إِذا روى الرَّاوِي الحَدِيث من كِتَابه فَلهُ أَحْوَال
مِنْهَا أَن يعلم أَنه قَرَأَهُ على شَيْخه أَو حَدثهُ بِهِ وَيذكر أَلْفَاظ قِرَاءَته وَوقت ذَلِك فَلَا شُبْهَة فِي جَوَاز رِوَايَته وَالْأَخْذ بهَا وَكَذَلِكَ إِذا علم الرَّاوِي أَنه قَرَأَ جَمِيع مَا فِي الْكتاب أَو حَدثهُ بِهِ الرَّاوِي وَلم يذكر الفاظ الْقِرَاءَة وَلَا وَقت الْقِرَاءَة لِأَنَّهُ عَالم فِي الْحَال بِأَنَّهُ قَرَأَ جَمِيع مَا فِي الْكتاب أَو سَمعه مِمَّن حَدثهُ
وَمِنْهَا أَن يعلم أَنه مَا سمع مَا فِي الْكتاب أَو يظنّ ذَلِك أَو يجوز سَمَاعه وَيجوز نَفْيه على سَوَاء وَفِي ذَلِك كُله لَا يجوز لَهُ أَن يحدث بِهِ وَلَا يُؤْخَذ بروايته لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَن يخبر بِمَا يعلم أَنه كَاذِب فِيهِ أَو ظان أَو شَاك
وَمِنْهَا أَن لَا يذكر سَمَاعه لما فِي الْكتاب وَلَا قِرَاءَته لَهُ وَلكنه يغلب على ظَنّه سَمَاعه لَهُ أَو قِرَاءَته لما يرَاهُ من خطه فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون النَّاس قد اخْتلفُوا فِيهِ فَعِنْدَ أبي حنيفه ﵀ لَا يجوز لَهُ أَن يرويهِ وَلَا يجوز الْعَمَل على رِوَايَته لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يَقُول حَدثنِي فلَان وَهُوَ لَا يعلم أَنه حَدثهُ إِذا كَانَ ذَلِك حكما عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قد حَدثهُ كَمَا لَا يجوز مثله فِي الشَّهَادَة وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ يجوز لَهُ الرِّوَايَة وَيجب الْعَمَل عَلَيْهَا لِأَن الصَّحَابَة
[ ٢ / ١٤٢ ]
كَانَت تعْمل على كتب النَّبِي ﷺ نَحْو عَملهَا على كِتَابه إِلَى عَمْرو بن حزم من غير أَن يرويهِ لَهَا راو بل عمِلُوا لأجل الْخط وَأَنه مَنْسُوب إِلَى رَسُول الله ﷺ فان ثَبت أَنَّهَا عملت عَلَيْهِ من غير رِوَايَة جَازَ أَن يروي الْإِنْسَان من كِتَابه إِذا غلب على ظَنّه سَمَاعه وَيكون إخْبَاره إِخْبَارًا عَن ظَنّه وَيجوز الْعَمَل عَلَيْهِ - ﷺ َ - بَاب القَوْل فِي الْمَرَاسِيل - ﷺ َ -
الْخَبَر الْمُرْسل هُوَ أَن يسمع الرجل الحَدِيث من زيد عَن عَمْرو فاذا رَوَاهُ قَالَ قَالَ عَمْرو وأضرب عَن ذكر زيد وَاخْتلف النَّاس فِي الرَّاوِي إِذا فعل ذَلِك وَكَانَ مِمَّن يقبل مُسْنده يقبل مرسله أَبُو حنيفَة وَمَالك وابو هَاشم على كل حَال وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح عنيت بالمتكلمين الَّذين قبلوا الْمَرَاسِيل ابا هَاشم دون من لم يقبل إِلَّا خبر اثْنَيْنِ وَقَالَ فِي الدَّرْس إِن أَبَا عَليّ يَقُول إِذا روى الحَدِيث اثْنَان رَوَاهُ أَحدهمَا عَن رجل بَصرِي لم يسمه وَرَوَاهُ الآخر عَن كُوفِي لم يسمه فانه يقبل وَلم يقبل أهل الظَّاهِر وَطَائِفَة من أَصْحَاب الحَدِيث الْمَرَاسِيل على كل حَال وَقبل قوم مَرَاسِيل من يقبل مُسْنده فِي حَال دون حَال وَهِي إِذا اخْتصَّ بِشُرُوط وَالشَّافِعِيّ اعْتبر أحد شُرُوط
