اعْلَم أَنا قد قُلْنَا إِن الْكَلَام فِي الْعلَّة إِمَّا أَن يكون كلَاما فِي وجودهَا أَو فِي غير وجودهَا وَإِن الْكَلَام فِي غير وجودهَا يَنْقَسِم إِلَى الْكَلَام فِي تصحيحها وَإِلَى الْكَلَام فِي إفسادها فاذا نظرت فِي وجودهَا فَانْظُر هَل هِيَ مَوْجُودَة فِي جَمِيع الأَصْل أَو فِي بعضه فانه قد يجوز أَن تكون الْعلَّة مَوْجُودَة فِي بعض الأَصْل وَيكون الْمُعَلل قد رام أَن يرد الْفَرْع إِلَى جَمِيع الأَصْل فاذا لم تكن الْعلَّة شائعة فِي جَمِيع الأَصْل بَطل مَا رامه فان رد الْفَرْع إِلَى الْمَوْضُوع الَّذِي وجدت فِيهِ الْعلَّة من الأَصْل نظرت فان جَازَ أَن يكون بعض الأَصْل مُعَللا دون بعض أجزت للقائس مَا فعله وَإِن لم تجز أَن يكون بعض الأَصْل مُعَللا دون بعض وَلم تجز مَعَ ذَلِك أَن يكون عِلّة جَمِيع الأَصْل إِلَّا عِلّة وَاحِدَة بَطل قِيَاسه وَمِثَال ذَلِك منع أَصْحَاب الشَّافِعِي من قِيَاس الجص على الْبر بعلة أَنه مَكِيل بقَوْلهمْ إِن عِلّة تَحْرِيم الْبر هِيَ عِلّة وَاحِدَة شائعة فِي جَمِيع الْبر والكيل لَيْسَ بشائع فِي جَمِيع الْبر لِأَن الْحبَّة والحبتين لَا يَتَأَتَّى فيهمَا الْكَيْل وأصحابنا يجيبون عَن ذَلِك بِأَن الْمحرم من الْبر لَيْسَ لَهُ عِلّة وَاحِدَة وَهِي الْكَيْل لِأَن الْمحرم لَيْسَ هُوَ إِلَّا مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل من الْبر لِأَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع الْبر بِالْبرِّ إِلَّا كَيْلا بكيل فَأجَاز بِالْكَيْلِ مَا منع مِنْهُ بِغَيْر كيل وَالَّذِي يجوز بَيْعه إِذا تساوى فِي الْكَيْل هُوَ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل فَيجب أَن يكون مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل هُوَ مَا
[ ٢ / ٤٤٧ ]
يحرم بَيْعه إِذا تفاضل فَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِي وجود الْعلَّة فِي الأَصْل
فَأَما نظرك فِي وجود الْعلَّة فِي الْفَرْع فَهُوَ أَن تنظر هَل الْعلَّة مَوْجُودَة فِي الْفَرْع عنْدك وَإِن كَانَت مَوْجُودَة فِيهِ فَهَل هِيَ مَوْجُودَة فِي جَمِيعه أَو فِي بعضه فانه رُبمَا وصف القائس الْفَرْع بِصفة لَا يجوز عِنْد خَصمه أَن يكون مَوْصُوفا بهَا وَقد يجمع الْمُسلمُونَ فِي ذَلِك الْفَرْع على أَنه لَا يجوز أَن يثبت حكمه إِلَّا بعلة وَاحِدَة فَيكون ذَلِك مُبْطلًا لتعليل من علله بعلة وَاحِدَة لَا تُوجد فِي جَمِيعه