اعْلَم أَن الْعلَّة قد يدل على فَسَادهَا قَول الْأمة وَقد يدل على فَسَادهَا الاستنباط مِثَال الأول أَن يقيس الْإِنْسَان قَلِيل الْبر فِي ثُبُوت الرِّبَا فِيهِ على قَلِيل الذَّهَب وَالْفِضَّة بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يثبت الرِّبَا فِي كَثِيره وَذَلِكَ أَن القائسين أَجمعُوا على أَن الْمحرم من الْبر محرم لعِلَّة وَاحِدَة وَهِي إِمَّا كيل أَو غَيره وَلم يقل أحد إِن الْمحرم من الْبر لَهُ عِلَّتَانِ وَلَا قَالَ إِن الْبر فرع على غَيره فتعليل قَلِيل الْبر بِأَنَّهُ يثبت الرِّبَا فِي كَثِيره مجمع على فَسَاده
وَأما مَا يدل على فَسَادهَا من جِهَة الاستنباط فوجوه مِنْهَا أَن يكون تعليلا بِالِاسْمِ وَمِنْهَا اخْتِلَاف موضوعها مَعَ الحكم وَمِنْهَا عدم التَّأْثِير وَمِنْهَا الْقلب وَمِنْهَا النَّقْض وَمِنْهَا الْكسر وَمِنْهَا أَن تعَارض الْعلَّة بعلة فِي الأَصْل أَو تعَارض جملَة الْقيَاس بِقِيَاس أما التَّعْلِيل بِالِاسْمِ فضربان احدهما أَن يُعلل مُعَلل تَحْرِيم الْخمر لِأَن الْعَرَب تَسْمِيَة خمرًا وَهَذَا تَعْلِيل فَاسد لِأَنَّهُ يبعد أَن يكون لتسمية الْعَرَب إِيَّاه بذلك تَأْثِير فِي تَحْرِيمه وَالْآخر أَن يُعلل تَحْرِيمه بِجِنْسِهِ نَحْو أَن يُعلل تَحْرِيمه بِكَوْنِهِ خمرًا وَهَذَا غير فَاسد لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون لكَونه خمرًا تَأْثِير فِي التَّحْرِيم وكما يجوز التَّعْلِيل بذلك كَذَلِك يجوز التَّعْلِيل بِصفة من الصِّفَات أَو بِحكم من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَيجْعَل الحكم الشَّرْعِيّ عِلّة فِي ثُبُوت حكم آخر شَرْعِي لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون بعض الاحكام أَمارَة فِي ثُبُوت بعض آخر بِأَن يكون بَينهم تعلق يَقْتَضِي ذَلِك وَأما اخْتِلَاف الْوَضع فنحو أَن يُعلل الْإِنْسَان حكما من الْأَحْكَام بِحكم آخر شَرْعِي وَيكون أحد الْحكمَيْنِ مُبينًا على التَّخْفِيف وَالْآخر مَبْنِيا على التَّغْلِيظ فَيجوز أَن يَجْعَل ذَلِك أَمارَة تَقْتَضِي أَن لَا يعْتَبر أَحدهمَا بالاخر وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَا يمْتَنع أَن يكون أَحدهمَا مُعْتَبرا بِالْآخرِ إِذا دلّ الدَّلِيل على ذَلِك وَكَذَلِكَ لَا يمْتَنع أَن يُقَاس الْفَرْع على الأَصْل
[ ٢ / ٤٥١ ]
