجِب فَمَا اقْتضى كَونه غير وَاجِب قد
[ ٢ / ١٨٤ ]
طابق مُقْتَضى الْعقل لَكِن مَا تضمن الْإِبَاحَة قد تضمن نفيا وإثباتا أما النَّفْي فنفي الْوُجُوب وَأما الْإِثْبَات فَهُوَ كَون الْفِعْل حسنا وَهُوَ زِيَادَة نفي الْوُجُوب وَهُوَ حكم شَرْعِي وَالْخَبَر الدَّال على الْوُجُوب أولى لِأَنَّهُ لَا يُعَارض خبر الْإِبَاحَة فِي اقتضائه نفي الْقبْح لِأَن الْوَاجِب غير قَبِيح وَلَا يُعَارضهُ فِي اقتضائه الْحسن لِأَن الْوَاجِب حسن وَإِنَّمَا يُعَارضهُ فِي نفي الْإِيجَاب وَهَذَا هُوَ حكم الْعقل والإيجاب هُوَ الحكم الْمَنْقُول فَكَانَ أولى
فَأَما إِذا كَانَ أحد الْخَبَرَيْنِ يَقْتَضِي إِثْبَات حد وَالْآخر يَقْتَضِي نَفْيه فقوم رجحوا الْخَبَر الْمسْقط للحد لِأَن الْحَد يسْقط بالشبه وبتعارض الْبَيِّنَتَيْنِ فَوَجَبَ إِسْقَاطه بتعارض الْخَبَرَيْنِ وَيكون ذَلِك كالشبه فِي إِسْقَاطه وقاضي الْقُضَاة يَقُول هما سَوَاء لِأَن الْحَد إِنَّمَا يسْقط عَن الْأَعْيَان بالشبه فَأَما إثْبَاته فِي الْجُمْلَة فِي الشَّرِيعَة فمفارق لإثباته وإسقاطه فِي أَعْيَان الْأَشْخَاص وَلقَائِل أَن يَقُول إِن تعَارض الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الْحَد إِذا كَانَ شبهه فِي إِسْقَاطه الْأَعْيَان مَعَ ثُبُوته فِي أصل الشَّرِيعَة فبأن يجب إِسْقَاطه فِي الْجُمْلَة إِذا تعَارض خبران وَلم يقدم لَهُ حَالَة ثُبُوت أولى
وَأما إِذا تضمن أحد الْخَبَرَيْنِ الْحُرِّيَّة وتضمن الآخر الرّقّ فَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنَّهُمَا سيان وَقَالَ غَيره الْمُثبت للحرية أولى لِأَن الْحُرِّيَّة لَا يعترضها من الْأَسْبَاب المبطلة لَهَا مَا يعْتَرض الرّقّ وَلَا يبطل الْحُرِّيَّة بعد ثُبُوتهَا كَمَا يبطل الرّقّ بعد ثُبُوته فَكَانَت الْحُرِّيَّة آكِد
فَأَما إِذا اقْتضى أحد الْخَبَرَيْنِ الْحَظْر وَاقْتضى الآخر الْإِبَاحَة فان أَحدهمَا لَا بُد من كَونه مطابقا لمقْتَضى الْعقل فَيكون النَّاقِل عَنهُ أولى وَلَكِن لَا يمْتَنع أَن ينظر هَل للحظر وَجه تَرْجِيح كَمَا أَن النَّقْل عَن أصل الْعقل وَجه تَرْجِيح فان قيل قد يكون الْحَظْر وَالْإِبَاحَة شرعيين إِذا كَانَ حكم الْعقل الْوُجُوب قيل لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْخَبَر الحاظر هُوَ النَّاقِل عَن مُوجب الْعقل الَّذِي هُوَ الْوُجُوب وَالْخَبَر الْمُبِيح لَا يُعَارض حكم الْعقل من حَيْثُ اقْتضى الْحسن وَإِنَّمَا يُعَارضهُ من
[ ٢ / ١٨٥ ]
حَيْثُ يَنْفِي الْوُجُوب وَلَا مُعَارضَة بَينه وَبَين الْخَبَر الحاظر من هَذِه الْجِهَة وَالْقَوْل فِي الْحَظْر هَل هُوَ وَجه تَرْجِيح يجْرِي هَكَذَا لَا يخلوا الخبران اللَّذَان أَحدهمَا حاظر وَالْآخر مُبِيح إِمَّا أَن يكون لأَحَدهمَا حكم بَاقٍ أَو لَا يكون لأَحَدهمَا حكم بَاقٍ فان كَانَ لَهُ ذَلِك فإمَّا أَن يكون ذَلِك الحكم يعلم بَقَاؤُهُ بذلك الْخَبَر أَو بِغَيْرِهِ فان لم يعلم إِلَّا بذلك الْخَبَر نَحْو أَن يكون حكما شَرْعِيًّا أجمع الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ لأجل ذَلِك الْخَبَر فانه يدل ذَلِك على ثُبُوت الْخَبَر وبقائه لِأَنَّهُ لَو لم يكن كَذَلِك لم يثبت حكمه وَإِن