الْخَبَر الْمَرْوِيّ بالآحاد لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يتَضَمَّن إِيجَاب الْعلم أَو يتَضَمَّن إِيجَاب الْعَمَل فَقَط وَالْأول إِمَّا أَن يكون فِي الْأَدِلَّة القاطعة مَا يدل على ذَلِك الْعلم وَإِمَّا أَن لَا يكون فِيهَا مَا يدل على ذَلِك فان لم يكن فِيهَا مَا يدل على ذَلِك لم يقبل الْخَبَر سَوَاء تضمن مَعَ الْعلم عملا أَو لم يتَضَمَّن عملا لِأَنَّهُ لَو كَانَ صَحِيحا لأشاعه النَّبِي ﷺ على وَجه يجب فِي الْعَادة التَّوَاتُر بنقله ولأوجب نَقله على وَجه تقوم الْحجَّة بِهِ إِذْ كَانَ لَا يجوز أَن يُوجب علينا الْعلم وَلَا يَجْعَل لنا طَرِيقا إِلَيْهِ وَخبر الْوَاحِد لَيْسَ بطرِيق إِلَى الْعلم
إِن قيل هلا قبلتم الْخَبَر وحكمتم بِأَن النَّبِي ﷺ أوجب الْعلم على مَا شافهه بذلك قيل لَيْسَ يَسْتَحِيل ذَلِك إِذا كَانَ الْخَبَر خطابا لمن حضر النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا رددنا الْخَبَر إِذا كَانَ إِيجَابا على من شافهه وَمن لم يشافهه
إِن قيل جوزوا أَن يكون النَّبِي ﷺ أظهر الْخَبَر وَأمر بتواتر نَقله وألزم كل أحد الْعلم بِشَرْط أَن يبلغهُ الْخَبَر على حد التَّوَاتُر فَيكون من شافهه بِهِ قد وَجب عَلَيْهِ الْعلم وَمن لم يشافهه لم يجب عَلَيْهِ إِذا لم ينْقل بالتواتر قيل لَو كَانَ النَّبِي ﷺ قد اشاع الحَدِيث وأظهره على هَذَا الْحَد وَأوجب تَوَاتر نَقله لقويت دواعي الدّين وَالْعَادَة إِلَى نَقله متواترا وَلما جَازَ أَن يخفى لِأَن جَوَاز خَفَاء ذَلِك يَقْتَضِي تَجْوِيز حُدُوث أُمُور فِي الدّين وَالدُّنْيَا عَظِيمَة لم يبلغنَا خَبَرهَا وَلذَلِك قُلْنَا إِن النَّبِي ﷺ لَو كَانَ يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم كَمَا كَانَ يجْهر بِالْفَاتِحَةِ لَكَانَ النَّقْل لأَحَدهمَا كالنقل للْآخر فَلَمَّا اخْتلف النَّقْل علمنَا أَنه كَانَ يجْهر مرّة بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ويخفي أُخْرَى فَنقل بعض النَّاس أَنه جهر وَنقل غَيره أَنه أسر
فَأَما إِن كَانَ فِي الْأَدِلَّة مَا يدل على الْعلم لم يمْنَع أَن يكون النَّبِي ﷺ قد
[ ٢ / ١٦٧ ]
اقْتصر بذلك الْخَبَر على آحَاد وَاقْتصر بِمن سواهُم على الدَّلِيل الآخر فِي وجوب الْعلم فَأَما إِن كَانَ الْخَبَر يتمضن الْعَمَل دون الْعلم فإمَّا أَن يعم الْبلوى بِمَا تضمنه أَو لَا يعم الْبلوى بِهِ فان لم يعم الْبلوى بِهِ قبل وَإِن عَم الْبلوى فقد اخْتلف الْقَائِلُونَ بأخبار الْآحَاد فِي قبُوله
فَلم يقبله الشَّيْخ أَبُو الْحسن ﵀ وَيَقُول إِن فروع الصَّلَاة مُخَالفَة لذَلِك فَلَا يمْتَنع أَن يخْتَص بهَا الْعلمَاء وَيَقُول كل شَرط يفْسد الصَّلَاة وَهُوَ ركن فِيهَا إِنَّه يجب ظُهُور نَقله كالقبلة الَّتِي ظهر نقلهَا ظُهُور نقل الصَّلَاة وَمَا يعرض فِيهَا وَلَيْسَ بِشَرْط نَحْو تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة لَا يجب نَقله عَاما وَيَقُول لَيْسَ يجب شياع نقل صفة الْمَنْقُول كوجوب الْوتر وَلَا يُوجب شياع نقل الْوضُوء من الرعاف وَلَا التوضي من القهقهة لِأَن ذَلِك لَيْسَ يعم بِهِ الْبلوى