وَإِن أَحدهمَا مَبْنِيا على التَّخْفِيف وَالْآخر على التَّغْلِيظ إِذا كَانَ الْجَامِع بَينهمَا عِلّة مدلولا على صِحَّتهَا فان قيل إِنَّه لَا يجوز أَن تدل الدّلَالَة على صِحَة عِلّة مثل هَذِه الْعِلَل انْتقل الْكَلَام مَعَ الْخصم إِلَى إِقَامَة الدّلَالَة على صِحَة الْعلَّة فاما عدم التَّأْثِير فَهُوَ أَن يذكر الْمُعَلل فِي جملَة أَوْصَاف الْعلَّة وَصفا لَو عدم من الأَصْل لم يعْدم الحكم عَنهُ فنعلم بذلك أَنه لَا يجوز أَن تكون الْعلَّة مَجْمُوع تِلْكَ الْأَوْصَاف بل يَنْبَغِي أَن نرفض مِنْهَا ذَلِك الْوَصْف لِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن يَجْعَل فِي جملَة الْعلَّة مَا يضر فَقده فِي ثُبُوت الحكم فِي الأَصْل وَجب إِثْبَات مَا لَا نِهَايَة لَهُ من الْأَوْصَاف الَّتِي لَا يضر فقدها فِي ثُبُوت الحكم فِي الأَصْل فان كُنَّا مَتى رفضنا ذَلِك الْوَصْف عَن تِلْكَ الْعلَّة الَّتِي انتقضت بفرع من الْفُرُوع وَجب أَن يدل انتقاضها على فَسَادهَا وَلَا يجوز ضم الْوَصْف إِلَيْهَا لتسلم الْعلَّة من النَّقْض لِأَن الْعلَّة يجب أَن نعلم أَولا أَن حكم الأَصْل يعلق بهَا ثمَّ يجْرِي فِي الْفُرُوع فاذا لم يُؤثر وصف مِنْهَا فِي حكمه لم يجز أَن يكون من جملَة علته وَإِذا وَجب إِسْقَاطه من الْعلَّة وَكَانَ مَا عداهُ من الْأَوْصَاف منتقضا علم فَسَاد الْعلَّة وَأما قلب الْقيَاس فَهُوَ أَن يعلق بِالْعِلَّةِ نقيض الحكم الْمَذْكُور فِي الْقيَاس وَيرد الْفَرْع بِتِلْكَ الْعلَّة إِلَى الأَصْل الَّذِي يرد إِلَيْهِ فرع الْقيَاس مِثَاله أَن يُعلل مُعَلل كَون الصَّوْم شرطا فِي الِاعْتِكَاف فَيَقُول لِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَوَجَبَ أَن يكون من شَرطه اقتران معنى آخر إِلَيْهِ أَصله الْوُقُوف بِعَرَفَة وللخصم أَن يقلب الْقيَاس فَيَقُول لِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَوَجَبَ أَن يكون لَا من شَرطه الصَّوْم قِيَاسا على الْوُقُوف بِعَرَفَة فاذا كَانَت الْعلَّة تتَعَلَّق بهَا الحكم ونقيضه لم يكن بِأَن يكون عِلّة فِي أحد الْحكمَيْنِ أولى من ان يكون عِلّة فِي الآخر وَالْقلب يكون على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون أحد الْحكمَيْنِ اللَّذين علقا بِالْعِلَّةِ مُجملا والاخر مفصلا مِثَاله مَا ذكرنَا من الْقيَاس فِي الِاعْتِكَاف وَذَلِكَ أَن من قَالَ فَوَجَبَ أَن يكون من شَرطه معنى آخر قد أجمل الحكم وَمن قَالَ فَوَجَبَ أَن لَا يكون الصَّوْم من شَرطه قد فصل وَالصَّحِيح أَن تكون مثل هَذِه الْعلَّة يدل على الحكم الْمفصل وَلَا يبطل إِذا أمكن أَن يعلق بهَا الحكم