كَانَ ذَلِك الحكم الْبَاقِي يعلم بِغَيْر ذَلِك الْخَبَر لم يثبت حكمه وَإِن كَانَ ذَلِك الحكم الْبَاقِي يعلم بِغَيْر ذَلِك الْخَبَر فانه لَا يدل على ثُبُوت الحكم وَصِحَّته فَلَا يكون ذَلِك الْخَبَر أولى من غَيره نَحْو مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه سُئِلَ عَن مس الذّكر هَل فِيهِ وضوء فَقَالَ لَا هَل هُوَ إِلَّا بضعَة مِنْك فان كَون الذّكر بضعَة من الْإِنْسَان وَإِن كَانَ بَاقِيا فَلَيْسَ بَقَاؤُهُ لأجل هَذَا الْخَبَر فَيدل على بَقَاء الْخَبَر فَأَما إِن لم يكن لأحد الْخَبَرَيْنِ حكم بَاقٍ فان الشَّيْخ ابا الْحسن قَالَ الحاظر أولى وَقَالَ الشَّيْخ ابو هَاشم وَعِيسَى ابْن أبان رحمهمَا الله يطرحان وَيرجع الْمُجْتَهد إِلَى غَيرهمَا من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة أَو الْبَقَاء على حكم الْعقل وَوجه قَوْلهمَا هُوَ أَنا إِذا علمنَا تقدم أحد هذَيْن الْخَبَرَيْنِ وَلم يعلم ايهما هُوَ الْمُتَقَدّم جَازَ كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا هُوَ الْمُتَأَخر الَّذِي يجب الْعَمَل بِهِ بَدَلا من صَاحبه وَلَيْسَ يجوز استعمالهما لأَنا فَرضنَا الْكَلَام فِي خبرين متنافيين وَلذَلِك احتجنا إِلَى التَّرْجِيح وَلَا يجوز الْعَمَل على أَحدهمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ الْعَمَل على أَحدهمَا أولى من الْعَمَل على الآخر فَلم يبْق إِلَّا إطراحهما وجريا مجْرى عقدتي وليين على امْرَأَة وَلَا يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر فانهما تبطلان لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحدهمَا أولى من الآخر وَجرى مجْرى الغرقى فِي أَنه إِذا لم يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر بَطل حكم الْإِرْث بَينهم
فان قيل فَيجب أَن لَا يعملوا على حكم الْعقل لجَوَاز أَن يكون هُوَ الْمفْسدَة قيل إِنَّمَا يلْزم ذَلِك بِدَلِيل شَرْعِي ناقل وَلَا دَلِيل فِي الشَّرْع مَعَ التَّعَارُض لِأَن التَّعَارُض والتمانع يصير الشَّرْع كَأَنَّهُ لم يكن فينفرد حكم الْعقل
[ ٢ / ١٨٦ ]
وَالْجَوَاب عَن الشهبة هُوَ أَن قَوْلهم إِذا جَازَ أَن يكون كل وَاحِد من الْخَبَرَيْنِ هُوَ الْمُتَأَخر فَلم يكن الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا أولى من الآخر هُوَ نفس الْخلاف لِأَن الْمُخَالف يَقُول بل الْعَمَل على الحاظر أولى وَإِن جَوَّزنَا تقدمه وَلَا يشبه ذَلِك عقدتي الوليين على المراة لِأَنَّهُ لَيْسَ أحد الْعقْدَيْنِ حاظرا وَالْآخر مبيحا وَكَذَلِكَ الغرقى لما ترافع مَوْتهمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فيهم جِهَة مُخْتَصَّة للحظر وجهة مُخْتَصَّة للاباحة
وَقد نصر القَوْل الأول بِوُجُوه
مِنْهَا أَن الْحَظْر أَدخل فِي التَّعَبُّد من الْإِبَاحَة لِأَنَّهُ أشق فَكَانَ أولى وَالْجَوَاب إِن الْفِعْل قد يتعبدنا الله بحظره وَقد يتعبدنا الله باعتقاد إِبَاحَته وَقد يرد الشَّرْع باباحته مَا لم يكن فِي الْفِعْل مُبَاحا كَمَا يرد بحظر مَا لم يكن مَحْظُورًا فَلَيْسَ أَحدهمَا أَدخل فِي التَّعَبُّد من الآخر