مِنْهَا أَن يكون ذَلِك الْخَبَر قد أسْندهُ غير مرسله قَالَ قَاضِي الْقُضَاة هَذَا إِذا لم تقم الْحجَّة باسناد ذَلِك من الْمسند فَأَما إِن قَامَت الْحجَّة باسناده فَالْمُعْتَبر بِهِ دون الْمُرْسل
وَمِنْهَا أَن يكون قد أرْسلهُ راو آخر يروي عَن غير شُيُوخ الأول
وَمِنْهَا أَن يعضده قَول صَحَابِيّ
وَمِنْهَا أَن يعضده قَول أَكثر أهل الْعلم
[ ٢ / ١٤٣ ]
وَمِنْهَا أَن يكون الْمُرْسل مِمَّن لَا يُرْسل عَمَّن فِيهِ عِلّة من جَهَالَة وَغَيرهَا ثمَّ قَالَ وَمن هَذِه حَاله أحب أَن يقبل مرسله وَلَا أَسْتَطِيع أَن اقول إِن الْحجَّة تثبت بِهِ كثبوتها بالمتصل وَشرط عِيسَى بن ابان فِي قبُول الْمَرَاسِيل أَن يُرْسِلهُ صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ أَو تَابِعِيّ التَّابِعين أَو من أَئِمَّة أهل النَّقْل دون من سوى هَؤُلَاءِ
وَاحْتج من قبل الْمَرَاسِيل باشياء مِنْهَا إرْسَال الْمُرْسل مَعَ عَدَالَته يجْرِي مجْرى ذكره من أرسل عَنهُ وَقَوله هُوَ عدل عِنْدِي فِي الدّلَالَة على أَنه قد عدله وَلَو قَالَ ذَلِك لقبل حَدِيثه فَكَذَلِك إِذا أرسل وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن إرْسَاله يجْرِي مجْرى ذكره وتعديله لِأَنَّهُ مَعَ عَدَالَته لَا يستجيز أَن يخبر عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا وَله الْإِخْبَار عَنهُ وَلَا يكون لَهُ الْإِخْبَار بذلك إِلَّا وَهُوَ عَالم أَو ظان لِأَن الْخَبَر بِمَا يجوز كَونه ونفيه على سَوَاء قَبِيح وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلْزَام النَّاس عبَادَة أَو إطراح عبَادَة عَنْهُم من غير أَن يعلم أَن النَّبِي ﷺ أوجب ذَلِك أَو يَظُنّهُ فَبَان أَن عَدَالَته تَقْتَضِي مَا ذكرنَا وَأما أَن الرَّاوِي إِذا ذكر من رُوِيَ عَنهُ وَقَالَ هُوَ ثِقَة عِنْدِي لزم قبُول خَبره وَإِن لم يذكر أَسبَاب ثقته فَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ بَين اصحاب أبي حنيفَة والشافهي وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي الْجرْح فَعِنْدَ أَصْحَاب ابي حنيفَة لَا يجب أَن يذكر الْإِنْسَان سَبَب الْجرْح وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يصير الْمَجْرُوح مجروحا إِلَّا بِذكر اسباب الْجرْح وَالْأَمر فِي التَّزْكِيَة ظَاهر فان اصحاب الحَدِيث يزكون الرجل من غير أَن يذكرُوا أَسبَاب عَدَالَته وَلِأَن الْإِنْسَان إِنَّمَا يكون ثِقَة زكيا إِذا اجْتنب الْكَبَائِر وَلم يخل بالواجبات فَلَو وَجب ذكر أَعْيَان ذَلِك فِي طول الزَّمَان مَخَافَة أَن يكون فِيهَا مَا لَا تسلم مَعَه عَدَالَة الْإِنْسَان عِنْد السَّامع وَجب مَا يشق احصاؤه بل