أعلم أَن الحكم لما وَجب أَن يكون مَوْجُودا فِي أصل الْقيَاس وفرعه جَازَ أَن يكون نظرك فِيهِ لَهُ تعلق بِالْأَصْلِ وَحده أَو بالفرع وَحده أَو بِالْأَصْلِ وَالْفرع مَعًا وَجَاز أَن يكون نظرك فِي الحكم يختصه وَلَا يتَعَلَّق بِالْأَصْلِ وَلَا بالفرع فَأول مَا يرد عَلَيْك الْقيَاس فَيَنْبَغِي أَن تعمد إِلَى أَصله فتنظر هَل الحكم مَوْجُود فِيهِ أم لَا فانه ريما قَاس على أصل اجْتمعت الْأمة على أَن حكم الْقيَاس مُنْتَفٍ عَنهُ وَرُبمَا كنت أَنْت تخَالفه فِي وجود الحكم فِي الأَصْل فتمنع القائس من الْقيَاس إِن كنت سَائِلًا أَو تنقل الْكَلَام إِلَى الأَصْل إِن كنت مسئولا وَإِذا وجدت الحكم فِي الأَصْل فَانْظُر هَل هُوَ مَوْجُود فِي جَمِيع الأَصْل أم لَيْسَ بموجود فِي جَمِيعه فانه إِن كَانَ مَوْجُودا فِي بعضه وَكَانَ القائس قد ظهر فِي كَلَامه أَنه قصد أَن يرد الْفَرْع إِلَى جَمِيع الأَصْل أعلمته أَنه لم يَأْتِ بِمَا قصد إِلَى إِيرَاده وَكَانَ لَك أَن تَأْخُذهُ بذلك وَأَيْضًا فَانْظُر هَل الحكم ثَابت فِي الأَصْل بِقِيَاس على أصل آخر أم لَا فانه رُبمَا رد القائس فرعا إِلَى أصل بعلة من الْعِلَل وَيكون الحكم إِنَّمَا يثبت فِي ذَلِك الأَصْل بعلة أُخْرَى مِثَال ذَلِك أَن يرد من طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وَهُوَ يتَشَهَّد فِي صَلَاة الصُّبْح إِلَى من خرج وَقت الْمسْح على خفيه وَهُوَ جَالس فِي التَّشَهُّد الَّذِي بعلة أَنه خَارج من الصَّلَاة بِغَيْر فعله فَيجب أَن تبطل صلَاته وَيرد هَذَا الأَصْل إِلَى الْمُسَافِر إِذا نوى الْإِقَامَة وَهُوَ جَالس للتَّشَهُّد بعلة أَنه معني لَو طرى فِي أول الصَّلَاة لغير الْفَرْض فَوَجَبَ إِذا طرى فِي آخرهَا أَن يكون كطرئه فِي أَولهَا وَمَعْلُوم أَن عِلّة الْفَرْع الثَّانِي وَهِي الْخُرُوج من الصَّلَاة بِغَيْر فعله وَلَا يُوجد فِي الأَصْل الأول
وَاخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَمنع مِنْهُ قوم قَالُوا لِأَن الْفَرْع إِنَّمَا يرد إِلَى الأَصْل إِذا شَاركهُ فِي عِلّة حكمه قَالُوا وَعلة هَذَا الأَصْل هِيَ عِلّة أُخْرَى لَا
[ ٢ / ٤٤٥ ]
يُوجد فِي الْفَرْع الثَّانِي وَقد أجَاز ذَلِك قوم وَقَالُوا الْعلَّة الَّتِي يثبت الحكم بهَا فِي الأَصْل هِيَ كالنص فِي أَنَّهَا طَرِيق الحكم وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يعلم بِالدَّلِيلِ أَن يكون لعِلَّة أُخْرَى تَأْثِير فِي ذَلِك الحكم فَترد بهَا بعض الْفُرُوع إِلَيْهِ فَهَذَا هُوَ نظرك فِي الحكم بِحَسب تعلقه بِالْأَصْلِ