[ ٢ / ٤٥٢ ]
الْمُجْمل لِأَن الْمُجْمل لَيْسَ يُنَافِي الْمفصل وَذَلِكَ لِأَن النِّيَّة هِيَ معنى مَا وَلَا يمْتَنع أَن لَا يكون الصّيام شرطا فِي الْعِبَادَة وَإِن كَانَ من شَرطهَا معنى هُوَ النِّيَّة وَإِنَّمَا يجب أَن تبطل الْعلَّة إِذا تعلق بهَا حكمان يمْتَنع اجْتِمَاعهمَا لِأَنَّهُ لَا يكون ثُبُوت أَحدهمَا لأَجلهَا أولى من ثُبُوت الآخر وَلَيْسَ يُمكن أَن يتَعَلَّق بِالْعِلَّةِ الْوَاحِدَة حكمان مفصلان يتناقضان لِأَن الْحكمَيْنِ مَتى تناقضا وَجب أَن يكون أَحدهمَا كذبا وَالْآخر صدقا وَمن حق الْقيَاس إِذا قلب أَن يكون الَّذِي يقلبه وَالَّذِي قلب عَلَيْهِ صَادِقين فِي الحكم وَالضَّرْب الآخر فِي الْقلب هُوَ قلب التَّسْوِيَة وَهُوَ أَن يَقُول القالب فَوَجَبَ أَن يَسْتَوِي كَذَا مَعَ كَذَا فاذا ثَبت وجوب استوائهما فِي الحكم وَكَانَ أَحدهمَا مَحْظُورًا وَجب أَن يكون الآخر مثله فان كَانَ الْقلب ينْتَقض أَو يلْحقهُ وَجه آخر من وُجُوه الْفساد لم تبطل الْعلَّة لِأَن الْعلَّة إِنَّمَا تبطل إِذا أمكن أَن يعلق بهَا حكمان نقيضان وَلَا يكون تعلق أَحدهمَا اولى من الآخر فاذا انتقضت الْعلَّة مَعَ اُحْدُ الْحكمَيْنِ كَانَ تَعْلِيق الحكم الآخر بهَا أولى وَأما النَّقْض فَهُوَ وجود الْعلَّة فِي مَوضِع قد عدم حكمهَا عَنهُ وَلِهَذَا مَتى علل الْمُعَلل للجملة ثمَّ نوقض بالتفضيل لم يكن ذَلِك نقضا لِأَن حكم الْعلَّة هُوَ الْجُمْلَة وَلم يعْدم هَذَا عَن الْموضع الَّذِي وجدت فِيهِ الْعلَّة وَإِنَّمَا عدم الحكم الْمفصل وَالْحكم الْمفصل لم يكن حكمهَا الَّذِي علق بهَا فَأَما إِن علل مُعَلل للتفصيل فنوقض بِالْجُمْلَةِ فانه يكون نقضا صَحِيحا لِأَن الْجُمْلَة يدْخل فِيهَا التَّفْصِيل أَلا ترى أَن من علل وجوب الْقيَاس فِي قتل الذِّمِّيّ عمدا بانه حر مُكَلّف فنوقض بالحربي لِأَنَّهُ حر مُكَلّف وَلَا يثبت بَيْننَا وَبَينه قصاص أصلا لَا عمدا وَلَا خطأ فقد نوقض بِنَفْي الْحكمَيْنِ فِي الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل دَاخل فِيهِ وَهُوَ وجوب الْقصاص فِي قتل الْعمد وَمِثَال النَّقْض بالتفصيل إِذا ورد على الْجُمْلَة أَن يُعلل مُعَلل قتل الْمُسلم بالذمي لِأَنَّهُمَا حران مكلفان محقونا الدَّم فَوَجَبَ أَن يثبت بَينهمَا قصاص فتناقض بِالْمُسلمِ إِذا قتل ذِمِّيا خطأ وَهَذَا لَيْسَ بِنَقْض صَحِيح لِأَن الْمُعَلل إِنَّمَا أثبت بَينهمَا قصاصا على بعض الْوُجُوه وَلَيْسَ ينْتَقض هَذَا إِلَّا بِأَن يُؤْخَذ حران مكلفان