يتَعَذَّر إِن قيل إِنَّمَا لم يجب على الْمُزَكي ذكر اسباب الْعَدَالَة لهَذِهِ الْمَشَقَّة الَّتِي ذكرتموها وَذَلِكَ غير قَائِم فِي ذكر الْمخبر قيل هَذِه الْمَشَقَّة إِن ثَبت مَعهَا الظَّن لعدالة من زَكَّاهُ الْمُزَكي فَهُوَ غرضنا وَلَيْسَ سَبَب هَذَا الظَّن هَذِه الْمَشَقَّة وَإِنَّمَا سَببه عَدَالَة الْمُزَكي وَهَذَا هُوَ الَّذِي قُلْنَاهُ وَلَو لم تثبت مَعهَا عَدَالَته لم يجز الحكم بتزكيته لأجل الْمَشَقَّة إِذْ كَانَ الظَّن لعدالته غير حَاصِل فان قيل إِنَّمَا لم يجب على الْمُزَكي ذكر أَسبَاب عَدَالَة من زَكَاة
[ ٢ / ١٤٤ ]
لِأَنَّهُ يخبر عَن ظَنّه وَأما الْمخبر فانما يخبر عَن غَيره فَوَجَبَ ذكره قيل وَقد يكون الْإِنْسَان عدلا عِنْد الْمُزَكي بِأَن يُخبرهُ غَيره عَن عَدَالَته فَهُوَ كالمخبر وَأَيْضًا فان هَذَا فرق لَا يُؤثر فِي مَوضِع الْجمع وَذَلِكَ أَن الْمخبر إِنَّمَا أخبر عَن النَّبِي ﷺ وَطَرِيقه إِلَى ذَلِك غَيره كَمَا أَن ظن الْمُزَكي لعدالة من زَكَاة طَريقَة مَعْرفَته بِأَسْبَاب عَدَالَته فَكَمَا لم يجب ذكر ذَلِك لم يجب ذكر الْمخبر فان قيل يلزمكم على مَا ذكرْتُمْ أَن يجْرِي إضراب شُهُود الْفَرْع مَعَ عدالتهم عَن ذكر شُهُود الاصل مجْرى أَن يذكروهم ويعدلوهم وَأَن يلْزم الْحَاكِم الحكم بِشَهَادَتِهِم وَإِن لم يذكرُوا شُهُود الأَصْل كَمَا يلْزمه إِذا ذكروهم وعدلوهم الْجَواب إِن إضرابهم عَن ذكر شُهُود الأَصْل يجْرِي مجْرى مَا ذكرْتُمْ وَلَو تركنَا وَهَذَا الأَصْل لحكمنا بِشَهَادَتِهِم وَإِن لم يذكرُوا شُهُود الأَصْل لَكِن الدّلَالَة منعت من ذَلِك وَلَيْسَ يجب إِذا منعت الدّلَالَة من ذَلِك أَن يمْتَنع أَن يحكم بأخبار الْمَرَاسِيل كَمَا أَن الدّلَالَة قد دلّت على أَن من شَرط الحكم بِشَهَادَة شُهُود الْفَرْع أَن يحملهم شُهُود الأَصْل الشَّهَادَة فاعتبرنا قيام الدّلَالَة على ذَلِك وَلم نعتبره فِي غير هَذَا الْموضع لِأَنَّهُ لَو لم تقم الدّلَالَة على ذَلِك لأجرينا الشَّهَادَة على الشَّهَادَة مجْرى الشَّهَادَة على الْإِقْرَار وَلَا يشرط فِيهِ أَن يحملهم الشُّهُود الشَّهَادَة كَمَا لَا يشرط أَن يحملهم الْمقر الشَّهَادَة على إِقْرَاره إِن قيل أَلَيْسَ لَو ثَبت عَدَالَة الشُّهُود عِنْد الْحَاكِم لم يسْقط النّظر فِي عدالتهم عَن حَاكم آخر فَهَلا كَانَ ثُبُوت عَدَالَة من أرْسلهُ الْمخبر عِنْده لَا يسْقط عَن غَيره النّظر فِي عَدَالَته قيل فَيجب لَو ذكر الْمخبر من أخبر عَنهُ وعدله أَن لَا يسْقط عَن السَّامع للْخَبَر النّظر فِي عَدَالَته كَمَا لم يسْقط عَن القَاضِي الثَّانِي النّظر فِي عَدَالَة الشُّهُود وَإِن ذكرُوا عِنْده فَلَمَّا لم يجز ذَلِك علمنَا مُفَارقَة الشَّهَادَة للْخَبَر