وَعند الشَّيْخ أبي عَليّ أَن الْأَخْبَار الَّتِي لَا تَتَضَمَّن الْعلم لَا يجب شياع نقلهَا فِي الْخَاصَّة والعامة بل لَا يمْتَنع أَن لَا يكون الْعَامَّة مكلفة لما تضمنته كالحدود أَو مكلفة بِالرُّجُوعِ إِلَى الْعلمَاء وَهُوَ مَذْهَب قَاضِي الْقُضَاة وَالدَّلِيل على قَوْله إِن إِجْمَاع الصَّحَابَة على الْعَمَل بأخبار الْآحَاد يَقْتَضِي الْعَمَل بهَا اجْمَعْ مَا لم يمْنَع مِنْهُ مَانع أَلا ترى أَنه دلّ على جَوَاز الْعَمَل بأخبار لم ترو فيهم لما كَانَت فِي معنى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وَرجعت الصَّحَابَة ﵂ إِلَى أَزوَاج النَّبِي ﷺ فِي التقاء الختانين
وَأَيْضًا فَمن لم يقبل خبر الْوَاحِد فِيمَا يعم بِهِ الْبلوى فإمَّا أَن لَا يقبله لِأَن الشَّرِيعَة منعت من قبُوله أَو لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَة مَا يدل على قبُوله أَو لِأَنَّهُ لَو كَانَ صَحِيحا لأشاعه النَّبِي ﷺ وَأمر بتواتر نَقله ليصل إِلَى من بعد بفائدته فيتمكن مِمَّا كلف من الْعَمَل بِهِ وَلَو كَانَ كَذَلِك لقويت دواعي الدّين وَالْعَادَة إِلَى إِشَاعَة نَقله
[ ٢ / ١٦٨ ]
وَهَذِه الْأَقْسَام كلهَا بَاطِلَة لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي الشَّرْع نَص يمْنَع من قبُوله لعرفناه مَعَ الفحص الشَّديد إِن قيل أَلَيْسَ قد رد عمر خبر أبي مُوسَى فِي الاسْتِئْذَان ورد أَبُو بكر خبر الْمُغيرَة فِي الْجدّة قيل إِنَّمَا يدل هَذَا على مَا ذكرْتُمْ لَو لم يقبلُوا فِي ذَلِك إِلَّا خَبرا قد تَوَاتر نَقله فَأَما وَقد قبلوه إِذا انْضَمَّ إِلَى الرَّاوِي راو آخر فَلَا دَلِيل لكم فِي ذَلِك وَإِجْمَاع الصَّحَابَة على الْعَمَل بأخبار الْآحَاد يتَضَمَّن فِي الْمَعْنى هَذِه الْمَسْأَلَة على مَا سنبينه فَبَطل قَوْلكُم لَيْسَ فِي الشَّرْع مَا دلّ على قبُوله وَقَوْلهمْ إِذا عَم الْبلوى بالحكم وَجب فِي الْحِكْمَة إشاعته فَبَاطِل لِأَنَّهُ إِنَّمَا يجب ذَلِك لَو لزم الْمُكَلّفين الْعلم مَعَ الْعَمَل إو لَزِمَهُم الْعَمَل على كل حَال فَأَما إِذا لزم الْعَمَل بِهِ بِشَرْط أَن يبلغهم الْخَبَر وَإِلَّا لم يلْزمهُم فَلَيْسَ فِي ذَلِك تَكْلِيف مَا لَا طَرِيق إِلَيْهِ وَلَو وَجب مَا ذَكرُوهُ فِيمَا يعم الْبلوى بِهِ لوَجَبَ فِيمَا لَا يعم بِهِ الْبلوى لِأَن مَا لَا يعم بِهِ الْبلوى يعلم وُقُوعه وَإِن كَانَ وُقُوعه نَادرا وَفِي آحَاد النَّاس كالرعاف فِي الصَّلَاة فَيجب فِي الْحِكْمَة إِشَاعَة حكمه خوفًا من أَن لَا يصل إِلَى من ابْتُلِيَ بِهِ فيضيع الْغَرَض
فان قَالُوا لَا يلْزم القَوْل بِوُجُوب إشاعته لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُكَلف الْمَرْء ذَلِك الحكم بِشَرْط وُصُوله إِلَيْهِ وَإِن لم يصل إِلَيْهِ لم يكن مُكَلّفا قيل إِن جَازَ ذَلِك فِي آحَاد من النَّاس جَازَ فِي جَمَاعَتهمْ على أَن وجوب الْوتر يعم الْبلوى بِهِ وَلم يتواتر النَّقْل بِوُجُوبِهِ وَقَوْلهمْ قد تَوَاتر النَّقْل بالوتر لَا يعصمهم من التَّنَاقُض لِأَن الْوُجُوب يعم بِهِ الْبلوى وَالنَّقْل لَهُ لم يتواتر فَأَما القي والرعاف فِي الصَّلَاة فالبلوى بهما عَام وَلَيْسَ يبطل عُمُومه كَون مس الذّكر أَعم مِنْهُ