وَأما إِذا نظرت فِيهِ بِحَسب تعلقه بالفرع فَقَط فَهُوَ أَن تنظر هَل الحكم يُمكن وجوده فِي الْفَرْع أم لَا فانه رُبمَا منع نَص أَو إِجْمَاع من وجوده فِي الْفَرْع فان لم يمْنَع نَص أَو إِجْمَاع من ذَلِك فَانْظُر هَل يُمكن أَن تثبت الحكم فِي الْفَرْع بِقِيَاس أم لَا فانه رُبمَا كَانَ الحكم كَفَّارَة أَو حدا أَو تَقْديرا أَو حكما مَخْصُوصًا من جملَة الْقيَاس وَهَذَا لَا يجوز إثْبَاته بِالْقِيَاسِ عِنْد بعض الْفُقَهَاء فان كنت مِمَّن يَأْبَى ذللك وَكنت سَائِلًا أمكنك إيقاف وَإِن كَانَ الحكم يُمكن وجوده فِي الْفَرْع بِقِيَاس فَانْظُر هَل هُوَ مَوْجُود فِي جَمِيع الْفَرْع أَو فِي بعضه فان كَانَ مَوْجُودا فِي بعضه وَكَانَ القائس قد شَرط على نَفسه أَن يرد الْفَرْع كُله إِلَى الأَصْل ثمَّ لم يفعل كَانَ لَك أَن تَأْخُذهُ بِمَا شَرط على نَفسه وَمَا قَصده بِالْقِيَاسِ فَهَذَا هُوَ نظرك فِي الحكم بِحَسب تعلقه بالفرع
وَأما نظرك فِي الحكم بِحَسب تعلقه بِالْأَصْلِ وَالْفرع جَمِيعًا فَهُوَ أَن تنظر هَل يُمكن أَن يُسْتَفَاد حكم ذَلِك الْفَرْع من ذَلِك الأَصْل أم لَا فانه قد يكون مَوْضُوع الأَصْل على التَّغْلِيظ وموضوع الْفَرْع على التَّخْفِيف وَيكون الحكم تَخْفِيفًا وَهَذَا هُوَ اخْتِلَاف مَوْضُوع الأَصْل وَالْفرع فلك أَن تمنع من هَذَا الْقيَاس وَتقول إِن اخْتِلَاف مَوْضُوع الأَصْل وَالْفرع كالأمارة على أَن حكم أَحدهمَا مباين لحكم الآخر وللقائس أَن يَقُول إِنَّه لَا يمْتَنع أَن يكون الأَصْل وَالْفرع متباينين فِي بعض الْأَحْكَام ومتفقين فِي بعض آخر فاذا دللت على صِحَة الْعلَّة وَجب أَن يشركا فِي الحكم الَّذِي تَقْتَضِيه تِلْكَ الْعلَّة
وَأما نظرك فِي الحكم من غير أَن يكون لَهُ تعلق بِالْأَصْلِ وَالْفرع فَهُوَ أَن تنظر هَل يمكنك أَن تَقول بالحكم الَّذِي علقه القائس على الْعلَّة فانه رُبمَا علق
[ ٢ / ٤٤٦ ]
القائس على علته حكما مُجملا يمكنك أَن تَقول بِهِ وَهَذَا هُوَ القَوْل بِمُوجب الْعلَّة وَإِذا أمكنك ذَلِك بَان أَن القائس لم يدل على مَوضِع الْخلاف مِثَال ذَلِك أَن يُعلل مُعَلل كَون الصَّوْم شرطا فِي الِاعْتِكَاف بِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَوَجَبَ أَن يكون من شَرطه معنى يقارنه قِيَاسا على الْوُقُوف بِعَرَفَة فان لَك أَن تلتزم هَذَا الحكم وَهُوَ إشراط معنى إِذا كَانَ القائس لم يفصل الْمَعْنى فَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِي حكم الْعلَّة لَا بِحَسب تعلقه بِغَيْرِهِ وَلَك أَن تَقول إِن القَوْل بِمُوجب الْعلَّة هُوَ الْكَلَام فِي الحكم بِحَسب تعلقه بالفرع