وَمِنْهَا إِجْمَاع الصَّحَابَة حُكيَ عَن الْبَراء بن عَازِب أَنه قَالَ لَيْسَ كل مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِهِ عَن رَسُول الله ﷺ سمعناه مِنْهُ غير أَنا لَا نكذب وَرُوِيَ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من أصبح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ فَلَمَّا سُئِلَ عَن ذَلِك ذكر أَن الْفضل بن عَبَّاس أخبرهُ بذلك وَرُوِيَ ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ =
[ ٢ / ١٤٥ ]
أَنه قَالَ لَا رَبًّا إِلَّا فِي النَّسِيئَة ثمَّ أسْندهُ إِلَى أُسَامَة وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ مَا زَالَ يُلَبِّي حَتَّى رمي جَمْرَة الْعقبَة ثمَّ اسند ذَلِك إِلَى الْفضل بن عَبَّاس فَلَو لم يجز الْعَمَل على الْمَرَاسِيل لَكَانَ الْمُرْسل إِذا لم يبين أَنه قد أرسل الحَدِيث جرى مجْرى أَن يروي عَن فَاسق أَو كَافِر على وَجه يُوهم أَنه عدل وَلَا يبين أَنه كَافِر فِي أَن ذَلِك مُنكر وَلَو كَانَ مُنْكرا لأنكروه وَلما اجْتَمعُوا على ترك إِنْكَاره وَمَعْلُوم أَن من أرسل وَمن لم يُرْسل لم يُنكر ذَلِك إِن قيل أَلَيْسَ قد كَانَ عَليّ ابْن أبي طَالب ﵇ يسْتَحْلف من يُخبرهُ عَن النَّبِي ﷺ أَو سَمعه من غَيره عَنهُ وَيجوز أَن يكون حلفه هَل سمع الحَدِيث فِي الْجُمْلَة أم لَا على أَن استحلافه إِنَّمَا كَانَ استظهارا لِأَن أحدا لَا يشرط ذَلِك فِي حَدِيث الثِّقَة وَلِهَذَا لم يسْتَحْلف أَبَا بكر ﵇ على أَن ذَلِك لَا يعْتَرض دليلنا لِأَن دليلنا هُوَ أَنهم لما عرفُوا أَن بَعضهم أرسل لم ينكروا عَلَيْهِ وَلم يرو أَن عليا ﵇ أنكر عَلَيْهِم إِن قيل مَا ذكرتموه من الْأَخْبَار الدَّالَّة على أَنهم أرْسلُوا هِيَ أَخْبَار آحَاد غير مؤدية إِلَى الْعلم فَالْجَوَاب ان كل وَاحِد مِنْهَا وَإِن كَانَ خبر وَاحِد فان مجموعها متواتر وَلقَائِل أَن يَقُول إِن مَا ذكرتموه أَخْبَار يسيرَة وَلَا يصير مَعْنَاهَا متواتر بِهَذَا الْقدر أَلا ترى أَن الْخَبَر الْوَاحِد لَو رَوَاهُ ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة لم يكن متواترا فالأخبار الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة أولى أَن لَا يكون مَعْنَاهَا متواترا فَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بهَا إِلَّا ان يُقَال إِنَّه يجوز أَن يحْتَج بأخبار الْآحَاد فِي إِثْبَات مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْعَمَل دون الْعلم
وَمِنْهَا أَنه لَو لم يقبل الْخَبَر الْمُرْسل لما قبل إِذا جَوَّزنَا كَونه مُرْسلا حَتَّى إِذا قَالَ الرَّاوِي عَن فلَان لم يقبل حَدِيثه لجَوَاز أَن يكون مَا سمع مِنْهُ لكنه أخبر عَنهُ وَلقَائِل أَن يَقُول لَا يقبل الحَدِيث إِلَّا أَن يظنّ أَنه غير مُرْسل نَحْو أَن يَقُول حَدثنَا فلَان أَو سَمِعت فلَانا أَو عَن فلَان وَيكون قد أَطَالَ صحبته لِأَن ذَلِك أَمارَة تدل على أَنه قد سَمعه مِنْهُ وَمَتى لم يعلم أَنه صَحبه لم يكن قَوْله عَن فلَان أَمارَة على أَنه سَمعه مِنْهُ فَلَا يقبل حَدِيثه