وَمِنْهَا أَنه إِذا تعَارض خَبرا حظر وَإِبَاحَة فقد حصلت جِهَة حظر وجهة إِبَاحَة وَهَاتَانِ الجهتان مَتى اجتمعتا كَانَ الْحَظْر أولى أَلا ترى أَن الْأمة بَين شَرِيكَيْنِ لما اجْتمع فِيهَا ملك هَذَا الشَّرِيك فَهُوَ مُبِيح لَهُ الوطيء وَملك الآخر وَهُوَ حاظر كَانَ الْحَظْر أولى الْجَواب إِن ملك أحد الشَّرِيكَيْنِ لبَعض الْأمة لَيْسَ بِجِهَة مبيحة للوطيء با الْجِهَة المبيحة للوطيء ملك جَمِيعهَا فَلم يحصل فِي هَذِه الْأمة جهتان إِحْدَاهمَا لَو انْفَرَدت أَبَاحَتْ وَالْأُخْرَى لَو انْفَرَدت حظرت والخبران كل وَاحِد مِنْهُمَا لَو انْفَرد لثبت حكمه
وَمِنْهَا لَو غرق جمَاعَة من الْأَقَارِب وخفي علينا تقدم بَعضهم على بعض جعلناهم كَأَنَّهُمْ غرقوا مَعًا وَلم نؤرث بَعضهم من بعض وغلبنا حظر التَّوَارُث بَينهم الْجَواب إِن ذَلِك حجَّة لمخالفهم لأَنهم قد نزلُوا منزلَة من لم يموتوا وَفرق بَينهمَا قَاضِي الْقُضَاة بِأَن الغرقى يجوز أَن يَكُونُوا غرقوا مَعًا فَجَاز أَن نجريهم هَذَا المجرى أما الْخَبَر الحاظر والمبيح فَلَا يجوز كَونهمَا واردين مَعًا فَلم
[ ٢ / ١٨٧ ]
يَصح تقديرهما هَذَا التَّقْدِير
وَمِنْهَا أَن الْعَمَل على الْحَظْر أحوط لِأَنَّهُ إِن كَانَ الْفِعْل مَحْظُورًا فقد تجنبه الْمُكَلف وَإِن كَانَ مُبَاحا لم يضرّهُ تَركه وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا استباحه وَفعله لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون مَحْظُورًا فَيكون بِفِعْلِهِ لَهُ فَاعِلا لمحظور
إِن قيل وَهُوَ معذر إِذا عمله على الْحَظْر لِأَنَّهُ قد اعْتقد قبحه وَلَا يَأْمَن كَونه مسنا فَيكون مقدما على اعْتِقَاد لَا يَأْمَن كَونه جهلا فَالْجَوَاب إِن الْفِعْل إِذا كَانَ مَحْظُورًا فاستباحه الْإِنْسَان كَانَ بِفِعْلِهِ وباعتقاد إِبَاحَته مقدما على قبيحين وَإِذا كَانَ مُبَاحا فتجنبه مُعْتَقدًا لحظره كَانَ مقبحا باعتقاد حظره فَصَارَ التَّعْزِير فِي ذَلِك أَكثر وَكَانَ الْعُدُول إِلَى تجنبه أولى لِأَنَّهُ لَيْسَ الْغَرَض إِلَّا التَّرْجِيح بِوَجْه لَهُ ضرب من الْقُوَّة وَأَيْضًا فانه إِذا ثَبت أَن تجنب الْفِعْل أولى من الْإِقْدَام عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي تعَارض فِيهِ الخبران قَطعنَا على أَن اعْتِقَاد تجنبه وحظره لَيْسَ بِجَهْل وَلَا قَبِيح وَلَا نَكُون مقدمين على اعْتِقَاد لَا يُؤمن كَونه جهلا فَهَذَا الْوَجْه أولى فِي الِاحْتِجَاج من كل مَا سلف
فان قيل أَلَيْسَ إِذا تَعَارَضَت الْبَيِّنَتَانِ فِي الْملك لم تسقطا وَعَملا عَلَيْهِمَا فَهَلا وَجب مثله فِي الْخَبَرَيْنِ قيل أحد لم يقل فِي الْخَبَرَيْنِ المتنافيين كَذَلِك فان قيل فَهَلا اطرحتم الْبَيِّنَتَيْنِ جَمِيعًا كَمَا اطرحتم الْخَبَرَيْنِ قيل لِأَنَّهُ يُمكن الْعَمَل عَلَيْهِمَا بِأَن يَجْعَل الدَّار ملكا بَين المتداعيين وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة بِأَن الْبَيِّنَتَيْنِ يجوز صدقهما بِأَن يشْهد كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا شهد بِهِ لمَكَان الْيَد وَالتَّصَرُّف وَيجوز أَن يكون المتداعيان متصرفين فِي الْملك فَيثبت لكل وَاحِد مِنْهُمَا الْملك بِحكم الْيَد وَلَيْسَ يجوز وُرُود الْإِبَاحَة والحظر مَعًا فينقلا مَعًا
[ ٢ / ١٨٨ ]