اعْلَم أَن خبر الْوَاحِد إِنَّمَا يكون رَافعا للْكتاب إِذا نفى أَحدهمَا مَا اثبته الآخر على الْحَد الَّذِي أثْبته أَو أثبت أَحدهمَا ضد مَا أثْبته الآخر على الْحَد الَّذِي أثْبته فَالْأول نَحْو أَن يَقُول فِي أَحدهمَا ليصل فلَان فِي الْوَقْت الْفُلَانِيّ فِي الْمَكَان الْفُلَانِيّ على الْوَجْه الْفُلَانِيّ وَينْهى فِي الآخر عَن هَذِه الصَّلَاة على هَذَا الْحَد وَالثَّانِي أَن يامر بِتِلْكَ الصَّلَاة فِي مَكَان آخر فِي ذَلِك الْوَقْت بِعَيْنِه فان كَانَ الْخَبَر يُنَافِي الْكتاب من غير نسخ لم يجز قبُوله لأَنا قد علمنَا أَن الله تَعَالَى قد تكلم بِالْآيَةِ وَأَن النَّبِي ﷺ قد تكلم بِمَا تَوَاتر من نَقله عَنهُ فَلَو أَخذنَا بِخَبَر الْوَاحِد لَكنا قد تركنَا بِالْجُمْلَةِ مَا قد علمنَا أَن الله ﷿ قَالَه وعدلنا إِلَى مَا لَا نعلم أَنه صدق
إِن قيل هلا قُلْتُمْ إِن الله سُبْحَانَهُ أَرَادَ بِالْآيَةِ مقتضاها بِشَرْط أَن لَا يعارضها خبر وَاحِد قيل فَهُوَ عَالم بمعارضة خبر الْوَاحِد لَهُ فَلَا يجوز هَذَا
[ ٢ / ١٥٣ ]
الإشراط لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يَأْمر بِشَرْط وَيجب الْقطع على أَن النَّبِي ﷺ لم يقل ذَلِك الْخَبَر أَو قَالَه على سَبِيل الْحِكَايَة عَن الْغَيْر أَو مَعَ زِيَادَة أَو نُقْصَان ينفيان الْمُعَارضَة وَكَذَلِكَ إِذا عَارض الْإِجْمَاع خبر وَاحِد فان أمكن تَأْوِيل الْخَبَر مَعَ الْآيَة على وَجه النّسخ فالعقل يجوز النّسخ كالتخصيص وَعند أَصْحَابنَا أَن الشَّرْع منع من النّسخ بِهِ وَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنه يظنّ أَن بَين عِيسَى بن أبان وَبَين الشَّافِعِي رحمهمَا الله خلافًا فِي قبُول أَخْبَار الْآحَاد إِذا خَالَفت ظَاهر الْكتاب وَقَالَ وَيُشبه أَن يكون الْخلاف بَينهمَا فِي عرض خبر الْوَاحِد على الْكتاب إِذا تكاملت شَرَائِطه فَعِنْدَ الشَّافِعِي أَنه لَا يعرض عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يكمل شَرَائِطه إِلَّا وَهُوَ غير مُخَالف للْكتاب وَعند عِيسَى بن أبان أَنه يجب عرضه عَلَيْهِ حَتَّى يعْمل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمارَة فَيجوز أَن يخطىء وَيجوز أَن يُصِيب فَلَا يمْتَنع أَن يُخَالف الْكتاب فَلَا يعلم إِذن تكامله شَرَائِطه إِلَّا إِذا علم أَنه لَا يُعَارض الْكتاب وَالْكَلَام فِيمَا يكون نسخا وَمَا لَا يكون نسخا وَفِي الزِّيَادَة هَل هِيَ نسخ أم لَا قد مضى فِي النَّاسِخ والمنسوخ وَلَا شُبْهَة فِي أَن النَّاسِخ من حَقه أَن يكون غير مُقَارن فان علم أَن خبر الْوَاحِد الرافع لبَعض حكم الْآيَة إِمَّا بِالزِّيَادَةِ أَو بغَيْرهَا مُقَارن لم يكن نسخا وَإِن علم أَنه غير مُقَارن لم يقبل وَإِن شكّ فِيهِ قبل عِنْد قَاضِي الْقُضَاة لِأَن الصَّحَابَة ﵂ رفعت بعض أَحْكَام الْقُرْآن لأخبار الْآحَاد وَلم تسْأَل هَل كَانَت مُقَارنَة أم لَا فَأَما مُعَارضَة أقاويل أَكثر الصَّحَابَة فَلَا يمْنَع من قبُوله لِأَن قَول أَكْثَرهم لَيْسَ بِحجَّة