وَاحْتج من لم يقبل أَخْبَار الْمَرَاسِيل بأَشْيَاء
[ ٢ / ١٤٦ ]
مِنْهَا أَن ترك الرَّاوِي لذكر من حَدثهُ يتَضَمَّن جَهَالَة عينه وَصفته فاذا كَانَ لَو ذكر اسْمه فَعرف السَّامع عينه وَلم يعرف عَدَالَته لم يجز لَهُ الْعَمَل بحَديثه فَأولى أَن لَا يجوز لَهُ قبُوله إِذا لم يعرف عينه وَلَا عَدَالَته وَالدَّلِيل على أَن ترك ذكره للراوي يتَضَمَّن جَهَالَة عَدَالَته أَن عَدَالَته إِن عرفناها بِذكرِهِ فالمرسل مَا ذكره وَإِن عرفناها بِأَن الثِّقَة لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة فَهَذَا لَا يَصح لِأَن كثيرا من الثِّقَات قد أرْسلُوا عَمَّن لَيْسَ بِثِقَة وَلِأَن الْإِنْسَان قد يكون ثِقَة عِنْد إِنْسَان وَلَا يكون ثِقَة عِنْد إِنْسَان آخر فَلَا يمْتَنع لَو عرفنَا من لم يذكرهُ الْمُرْسل لما كَانَ ثِقَة عندنَا وَالْجَوَاب إِن إرْسَال الْمُرْسل لَا يتَضَمَّن جَهَالَة صفة من لم يذكرهُ لِأَن نَفْيه يشْهد بعدالة من أرسل عَنهُ وَقَوْلهمْ إِن الْعدْل قد يُرْسل عَمَّن لَيْسَ بِثِقَة لَا يقْدَح فِيمَا قُلْنَاهُ لِأَن من أرسل عَمَّن لَيْسَ بِثِقَة إِن كَانَ قد عرف أَنه غير ثِقَة فَذَلِك يقْدَح فِي عَدَالَته كَمَا أَنه إِذا ذكره وَقَالَ هُوَ ثِقَة عِنْدِي وَعلمنَا أَنه لم يكن عِنْده ثِقَة فانه يقْدَح فِي عَدَالَته وَلَا يقْدَح ذَلِك فِي أَن الظَّاهِر وَالْغَالِب مِمَّن ظَاهره الْعَدَالَة أَنه لَا يزكّى من يعْتَقد أَنه غير زكي كَذَلِك الْغَالِب مِمَّن هُوَ ثِقَة فِي الظَّاهِر أَنه لَا يُرْسل إِلَّا عَمَّن هُوَ ثِقَة عِنْده وَالْغَالِب لَا يَزُول بالنادر وَإِن كَانَ قد ارسل عَنهُ وَهُوَ ثِقَة عِنْده وَبَان لنا انه لَيْسَ بِثِقَة فَذَلِك لَا يقْدَح أَيْضا فِي أَن الظَّاهِر من كَونه ثِقَة عِنْده أَن يكون ثِقَة فِي نَفسه وَإِن جَازَ خِلَافه لِأَن الْغَالِب لَا يبطل بتجويز خِلَافه كَمَا أَنه لَو قَالَ هُوَ عدل عِنْدِي جَازَ لَو فحصنا نَحن عَنهُ أَن لَا يكون عدلا عندنَا وَلَا يمْتَنع ذَلِك من أَن الظَّاهِر من تزكيته أَنه زكي فِي نَفسه وَأَنه لَا يجب علينا الفحس عَنهُ وَقَوْلهمْ إِذا لم يجز قبُول الْخَبَر إِذا سمى الْمخبر من سمع مِنْهُ مَتى لم يعرف عَدَالَته فبأن لَا يجوز ذَلِك إِذا لم يعرف عينه وَلَا عَدَالَته أولى فَالْجَوَاب عَنهُ أَن مِمَّن يقبل الْمَرَاسِيل من يَقُول إِذا سمى الرَّاوِي من روى عَنهُ وَلم يقل هُوَ عدل عِنْدِي فقد زَكَّاهُ وَيجب قبُول حَدِيثه وَهَذَا يلْزم عَلَيْهِ أَن يسْقط النّظر فِي الْمُحدثين مَعَ كَثْرَة الْفساد فِي النَّاس إِذا ذكر الْمُحدث من روى عَنهُ لِأَن عَدَالَته تَقْتَضِي ثِقَة من سمع مِنْهُ وثقة من سمع مِنْهُ تَقْتَضِي عَدَالَة من سمع