[ ٢ / ٤٥٣ ]
محقونا الدَّم وَلَا يثبت بَينهمَا قصاص بِوَجْه وَقد يحترس من النَّقْض بِوُجُوه مِنْهَا الاحتراس بِالْأَصْلِ وَمِنْهَا الاحتراس بِشَرْط يذكر فِي حكم الْعلَّة وَمِنْهَا الاحتراس بِحَذْف الحكم والاقتصار على التَّشْبِيه بِالْأَصْلِ مِثَال الاحتراس بِالْأَصْلِ أَن يُعلل مُعَلل قتل الْمُسلم بالذمي بِأَنَّهُمَا حران مكلفان محقونا الدَّم كالمسلمين فاذا نوقض بقتل الْخَطَأ قَالَ إِنِّي إِنَّمَا رددت الْفَرْع إِلَى الْمُسلم وَأَنا أَقُول فِي الْفَرْع مثل مَا قلته فِي الأَصْل فَأَنا أوجب الْقصاص فِي الْعمد دون الْخَطَأ وَهَذَا الاحتراس لَا يَصح لِأَن النَّقْض هُوَ عدم الحكم عَن الْمَوْضُوع الَّذِي وجدت فِيهِ الْعلَّة الملفوظ بهَا لِأَن الْعلَّة الملفوظ بهَا هِيَ المؤثرة فِي الحكم لَا غَيره وَالْحكم هُوَ الْمَنْطُوق بِهِ لَا غير فاذا فعل ذَلِك تمّ النَّقْض وَقَول الْمُعَلل إِنِّي أوجب فِي الْفَرْع مثل مَا يجب فِي الأَصْل لَا يَصح لِأَنَّهُ إِنَّمَا اقْتضى لَفظه أَن يُسَوِّي بَين الْفَرْع وَالْأَصْل فِيمَا صرح بِهِ من ثُبُوت الْقيَاس وَمَا عدا ذَلِك لم يدل عَلَيْهِ لَفْظَة وَإِنَّمَا أضمره والنقض إِنَّمَا يتَوَجَّه نَحْو الْمظهر دون الْمُضمر وَأما الاحتراس بِحَذْف الحكم فَهُوَ أَن يذكر الْمُعَلل الْعلَّة وَلَا يذكر الحكم وَلكنه يَقُول عقيب الْعلَّة فَأشبه الْفَرْع كَيْت وَكَيْت وَقد يفعل ذَلِك إِذا لم يُمكن التَّصْرِيح بالحكم وَهَذَا الْحَذف لَا يَصح لِأَنَّهُ قَوْله فَأشبه كَيْت وَكَيْت هُوَ حكم بَان الْفَرْع يشبه كَيْت وَكَيْت وَإِذا كَانَ ذَلِك حكما احْتَاجَ إِلَى أصل يرد إِلَيْهِ الْفَرْع وَأما الاحتراس بِشَرْط مَذْكُور فِي الحكم فمثاله إِن يَقُول الْمُعَلل لِأَنَّهُمَا حران مكلفان محقونا الدَّم فَوَجَبَ أَن يكون بَينهمَا قصاص إِذا قتل أَحدهمَا صَاحبه عمدا فاذا نوقض بقتل الْخَطَأ قَالَ قد احترست فِي الحكم بِقَوْلِي قَتله عمدا وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الاحتراس فِي الحكم هُوَ إِقْرَار بانتقاض الْعلَّة وَذَلِكَ أَن الْمُعَلل قد حكم بِأَن الْعلَّة هِيَ كَونهمَا حُرَّيْنِ مكلفين محقوني الدَّم فَقَط وَأَنه لَا يدْخل فِي الْعلَّة غير ذَلِك فاذا قَالَ إِن هَذَا يُوجب الْقصاص فِي قتل الْعمد دون الْخَطَأ مَعَ وجود هَذِه الْأَوْصَاف فقد أقرّ بَان الْعلَّة تُوجد فِي موضِعين ويتبعها حكمهَا فِي أَحدهمَا دون الآخر فان قيل لإنه لَا يمْتَنع أَن تكون هَذِه
[ ٢ / ٤٥٤ ]
الْأَوْصَاف أَعنِي الْحُرِّيَّة والتكليف وحقن الدَّم إِنَّمَا تُؤثر فِي إِيجَاب الْقصاص فِي قتل الْعمد دون الْخَطَأ قيل إِن كَانَت هَذِه الْأَوْصَاف تُؤثر فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ دون الآخر لِمَعْنى اخْتصَّ يه أَحدهمَا أَعنِي قتل الْعمد فَيَنْبَغِي أَن يذكر ذَلِك فِي جملَة الْعلَّة إِذا كَانَ لَهُ تَأْثِير فِي إِيجَاب الْقصاص وَإِن كَانَت الْأَوْصَاف تُؤثر فِي الْحكمَيْنِ وَيَقْتَضِي أَحدهمَا فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ دون الآخر لَا لأمر افترق فِيهِ الموضعان فكأنكم قُلْتُمْ إِن الْعلَّة تَقْتَضِي الحكم فِي مَوضِع وَلَا تَقْتَضِيه فِي مَوضِع آخر وَإِن كَانَ وجودهَا فيهمَا على حد سَوَاء وَهَذَا هُوَ حَقِيقَة النَّقْض ولمجيب أَن يُجيب عَن هَذَا فَيَقُول إِن الشَّرْط الْمَذْكُور فِي الحكم هُوَ مُتَأَخّر فِي اللَّفْظ ومتقدم فِي الْمَعْنى لِأَن قَوْلنَا إنَّهُمَا حران مكلفان فَوَجَبَ أَن يجب الْقصاص بَينهمَا على الْقَاتِل عمدا مَعْنَاهُ لِأَنَّهُمَا حران مكلفان محقونا الدَّم قتل أَحدهمَا صَاحبه عمدا وَذَلِكَ لأَنا قد علمنَا أَن قتل الْعمد مِمَّا لَهُ تَأْثِير فِي الْقصاص وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه وَإِن ذكر فِي الحكم فَهُوَ مَذْكُور على أَنه من جملَة الْعلَّة وَأما الْكسر فَهُوَ نقض الْعلَّة على مَعْنَاهَا دون لَفظهَا وَذَلِكَ بِأَن يرفض وَصفا من أَوْصَاف الْعلَّة ظنا مِنْهُ أَنه غير مُؤثر وَأَن الَّذِي يجوز أَن يتَعَلَّق بِهِ الحكم هُوَ مَا عدا ذَلِك الْوَصْف وتبدل من الْوَصْف الَّذِي رفضته وَصفا هُوَ أَعم مِنْهُ ثمَّ تنقض مَا عدا ذَلِك الْوَصْف وَمَتى رام الْمُعَلل أَن يُجيب عَن الْكسر وَجب عَلَيْهِ أَن يبين أَن للوصف الَّذِي رفضه خَصمه تَأْثِيرا فِي الحكم حَتَّى يجب إِضَافَته إِلَى غَيره من الْأَوْصَاف فَيمْتَنع فِي الْبَعْض مِثَال ذَلِك أَن يُعلل مُعَلل وجوب صَلَاة الْخَوْف بِأَنَّهَا صَلَاة يجب قَضَاؤُهَا كَصَلَاة الْأَمْن فيظن المعرض أَنه لَا تَأْثِير لكَون الْعِبَادَة صَلَاة فِي هَذَا الحكم وَأَن الَّذِي يظنّ أَنه مُؤثر فِي الْوُجُوب هُوَ وجوب الْقَضَاء ثمَّ ينْقض ذَلِك بِصَوْم الْحَائِض فِي شهر رَمَضَان أَنه لَيْسَ بِوَاجِب مَعَ أَن قَضَاؤُهُ وَاجِب وَمَتى رام الْمُعَلل أَن يُجيب عَن ذَلِك وَجب عَلَيْهِ أَن يبين أَن لكَون الْعِبَادَة صَلَاة تَأْثِيرا فِي كَون وجوب الْقَضَاء مؤثرا فِي وجوب الْعِبَادَة وَأَن الصَّلَاة تخَالف الصّيام فِي هَذَا الْبَاب وَقد سمي الْكسر عكسا وَهَذَا الْعَكْس هُوَ مُخَالف لعكس الْعلَّة الْمُقَابل للطرد لِأَن