[ ٢ / ١٤٧ ]
مِنْهُ هَكَذَا إِلَى النَّبِي ﷺ وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه إِذا ذكر اسْمه لم يسْقط عَنَّا النّظر فِي عَدَالَته وَإِذا لم يذكر اسْمه سقط النّظر فِي عَدَالَته لِأَنَّهُ إِذا لم يذكر عينه فَقَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فقد حكم بِأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَلِك وألزمنا تِلْكَ الْعِبَادَة وَلَيْسَ لَهُ أَن يحكم على النَّبِي ﷺ بِشَيْء إِلَّا وَهُوَ عَالم أَو ظان لَهُ وَلَا يظنّ ذَلِك إِلَّا والراوي ثِقَة عِنْده وَلِأَنَّهُ لما لم يذكر الرَّاوِي لم يمكنا من النّظر فِي عَدَالَته وَإِذا ذكر الرَّاوِي الَّذِي سمع مِنْهُ الحَدِيث فانه لم يحكم بِهِ على النَّبِي ﷺ وَلَا منعنَا من النّظر فِي عَدَالَته بل قد مكننا من النّظر فِي ذَلِك إِذْ كَانَ قد ذكره
وَمِنْهَا أَن الشَّاهِدين إِذا كَانَا عَدْلَيْنِ لم يجز أَن يشهدَا على شَهَادَة شَاهِدين يخفيان ذكرهمَا وهما غير عَدْلَيْنِ عِنْدهمَا وَمَعَ ذَلِك لم يجر إضرابهما عَن ذكر شُهُود الأَصْل مجْرى ذكرهمَا وتزكيتهما وَالْجَوَاب إِن عَدَالَة الشَّاهِدين تَقْتَضِي غَلَبَة الظَّن بِثِقَة من شَهدا على شَهَادَته إِذا لم يذكراه فقد التزمنا فِي الشَّهَادَة مثل مَا قُلْنَاهُ فِي الْخَبَر وَلَو تركنَا وَهَذَا الأَصْل لحكمنا بِالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة من غير أَن نذْكر شُهُود الأَصْل على مَا تقدم بَيَانه فان قيل فيلزمكم أَن لَا تحكموا بالْخبر الْمُرْسل وَإِن كَانَ غلب على ظنكم عَدَالَة من أخبر عَنهُ الْمخبر كَمَا لم تحكموا بِشَهَادَة شُهُود فِي الْفَرْع وَإِن غلب على ظنكم عَدَالَة شُهُود الأَصْل وَالْعلَّة الجامعة بَينهمَا أَن كل وَاحِد من الشُّهُود والمخبرين يسندون إِلَى غَيرهم مَا يلزمون بِهِ حكما للْغَيْر فَلم يلْزم الحكم إِلَّا بِذكر من يسندون إِلَيْهِ قيل لسنا نعلم أَن الْعلَّة مَا ذكرْتُمْ وَلَيْسَ يجوز أَن يتَوَصَّل إِلَى الْعلم بعلة غير مَعْلُومَة وَلَا يمْتَنع أَن يكون قد اعْتبر فِي الشَّهَادَة ضرب من الِاحْتِيَاط فَلم يقنع فِيهَا إِلَّا بِذكر شُهُود الأَصْل كَمَا اعْتبر فِيهَا الْحُرِّيَّة وَالْعدَد وَأَن يحمل شُهُود الأَصْل الشَّهَادَة شُهُود الْفَرْع وَقد قَالَ الشَّيْخ ابو عبد الله ﵀ إِن الْقيَاس يمْنَع من الحكم بِالشَّهَادَةِ فَلم يجز قِيَاس الْمَرَاسِيل على ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز الْقيَاس على الْمَخْصُوص من جملَة الْقيَاس والمخالف لَا يسلم قَوْله إِن الحكم بِالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة بِخِلَاف قِيَاس الاصول وَيسلم أَنه لَا يجوز الْقيَاس على الْمَخْصُوص
[ ٢ / ١٤٨ ]