[ ٢ / ٤٥٥ ]
ذَلِك الْعَكْس هُوَ عدم الحكم فِي كل الْمسَائِل مَعَ عدم الْعلَّة وَهَذَا لَيْسَ بِشَرْط فِي صِحَة الْعلَّة لِأَن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة دلَالَة وأمارة على الحكم وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يُوجد الْمَدْلُول عَلَيْهِ فِي بعض الْمَوَاضِع مَعَ فقد بعض أدلته إِذا دلّ عَلَيْهِ دَلِيل آخر وَهَذَا الْعَكْس مفارق لعدم التَّأْثِير لِأَن عدم التَّأْثِير هُوَ أَن يكون الْعلَّة ذَات وصفين أَو أَكثر فيوجد الحكم فِي الأَصْل بِوُجُود وصف من الْأَوْصَاف وَإِن عدم الْوَصْف الآخر وبعدم الحكم إِذا عدم الْوَصْف الَّذِي قُلْنَا إِن الحكم يُوجد بِوُجُودِهِ وَإِن وجد الْوَصْف الآخر فَيعلم بذلك أَن الْوَصْف الَّذِي يُوجد الحكم مَعَ عَدمه ويعدم مَعَ وجوده لَيْسَ من الْعلَّة فَلَا يجوز أَن يضم إِلَيْهَا وَأما عكس الْعلَّة فَهُوَ أَن يعْدم الحكم فِي غير الأَصْل وَالْعلَّة منتفية وَأما الْمُعَارضَة بعلة فضربان أَحدهمَا أَن تقع الْمُعَارضَة فِي عِلّة الأَصْل بِأَن يُعلل الْمُعْتَرض الأَصْل بعلة أُخْرَى وَالثَّانِي أَن يُعَارض الْقيَاس بِقِيَاس آخر فان عَارض الْقيَاس بِقِيَاس آخر فَالْكَلَام عَلَيْهِ مَا تقدم وَإِن عَارض عِلّة الأَصْل وَلم يكن القائس مِمَّن يَقُول بالعلتين لم يكن لَهُ أَن يَقُول بهما وَإِن كَانَ من مذْهبه القَوْل بالعلتين لم يكن لَهُ أَن يَقُول بهما فِي هَذَا الْموضع إِلَّا بعد أَن يصحح علته لِأَن الْمعَارض لم يسلم عَلَيْهِ وَإِنَّمَا نازعه فِيهَا وَقَالَ لَهُ لَيْسَ الْعلَّة فِي الأَصْل مَا ذكرت وَإِنَّمَا الْعلَّة مَا أذكرهُ أَنا وَلَيْسَ يُمكن القائس إِذا عورض فِي عِلّة الأَصْل إِلَّا وُجُوه ثَلَاثَة أَحدهَا أَن يصحح علته وَيبين أَنَّهَا أولى من عِلّة خَصمه أَو يصحح علته وَيَقُول بهَا وبعلة خَصمه إِن كَانَت عِلّة خَصمه عِنْده صَحِيحَة أَو يفْسد عِلّة خَصمه بالوجوه الَّتِي ذَكرنَاهَا وَيخْتَص هَذَا الْموضع بِوَجْه آخر من وُجُوه الْفساد وَهُوَ أَن تكون الْعلَّة الَّتِي وَقعت الْمُعَارضَة بهَا غير متعدية وَهَذَا الْوَجْه يفْسد