من جملَة الْقيَاس على أَن من يقيس الْمَرَاسِيل على الشَّهَادَة على الشَّهَادَة إِنَّمَا يقيس عَلَيْهَا فِي الْمَنْع لَا فِي جَوَاز الحكم فَلم يكن قائسا عَلَيْهَا من الْوَجْه الَّذِي منع مِنْهُ الْقيَاس وَقد فرق بَين الْمَرَاسِيل وَبَين الشَّهَادَة على الشَّهَادَة فَقيل إِن الْحَاكِم إِنَّمَا يحكم بِشَهَادَة شُهُود الأَصْل فَلهَذَا وَجب ذكرهم ولمخالفهم أَن يَقُول وَالْحكم بِلُزُوم الْعِبَادَة إِنَّمَا يَقع بِخَبَر الأول فَيجب ذكره فان قَالُوا كَيفَ نقُول ذَلِك وَعِنْدنَا أَنه لَا يجب ذكر الْمخبر الأول قيل إِنَّكُم تعلقون لُزُوم الْعِبَادَة بالمخبر الأول وَلِهَذَا تعتبرون عَدَالَته وتستدلون عَلَيْهِمَا بارسال الْمخبر الثَّانِي مَعَ عَدَالَته على أَنه إِن كَانَ لُزُوم الْعِبَادَة لَا يتَعَلَّق بالمخبر الأول لِأَنَّهُ لَا يجب ذكره فقد صَار ذَلِك تَابعا لكَونه غير وَاجِب ذكره فقد فرقتم بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ بِمَا هُوَ مَبْنِيّ على مَوضِع الْخلاف لِأَن مَوضِع الْخلاف هُوَ أَنه لَا يجب ذكر الْمخبر الأول وَكَون الْمخبر الأول لَا يتَعَلَّق بِهِ الحكم وَالْعِبَادَة تَابع لذَلِك وَبِه فرقتم بَين الشَّهَادَة وَالْخَبَر وَقد فرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ أَيْضا بِأَن شُهُود الْفَرْع وكلاء شُهُود الأَصْل لِأَنَّهُ لَا يجوز لَهُم أَن يشْهدُوا على شَهَادَتهم إِذا سمعوهم يشْهدُونَ حَتَّى يحملوهم الشَّهَادَة كَمَا لَا يجوز للْوَكِيل التَّصَرُّف إِلَّا بعد أَن يؤكله المؤكل وَهَذَا فرق غير مُؤثر لِأَن المحتج جمع بَين الشَّهَادَة وَالْخَبَر بِالْعِلَّةِ الَّتِي ذكرهَا خَصمه فِي الْمَرَاسِيل وَهِي أَن عَدَالَة الرَّاوِي تَقْتَضِي أَنه مَا أرسل الحَدِيث إِلَّا وَهُوَ على غَايَة الثِّقَة بعدالة من أخبر عَنهُ وَهَذِه الْعَدَالَة قَائِمَة فِي الشُّهُود على مَا بَيناهُ
وَمِنْهَا أَنه لَو جَازَ الْعَمَل على الْمَرَاسِيل لم يكن لذكر أَسمَاء الروَاة والفحص عَن عدالتهم معنى وَالْجَوَاب أَن لَهُ معنى من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه إِذا ذكرهم الرَّاوِي أمكن السَّامع الفحص عَن عدالتهم فَيكون لظَنّه لعدالتهم آكِد من ظَنّه لعدالتهم لأجل إرْسَال الْمُرْسل لِأَن طمأنينة الْإِنْسَان إِلَى فحصه وخبرته أقوى من طمأنينته إِلَى خبر غَيره وَهَذَا الْجَواب يَقْتَضِي تَرْجِيح الْمسند على الْمُرْسل وَالْآخر أَن الرَّاوِي للْحَدِيث قد يشْتَبه عَلَيْهِ حَال من أخبرهُ فَلَا يقدم على تزكيته وَلَا على جرحه فيذكر ليفحص غَيره عَنهُ
[ ٢ / ١٤٩ ]
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو وَجب الْعَمَل بالمراسيل للزمنا فِي عصرنا هَذَا أَن نعمل على قَول الْإِنْسَان قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا وَكَذَا وَإِن لم يذكر الروَاة الْجَواب إِن ذكر الْخَبَر إِن كَانَ مَعْرُوفا فِي جملَة الْأَحَادِيث فقد عرفت رُوَاته وَإِن لم يكن مَعْرُوفا لم يقبل لَا لِأَنَّهُ مُرْسل بل لِأَن الْأَحَادِيث قد ضبطت وجمعت فَمَا لَا يعرفهُ أَصْحَاب الحَدِيث مِنْهَا فِي وقتنا هُوَ كذب فان كَانَ الْعَصْر الَّذِي أرسل فِيهِ الرَّاوِي عصرا لم يضْبط فِيهِ السّنَن قبل مرسله
فَأَما قَول الشَّافِعِي ﵀ إِن الْمُرْسل يقبل إِذا أسْندهُ الْمُرْسل أَو أسْندهُ غَيره فان أَرَادَ أَنه يقبل وَالْحجّة هُوَ الْخَبَر الْمسند فَصَحِيح على أَصله وَلَا تَأْثِير للمرسل وَإِن أَرَادَ أَنه يصير الْمُرْسل حجَّة فَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَن مَا لَيْسَ بِحجَّة لَا يصير حجَّة إِذا اقترنت بِهِ حجَّة كَمَا أَن خبر الْوَاحِد لَا يصير طَرِيقا إِلَى الْعلم وَإِن عضدته آيَة أَو خبر متواتر وَأما قَوْله إِنَّه يعْمل على خبر الْمُرْسل إِذا أرْسلهُ غَيره مِمَّن يروي عَن غير مشائخه فَغير صَحِيح لِأَنَّهُ لَيْسَ يجوز أَن يَنْضَم مَا لَيْسَ بِحجَّة إِلَى مَا لَيْسَ بِحجَّة فَيصير حجَّة إِذْ كل وَاحِدَة من الرِّوَايَتَيْنِ مُرْسلَة وَكَذَلِكَ قَوْله إِذا عضد الْمُرْسل قَول بعض الصَّحَابَة أَو فَتْوَى أَكثر أهل الْعلم لِأَن ذَلِك غير حجَّة وَلَا يصير الْمُرْسل بِهِ حجَّة فان جعل قَول بعض الصَّحَابَة حجَّة فَالْكَلَام عَلَيْهِ مَا تقدم
وَقد حكى بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي عَنهُ أَنه خص مَرَاسِيل الصَّحَابَة بِالْقبُولِ وَحكى قَاضِي الْقُضَاة عَنهُ أَنه قَالَ إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ قَالَ النَّبِي ﷺ كَذَا وَكَذَا قبلت ذَلِك إِلَّا أَن أعلم أَنه أرْسلهُ وَالدَّلِيل على بطلَان تَخْصِيص الصَّحَابَة بذلك أَن مَا دلّ على قبُول الْمَرَاسِيل يشْتَمل من كَانَ عدلا من الروَاة صحابيا كَانَ أَو غَيره وَقَول النَّبِي ﷺ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ لَا يدل على أَن غَيرهم لَا يقبل مرسله كَمَا لَا يدل على أَن غَيرهم لَا يقبل مُسْنده وَقَوْلهمْ إِن الصَّحَابِيّ لَا يُطلق القَوْل بِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ كَذَا وَكَذَا إِلَّا وَقد سَمعه أَو حَدثهُ عَنهُ الثِّقَة فانه يُقَال لَهُم وَلم وَجب ذَلِك فيهم
[ ٢ / ١٥٠ ]
فان قَالُوا لعدالتهم قيل فَهَذِهِ الْعلَّة حَاصِلَة فِي غَيرهم من الْعُدُول فان قَالَ الظَّاهِر من قَول الصَّحَابِيّ قَالَ النَّبِي ﷺ كَذَا وَكَذَا أَنه سَمعه مِنْهُ قيل فقد قبلتموه على أَنه مُسْند لَا على أَنه مُرْسل على أَنه يُمكن أَن يَقُول الصَّحَابِيّ بَلغنِي أَن النَّبِي ﷺ قَالَ كَذَا وَكَذَا أَو سَمِعت أَنه قَالَ كَذَا فيتصور الْمَسْأَلَة فِي هَذَا الْموضع