الْعلَّة على قَول بعض النَّاس وَأحد الْوُجُوه الَّتِي تقدم ذكرهَا مِمَّا يفْسد الْعلَّة النَّقْض فان نقض القائس الْعلَّة الَّتِي عورض بهَا فِي الأَصْل فقد أفسدها وَإِن نقض عكسها الْمَوْجُود فِي الْفَرْع جَازَ لَهُ ذَلِك إِن كَانَ المنازع لَهُ فِي عِلّة الأَصْل قد علل بعلة الأَصْل وَعلل الْفَرْع بعكسها وَإِن كَانَ إِنَّمَا علل الأَصْل بعلة وَلم يُعلل الْفَرْع أصلا وَإِنَّمَا ادعِي أَنه لَا عِلّة
[ ٢ / ٤٥٦ ]
للْأَصْل سوى مَا ذكره ليمنع من أَن يُقَاس ذَلِك الْفَرْع على ذَلِك الأَصْل لم يكن للقائس وَالْحَال هَذِه أَن ينْقض عكس علته مِثَال ذَلِك أَن يقيس قائس الْكَلْب على الهر فِي الطَّهَارَة فَيَقُول خَصمه الْمَعْنى فِي الأَصْل وَهُوَ الهر أَنَّهَا من الطوافين علينا والطوافات فَلهَذَا كَانَت طَاهِرَة وَهَذِه الْعلَّة لَيست فِي الْكَلْب فَلَا يَنْبَغِي أَن يُقَاس على الهر فَمَتَى قَالَ ذَلِك لم يكن للقائس أَن ينْقض علته إِلَّا تَعْلِيله الهر أَنَّهَا من الطوافين علينا فَقَط فَأَما إِن قَالَ الهر من الطوافين علينا فَكَانَت طَاهِرَة وَالْكَلب لَيْسَ من الطوافين علينا فَلهَذَا كَانَ نجسا جَازَ أَن ينْقض علته فِي الْكَلْب وَإِذا نقضهَا بَطل تَعْلِيله الهر بانها من الطوافين لِأَنَّهُ لما علل الأَصْل وَعكس علته فِي الْفَرْع أعلمنَا بذلك أَنه لَيْسَ يفرق بَينهمَا فِي النَّجَاسَة وَالطَّهَارَة إِلَّا من هَذِه الْجِهَة وَأَن طَهَارَة الْحَيَوَان مَوْقُوفَة على أَن يكون من الطوافين علينا فَقَط وَأَن مَا وجد هَذَا فِيهِ يكون طَاهِرا فَقَط فاذا رَأَيْنَاهُ شَيْئا طَاهِرا وَإِن لم يكن من الطوافين فقد بَطل قَوْله إِن طَهَارَة الْحَيَوَان مَوْقُوفَة على هَذَا الْمَعْنى إِلَّا أَن هَذَا لَيْسَ ينْقض لعِلَّة الأَصْل وَإِنَّمَا هُوَ إبِْطَال لقَوْله إِنَّه لَا عِلّة لطهارة الْحَيَوَان إِلَّا مَا ذَكرُوهُ فان ادعِي الْمُعَلل أَو أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الْعلَّة فِي طَهَارَة السنور هِيَ المفرقة بَين مَا طهر من الْحَيَوَان وَبَين مَا لَا يطهر وَأَن طَهَارَة الْحَيَوَان مَوْقُوفَة عَلَيْهَا ثمَّ علمنَا أَن طَهَارَة الْحَيَوَان غير مَوْقُوفَة على مَا ذكره الْمُعَلل علمنَا أَن مَا ذكره الْمُعَلل لَيْسَ بعلة وَالْوَجْه الثَّالِث من الْكَلَام على الْعلَّة الَّتِي وَقعت الْمُعَارضَة بهَا هُوَ التَّرْجِيح وَنحن نفرد لذَلِك بَاب ولترجيح الْقيَاس على الْقيَاس فصلا